الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يكونون رضوه في رأيه ولا يدرون ما حاله في الحديث. كما رضي أهل المغرب أصبغ بن خليل وقد مرت ترجمته. وقد كان يمكن الأستاذ أن يقول: ذكروا أن أبا زرعة الرازي كذبه ولا ندري ما الذي اعتمده في تكذيبه، ولا كلام أبي حاتم يعطي أن بشاراً صدوق إلا أنه مضطرب الحديث، ويقوى ذلك رضا حنفية خراسان به والتصديق يقدم على التكذيب المبهم. والله أعلم.
لكن الأستاذ لا يرى لأئمة السنة حقاً ولا حرمة، ولا يرقب فيهم إلا ولا ذمة لا يرعى تقوى ولا تقية، ولا يرى أن في أهل الحق بقية، فيدع بقية، فلندعه يصرح أو يكني، وعلى أهلها براقش تجني!
153- عبيد الله بن محمد بن حمدان أبو عبد الله ابن بطة العكبري
. في (تاريخ بغداد) 13 / 413 عنه: «حدثنا محمد بن أيوب بن المعافى البزار قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: وضع أبو حنيفة أشياء في العلم مضغ الماء أحسن منها. وعرضت يوماً شيئاً من مسائله على أحمد بن حنبل فجعل يتعجب منها. ثم قال: كأنه هو يبتدئ الإسلام» قال الأستاذ ص 148 «من أجلاد الحشوية له مقام عندهم إلا أنه لا يساوي فلساً، وهو الذي روى حديث ابن مسعود (كلم الله تعالى موسى عليه السلام يوم كلمه وعليه حبة صوف، وكساء صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي) فزاد فيه: (فقال: من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة؟ قال: أنا الله) . والتهمة لاصقه به لا محالة لانفراده الزيادة كما يظهر من طرق الحديث في (لسان الميزان) وغيره، وما فعل إلا ليلقى في روع السامع أن كلام الله تعالى من قبيل كلام البشر بحيث يلتبس على السامع كلامه تعالى بكلام غيره. تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى. وكتبه من شر الكتب وله طامات» .
أقول: أما ذاك الحديث فيظهر أن ابن بطة لم يذكر تلك الزيادة على أنها من الحديث، وإنما ذكرها على جهة الاستنباط والتفسير أخذاً من الحديث ومن قول الله تبارك وتعالى في شأن موسى «فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي
الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ» (القصص:30) وقوله عز وجل «فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (*) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (النمل 8-9)
وابن بطة كغيره من أئمة السنة بحق يعتقدون أن الله تبارك وتعالى يتكلم بحرف وصوت، وقد نقل بعض الحنفية اتفاق الأشاعرة والماتريدية على أن الله تعالى كلم موسى بحرف وصوت كما نقلته في قسم الاعتقاديات. وذكر الحنفية في كتابهم المنسوب إلى أبي حنيفة باسم (الفقه الأكبر) ما لفظه:«وسمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى» قال المغنيساوي في شرحه: «والله تعالى قادر أن يكلم المخلوق من الجهات أو الجهة الواحدة بلا آلة ويسمعه بالآلة كالحرف والصوت لاحتياجه إليها في فهمه كلامه الأزلي فإنه على ذلك قدير لأنه على كل شيء قدير» .
وكما يحتاج موسى إلى الحرف والصوت يحتاج إلى أن يكون بلغته وان يكون على وجه يأنس به. فعلى كل حال قد دل الكتاب والسنة كالآيات المتقدمة وسياق الحديث على أن الله تعالى كلم موسى بحرف وصوت، وظهر بما تقدم أنه كلمه بلسانه العبراني على الوجه الذي يأنس به. ودلت الآية الثالثة على أن موسى سمع الكلام فقال في نفسه إن لم يقل بلسانه:«من ذا العبراني الذي يكلمني من الشجرة» فأجيب بقول الله تعالى: «إنه (1) أنا الله العزيز الحكيم» فذكر ابن بطة ذلك على وجه الاستنباط والتفسير، واعتمد في رفع الالتباس على قرينة حالية مع علمه بأن الحديث مشهور (2) فجاء من بعده فنوهم أنه ذكر الكلام على أنه جزء
(1) الأصل (إني) .
(2)
قلت: الحديث المشهور اصطلاحاً يشمل الصحيح والضعيف وما لا أصل له، فليس في وصف الحديث بالشهرة ويعطي حديث ثابت، وهذا الحديث نفسه الذي رواء ابن بطة وزاد فيه ما زاده لا يثبت من أصله. فقد قال فيه الأمام أحمد: «منكر ليس =
من الحديث. ولابن بطة أسوة فيمن اتفق له مثل من الصحابة وغيرهم كقول ابن مسعود مع حديث الطيرة «وما منا إلا» ومع حديث التشهد «إذا قلت هذا
…
» ومع حديث آخر «ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار» وأمثال هذا كثير، قد أفردت بالتأليف كما تراه في الكلام على قسم المدرج من (تدريب الراوي) وغيره.
قول الأستاذ: «تعالى الله عن مزاعم المشبهة في إثبات الحرف والصوت له تعالى» .
جوابه: بل تعالى الله عن العجز والكذب، وتفصيل هذا في قسم الاعتقاديات قوله:«وكتبه من شر الكتب» .
جوابه بل شر الكتب ما تضمن تكذيب خبر الله تعالى وخبر رسوله كذلك.
قوله: «وله طامات» .
إن كان يريد ما يتعلق بالعقائد فقد علم جوابه مما مر، وإن أراد ما يتعلق بالرواية فدونك النظر فيه:
ذكر الخطيب في (تاريخه) ابن بطة وحكى أشياء انتقدت عليه في الرواية فتعقبه ابن الجوزي في (المنتظم) وأنحى باللائمة على الخطيب. قال الخطيب في أول الترجمة: «كان أحد الفقهاء على مذهب أحمد بن حنبل
…
أخبرني الحسن بن شهاب بن الحسن العكبري (بها) حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان ابن بطة حدثنا أبو القاسم
= بصحيح» . وضعفه أيضاً العقيلي وابن عدي وغيرهما، وذكروا أنه تفرد به حميد الأعرج، وهو ضعيف جداً، كما بينته في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (1240) ، فلو أن ابن بطة كان من علماء هذا الشأن لكان الأولى به أن يبين ضعف الحديث كما فعل إمامه، بدل أن يزيد فيه تلك الزيادة التي جرأت عليه الكوثري وغيره من ذوي الأهواء فاتهموه ظلماً بالوضع. والله المستعان.
حفص بن عمر بن الخليل بأردبيل حدثنا رجاء بن مرجي بسمرقند
…
» ثم حكى عن عبد الواحد بن علي بن برهان وقد مرت ترجمته «قال: لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا في غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة» ثم حكى عن أبي حامد أحمد بن محمد الدلوي وهو أشعري «قال: لما رجع أبو عبد الله ابن بطة من الرحلة لازم بيته أربعين سنة فلم ير خارجاً منه في سوق ولا رئي مفطراً إلا في يوم الأضحى والفطر، وكان أماراً بالمعروف ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره - أو كما قال» وفي أواخر الترجمة «أخبرنا العتيقي قال سنة 387 فيها توفى بعكبرا أبو عبد الله ابن بطة في المحرم وكان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة» .
وذكر الخطيب أموراً انتقدت على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية.
الأول: أنه روى عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي (كتاب السنن) له فذكر الخطيب أن أبا ذر عبد بن أحمد الهروي كتب إليه من مكة أنه سمع نصر الأندلسي.
قال: وكان يحفظ ويفهم فذكر قصة حاصلها أنه سمع من ابن بطة (كتاب السنن) لرجاء بن مرجى من ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء فذكر ذلك للدارقطني، قال:«هذا محال دخل رجاء بن مرجى بغداد سنة أربعين ودخل حفص بن عمر الأردبيلي سنة سبعين ومائتين فكيف سمع منه؟» وذكر الخطيب عن ابن برهان قصة حاصلها أن ابن بطة ورد بغداد فحدث عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجئ (كتاب السنن) قال: «فأنكر ذلك أبو الحسن الدارقطني وزعم أن حفصاً ليس عنده عن رجاء وأنه يصغر عن السماع منه، فابردوا بريداً إلى (أردبيل) وكان ابن حفص بن عمر حياً هناك وكتبوا غليه يستخبرونه عن هذا الكتاب، فعاد جوابه بأن أباه لم يرو عن رجاء بن مرجى ولا رآه قط وأن مولده كان بعد موته بسنين» قال ابن برهان: «فتتبع ابن بطة النسخ التي كتبت عنه وغير الرواية وجعلها عن ابن الراجيان عن (فتح بن) شحرف (1) عن رجاء.
أجاب ابن الجوزي بأن أبا ذر أشعري وأن ابن برهان مبتدع على ما تقدم في
(1) كذا الأصل بالحاء المهملة، وفي «التاريخ» (10 / 37) بالمعجمة.
ترجمتيهما، ولا يخفي سقوط هذا الجواب فإن أبا ذر ثقة كما مر، وابن برهان يدل سياقه للحكاية على أنه صادق فيها، ورواية ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء ثابتة كما تقدم أن الخطيب روى عن الحسن ابن شهاب عن ابن بطة بهذا السند والحسن بن شهاب حنبلي ثقة. ورجاء توفي ببغداد وكان قد أقام بها آخر عمره مدة والأردبيلي توفي سنة 339 وبين وفاتيهما تسعون سنة يضاف إليها مدة إقامة رجاء ببغداد آخر لأن الأردبيلي إنما سمع منه إن كان سمع بسمرقند على ما رواه الخطيب عن الحسن ين شهاب، وأضف إلى ذلك مقدار سن الأردبيلي الذي مكنه أن يرحل من بلده إلى سمرقند حيث سمع رجاء، وهذان المقداران يمكن حزرهما بعشرين أو ثلاثين سنة تضاف إلى التسعين التي بين الوفاتين، وعلى هذا يكون الأردبيلي بلغ من العمر مائة وبضع عشرة سنة على الأقل فيكون مولده قريباً من سنة 220 على الأقل باطل حتماً وبيانه أن عادة الذهبي في «تذكرة الحفاظ) أن يذكر من مشايخ الرجل أقدمهم وإنما قال في ترجمة الأردبيلي «سمع أبا حاتم الرازي ويحيى بت أبي طالب وعبد الملك بن محمد الرقاشي وإبراهيم بن ديزيل» وهؤلاء كلهم ماتوا بعد سنة 274 فهل رحل الأردبيلي وسمع سنة 230 فسمع من رجاء بسمرقند ثم رقد بعد ذلك أربعين سنة ثم استيقظ فسمع من الذين سماهم الذهبي؟ فالوهم لازم لابن بطة حتماً وسببه انه ساح في أول عمره فكان يسمع ولا يكتب ولم يكن يؤمل أن يحتاج آخر عمره إلى أن يروي الحديث ولهذا لم تكن له أصول، وفي (لسان الميزان) :«قال أبو ذر الهروي: جهدت على أن يخرج لي شيئاً من الأصول فلم يفعل، فزهدت فيه» وبعد رجوعه من سياحته انقطع في بيته مدة ثم احتاج الناس إلى أن يسمعوا منه فكان يتذكر ويروي على حسب ظنه فيهم، وكأنه سمع (سنن رجاء بم مرجى) من الأردبيلي عن رجل فتوهم بآخره أن الأردبيلي رواها عن رجاء نفسه، وقد رجع ابن بطة عن هذا السند لما تبين له أنه وهم. والله أعلم.
الأمر الثاني: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: «قال لي الحسن بن شهاب
سألت أبا عبد الله ابن بطة: أسمعت من البغوي حديث علي بن الجعد؟ فقال: لا» قال ابن برهان: «وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نسخة بحديث علي بن الجعد قد حككها وكتب بخطه سماعه عليها» .
أقول: تفرد بهذا ابن برهان ولم يرو ابن بطة حديث علي بن الجعد عن البغوي، وابن برهان لا يقبل منه ما تفرد به، ولعله وهم كأن كان الخط غير خط ابن بطة فاشتبه على ابن برهان، وكأن يكون ابن بطة إنما كتب «هذا الكتاب من مسموعاتي» أو نحو ذلك يعني أنه سمعه من غير البغوي فوهم ابن برهان.
الثالث: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: وروى ابن بطة عن أحمد بن سلمان النجاد عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي نحواً من مائة وخمسين حديثاً فأنكر ذلك عليه بن محمد بن ينال وأساء القول فيه وقال: إن النجاد لم يسمع من العطاردي شيئاً حتى همت العامة أن توقع بابن ينال واختفى. قال: وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث تلك الأحاديث في تصانيفه وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله» .
أقول: قد مر الكلام في ابن برهان ولكن دخول الوهم عليه في هذا بعيد والنجاد يقال إنه ولد سنة 253 وسمع من الحسن بن مكرم المتوفى سنة 274 ورحل إلى البصرة وسمع بها من أبي داود المتوفى سنة 275 ووفاة العطاردي سنة 272 فلا مانع من أن يكون النجاد قد سمع من العطاردي فإن قبلنا ما حكاه ابن برهان عن ابن ينال فلا مانع من أن يكون للنجاد إجازة من العطاردي ولابن بطة إجازة من النجاد فروى ابن بطة تلك الأحاديث بحق ألا جازة فكان ماذا؟ فأما حكه لبعضها فلعله وجدها أو ما يغني عنها بالسماع من وجه آخر فحك ما رواه بالإجازة وأثبت السماع.
الرابع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن الحسن بن خيرون قال: رأيت كتاب ابن بطة ب (معجم البغوي) في نسخة كانت لغيره وقد حكك اسم صاحبها وكتب اسمه عليها» وفي (لسان الميزان» عن ابن عساكر قال: «وقد أراني شيخنا أبو
القاسم السمرقندي بعض نسخة ابن بطة بـ (معجم البغوي) فوجدت سماعه فيه مصلحاً بعد الحك كما حكاه الخطيب عن ابن خيرون» .
أجاب ابن الجوزي بقوله ك «أتراه إذا حصلت للإنسان نسخة فحك اسم صاحبها وكتب سماع نفسه وهي سماعه أن يوجب هذا طعنا؟» .
أقول: هذا بمقتضى العادة يدل أنه لم يكن لابن بطة أصل بسماعه (المعجم) من البغوي فإنه لو كان له اصل به لكان اسمه كتب وقت السماع فإن كان سمع في ذاك الأصل مع آخر فإنه يكتب سماعها معاً فما الحاجة إلى الحك ثم الكتابة مرة أخرى؟ وقد قال الخطيب: «قال لي أبو القاسم الأزهري ك ابن بطة ضعيف ضعيف ليس بحجة، عندي عنه (معجم البغوي) ولا أخرج عنه في الصحيح شيئاً. قلت: له ك كيف كان كتابه ب (المعجم) ؟ فقال: لم نر له أصلاً وإنما دفع غلينا نسخة طرية بخط ابن شهاب فنسخنا منها وقرأنا عليه» . وتقدم عن أبي ذر الهروي أنه جهد أن له ابن بطة شيئاً من أصوله فلم يفعل. وذكر ابن بطة فيما رواه أبن الجوزي قصة سماعه (المعجم) من البغوي وفيها: «ثم قرأنا عليه (المعجم) في نفر خاص في مدة عشر أيام أو أقل أو أكثر وذلك في سنة خمس عشر أو ست عشرة» والظاهر أنه لو كان أصل سماعه عنده لكان التاريخ مقيدا فيه فلا يحتاج إلى الشك. فأما قول أبن الجوزي: «قرأت بخط أبي القاسم ابن الفراء
…
قابلت أصل ابن بطة (المعجم) فرأيت سماعة في كل جزء إلا أني لم أر الجزء الثالث أصلا» . فذاك هو السماع الملحق الذي ذكره ابن خيرون وابن عساكر.
فالذي يتحصل أنه لم يكن عند ابن بطة أصل سماعه ب (المعجم) فإما إن يكون كان له أصل فضاع أو تلف وإما أن يكون سمع في نسخة لغيره لم تصر إليه وكأنه ظفر بنسخة أخرى وثق بصحتها فتسمح في الرواية عنها. والله أعلم.
الخامس: ذكر الخطيب عن أبي القاسم التنوخي عن أبي عبد الله بن بكير قال:
«لبن بطة لم يسمع (المعجم) من البغوي وذلك أن البغوي حدث به دفعتين،
الأولى منها قبل سنة ثلاثمائة (قبل مولد ابن بطة) في مجلس عام والأخرى بعد سنة ثلاثمائة في مجلس خاص لعلي بن عيسى (الوزير) وأولاده» قال الخطيب: «وفي هذا القول نظر لأن محمد بن عبد الله بن الشخير قد روى عن البغوي (المعجم) وكان سماعه بعد الثلاثمائة بسنين عدة ولعل ابن بكير أراد بالمرتين قبل سنة عشر وثلاثمائة وبعدها
…
ومما يدل على ذلك أن أبا حفص أبن شاهين كان من المكثرين عن الغوي وكذلك أبو عمر حيوية وابن شاذان ولم يكن عند أحد منهم (المعجم) فهذا يدل على أن رواية العامة كانت قبل العشر بسنين عدة» .
أجاب ابن الجوزي بأن التنوخي كان معتزليا يميل إلى الرفض.
أقول: هو صدوق ولكن قد دل ما ذكره الخطيب أن سماع ابن الشخير كان بعد الثلاثمائة بسنين عدة على أن البغوي حدث ب (المعجم) دفعة ثالثة ولعلها كانت لنفر خاص فلم يقف عليها ابن بكير ولم يحضرها ابن شاهين وابن حيوية ابن شاذان. وقد تكون هناك دفعة رابعة خاصة أيضا. وقد ذكر ابن بطة فيما رواه ابن الجوزي قصة حاصلها أن أباه بعثه وهو صغير مع شريك له من أهل بغداد فأدخله على البغوي واسترضوه أن يحدثهم ب (المعجم) في نفر خاص قال: «ثم قرأنا عليه المعجم
…
» إلى آخر ما تقدم آنفا. وفي القصة: «وأذكره وقد قال: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني سنة 244 فقال المستملي خذوا هذا قبل أن يولد كل محدث على وجه الأرض. وسمعت المستملي وهو أبو عبد الله بن مهران يقول له: من ذكريات يا ثلث الإسلام» والظاهر أن هذا كان في مجلس عام حدث فيه الغوي بأحاديث غير المعجم الذي أختص به ابن بطة ومن معه ويشهد لذلك أن ابن بطة قد روى عن البغوي أحاديث ليست في (المعجم) كما يأتي. والله أعلم.
السادس: قال الخطيب: شاهدت عند حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق نسخة بكتاب محمد ابن عزيز في (غريب القرآن) وعليها سماع ابن السوسنجردي من ابن بطة عن ابن عزيز فسألت حمزة عن ذلك؟ فأنكر أن يكون ابن بطة سمع الكتاب من ابن عزيز وقال: ادعى سماعه ورواه» .
أقول: ليس هناك ما يدفع دعواه فقد أدرك ابن عزيز إدرار كأبينا.
السابع: قال الخطيب: «قلت: وكذلك أدعى سماع كتب أبي محمد بن قتيبة ورواها عن شيخ سماه: ابن أبي مريم. وزعم أنه دينوري حدثه عن ابن قتيبة. وابن أبي مريم هذا لا يعرفه أحد من أهل العلم ولا ذكره سوى ابن بطة. والله أعلم» .
أقول: كأن ابن بطة لقي في سياحته رجلا دينوريا ذكر له أنه سمع كتب ابن قتيبة ويكون هذا الدينوري سياحا لم يتصد للرواية وإنما اتفق أن لقيه ابن بطة في سياحته.
الثامن: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: «قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: طلب العلم فريضة على كل مسلم» . قال الخطيب: «قلت: هذا الحديث باطل من حديث مالك ومن حديث مصعب ومن حديث البغوي عن مصعب وهو موضوع بهذا الإسناد والحمل فيه على ابن بطة» . (1)
أقول: تقدم أن ابن برهان ليس بعمدة ولعله سمع من أبي الفوارس يقول: بلغني عن ابن بطة أو نحو ذلك. ولو روى ابن بطة هذا الحديث لكان الظاهر أن يشتهر عنه وينتشر. ولو صح عنه لحمل على الوهم فإنه سمع من البغوي. وهو صغير ولم يكن له أصول إنما كان يحمل على حفظه فيهم فيحتمل أن يكون سمع الحديث من البغوي بسند آخر وسمع منه حديثا أو أكثر بهذا السند فوهم. (2) .
التاسع: قال الخطيب: «حدثني أحمد بن محمد العتيقي بلفظه من أصل كتابه وكتبه لي بخطه قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن حمدان الفقيه (ابن بطة) بعكبرا
(1) قلت: قال الذهبي في (سير النبلاء) 10 / 280/ 1 عقب عبارة الخطيب هذه: «قلت: أفحص العبارة وحاشى الرجل من التعمد لكنه غلط ودخل عليه إسناد في إسناد» . ن
(2)
قلت: وهو الذي جزم به الحافظ الذهبي كما تقدم آنفا. ن
حدثنا عبد الله بن محمد البغوي حدثنا مصعب بن عبد الله الزبيري حدثنا مالك بن أنس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا» الحديث.
وهذا الحديث أيضا باطل من رواية البغوي عن مصعب. ولم أره عن مصعب عن مالك أصلا، والله أعلم» .
أقول: الحديث في (الصحيحين) وغيرهما من رواية جماعة عن مالك ولا يبعد أن يكون عند مصعب أيضا فلا يرويه عنه إلا البغوي لكن يبعد جدا أن يكون الحديث كان عند الغوي من هذا الوجه العالي فلا يرويه عنه إلا ابن بطة الذي حمل إليه وهو صغير ولم يطل مقامه عنده فالحكم بوهم ابن بطة في هذا واضح. (1)
ولنعم ما قال الذهبي في (الميزان) : «إمام ذو أو هام
…
ومع قلة إتقان ابن بطة في الرواية كان إماماً في السنة، إماماً في الفقه، صاحب أحوال وإجابة ودعوة رضي الله عنه» (2) .
وعليك أن لا تقصر نظرك على هذه الأمور فترى في اجتماعها واستضعافك لبعض الأجوبة ما يحملك على سوء الظن بابن بطة، بل ينبغي لك أن تنظر أيضاً إلى حاله في نفسه، وقدم قول ابن برهان المعتزلي نفسه:«لم أر في شيوخ أصحاب الحديث ولا غيرهم أحسن هيئة من ابن بطة» . وقول أبي حامد الدلوي الأشعري: «
…
ولا رئي مفطراً إلا في يوم الأضحى والفطر (3) وكان أماراً بالمعروف، ولم يبلغه خبر منكر إلا غيره» . وقول العتيقي: «
…
كان شيخاً صالحاً مستجاب الدعوة» . وقال أبو الفتح بن القواس: «ذكرت لأبي سعد الإسماعيلي ابن بطة وعلمه وزهده، فخرج غليه، فلما عاد قال: هو فوق الوصف» . وقال ابن الجوزي في
(1) قلت: ولذلك قال الذهبي عقب الحديث من (الميزان) : «وهو بهذا الإسناد باطل» . ن
(2)
وقال في «السير» : «قلت: لابن بطة مع فضله أوهام وغلط» . وقال في (الغلو للعلي الغفار) ص 141 طبع الأنصار: «صدوق في نفسه، وتكلموا في إتقانه» .
(3)
قلت: هذا صوم الدهر فلا يشرع، ولحديث «لا صام ولا أفطر» فلا يمدح به! ن