الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يتابع أبا حنيفة في كل شيء، فهم مقبول. وليس هو المخاطب للشامي كما قد يوهمه كلام الأستاذ، وإنما المخاطب للشامي بما ذكر أبو حنيفة نفسه كما صريح الرواية، واحتمال أن يكون أبو حنيفة إنما أراد التنكيت لا يخفى حاله.
258- نعيم بن حماد
. ذكر الأستاذ ص 49 عن (الأسماء والصفات) للبيهقي رواية من طريقة: «سمعت نوح بن أبي مريم أبا عصمة يقول: كنا عند أبي حنيفة أول ما ظهر جهم وجاءته امرأة من ترمذ كانت تجالس جهماً
…
» وفي (تاريخ بغداد) 13 / 396 من طريقة. «قال سفيان: ما وضع في الإسلام من الشر ما وضع أبو حنيفة إلا فلان - لرجل صلب» . قال الأستاذ ص 49: «معروف باختلاق مثالب ضد أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح فيه واسع الذيل، وذكره غير واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة بل القائلين باللحم والدم. وقال الأستاذ ص 107: «له ثلاثة عشر كتاباً في الرد على من يسميهم: الجهمية، ودعا إليها العجلي فاعرض عنها
…
ولا شك أنه كان وضاع مثالب كما يقول أبو الفتح الأزدي وأبو بشر الدولابي وغيرهما، وكم أتعب أهل النقد بمناكيره، ويوجد من روى عنه من الأجلة رغبة في علو السند، ولا يرفع ذلك من شأنه إن لم يضع من شأن الراوي، ومن حاول الدفاع عنه يتسع عليه الخرق» .
أقول: نعيم من أخيار الأمة وأعلام الأئمة وشهداء السنة ما كفى الجهمية الحنفية أن اضطهدوه في حياته إذ حاولوا إكراهه على أن يعترف بخلق القرآن فأبى فخلدوه في السجن مثقلاً بالحديد حتى مات، فجر بحديده فألقي في حفرة ولم يكفن ولم يصل عليه - صلت عليه الملائكة - حتى تتبعوه بعد موته بالتضليل والتكذيب على أنه لم يجرؤ منهم على تكذيبه أحد قبل الأستاذ، إلا أن أحدهم وهو الدولابي ركب لذلك مطية الكذب فقال: «وقال غيره
…
» .
أما عقيدته أئمة السنة المخلدة في كتاب الله عز وجل، وأما الذين كان يسميهم «الجهمية» فكان أئمة المسلمين في زمانه وقبله وبعده يسمونهم هذا الاسم،
وأما إعراض العجلي عن كتبه فلم يعرض عنها مخالفة لنعيم ولا رغبة عن الأخذ عنه وهو ممن وثق نعيماً كما يأتي، وإنما كان العجلي مستغرقاً في الحديث فلم يحب أن يتشاغل بالنظر في أقوال المبتدعة والرد عليها إشفاقاً على نفسه من أن يعلق به بعض أو ضارها.
وأما كلام أئمة الجرح والتعديل فيه بين موثق له مطلقا، ومثن عليه ملين، لما ينفرد به مما هو مظنة الخطأ، بحجة أنه كان لكثرة ما سمع من الحديث ربما يشبه عليه فيخطئ» وقد روى عنه البخاري في (صحيحه) وروى له بقية الستة بواسطة إلا النسائي (1) لا رغبة في علو السند كما يزعم الأستاذ فقد أدركوا كثيراً من أقرانه وممن هو أكبر منه، ولكن علماً بصدقه وأمانته، وأن ما نسب إلى الوهم فيه ليس بكثير في كثرة ما روى.
فأما الدولابي فهو محمد بن أحمد بن حماد له ترجمة في (الميزان) و (اللسان) قال ابن يونس: «من أهل الصنعة حسن التضعيف وكان يضعف» وقال الدارقطني: «تكلموا فيه لما تبين من أمره الأخير» وذكر ابن عدي قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور بن زازان عن الحسن عنه، أنه معبد بن هو ذة الذي ذكره البخاري في (تاريخه) .
قال ابن عدي: «هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هو ذة أنصاري فكيف يكون جهنيا؟ «ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابي على ذلك إلا ميله لمذهبه» . وقال ابن عدي أيضاً: «ابن حماد متهم فيما قاله في نعيم بن حماد لصلابته في أهل الرأي» . وفي ترجمة نعيم من (مقدمة الفتح) بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي «وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصباً عليه لأنه كان شديداً على أهل الرأي. وهذا هو
(1) قلت: لم يحتج به الشيخان، أما البخاري فأخرج له مقروناً كما في خاتمة «الترغيب» للمنذري، وترجمة نعيم من «التهذيب» . وأما مسلم، فأخرج له في مقدمة «صحيحه» كما يشعر بذلك رمزهم له ب «مق» . ن.
الصواب» وقال في (التهذيب) : «حاشى الدولابي أن يتهم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم» .
أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عهدة ذاك النقل المريب فإن ابن عدي قال كما في (التهذيب) : «قال لنا ابن حماد - يعني الدولابي - نعيم يروي عن ابن المبارك قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي وابن حماد متهم
…
» فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يعتد بقوله وإلا لصرح به وصرخ به صراخاً. فإن كان سمعها ممن لا يعتد به فلم يكن له أن يحكيها على هذا الوجه بل كان عليه أن يعرض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرح باسمه. وإن كان يسمعها من أحد وإنما اختلق ذلك فأمره أسوأ، وإن كان كنى بقوله:«غيره» عن نفسه كأنه أراد «وقلت أنا» فالأمر في هذا أخف، وقد عرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يقبل قوله فيه بلا حجة مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يذكر معهم.
وأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي فهو نفسه على يدي عدل! وترجمته في (تاريخ بغداد) و (الميزان) و (اللسان) تبين ذلك، مع أنه إنما نقل كلام الدولابي وإن لم يصرح باسمه، والدليل على ذلك توافق العبارتين، أما عبارة الدولابي فقد مرت، وأما عبارة الأزدي فقال:«قالوا كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزورة قي صلب أبي حنيفة كلها كذب» .
أما كلام الأئمة فقال الإمام أحمد: «لقد كان من الثقات» وقال العجلي:: «ثقة» ، وقال أبو حاتم مع تشدده:«صدوق» وروى عنه البخاري في (صحيحه) كما مر وأخرج له بقية الستة إلا النسائي، وصح عن ابن معين من أوجه أنه قال:«ثقة» وروى عنه، وجاء عنه أنه مع ثنائه عليه لينه في الرواية، وأتم ذلك رواية علي بن حسين بن حبان وفيها عن ابن معين «نعيم بن حماد صدوق ثقة رجل صالح،
أنا أعرف الناس به، كان رفيقي بالبصرة
…
إلا أنه كان يتوهم الشيء فيخطئ فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق» . وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه؟ فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به» . وهذا يدل أن ما روي عن النسائي أنه قال مرة: «ليس بثقة» إنما أراد بها أنه ليس في أن يحتج به، وهب أن النسائي شدد فكلام الأكثر أرجح ولا سيما ابن معين، لكمال معرفته ولكونه رافق نعيماً وجالسه انتقدت عليه ثم قال:«وعامة ما أنكر عليه هو الذي ذكرته وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيماً» . وقال ابن حجر في (التهذيب) : «أما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه ولكن في حديثه أو هام معروفة وقد قال فيه الدارقطني: إمام في السنة كثرة الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه. وقد مضى أن ابن عدي تتبع ما وهم فيه، فهذا فصل القول فيه» .
وإنما أوقع نعيماً فيما وقع فيه من الأوهام أنه سمع فأكثر جداً من الثقات ومن الضعفاء، قال أحمد بن ثابت أبو يحيى «سمعت أحمد ويحيى بن معين يقولان: نعيم معروف بالطلب» ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي (الميزان) عن ابن معين يقولان: نعيم معروف بالطلب» ثم ذمه بأنه يروي عن غير الثقات. وفي (الميزان) عن ابن معين: «نعيم بن حماد
…
كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث» . هذا ما سمعه من رجل واحد ليس هو بأشهر شيوخه فما ظنك بمجموع ما عنده على شيوخه؟ وقال صالح بن محمد «كان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها» فلكثرة حديث نعيم عن الثقات وعن الضعفاء واعتماده على حفظه كان ربما اشتبه عليه ما سمعه من بعض الضعفاء بما سمع من بعض الثقات فيظن أنه سمع الأول بسند الثاني فيرويه كذلك. ولو لم يخطئ وروى كما سمع أتبين أنه إن كان هناك نكارة فالحمل فيها على من فوقه.
وقد تقدم أن ابن عدي تتبع ما انتقد على نعيم، وذكر الذهبي في (الميزان)