الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشيءُ العجيبُ هو أنه على طولِ هذه التفرُّعاتِ التي تنتهي بالأسناخِ الرئويةِ تنتشرُ الأهدابُ، فما هي الأهدابُ؟ إنّها أشعارٌ طولُ الواحدِ منها ستةُ ميكروناتٍ، وقطرُه 0. 2 من الميكرون، هذه الأهدابُ تتحرّكُ نحو الأعلى دائماً بمعدّلِ ألْفٍ إلى ألفٍ وخمسمئة مرة في الدقيقةِ من أجلِ أنْ تطردَ كلَّ الشوائبِ، وكلَّ الأجسامِ الغريبةِ، وليبقَى طريقُ الهواءِ نظيفاً نقياً صافياً، وحتى هذه الساعةِ عَجَزَ أطباءُ العالَمِ عن زرعِ الرئةِ، لأنهم عجزوا عن توصيلاتِ الأعصابِ المتعلقةِ بالأهدابِ، والشيءُ الغريبُ هو أنّ هذه الأهدابَ الرئويةَ الموزعةَ في القصبةِ، وفي الفروعِ حتى تصلَ إلى الأسناخِ فإنها تطردُ الأجسامَ الغريبةَ وتحرِّكُها بسرعةِ 16 ميليمتراً في الدقيقة، أما إذا دَخلَ شيءٌ غريبٌ إلى القصبةِ كقطرةِ ماءٍ فسوف يكونُ السعالُ عندئذٍ، فما السُّعالُ؟ يخرجُ الهواءُ من الرئتينِ بسرعة تسعمئةِ كيلو مترٍ في الساعةِ، كآلةٍ ضاغطةٍ، من أجلِ أن يدفعَ كلَّ شيءٍ في القصبةِ.
إنّ الشيءَ الأعظمَ من ذلك أنّ التنفسَ يتمُّ بتنبيهٍ عصبيٍّ نوبيٍّ، لا إراديٍّ، فلو أنّ اللهَ سبحانه وتعالى أَوْكلَ التنفسَ إلينا لكانَ الخيارُ صعباً جداً، فلا بدّ أنْ نلغيَ النومَ، فإذا نمنا فسوف نموتُ، وهناك مرضٌ نادرٌ جداً يصيبُ مركزَ التنبيهِ الرئويِّ النوبيُّ بالعطبِ، وعندئذٍ لا يستطيعُ الإنسانُ أن ينامَ الليلَ أبداً، وقد اخْتُرِعَ دواءٌ غالٍ جداً يأخذُه الإنسانُ كلَّ ساعةٍ، ولكنْ لا بدّ أنْ يستيقظَ كلَّ ساعةٍ ليأخذَ حبةً، لأنّ مفعولَ هذا الدواءِ ينتهي بعدَ ساعةٍ، فنحن في نِعَمٍ لا تُحصَى.
الحنجرة وعتبة الحواس
يقولُ ربُّنا سبحانه وتعالى في كتابِه الكريمِ: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
هناك تقديرٌ دقيقٌ في كلِّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ عز وجل، هذا المعنى يُستنبطُ من قولِه تعالى:{خَلَقَ السماوات والأرض بالحق وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ المصير} [التغابن: 3] .
إضافةً لِمَعنى الحقِ أنّه الشيءُ الثابتُ الذي لا يزولُ موازنةً له مع الباطلِ الذي يزول، {وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَاّ بالحق} [الحجر: 85] ، فهناك معنًى آخرُ للحقِّ، وهو الشيءُ الهادفُ الذي يتناقضُ مع العبثِ، قال تعالى:
{وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين} [الأنبياء: 16] .
والمعنى الثالثُ هو أنَّ الشيءَ خُلِقَ بالحق، أيْ قُدِّرَ تقديراً دقيقاً من لدُنْ حكيمٍ عليمٍ خبيرٍ.
إنّ هذه الحَنجرةَ التي هي جهازُ الصوتِ عند الإنسانِ، يقولُ الأطبّاءُ:"إنّ فتْحةَ الحَنجرةِ قد قُدِّرَتْ تقديراً دقيقاً جدّاً، حيثْ لو اتَّسَعَتْ أكثر مِمَّا هي عليه لاختفَى صوتُ الإنسانِ، ولو ضاقَتْ أكْثَر مِمَّا هي عليه لأصْبحَ التنفّسُ عسيراً"، فإما أن يكونَ التنفّسُ مريحاً، ويختفِيَ الصوتُ، وإما أن يكونَ الصوتُ واضحاً، ويصعُب التنفّسُ، أما أنْ تكون فتْحةُ الحَنجرة مدْروسةً دِراسةً دقيقةً، فهذا من إبداعِ حكيمٍ عليمٍ قديرٍ، مَن جعَلَ هذه الفتْحةَ بهذا القَدْرِ؟ إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يقول:{صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [النمل: 88] .
هذا ينقلُنا إلى عتباتِ الحواسِّ، إنّ هذه العينَ ترى بين عَتَبتَيْن، لو أنَّ الرؤيةَ زادَت على حدِّها الذي هي عليه لأصبَحَتْ حياتُنا جحيماً، إنّك إذا نظرتَ إلى كأسِ الماءِ الذي تشربُهُ الآن، تراه صافياً عذباً فراتاً رائِقاً، لو أنّ عتَبَةَ البصرِ زادَتْ قليلاً، ودقَّت أكثرَ مِمَّا هي عليه لرأيتَ في هذه الكأسِ العجَبَ العُجابَ، لرأيتَ الكائناتِ الحيةَ، والجراثيمَ غيرَ الضارةِ، بِعَددٍ لا يُحصى، إنَّك لنْ تشربَ الماءَ عندها، ولرأيْتَ هذا الطّفلَ الصغيرَ بِخَدِّه الأسيل كأنّه مغاراتٌ ونتوءاتٌ، لذلك يقولُ ربّنا سبحانه وتعالى:{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .