الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[كتاب الطهارة]
[باب حكم الماء الطاهر]
[كتاب] الطهارة باب حكم الماء الطاهر يجوز التطهر من الحدث والنجاسة بكل ماء نزل من السماء: من
المطر، وذوب الثلج والبرد؛ لقول الله تعالى:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد» متفق عليه. وبكل ماء نبع من الأرض، من العيون، والبحار، والآبار، لما
روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه الحل ميتته» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
و «كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ من بئر بضاعة» رواه النسائي.
فصل:
فإن سخن بالشمس، أو بطاهر، لم تكره الطهارة به؛ لأنها صفة خلق عليها الماء، فأشبه ما لو برده، وإن سخن بنجاسة يحتمل وصولها إليه، ولم
يتحقق فهو طاهر؛ لأن الأصل طهارته، فلا تزول بالشك، ويكره استعماله لاحتمال النجاسة. وذكر أبو الخطاب رواية أخرى: أنه لا يكره؛ لأن الأصل عدم الكراهة. وإن كانت النجاسة لا تصل إليه غالباً، ففيه وجهان:
أحدهما: يكره؛ لأنه يحتمل النجاسة، فكره كالتي قبلها.
والثاني: لا يكره؛ لأن احتمال النجاسة بعيد، فأشبه غير المسخن.
وإن خالط الماء طاهر لم يغيره، لم يمنع الطهارة به؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتسل هو وزوجته من قصعة فيها أثر العجين» رواه النسائي وابن ماجه والأثرم [و] لأن الماء باق على إطلاقه.
فإن كان معه ماء يكفيه لطهارته فزاده مائعاً لم يغيره، ثم [تطهر] به، صح لما ذكرنا.
وإن كان الماء لا يكفيه لطهارته، فكذلك؛ لأنه المائع استهلك في الماء كالتي قبلها.
وفيه وجه آخر: لا تجوز الطهارة به؛ لأنه أكملها بغير الماء، فأشبه ما لو غسل به بعض أعضائه.
وإن غير الطاهر صفة الماء لم يخل من أوجه أربعة:
أحدها: ما يوافق الماء في الطهورية، كالتراب، وما أصله الماء كالملح المنعقد من الماء، فلا يمنع الطهارة به؛ لأنه يوافق الماء في صفته، أشبه الثلج.
والثاني: ما لا يختلط بالماء كالدهن والكافور والعود، فلا يمنع؛ لأنه تغير عن مجاورة، فأشبه ما لو تغير الماء بجيفة بقربه.
الثالث: ما لا يمكن التحرز منه، كالطحلب وسائر ما ينبت في الماء، وما يجري عليه الماء من الكبريت والقار وغيرهما، وورق الشجر على السواقي والبرك، وما تلقيه الرياح والسيول في الماء من الحشيش والتبن ونحوهما، فلا يمنع؛ لأنه لا يمكن صون الماء عنه.
الرابع: ما سوى هذه الأنواع، كالزعفران والأشنان والملح المعدني، وما لا ينجس بالموت كالخنافس والزنابير، وما عفي عنه لمشقة التحرز إذا ألقي في الماء قصداً، فهذا إن غلب على أجزاء الماء مثل أن جعله صبغاً، أو حبراً، أو طبخ فيه، سلبه الطهورية
[بغير] خلاف؛ لأنه زال اسم الماء، فأشبه الخل.
وإن غير إحدى صفاته طعمه أو لونه أو ريحه، ولم يطبخ فيه، فأكثر الروايات عن أحمد أنه لا يمنع؛ لقول الله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] ، ولأنه خالطه طاهر لم يسلبه اسمه، ولا رقته، ولا جريانه، أشبه سائر الأنواع. وعنه: لا تجوز الطهارة به؛ لأنه سلب إطلاق اسم الماء، أشبه ماء الباقلاء المغلي، وهذا اختيار الخرقي، وأكثر الأصحاب.
فصل:
فإن استعمل في رفع الحدث، فهو طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم:«صب على جابر من وضوئه» رواه البخاري. ولأنه لم يصبه نجاسة فكان طاهراً، كالذي تبرد به.
وهل تزول طهوريته؟
فيه روايتان:
أشهرهما: زوالها؛ لأنه زال عنه إطلاق اسم الماء أشبه المتغير بالزعفران.
والثانية: لا تزول؛ لأنه استعمال لم يغير الماء، أشبه التبرد به.
وإن استعمل في طهارة مستحبة، كالتجديد وغسل الجمعة، والغسلة الثانية والثالثة، فهو باق على إطلاقه؛ لأنه لم يرفع حدثاً، ولم يزل نجساً.
وعنه: أنه غير مطهر؛ لأنه مستعمل في طهارة شرعية، أشبه المستعمل في رفع الحدث.
فصل:
وإن استعمل في غسل نجاسة، فانفصل متغيراً بها، أو قبل زوالها، فهو نجس؛ لأنه متغير بنجاسة، أو ملاق لنجاسة لم يطهرها، فكان نجساً، كما لو وردت عليه.
وما انفصل من الغسلة التي طهرت المحل غير متغير، فهو طاهر إن كان المحل أرضاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم «أمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء» متفق عليه.
فلو كان المنفصل نجساً لكان تكثيراً للنجاسة.
وإن كان غير الأرض، ففيه وجهان:
أظهرهما: طهارته كالمنفصل عن الأرض، ولأن البلل الباقي في المحل طاهر، والمنفصل بعض المتصل، فكان حكمه حكمه.
والثاني: هو نجس؛ لأنه ماء يسير لاقى نجاسة فتنجس بها، كما لو وردت عليه.
فإن قلنا بطهارته، فهل يكون مطهراً؟ على وجهين بناء على الروايتين في المستعمل
في رفع الحدث، وقد مضى توجيههما.
فصل:
وإذا انغمس المحدث في ماء يسير ينوي به رفع الحدث، صار مستعملاً؛ لأنه استعمل في رفع الحدث، ولم يرتفع حدثه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه وهو جنب» رواه مسلم. والنهي يقتضي فساد المنهي عنه،
ولأنه بأول جزء انفصل منه صار مستعملاً، فلم يرتفع الحدث عن سائره.