المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

لذلك، لا بدّ مِن عودةٍ إلى ما خلَقَه اللهُ سبحانه - موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة - جـ ١

[محمد راتب النابلسي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌الإعجاز

- ‌العلم

- ‌في القرآن والسنة

- ‌قصة هذا الكتاب

- ‌الإنسان

- ‌أليس الكون معجزة

- ‌جسم الإنسان

- ‌خلق الإنسان في أحسن تقويم

- ‌التوازن بين الذكور والإناث

- ‌وليس الذكر كالأنثى

- ‌التوازن في كل شيء خلقه الله

- ‌عدد الخلايا وأعمارها

- ‌أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون

- ‌أجراس الإنذار المبكر في الجسم البشريّ

- ‌الثوابت والمتغيرات في جسم الإنسان

- ‌الساعة البيولوجية لدى الإنسان

- ‌جهاز التكييف والتبريد في جسم الإنسان

- ‌جهاز التعرق عندَ الإنسان

- ‌كيف تواجه العضوية البرد

- ‌بصمات الإنسان سجل وهوية وتوقيع

- ‌علم النفس الإسلامي

- ‌اليأس، والنفاق، والإحباط في علم النفس الإسلامي

- ‌تأثير الفرح والحزن على النفس

- ‌اللون الأخضر

- ‌علاقة الغضب بالصحة

- ‌النوم

- ‌النوم المبكر

- ‌ومن آياته منامكم بالليل

- ‌النوم على الشّقّ الأيمن

- ‌النوم المديد

- ‌الصلاةُ

- ‌علاقة الصلاة بصحة الجسد

- ‌الصلاة والدعاء يخففان ألم المرض ويساعدان على الشفاء

- ‌فيتامين (د) وعلاقته بالصلاة

- ‌العلاقة بين الوضوء ومرض التراخوما

- ‌الوضوء وفوائده الصحية

- ‌الصوم

- ‌الصوم بين أمر الله التعبدي وفوائده الصحية

- ‌الصيام دورة وقائية وعلاجية

- ‌الصيام وآلية الهضم

- ‌بعض وصايا النبيّ صلى الله عليه وسلم الصحية السحور والإفطار

- ‌العلاقة بين أيام البيض وصيامها طبيا

- ‌الحمل والجنين والولادة

- ‌علم الوراثة في السنة النبوية

- ‌من إعجاز القرآن علم الأجنة

- ‌تطابق علم الأجنة مع الحديث النبوي الشريف

- ‌ما من كل الماء يكون الولد

- ‌ثم جعلناه نطفة في قرار مكين

- ‌مراحل الحمل الثلاث

- ‌السائل الأمنيوسي

- ‌المشيمة غشاء عاقل أم تقدير إلهي

- ‌الحمل وانقطاع الطمث

- ‌الجنين ومشاعره

- ‌الشّدّة النفسيّة في أثناء الحمل سبب في تشوه الجنين

- ‌حنان الأم وحليبها

- ‌التعليل العلميّ لقاعدة "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب

- ‌الهيكل العظمي

- ‌وانظر إلى العظام

- ‌الهيكل العظميّ للإنسان

- ‌العظام والسلاميات في يد الإنسان

- ‌ارتباط عظم الفخذ بعظم الحوض

- ‌العضلات

- ‌الدماغ

- ‌الدماغ ونعمة الانتباه والاعتياد

- ‌المخيخ

- ‌ثبات خلايا الدماغ

- ‌من بديع آلاء الله…القشرة المخيّة

- ‌مادة يفرزها الدماغ تعطل الألم (بوابات الألم)

- ‌الذاكرة

- ‌الحواس الخمس

- ‌غضّ البصر

- ‌غشاء الطبل في الأذن

- ‌إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا

- ‌وظيفة العينين والأذنين

- ‌حاسة الشم وتركيبها

- ‌مركز التذوق في الدماغ

- ‌‌‌القلب

- ‌القلب

- ‌القلب وكيس التامور وخاصة التجلط في الدم

- ‌جهاز الدوران في الجسم

- ‌الشرايين والأوردة

- ‌مكونات الدم

- ‌الغدد

- ‌الغدة النخامية

- ‌الغدة الصنوبرية

- ‌الغدة الصعترية التيموس

- ‌البنكرياس ومرض السكري

- ‌الطحال

- ‌جهاز الهضم

- ‌تركيب اللعاب ووظائفه

- ‌الفكّ واللسان وجهاز الهضم

- ‌لسان المزمار

- ‌الغشاء البريتواني، والإحساس بالألم

- ‌المعدة وعامل "كاسل

- ‌جهاز الكبد منطقة صناعية كاملة

- ‌الشّرب الصّحّيّ

- ‌جهاز التنفس

- ‌الأفعال الإرادية واللاإرادية التنفس

- ‌ الرئتان

- ‌الحنجرة وعتبة الحواس

- ‌جهاز الإفراز

- ‌الكليتان وشكر نعمتهما

- ‌الكليتان جهاز تصفية البول

- ‌الكلية وعلاقتها بالملح

- ‌المثانة

- ‌الجلد والشعر

- ‌اختلاف ألوان البشر وعلاقته بالميلانين

- ‌الشيب نور المؤمن

- ‌مواقع الإحساس في الجلد

- ‌جهاز المناعة

- ‌الكريّات الحمراء

- ‌الشفاء الذاتيّ

- ‌لا عدوى

- ‌الأمراض والطب

- ‌الطبّ في الإسلام

- ‌لكلّ داء دواء يستطبّ به

- ‌العبادات شفاءٌ من أمراض كثيرة وهي معللة بمصالح الخلق

- ‌الأطباء يتخلّون عن الفصل بين الدين والعلم

- ‌الحجامة: فوائدها واستطباباتها

- ‌أمراض القذارة

- ‌العصاب

- ‌مرض نقص الألياف

- ‌مرض الإيدز

- ‌آكلة لحوم البشر

- ‌قرحة السرير

- ‌التدخين أخطر وباء عالميّ

- ‌أثر التدخين في القلب والشرايين

- ‌التدخين السلبيّ

الفصل: لذلك، لا بدّ مِن عودةٍ إلى ما خلَقَه اللهُ سبحانه

لذلك، لا بدّ مِن عودةٍ إلى ما خلَقَه اللهُ سبحانه وتعالى، فَكُلِ الشيءَ الذي خَلَقَه اللهُ كما خَلَقَه، دونَ إجراءِ تعديلٍ عليه، لا تتّبع الأساليبَ الحديثةَ في تناولِ الطعامِ، كُلِ الطعامَ كما أرَادهُ اللهُ أنْ يُؤكَلَ.

يَعُدُّ العلماءُ هذا الكشفَ بأنه انعطافٌ رابعٌ خطيرٌ، في طريق الصحةِ والغذاءِ، اجعلْ طعامَك كما كان دونَ أنْ تنقيه، دونَ أنْ تطرحَ منه هذه الأليافَ، التي كان يُظَنُّ أنه لا جدوى منها، وأنّ جهازَ الهضمِ لا يهضِمُها، إنها ليست عبئاً عليه.

مطلوبٌ منا أنْ نَفَقَهَ حِكمةَ ربنا في خَلْقِ كلِّ شيءٍ، ولا ينبغي أنْ نغيِّرَ خَلْقَ اللهِ، ولا ينبغي أنْ نعدِّلَه.

‌مرض الإيدز

إنّ عالَمَ الجراثيمِ عالَمٌ اكتُشِفَ حديثاً، بل إنّ كلمةَ الجرثومِ تعني في اللغةِ أصلَ الشيءِ، وسُمّيَ هذا الكائن الدقيقُ الدقِيقُ، الذي لا يُرى بالعينِ، ولا يُدركُ بالحواسِّ جرثوماً، لأنه أصلُ المرضِ، وفي القرآنِ الكريمِ إشارةٌ لطيفةٌ إلى هذا الموضوعِ، قال تعالى:{فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38-39] .

هذا الذي لا تبصِرونَه هو الغيبُ النِّسبيُّ، أمَّا الغيبُ المطلَقُ فهو الشيءُ الذي لا يُوجدُ في حدودِ حياتِنا، بخلافِ الغيبِ النسبيِّ فإنه موجودٌ، غيرَ أنّ حواسَّنا عاجزةٌ عن مشاهدتِه، وعن إدراكِه، وعن الإحساسِ بهِ، وهناك سؤالٌ خطيرٌ، هذه الكائناتُ الدقيقةُُ هي داخلةٌ في كلِّ حياتِنا، في طعامِنا، وشرابِنا، وتنفُّسِنا، واحتكاكِ بعضِنا ببعضٍ، وفي حركاتِنا وسكناتِنا، ألا ينبغي أن يكونَ في التشريعِ الذي هو مِن عندِ اللهِ عزوجل شيءٌ يتعلَّقُ بهذه الكائناتِ؟.

إنّ في دمِ كلٍّ منا ثلاثةَ أنواعٍ من الكرياتِ، النوعُ الأولُ: الكرياتُ الحُمْرُ، ولها بحثٌ طويلٌ، والنوعُ الثاني: الكرياتُ البيضُ، والنوعُ الثالثُ: الصفيحاتُ الدمويةُ.

ص: 221

فالكرياتُ البيضُ جيشٌ يتولَّى الدفاعَ عن الجسمِ أمامَ كلِّ هجمةٍ من الجراثيمِ، وتسمَّى الكرياتُ البيضُ عندَ الأطباءِ جهازَ المناعةِ، حيث إنها تَسْبَحُ في الدمِ، ولها أوضاعٌ استثنائيةٌ، وبإمكانِها أن تَجريَ عكسَ جريانِ الدمِ، وبإمكانِها أن تخرجَ من الأوعيةِ الدمويةِ إلى الأنسجةِ العضليةِ، وبإمكانِها أن تخترقَ كلَّ النُّظمِ الحازمةِ التي وُضِعَتْ في الجسمِ.

ما هذه الكرياتُ البيضُ؟ إنّ لها قلاعاً تأوي إليها، وتنطلقُ منها، فما هي هذه القلاعُ؟ إنها العُقَدُ اللمفاويةُ، التي هي بمنزلة قلاعٍ يحشرُ فيها عددٌ كبيرٌ من الكرياتِ البيضِ.

قالَ بعضُ العلماءِ: "إنّ من هذه الكرياتِ مَن يقومُ بمهمةِ الاستطلاعِ، فإذا دخلَ إلى البَدَنِ جرثومٌ غريبٌ اقتربتْ منه الكرياتُ البيضُ لتتعرَّفَ إليه، ولتتعرَّفَ بنْيَتَه التركيبيةَ، وأماكنَ ضَعفِه، ما الذي يعطِّله عن العملِ؟ وما الذي يكبِّلُه؟ وما الذي يقضي عليه؟ وتعودُ هذه الكرياتُ البيضُ، وكأنَّها كائناتٌ عاقلةٌ، في أعلى درجةٍ من الذكاءِ، تعود إلى أماكنِ انطلاقِها، إلى العقدِ اللمفاويةِ لتخبرَ عن طبيعةِ هذا الجرثومِ، وأماكنِ ضعفِهِ، وطريقةِ القضاءِ عليه، حيثُ تتولَّى المخابرُ في هذه العُقَدِ صنعَ الموادِ المضادةِ للجراثيمِ.

هناك كرياتٌ بيضٌ أخرى مهمّتُها تصنيعُ السلاحِ، الكرياتُ الأولى مهمّتُها الاستطلاعُ، والثانيةُ مهمتها تصنيعُ السلاحِ؛ حيث يُصنَعُ في هذه العُقَدِ المُصُولُ التي من شأنِها أن تقضيَ على هذا الجرثومِ.

تنطلق كرياتٌ أخرى ذاتُ طبيعةٍ قتاليةٍ، تحملُ هذه المضادَّاتِ، وتتّجه نحو العدوِّ الجرثوميِّ، وتحاصرُه إلى أن تقضيَ عليه، فإذا رأى الإنسانُ في بعضِ أعضائِه وزمةً بيضاءَ؛ فليعلمْ أنّ هناك معركةً طاحنةً تجري بين الكرياتِ البيضِ وهذا الجرثومِ الغريبِ.

ص: 222

وفي الإنسانِ خطوطٌ دفاعيةٌ، تشكِّلُ هذه الكرياتُ البيضُ الاستطلاعيةُ الخطَّ الأولَ، وتشكِّلُ العقدُ اللمفاويةُ الخطَّ الثانيَ، فإذا اجتاح الجرثومُ هذه العقدَ اللمفاويةَ، يُعْلَنُ الاستنفارُ العامُّ في الجسدِ، عندئذٍ ترتفعُ الحرارةُ، ويضعفُ الجسدُ عن القيامِ بأعبائِه اليوميةِ، وتظهرُ العلاماتِ التي تؤشِّرُ، أو تدلُّ على وجودِ مرضٍ جرثوميٍ عامٍّ".

هذا الجهازُ بعناصرِه الثلاثةِ؛ الاستطلاعيةِ، والتصنيعيةِ، والقتاليةِ، وقيادتِه المركزيةِ، وخططِه الحكيمةِ في الدفاعِ عن الجسدِ، إنّ جهازَ المناعةِ هذا يُقْضَى عليه أحياناً، كما في مرضِ الإيدز، الذي يتحدثُ عنه العالَمُ اليومَ.

كما ظهرَ مؤخَّراً وباءُ الالتهابِ الرئوِيّ القاتلُ (سارس) ، ولا تزالُ سُنّةُ اللهِ ماضيةً في خَلْقِه.

والذي لفتَ نظري أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم في بعضِ الأحاديثِ الشريفةِ ذَكَرَ عن هذا المرضِ شيئاً، فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ الَّذَِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَؤُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ".

ص: 223

لقد عمَّ العالَمَ هذا المرضُ الوبائيُّ المُعْدِي، والذي سببُه فيروسٌ لم يكن معروفاً مِن قبلُ، وبحسبِ إحصائياتِ منظمةِ الصحةِ العالميةِ قبلَ عدةِ سنواتٍ هناك أربعةٌ وثلاثون مليونَ مصابٍ في العالَم، لكنّ خبراءَ الصحة يؤكِّدون أنّ العددَ الحقيقيَّ قد يكونُ ضعفَ هذا العددِ، أو أكثرَ، ومما يزيدُ الحالةَ سوءاً عجزُ العالَم بكلِّ مؤسساتِه وهيئاتِه العلميةِ، وإمكاناتِه الماليةِ عن صنعِ لقاحٍ مضادٍّ لهذا المرضِ.

إنّ هذا الفيروسَ لا ينتشرُ في أكثرِ حالاتِه إلا مِن خلالِ الإباحيةِ، والفوضى الجنسيةِ، والإدمانِ على المخدراتِ، ومِن خلالِ انتشارِ السياحةِ مِن أجلِ الجنسِ، إنّه - وهذه حكمةُ الخالقِ - مرتبطٌ بالسلوكِ الشخصيِّ في الدرجةِ الأولى، وهناك مفارقةٌ حادّةٌ يختصُّ بها هذا الوباءُ، إذْ نجدُ أنّ معالجتَه مستعصيةٌ إلى درجةِ الاستحالةِ، فالموتُ الزؤامُ مصيرُ كلِّ مصابٍ به، ونجد في الوقتِ نفسِه أن الوقايةَ منه سهلةٌ إلى درجةِ أنّ كلِّ إنسانٍ لم يُصَبْ بهذا المرضِ يملكُ الوقايةَ التامةَ مِن خلالِ التزامِه بالمنهجِ الإلهي مِن حيثُ العفةُ والاستقامةُ، فكلُّ شهوةٍ أودعَها اللهُ في الإنسانِ جَعلَ لها قناةً نظيفةً تتحركُ فيها، وأوامرُ الدينِ ضمانٌ لسلامتِنا، وليست قيوداً لحريتِنا.

الشيءُ المحيِّرُ أنّ هذا الفيروسَ يستطيعُ أنْ يغيِّرَ شكلَه في أيِّ وقتٍ، فلو أنفقتَ ألوفَ الملايينِ في البحثِ العلميِّ عن لقاحٍ مضادٍّ له تذهبُ هذه الأموالُ وتلك الجهودُ أدراجَ الرياحِ، ثم إنّ لهذا الفيروسِ سلالاتٍ عديدةً، فمَن نجا من سلالةٍ أَرْدَتْهُ أخرى، وكأنّ اللهَ جل جلاله يريدُ من الإنسانِ المتفلتِ أن ينجوَ من هذا المرضِ بالعفةِ والاستقامةِ، لا باللقاحِ والدواءِ، قال سبحانه وتعالى:{ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] .

ص: 224

شيءٌ آخرُ يقوله العلماء، وهو أنّه لو افتُرِضَ جدلاً - وهذا أقربُ إلى المستحيلِ - أنّ جهودَ العلماءِ في السنواتِ الخمسِ القادمةِ توصلتْ إلى لقاحٍ مضادٍّ لهذا الفيروسِ؛ فإنّ تكاليفَ معالجةِ المريضِ الواحدِ تزيدُ على عشرةِ ملايين.

في دراسةٍ إحصائيةٍ دقيقةٍ أُجريَتْ في بلدٍ تفاقمَ فيه انتشارُ هذا المرضِ بسببِ الإباحيةِ والفوضى الجنسيةِ؛ وجدوا أنه في كلِّ عشرِ ثوانٍ يموتُ إنسانٌ بهذا المرضِ، وأُذيعتْ هذه الدراسةُ في بعضِ الإذاعاتِ العالميةِ، ذلك بأنّ هذا المرضَ ينتشرُ بمتواليةٍ هندسيةٍ، ويبدو أنّ المتواليةَ الهندسيةَ لا تعبِّرُ عن حجمِ انتشارِه، فينبغي أن نقول: إنّ هذا المرضَ ينتشرُ بمتواليةٍ انفجاريةٍ مخيفةٍ، وهناك دراساتٌ إحصائيةٌ أخرى توقَّعَتْ أنْ يكونَ عددُ المصابينَ في العالَمِ في عام ألفين مئةً وعشرين مليونَ مصابٍ، نُشِرَ هذا في صحيفةٍ تصدرُ في دمشقَ، وهناك من يعتقدُ أنّ هناك مصاباً بهذا المرض وحاملاً له، لكنه وُجِد أنّ الحاملَ لفيروسِ هذا المرضِ مصابٌ به حتماً، لكنه لا يزالُ في دور الحضانةِ، وأمّا أعراضُه المرعبةُ ففي طريقِها إلى الظهورِ، وقد تستغرقُ سنواتٍ، فلا معنى للتفريقِ بينَ المصابِ والحاملِ، لأنّ الفرقَ بينهما فرقُ وقتٍ، وليس فرقَ نوعٍ.

ص: 225

إنّ مِن المفارقاتِ الحادّةِ أنّ الدولَ المتقدمةَ - بمقياسِ العصرِ المادي - بكلِّ إمكانياتِها الماديةِ والعلميةِ تقفُ عاجزةً مكتوفَةَ الأيدي أمامَ أضعفِ فيروسٍ حتى الآن، يفتِكُ بالملايين الذين انحرفوا بأخلاقِهم عن المنهجِ القويمِ، وكأنّ هذا الفيروسَ جندٌ من جنودِ اللهِ، {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَاّ هُوَ} [المدثر: 31] ، جعله اللهُ عقاباً عاجلاً لمَن خرجَ عن الفطرةِ السليمةِ، فضلَّ، وأضلَّ، وفسدَ، وأفسدَ، إذْ لا سبيلَ إلى الخلاصِ منه إلا بالعودةِ إلى المنهجِ القويمِ، والصراطِ المستقيمِ، ومما يؤكِّدُ ذلك، وهذا ما حيَّر العلماءَ أنّ البعوضةَ تغرزُ خرطومَها في جسمٍ مصابٍ بهذا المرضِ، وتأخذُ مِن دمِه الملوَّثِ، ثم تنتقلُ إلى إنسانٍ سليمٍ مِن هذا الفيروس، وتغرزُ خرطومَها في دمه النظيفِ، ويختلطُ دمُ السليمِ بدمِ المصابِ، ولا ينتقلُ المرضُ، أليستْ هذه آيةً صارخةً تدلُّ على أنّ اللهَ جعلَ هذا المرضَ الفتَّاكَ عقاباً على السلوكِ الإباحيِّ ليس غير، ولم يجعل الإصابةَ به عشوائيةً؟

لو أن بلدةً تشربُ ماءً ملوثاً، فظهرَ في أبنائِها الأمراضُ والأوبئةُ، فهل مِن العقلِ والحكمةِ أن ندعَ الماءَ الملوثَ يفتكُ بأبناءِ هذه البلدةِ، ثم نبحثُ عن المصلِ المضادِّ، واللقاحِ الشافِي، وأنْ نستقدمَ الأطباءَ، ونشيدَ المشافيَ، ونستوردَ الأجهزةَ، أم العقلُ والحكمةُ يقتضيان أنْ نوقفَ الماءَ الملوثَ، أو أن نطهِّرَه مِن التلوثِ، وعندها نطوِّقُ المشكلةَ، ونحدُّ مِن انتشارِها، ثم نلتفتُ إلى معالجةِ المصابين؟.

مِن المؤسفِ أنّ هذا ما لا يجري في العالَم كلِّه، إنهم لا يقفون في وجهِ أسبابِ المرضِ، بل يحاولون أن يمنعوا أعراضَه ونتائجِه، إنّ دِرهمَ وقايةٍ خيرٌ مِن قنطارِ علاجٍ، {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلاهه هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] .

ص: 226

إنّ الشابَّ الذي يبحثُ عن عملٍ، ثم يبحثُ عن زوجةٍ، هو في الظاهرِ يبحثُ عن كفايتهِ، ويقضي حاجتَه، وهو في الحقيقةِ يسهمُ في بناءِ أمّتهِ، لأن الأسرةَ النظيفةَ المتماسكةَ هي الخليةُ الأولى في جسمِ المجتمعِ السويِّ المتقدِّمِ، وإنّ الشابَّ الذي يهملُ عملَه، ويقضي وَطَرَه من طرقٍ غيرِ مشروعةٍ، ومع فتياتٍ ساقطاتٍ يسهمُ مِن حيثُ يريدُ، أو لا يريد، من حيث يعلمُ، أو لا يعلمُ في تدميرِ نفسِه، وأسرتِه، ومجتمعِه، وهل الأمةُ إلا بشبابِها الأصحاءِ الأقوياءِ المستقيمين، وشاباتِها؟!.

وقد أحْسنَ مَن قال:

يَا بنات الجيلِ هيَّا حصِّنوا هذا البناء

احفظوا جيلَ الشباب أرشدوهم للصواب

فهم النبع الغزير ولكم عذب الشراب

حصِّنوا كلّ الشباب لينيروا كالبدور

يسِّروا أمر الزواج لا تغالوا بالمهور

واحذروا داء التباهي بالأثاث والقصور

إنما نبع السعادة كامن ضمن الصدور

احذروا الفيروس فهو الآن

جمر يختفي تحت الرماد

إن تجاهلنا الحقيقة فاجأتنا

النار يوماً واكتوى كل العباد

بدِّدوا الجهل بعلم

أيقظوا أهل الرقاد

توِّجُوا العلم بطهر

صادق فهو العماد

ها هو الفيروس يغتال

الضحايا قاصداً كل البلاد

وهو أعمى عن شباب

طاهر يأبى الفساد

إنما العفة ماء

بارد عذب زلال

يطفىء الجمر ويروي

كل من طلب الحلال

يقولُ العلماءُ: "إنّ السببَ الأولَ لهذا المرضِ هو شيوعُ الفاحشةِ، بل شيوعُ الفاحشةِ المنكرةِ، المثلية بين أفرادِ المجتمعِ"، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: "لَمْ تَظْهَرُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا

. "، أي إلى أنْ يظهروها، وإلى أن يعلنوا عنها في الصحفِ والمجلاتِ، وفي أجهزةِ الإعلامِ، ففي الغربِ، وفي البلادِ التي انحلَّتْ فيها القيمُ يُعلنُ عن الرذيلةِ في أجهزةِ الإعلامِ، ويُعلَنُ عن أماكنِ البغاءِ، وأماكنِ الانحرافِ، في كلِّ مكانٍ، "حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمِ

".

ص: 227

إنّ هذا الجهازَ العجيبَ في جسم الإنسان جهازَ المناعةِ ينْحلُّ في مرضِ الإيْدزِ، ويقضي عليه فيروسٌ لم يُكْشَفْ عن خصائِصه، ولم تُحَدَّدْ حقيقتُه، ففي صيفِ عام 1981 اكْتُشِفَت في أمريكا خمسُ إصاباتٍ، ثمَّ ارتفعتْ إلى خمسٍ وثلاثين، وصارت تظهرُ في كلِّ أسبوعٍ مئةُ حالةٍ، إلى أنْ كان مجموعُ الإصاباتِ في عام 1984 اثني عشرَ ألفَ إصابةٍ، مات منهم النّصفُ، ويقدِّرُ الأطبّاءُ أنَّ في أمريكا مليونَ إصابةٍ، وأنّ هذا المرضَ انتقلَ إلى أوربة بدءاً بفرنسا، وظلَّ ينتقلُ حيثُ الانحرافاتُ الأخلاقيّةُ، بكلِّ أنواعِها، وفي حالِ الإدمانِ على المخدّراتِ، وفي حالاتِ نقلِ الدّمِ، والشيءُ الغريبُ أنَّ حالةً واحدةً حتى الآنَ لم يُمْكن شفاؤُها، بل إنّ كلَّ جهودِ العلماءِ منْصبَّةٌ لإيقافِ هذا المرضِ عند حدِّه، وإذا أُصيبَ الإنسانُ بهذا المرضِ فإنَّ معدَّلَ حياتهِ بعد الإصابةِ تتراوَحُ من ثمانيةَ عشر إلى مئةٍ وخمسةٍ وعشرين أسبوعاً، أي من أربعةِ أشهرٍ إلى سنتين ونصفٍ، وبعضُ الحالات يموت أصحابُها بعد الإصابة.

ومِن أَعراضِ هذا المرض أنْ يقِلّ وزنُ المريضَ، وترتفعُ حرارتُه، مع إسهالٍ مدمِنٍ، وعرقٍ غزيرٍ، وضعفٍ عامٍّ، وعدمِ قدرةٍ على التركيزِ، وفقْرِ الدمِ، ونقْصٍ في الخلايا، إلى أن يذوبَ، وينقضي، قال تعالى:{وَلَا تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32] .

إنّ الغربَ الذي ضَرَبَ بالدِّين عُرْضَ الحائطِ، وقال: هذا سلوكٌ غيبيٌّ، وسلوكُ الشعوبِ البدائيّةِ، والعقلُ هو كلُّ شيءٍ، والحياةُ هي كلُّ شيءٍ، والحياةُ هي كلُّ شيءٍ، واللَّذَّةُ هي كلُّ شيءٍ، فَفَعلوا ما يَرُوقُ لهم، أصابَهم ما أصابَهم، لذلك فالاستقامةُ صحَّةٌ، بها يضمنُ الإنسانُ حياةً هنيئةً مطمئنةً، فإذا خَالَفَ، وطَغَى فالمؤيِّدُ القانونيُّ ينتظرهُ، وهذا عِقابٌ عاجلٌ في الدنيا قبلَ عقابِ الآخرةِ.

ص: 228