الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا كلامُ ربِّ العالمين، كيف بقِيَ هذا الإنسانُ ثلاثمئةٍ سنينَ وتسعاً، ولم يُصَبْ جلدُه، أو نسيجُه بتقرحاتٍ أو مواتٍ؟ من هذا التقليبِ، فهذه إشارةٌ، وحكمةٌ بالغةٌ، وقد راقبَ العلماءُ نائماً، فإذا به يغيِّرُ وضْعَه في الليلةِ الواحدةِ أكثرَ من ستٍّ وثلاثين مرةً، دونَ أنْ يشعرَ، لئلا تُهرسَ أنسجتُه تحت ضغطِ العظمِ، وضغطِ السريرِ، هذا في الحالاتِ العاديةِ، لكن في الحالاتِ المرَضيةِ، كأن يكون في الظَّهرِ كلِّه جبسٌ، وكذا الحوضُ، ولا يستطيعُ المريضُ تغييرَ وضْعِه، فلا بدَّ مِن تقليبِه لئلا يصابَ بهذا المرضِ.
التدخين أخطر وباء عالميّ
ثَمَّةَ كتابٌ نُشِرَ حديثاً عنوانُه: "التدخينُ أاخطرُ وباءٍ عالميٍّ".
قد يقولُ قائلٌ: لعلَّ في هذا العنوانِ مبالغةً، ولكنْ إذا رأيتم ما فيه مِن الحقائقِ لم تروا حينئذٍ في العنوانِ مبالغةً أبداً، فهناكَ مجلّةٌ تصدرُ في سويسرا تقولُ بعدَ إحصاءٍ دقيقٍ عام 1978:"إن شركاتِ التَبْغِ تُنْتِجُ بمعدَّلِ دخينتين - أي سيجارتين - يومياً لكلِّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ، وعددُ سكانِ الأرضِ ستّةُ آلافِ مليونٍ، وتنتِجُ شركاتُ التبغِ في اليومِ اثني عشر ألفَ مليونِ دخينةٍ، إنّ هذه الكميةَ التي تنتجُها شركاتُ الدخانِ فيها موادُّ سامّةٌ، لو أُخِذَتْ دفعةًُ واحدةً في الدمِ مباشرةً لاستطاعتْ أنْ تبيدَ الجنسَ البشريَّ، بل إنّ أثرَها أشدُّ مِن أثرِ أَكبرِ قنبلةٍ ذريةٍ".
ويقولُ هذا التقريرُ في هذه المجلةِ: "لو أُخذتِ الكميّةُ من الموادِّ السامَّةِ التي في هذه الدخائنِ دفعةً واحدةً بعدَ استخلاصِها، وأدخِلتْ في الوريد مباشرةً لكانتْ كفيلةً بأنْ تقتلَ إنساناً في أوجِ صحَّتِه".
وقد نَشَرَتْ منظمةُ الصحةِ العالميةِ تقريراً مطوّلاً في عام (1975)، تقول فيه:"إنّ عددَ الذينَ يَلْقُونَ حَتْفَهم، أو يعيشون حياةً تعيسةً مِن جرَّاءِ التدخينِ يفوقُ عددَ الذين يلاقون حَتْفَهم نتيجةَ الطاعونِ، والكوليرا، والجدرِي، والسلِّ، والجذامِ، والتيفوئيد، والتيفوس، مجتمعين، والوفيَاتُ الناجمةُ عن التدخينِ هي أكثرُ بكثيرٍ مِن جميعِ الوفياتِ للأمراضِ الوبائيةِ مجتمعةً"، هذه فقرةٌ من تقريرٍ نشرَتْهُ منظمةُ الصحةِ العالميةُ.
شيءٌ آخرُ، إنّ مجموعَ الدَّخْلِ الذي تحقِّقُه الدولُ الكُبرى مِن جرَّاءِ الضرائبِ الباهظةِ على إنتاجِ التدخينِ هو أقلُّ بكثيرٍ مِن الأموالِ التي تنفقُ لمعالجةِ الأمراضِ الناتجةِ عن التدخينِ، ومهما بَلَغَ حجمُ الضرائبِ التي تُجْبِيها الدولُ الكُبرى مِن المُدَخِّنين فإنها أقلُّ بكثيرٍ من التي تنفِقُها على الأمراضِ التي نَجَمَتْ عن التدخينِ.
كما نَشَرَتْ مجلةٌ طبيةٌ بريطانيةٌ في عام (1978) الحقائقَ التاليةَ: "إنّ بين كلِّ ثلاثةِ مدخِّنين يلقَى أحدُهم حَتْفَه بسببِ التدخينِ".
وتواجِهُ الدولُ العظمى الأوبئةَ بقلقٍ شديدٍ، فلو انتشرتِ الكوليرا في بلدٍ لخفَّ المسؤولون عن الصحةِ لمواجهةِ هذا المرضِ واستنفروا، ولكن لماذا لا يواجهون أخطارَ التدخينِ بهذا القلقِ الشديدِ؟.
الجوابُ: إنّ الآثارَ المدمِّرةَ للتدخينِ لا تظهرُ بشكلٍ واضحٍ، إلا بعدَ ربعِ قرنٍ، وهنا الخطر، فإن الآثارَ المدمرةَ تظهرُ بعد خمسة وعشرين عاماً، يدخِّنُ الشابُّ، ولا يدري ماذا يفعلُ، لكنْ بعدَ مُضيِّ عشرين عاماً أو أكثرَ تبدأُ الآثارُ الضخمةُ للتدخينِ، إضافةً إلى أنّ الإنسانَ جُبِلَ على رؤيةِ الأخطارِ المباشرةِ، والاستهانةِ بالأخطارِ المستقبلةِ.
إنّ من بعضِ فقراتِ التقريرِ أن الدخينةَ الواحدةَ بحسب عمرِ الشرايينِ وتصلُّبِها تنقِصُ من عمرِ الإنسانِ بقدرِ الوقتِ الذي تستهلِكُه في تدخينِهِ، فلو دخَّنَ الإنسانُ في اليومِ عشرين دخينةٍ لقصُر عمُرُه - لا بحسبِ اعتقادِنا نحنُ المسلمينَ، بل بحسبِ مرونةِ الشرايينِ، وتصلُّبِها - لَنَقَصَ عمرُه خمسَ سنواتٍ.
إنّ الأطفالَ الرُّضَّعَ الذي يعيشون في غرفٍ ممتلئةٍ بدخانِ السجائرِ هم أكثرُ تعرّضاً لالتَهابِ القصباتِ، والنزلاتِ الشعبيةِ، مقارنةً بأمثالِهم الذين يعيشون في غرفٍ نظيفةٍ، فالآباءُ الذين يدخِّنون يسهمون في إيذاءِ أولادِهم الصغارِ، وهذه حقيقةٌ طبيةٌ ثابتةٌ.
لقد كانت الحكوماتُ تُلْزم معاملَ شركاتِ التدخينِ أنْ يكتبوا على العُلبةِ: "إنَّ الدخانَ يضرُّ بصحَّتك"، ولكنَّ منظمةَ الصحةِ العالميةَ ألزمتْ كلَّ الشركاتِ على أنْ تكتبَ على العلبةِ ما يلي:"الدخانُ يسبِّبُ سرطاناً في الرئةِ، والتهابَ قصباتٍ مزمناً، وجلطاتٍ في القلبِ".
قال العلماءُ: "تحوي أوراقُ التَّبْغِ أشباهَ قلويّاتِ سامَّةٍ، في طليعتِها، النيكوتين، وإنّ واحداً من عشرةَ غراماتٍ من النيكوتين يكفي لِقَتلِ كلبٍ متوسّط الحجْمِ قتلاً فوريّاً، وفي مدّةٍ قليلةٍ، وقطرةٌ واحدةٌ منه في عينِ فأرٍ تقتلهُ حالاً، وثماني قطراتٍ محقونةٍ تحتَ الجلدِ تقتلُ حصاناً في أربع دقائقَ"، هذه الحقائقُ بديهيةٌ، وليستْ غريبةً، إنها أبحاثٌ قديمةٌ جدّاً، وإنّ الكتابَ الذي أخذتُ منه هذه المعلوماتِ مطبوعٌ قبل عشرِ سنواتٍ.
هناك سمٌّ آخرُ في الدخانِ يحتوي على مِئتَي ضعفٍ ممّا تسمحُ به منظَّماتُ الصحّةِ، والهيئاتُ الصحيّةُ في الصناعةِ الغذائية.
وهناك سمٌّ يُضعفُ عملَ كرياتِ الدم الحمراءِ، وهو أول أوكسيد الفحم، هذا السمُّ يتَّحِدُّ مع كرياتِ الدمِ الحمراءِ، وهذا الذي يُتعِبُ المدخِّنَ.
وفي الدخانِ غازانِ سامَّان، وهما غازانِ مُسَرْطِنانِ، وفيهما أيضاً فحومٌ مسرطنةٌ، هذا البحثُ العلميُّ من أوثقِ المصادرِ الرصينةِ.
وثمّةَ إحصاءٌ رسميٌّ في أمريكة، هناك ألفُ وفاةٍ كلَّ يومٍ بسببِ الدخانِ، وهذا العددُ يزيدُ سبعةَ أضعافٍ على عددِ الذين يموتون في حوادثِ السيرِ، مع أنّ أعلى نسبةٍ يموتُ فيها الناسُ هي في حوادثِ السيرِ، لذلك قالت منظمةُ الصحةِ العالميةُ:"إن التدخين يُعد سبباً حتمياً لأمراض مميتة".
وسنستعرضُ أجهزةَ الجسمِ، وعلاقتَها بالدخانِ، واحداً واحداً مِن مقالةٍ قيِّمةٍ للدكتور نزار الدقر نُشِرَتْ في مجلة نهج الإسلام:
الدماغُ والأعصابُ: الدماغُ البشريُّ هو أنبلُ عضوٍ في الإنسانِ، فيه مئة وأربعون مليار خليةٍ استناديةٍ، لم تُعرفْ وظيفتُها بعدُ، وفيه أربعةَ عشرَ مليارَ خليةٍ قشريةٍ، هي مساحةُ النشاطِ الفكريِّ في الإنسانِ، هذا العضوُ النبيلُ الذي عجزَ عن فهمِ نفسِه، والذي هو أعقدُ ما في الإنسانِ، بل أعْقَدُ آلةٍ في الكونِ، وقد كُرّمَ الإنسانُ به.
ماذا يفعلُ التدخينُ به؟ إنّ سمومَ التدخينِ المنحلةَ في الدمِ إذا وصلتْ إلى الدماغِ يتلقَّفُها الدماغُ بسهولةٍ فائقةٍ، وبنَهَمٍ كبيرٍ، هذا الدماغُ حينما يأتيه هذا السمُّ يشعرُ الإنسانُ بشيءٍ من الخدرِ، وشيءٍ من الفتورِ، هذا النيكوتين المنحلُّ في الدمِ، والذي يصلُ إلى الدماغِ يعطي الإنسانَ شعوراً بالخدرِ تارةً، وشعوراً بالنشاطِ تارةً أخرى، فالدخانُ مهدِّئٌ، ومنشِّطٌ في آنٍ واحدٍ، وهذا هو سرُّ الإدمانِ.
هذا السمُّ في الدماغِ يضعِفُ تغذيةَ الأعصابِ، فتصابُ الأعصابُ بالالتهابِ، ومِن آثارِ هذا السمِّ في الأعصابِ رجفانٌ في الأضلاعِ، فالمدخِّنُ ترجفُ يداه ورجلاه، هذا الرجفانُ بسببِ أنّ أعصابَ الدماغِ التهبتْ، والتهابُها بسببِ ضَعفِ ترويتِها، كما يَصابُ بصداعٍ في الرأسِ، وآلامٍ عصبيةٍ في الأطرافِ، والدخانُ يُضعِفُ الذاكرةَ، فيصبحُ المدخِّنُ كثيرَ النسيانِ، ومِن أعراضِ التدخينِ العصبيةِ فتورُ النشاطِ، العقليِّ، فغيرُ المدخِّنِ أَذْكَى مِن المدخِّنِ، وأسرعُ استجابةً منه، كما أنّ حاسةَ الذوقِ تضعفُ عند المدخِّنين كثيراً.
شملتْ دراسةٌ علميةٌ ستةَ آلافِ وثمانمئةِ حالةٍ، مِن أهمِّ نتائجِها أنّ هناك علاقةً واضحةً جداً بين الدخانِ وضعفِ الذكاءِ.
جهازُ التنفّسِ: قال العلماءُ: "أضرارُ التدخينِ تشْملُ جهازَ التنفّسِ، وهو أشدُّ الأجهزةِ تأثراً بالتدخينِ لأنّ جهازَ التنفسِ كعنقودِ العنبِ، كلُّ حبةٍ هي حويصلٌ رئويٌّ، والحويصلُ فراغٌ، تتمُّ في هذا الفراغِ مبادلةُ غازِ الفحمِ بالأكسجينِ، هذه المبادلةُ حيويةٌ، وأساسيةٌ جداً، فماذا يفعل التدخين في هذه الحويصلات؟ إنّه يخرِّبُ الأنسجةَ المبطَّنةَ للأسناخِ الرئويةِ.
وهو يُضْعِفُ الوظائفَ التنفّسيّةَ، ويؤدّي إلى التهابِ الأنفِ، والبلعومِ المُزْمِنَين، وإلى التهابِ الحنجرةِ، والقصباتِ الرئويّةِ، ونسبةُ السرطانِ عند المدخّنين هي ثمانيةُ أمثالِ غيرِ المدخّنين، والتدخينُ يعسّرُ وسائلَ الدّفاعِ عن الطرقِ التنفسيّةِ، فالرغامى، هذه القصبةُ الهوائيةُ زوّدها اللهُ بأفعالٍ وديّةٍ، تتحرّكُ نحو الأعلى دائماً حركةً مستمرةً، فكلّ شيءٍ دخلَ إلى الحَنجرةِ يجب أن يبقى فيها، بل تدفعهُ نحو الأعلى، وتتجمّع في أسفلِ الحنجرةِ، والشيءُ الغريبُ أنّ في الدخانِ سُمَّ النيكوتين الذي يشلُّ عملَ الأهدابِ، لذلك تجتمعُ هذه القطوعُ، والإنتاناتُ، والمخلَّفاتُ في القصبةِ الهوائيةِ، وتتَّخذُها موطناً، لأنّ جهازَ الطردِ نحو الأعلى مُعطَّل، فتصبحُ الرئةُ والرغامى عُرضةً للإصابةِ بالأمراضِ الإنتانيةِ".
إنّ المدخِّنَ معرَّضٌ أكثرَ مِن غيرِه للإصابةِ بمرضِ ذاتِ القصباتِ وذاتِ الرئةِ، ومرضِ انتفاخ الرئةِ، وهناك علاقةٌ كبيرةٌ جداً بين التدخينِ والإصابةِ بسرطانِ الرئةِ.
تؤكِّدُ الإحصائيةُ العلميةُ الدقيقةُ أنه مِن خلالِ ألفِ مدخِّنٍ يصابُ ستون مدخناً بسرطانِ الرئةِ، ومِن بينِ ألفِ إنسانِ غيرِ مدخِّنٍ يصاب شخصان فقط بسرطانِ الرئةِ.
قال بعضُ العلماءِ: "سمومُ الدخانِ تسبِّبُ طفراتٍ في الخلية، والطفرةُ في الخليةِ تسبِّبُ التخرشَ، وهو أحدُ أسبابِ سرطانِ الأنسجة.
القلبُ والأوعيةُ: إنّ معظمَ الإصاباتِ القلبيةِ، والوعائيةِ القاتلةِ يعود إلى التدخين، وقد أكَّد أطباء جراحة القلب أنّ أكثرَ المداخلاتِ الجراحيةِ التي يُجرونَها على القلبِ بسببِ آفاتٍ تعودُ في الدرجةِ الأولى إلى التدخينِ.
طبيبٌ آخرُ يعالجُ الأنفَ، والأذنَ، والحنجرةَ، حينما يأتيه إنسانٌ مصابٌ بسرطانِ الحنجرةِ، يضعُ يده فجأةً على صدرِه، فإذا فيها علبةُ دخانٍ، يقولُ: هذا السرطانُ مِن هذه العلبةِ.
السببُ الأولُ لهذه الأمراضِ الوبيلةِ أنّ أولَ أوكسيد الكاربون يتَّحد مع خضابِ الدمِ، فيمنعُ أخطرَ وظيفةٍ حيويةٍ، وهي تبادلُ الأكسجينِ بغازِ الفحمِ.
حقيقة خطيرة جداً، وهي أنّ ربنا جل جلاله تكريماً لهذا الإنسانِ، وتحقيقاً لسلامتِه، وصوناً له مِن العطبِ - جهَّزه بآلياتٍ بالغةِ التعقيدِ لِحفظِه مِنَ الأخطارِ.
فلو أنّ أَحَدَنا شاهدَ شيئاً مخيفاً - أفعى مثلاً - ماذا يحدث؟ تنطبعُ صورةُ الأفعى على شبكيةِ العينِ، وتحسُّ بها، وشبكيةُ العينِ تنقلُها إلى الدماغِ عبْرَ العصبِ البصريِّ، ليدركَ معنى هذه الصورةِ، بحسبِ المفاهيمِ المكتسبةِ، والدماغُ مَلِكُ الجهازِ العصبيِّ، يخاطبُ ملكةَ الجهازِ الهرموني (الغدةَ النخاميةَ) عن طريقِ ضابطِ اتصالٍ، هو الجسمُ تحتَ المهادِ، هذه الغدةُ النخاميةُ تتلقى أمراً مِنَ الدماغ بالتصرفِ مِن أجلِ السلامةِ، هي ملكةٌ، وعندها عناصرُ هرمونيةٌ فعّالةٌ، ترسلُ هذه الغدةُ النخاميةُ أمراً إلى الكظرِ بإفرازِ خمسةِ هرموناتٍ، الأولُ: يسرِّعُ القلبَ، والثاني: يزيدُ وجيبَ الرئتين، والثالثُ: يضيِّقُ الأوعيةَ، المحيطيةَ مِن أجلِ أن يذهبَ الدمُ إلى العضلاتِ، لا إلى الجلدِ، والرابعُ: يزيدُ سكرَ الدمِ، والخامسُ: يزيدُ هرمونَ التجلُّطِ، كلُّ هذا بفعلِ هرمونِ الأدرينالين الذي يفرزُه لبُّ الكَظرِ، كلُّ ما تقدَّم يحدثُ بسببِ تنبيهِ القسم الوُدِّي من الجهازِ العصبي الذاتي كما تقدّم.
إنّ الخائفَ يزدادُ نبضُ قلبِه، ويزدادُ وجيبُ رئتيه فيلهثُ، وتضيقُ لمعةُ أوعيتِه المحيطيةِ، فيصفرُّ لونُه، ولو فحصْتَ دمَه لوجدتَ نسبةَ السكرِ عاليةً، وكذلك نسبةُ عاملِ التجلُّطِ الذي يفرزه الكبدُ، سمُّ النيكوتين يفعلُ فعْلَ الأدرينالين نفسِه، فعند المدخِّن دائماً تسرعٌ في نبضِ قلبِه، وازديادٌ في وجيبِ رئتَيْه، وضيقٌ في الأوعيةِ المحيطيةِ، لذلك يبدو أصفرَ اللونِ، وفي دمِه زيادةٌ في هرمونِ التجلطِ، وارتفاعٌ في نسبةِ السكرِ في الدمِ، فهو معرَّضٌ أكثرَ مِن غيرِه بثمانية أضعافٍ للجلطةِ في الدمِ، هذه حقيقةٌ مسلَّمٌ بها.
إنّ أحدَ أسبابِ مرضِ المَواتِ (الغرغرين) هو الدخان، لأنّ الدخانَ يرفعُ نسبةَ اللزوجةِ في الدمِ، فإذا ارتفعتْ نسبةُ اللزوجةِ صارَ مِنَ الصعبِ أنْ يسلكَ الدمُ في أدقِّ الأوعيةِ، عندئذ تُصابُ أطرافُه السفليةُ والعلويةُ بالمواتِ لضعفِ التروية.
والدخانُ يسبِّبُ مرضاً نادراً اسمه (التهابُ الأوعيةِ الانسداديّ) ، فالأوعيةُ حينما تلتهبُ تُسدُّ لمعتُها، وانسدادُها يعني ضعفَ الترويةَ، الأمرُ الذي يسبِّبُ مرضَ المواتِ أيضاً.
وهناك مرضٌ يصيبُ المدخِّنين، مِن أعراضِه زرقةُ الجلدِ، واحمرارُ اليدين.
جهازُ الدورانِ: إنّ الدخانَ يحرّرُ مادّةً مِن شأنِها أن تسرّعَ القلبَ، وتضيِّقَ الشرايينَ، وتقلّبَها، ويسبّبُ الدخانُ نوبةَ خنّاقِ الصّدْرِ، وتصلّبَ الشرايينَ الإكليليّةَ، وأيُّ علبةِ دخانٍ اقرؤوا تحتَها، "إنّ الدخانَ ضارٌّ بالأجهزةِ التنفسيّةِ، والأوعيةِ، والقلبِ"، هذا كلامٌ علميٌّ، مأخوذٌ من آلافِ الحالاتِ، وقد قدَّمَتْ لجنةٌ من كبارِ الأطباءِ في العالَم الغربيِّ تقريراً من ثلاثمئة وسبعينَ صفحةً من القطعِ الكبيرِ عنوانه: الدخانُ والصحّةُ، هذا التقريرُ يؤكّد حتماً أنّ هناك أخطاراً مدمّرةً من جرّاءِ التدخينِ، وإنّ اللهَ سبحانه وتعالى أحلَّ لنا الطيباتِ، وحرّمَ علينا الخبائثَ، وقد ثبتَ بالدليلِ القطعيِّ أنّ الدخانَ ممّا يؤذِي صحّتنا، ويؤذِي القلبَ، ويؤذِي الشرايينَ الإكليليّةَ، ويسبّبُ تصلّبَ الشرايينَ، وتسرّعَ القلبِ، والتهابَ الرئةِ، وضعفَ المناعةِ في القصباتِ الهوائيّةِ، ويسبّبُ شللَ الأهدابِ في الرغامى، كلُّ هذه الأخطارِ المحقّقةِ، وبعدها ندخّنُ؟! وبعْدَها نتلفُ أعصابَنا بأيدينا؟! ونتلفُ قلوبَنا بأيدينا؟! اليس العمرُ رأسَ مالِك أيّها الإنسانُ؟ والتدخينُ يعني أن تبقَى في الفراشِ، الصحّةُ تاجٌ على رؤوسِ الأصحّاءِ، لا يراها إلا المريضُ.
العينُ: إنّ الدخانَ يسبِّبُ التهاباً في الملتحمةِ، وجفافاً في الأجفانِ، والتهاباً في العصبِ البصريِّ، ويسبِّبُ نقصاً في الفيتامين 12.
جهازُ الهضمِ: إنّ تسعينَ بالمئة مِن سرطانِ الشفةِ يصيبُ المدخِّنين، ويكثرُ عندَ المدخِّنين سرطانُ اللسانِ والمريء، وتقرحاتُ اللثةِ، واللسانِ، والتهابُ الغددِ اللعابيةِ، وتضخُّمُ هذه الغددِ، وتلوُّثُها، وعسرُ البلعِ أحياناً، بل إنّ الدخانَ يؤدِّي إلى تسمُّمِ الخليةِ الكبديةِ، وقصورِ الكبدِ، أو تشمُّعِه، ثمّ سرطانِ الكبدِ.
الجهازُ التناسليُّ: فالدخانُ أحدُ أكبرِ أسبابِ إصابةِ الرجلِ بالضعفِ الجنسيِّ، وتشوُّهِ النطفِ، ويؤدِّي إلى العقمِ عند الرجالِ والنساء، ويضعِفُ العلاقةَ بين الزوجين، وأكثرُ حالاتِ الإجهاضِ والإملاص - ولادة الجنين ميتاً - بسببِ الدخانِ، وهو سببُ الولادة قبلَ الأوانِ، ونقصِ الوزنِ، ووفاةِ الرضَّعِ بسببِ الأمِّ المدخنةِ، والتشوهاتِ الخلقية، والوفاةِ في المهدِ، وربوِ الأطفالِ، والصممِ؛ كله يُعزَى إلى الأمِّ المدخِّنةِ.
أمّا الشيءُ الذي لا يصدق؛ فهو أنّ هذا السمَّ القاتلَ يشربُه الطفلُ المولودُ حديثاً مع حليبِ أمِّه، فحليبُ الأمِّ المدخِّنةِ فيه هذا السمُّ القاتلُ، لذلك تعدُّ الإقياءاتُ المتكررةُ، والتشنجاتُ، وتسرّعُ قلبِ الوليدِ مِن آثارِ سمومِ الدخانِ، التي تدخلُ جسمَ الرضيعِ عن طريقِ حليبِ أمّه المدخّنةِ.
كما أنّ كثافةَ سمومِ الدخانِ في ثديِ المرأةِ تؤدِّي إلى تخرشِ الثديِ، وهذا التخرشُ يؤدِّي إلى سرطانِ الثديِ عندَ المرأةِ المدخِّنةِ.
وأخطرُ ما في الأمرِ أنه لو شَرِبَ الخمرَ مئةُ إنسانٍ لكان احتمالُ الإصابةِ بالإدمانِ فيهم خمسةَ عشرَ في المئةِ بالإدمانِ، أما لو دخَّنَ مئةُ رجلٍ لكان الاحتمالُ أنْ يصابَ منهم خمسةٌ وثمانون في المئةِ بمرضٍ اسمُه:(الإدمانُ على التدخينِ) .
إنّ مِنَ الناسِ مَن يتوهَّمُ أنّ هناك دخاناً مصفًى، ودخاناً غيرَ مصفًى، فالدخانُ المصفَّى صُفِّيَ عن طريقِ المصفاة (الفلتر) ، والحقيقةُ العلميةُ الصارخةُ أنّ (الفلتر) يمنعُ دخولَ القطرانِ إلى الرئتينِ، ليس غير، أمّا السمومُ التي في الدخانِ فتنتقلُ كلُّها عبرَ الفلتر، فهذا الوهمُ - أن هناك دخاناً (مفلتراً) - محضُ وهمٍ، لا يقومُ على أساسٍ مِن الصحّةِ.
إنّ أخطرَ ما في الدخانِ أنّ أضرارَه لا تنحصرُ في المدخِّنِ نفسِه، بل تنتقلُ إلى مَن حَوْله، مِن زوجةٍ، وأولادٍ، وزملاءَ في العمل، ِ فإذا كنتَ جالساً في غرفةٍ لمدةِ أربعِ ساعاتٍ، وفيها مدخِّنٌ فكأنما دخّنتَ عشرَ دخيناتٍ، وأنت في المصطلحِ الطبِّي مدخِّنٌ سلبيٌّ، أنت لا تدخِّن، لكنك تجالسُ مدخناً، فهذا الذي يدخِّنُ، ويستمتعُ بنكهةِ الدخانِ - إنْ وُجِدتْ - يؤذي غيرَه، وهو لا يدري.
ثمّةَ إحصائيةٌ دقيقةٌ في أمريكا، وهي أنّ ضحايا التدخين في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها ثلاثمئة وخمسون ألفَ شخصٍ سنوياً، بمعنى أنّ كلَّ يومٍ يموتُ ألفُ مدخِّنٍ، وخمسون ألفاً من المدخِّنين السلبيِّين الذين لا يدخِّنون، لكنّ آباءهم أو أمّهاتِهم، أو زملاءَهم يدخِّنون، وإنّ مجموعَ الذين يموتون بسببِ التدخين في دولةٍ واحدةٍ في الغربِ أربعمئة ألفِ إنسانٍ، بواقعِ ألفٍ في كلِّ يومٍ أو أكثر.
إنّ الدخانَ المستوردَ أو المهرَّبَ مِن أمريكا دخانٌ رديءٌ جداً، حيث إنّ نسبَ السمومِ فيه عاليةٌ جداً، إلى درجةِ عشرةِ أضعافٍ، العلبة نفسُها، والعلامةُ التجاريةُ نفسُها، والسعرُ نفسُه، فالدخانُ الذي يُصدِّرُ إلى بلادِ الشرقِ الأوسطِ دخانٌ من الدرجةِ العاشرةِ.
أُجْرِيَتْ دراسةُ في بريطانية على ثلاثةٍ وثمانينَ رجلاً مدخّناً، تؤكِّدُ أنّ ثلاثةَ أشخاصٍ مِن كلِّ عشرة سيلاقُون حتْفَهم بسببِ أمراضٍ ناتجةٍ عن التدخينِ، أمّا الباقون فسيعانون من أمراضٍ مزمنةٍ لها علاقة بالتدخين.
وأمّا عن الخسائرِ الناتجةِ عن الحرائقِ بسببِ أعقابِ السجائرِ فهي تفوقُ كلَّ أرباحِ الشركاتِ، والضرائبِ التي تُحصَّلُ مِن هذه الصناعةِ.
وفي بلادنا الجميلةِ، وبغاباتها المتميزةِ، ألقَى إنسانٌ متنزِّهٌ عقبَ دخينةٍ فأحرقَ مئتين وخمسينَ هكتاراً من الغاباتِ الخضرِ، كلُّ هذه الخسارةِ بسببِ عقبِ دخينةٍ واحدٍ.
وهناك وهمٌ عند بعضِ المدخّنين، يقول: أنا لا أشكو شيئاً، أجرِي وأركضُ، وأتمتعُ بصحةٍ جيدةٍ، وأدخِّنُ، لقد غابت عنه حقيقةٌ خطيرةٌ، وهي أنّ أخطارَ الدخانِ تتراكمُ في الجسمِ دونَ أنْ تظهرَ آثارُها إلا بعدَ إجراءِ فحوصٍ دقيقةٍ، فالإنسانُ يتوهّمُ أنه خالٍ من كلِّ مرضٍ، لكنّ آثارَ الدخانِ تتراكمُ، هناك خطٌّ أحمرُ، فإذا بلغَ هذا التراكمُ الخطَّ الأحمرَ ظهرتْ هذه الأعراضُ فجأةً، وهذا يُسمَّى انكسارَ خطِّ المقاومةِ، أنت تضعُ في إحدى كِفتي الميزانِ خمسةَ كيلوغرامات، وفي الكِفّة الثانيةِ تضعُ كيلو، اثنين، ثلاثة، أربعة، والكِفّة راجحةٌ، فجأةً عندما يصبحُ الوزنُ المقابلُ خمسةَ كيلوغرامات تتحرّكُ الكِفةُ، ما الذي حرّكها؟ هذه القشةُ الأخيرةُ، آخرُ غرامٍ؟ لا، الذي حرّكها التراكمُ السابقُ، مضافاً إليه هذه القشةُ الأخيرةُ، التي قَصمَتْ ظَهرَ البعيرِ.
يقول احد العلماء الأجانب: "شركاتُ التبغِ هي شركاتُ القتلِ، أو شركاتٌ تَتَّجِرُ بالموتِ".
إن علماءَ المسلمين السابقين لضعفِ معرفتِهم بمضارِّ بالتدخينِ وقعوا في فتاوى متضاربةٍ، فالعلامةُ ابنُ عابدينَ صاحبُ الحاشيةِ في الفقهِ الحنفيِّ، وهي أوسعُ مرجعٍ في الفقهِ الحنفيِّ يقول في حديثه عن التدخين:"منهم مَن قالَ بحرمتِه، ومنهم مَن قالَ بكراهتِه، ومنهم مَن قال بإباحتِه"، لأنّ أضرارَه لم تكن واضحةً، والأصلُ في الأشياءِ الإباحةُ، فإذا كان عالمٌ قديمٌ أباحَ الدخانَ، فبسببِ نقصٍ حادٍّ في معرفتهِ بأضرارِه، ولو انتهتْ إلى علمِه الحقائقُ القاطعةُ عن مضارِّ الدخانِ لكان أسرعَ منا إلى تحريمِه.
وبعد أن استعرَضْنَا هذا الكمَّ الكبيرَ مِن أخطارِ التدخينِ، فلا مجالَ مطلقاً للحديثِ عن إباحتِه، لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أرسلَه اللهُ رحمةً للعالمينَ، ليُحِلَّ لهم الطيباتِ، ويحرِّمَ عليهم الخبائثَ.
فهل مِن عاقلٍ واحدٍ يمسكُ سيجارةً ويدخِّنها، وقبلَ أنْ يشربَها يقولُ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، وبعدَ أنْ يشربَها يقول: الحمدُ لله، اللهمَّ زِدْنا مِن هذه النعمِ؟! هذا مستحيلٌ، إذاً هذا دليلٌ فطريٌّ على أنّ الدخانَ خبيثٌ، يقول الله عز وجل:
يقول ربنا عز وجل: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} [البقرة: 195] ، والذي يدخن يلقي بنفسه إلى التهلكة.
وقال تعالى: {ياأيها الذين آمَنُواْ لَا تأكلوا أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلَاّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلَا تقتلوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء: 29] .
وقد حرَّمَ الإسلامُ الانتحارَ، هناك انتحارٌ سريعٌ، أنْ يطعنَ المرءُ نفسَه بسكينٍ في مكانٍ قاتلٍ، هذا انتحارٌ سريعٌ، والانتحارُ البطيءُ أنْ يدخِّنَ.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أبَداً، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيْدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً".
بل إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ:"نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِّرٍ".
إنْ دخّن الفقيرُ فهو سفيهٌ، وإنْ دخّن الغنيُّ فهو مبذِّرٌ، قال تعالى:{إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُوراً} [الإسراء: 27] .
لو أنّ الأراضي الشاسعةَ التي تُشغلُ بزراعةِ التبغِ زُرِعَتْ بالخضراواتِ والفواكهِ لعمّ الخيرُ، ولزادَ الدخلُ، ولسلمتْ صحةُ الناسِ، ولكُنَّا في حال غير هذا الحال.
لقد أصدرَ كبيرُ علماءِ الدولةِ العثمانيةِ فتوى في تحريمِ الدخانِ، كما أصدرها العلاّمةُ إبراهيم اللقاني، والشيخ سالم السنبوري، ومفتي المملكة العربية السعودية، والشيخ بدر الدين الحسني، شيخ الشام، والشيخُ علي الدقر، والشيخ محمد الحامد.
وقد أصدرَ شيخُ الأزهرِ، الشيخُ جاد الحق رحمه الله فتوى هذا نصها:"أصبحَ واضحاً جلِياً أنَّ شرْبَ الدخانِ، وإن اختلفتْ أنواعُه، وطرقُ استعمالِه، يُلحِقُ بالإنسانِ ضرراً بالغاً، إنْ عاجلاً، أو آجلاً، في نفسِه، ومالِه، ويصيبُه بأمراضٍ كثيرةٍ، ومتنوعةٍ، وبالتالي يكونُ استعمالُه حراماً، بمقتضى النصوصِ التي سبقَ إيرادُها، ومِن ثَمَّ فلا يجوزُ لمسلمٍ استعمالُه بأيِّ وجهٍ من الوجوهِ، حفاظاً على الأنفُسِ، والأموالِ، وحرصاً على اجتنابِ الأضرارِ، التي أوضَحَ الطِّبُّ حدوثَها".
إنّ الحقائق العلميةَ المذكورةَ مأخوذةٌ كلها من منظماتِ صحةٍ عالميةٍ، أو مِن جامعاتٍ راقية جدّاً، أو مِن بحوثٍ متقدَّمةٍ، وهذه هي الحقيقة.
هناك ظاهرةٌ جديدةٌ، وهي أنّ أمراضَ القلبِ والأوعيةِ، وأمراضَ الدمِ، تظهر عادةً بدءاً مِن سنِّ الستين فما فوق، هذه السنّ بدأتْ تنزلُ وتتقَهقرُ، الآن هناك حالاتٌ كثيرةٌ، احتشاءٌ في سنِّ الثلاثين، وفي الخامسة والعشرين، وفي الثانية والعشرين، موتٌ بسببِ الدخانِ، هذه ظاهرةٌ جديدةٌ لم تكنْ مِن قبلُ.
إنّ أولياتِ الحياةِ ثلاثةٌ، الهدايةُ أولاً، والصحةُ ثانياً، والكفايةُ ثالثاً، لذلك فلا معنى للكفايةِ من دونِ صحةٍ، ولا معنى للصحةِ من دونِ هدايةٍ، فالصحةُ ركنٌ أساسيٌّ في حياةِ المؤمنِ، فبها يحقِّقُ خلافتَه في الأرضِ، وبها يحقِّقُ الغايةَ التي خُلِقَ مِن أجْلِها، وبها يسعدُ بالهدى، ويستمتعُ بالمالِ، فإذَا ثَبتَ لديه أنّ الدخانَ يدمِّرُ صحّتَه فلا يُعقلُ أنْ يدخِّن سيجارة واحدة.