الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المسألة الأولى: إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس
في (تاريخ بغداد) 13/389 من طريق «الفضل بن موسى السيناني يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: من أصحابي من يبول قلتين. يرد على النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان الماء قلتين لم ينجس» .
أقول: في هذه العبارة ستة أمور كما أشرت إليه بالأرقام.
فأما الأمر الأول فالمنقول عن السلف قبل أبي حنيفة وفي عصرها مذهبان:
الأول: أن الماء سواء أكان قليلاً أم كثيراً لا ينجس إلا أن تخالطه النجاسة فتغير لونه أو ريحه أو طعمه، وإليه ذهب المالك، وكذلك أحمد في رواية وهو أيسر المذاهب علماً وعملاً، وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث
أن الماء طهوراً لا ينجسه شيء (1) وجاء في الروايات استثناء ما غيرت النجاسة أحد أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الاسناد، ولكن حكوا الاجماع على ذلك.
المذهب الثاني: أن هذا حكم الماء الكثير بحسب مقداره في نفسه فأما القليل فينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يغير أحد أوصافه، والقائلون بهذا يستثنون بعض النجاسات كالتي لا يدركها الطرف، والتي تعم بها البلوى وميتة ما لا دم له سائل، وتفصيل ذلك في كتب الفقه. ثم المشهور في التقدير أن ما بلغ قلتين فهو كثير وما دون ذلك فهو قليل جاء في هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث القلتين، وروي من قول عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبي هريرة، ومن قول مجاهد وغيره من التابعين، وأخذ به نصاً عبيد الله بن عبد الله بن عمر وبعض فقهاء مكة، والظاهر أن كل من روى الحديث من الصحابة فمن بعدهم يأخذ به، ولا يُعدل عن هذا الظاهر إلا بإثبات خلافة، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدير آخر، فأما من بعده فرويت أقوال:
أولها عن ابن عباس ذكر ذنوبين (2) ، وفي سنده ضعف، ولو صح لما تحتمت مخالفته للقلتين فإن ابن عباس معروف بالميل إلى التيسير والتوسعة فلعله حمل القلتين على الإطلاق فرأى أنه يصدق بالقلتين الصغيرتين اللتين تسع كل منها ذنوباً (3) فقط.
ثانيها: عن سعيد بن جبير ذكر ثلاث قلال، وسعيد كان بالعراق فكأنه رأى قلال العراق صغيرة، كما أشار الشافعي القرب إلى ذلك في القرب، فحرز سعيد أن
(1) - انظر تخريج الحديث طرقه ومن صححه من الأئمة في كتابنا «إرواء الغليل» رقم (12) ، وقد قاربنا الفراغ منه، ويسر الله طبعه بمنه وكرمه، وفي (صحيح أبي داود) رقم 59.ن
(2)
و (3) الذنوب: الدلو، والقرب مثله.
ثلاثا من قلال العراق تعادل القلتين اللتين يحمل عليهما الحديث.
ثالثها: عن مسروق قال: «إذا بلغ الماء كذا لم ينجسه شيء» ونحوه عن ابن سيرين وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وهؤلاء عراقيون فإما أن يكونوا لم يحققوا مقدار القلتين في الحديث بقلال العراق فأجملوا، وإما أن يكون كل منهم أشار إلى ماء معّين فأراد بقوله:«كذا» أي بمقدار هذا الماء المشار إليه، وقد ثبت بقولهم أنهم يرون التقدير، ولأن يحمل ذلك على التقدير المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى من أن يحمل على تقدير لا يعلم له مستند من الشرع.
رابعها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ذكر أربعين قلة، وروي مثله من وجه ضعيف عن أبي هريرة، وقيل عنه أربعين غرباً (1) ، وقيل، أربعين دلواً. وهذا القول يحتمل معنيين، الأول: المعنى المعروف لحديث القلتين، والمعنى الثاني أن ما بلغ الأربعين لا ينجس البتة، إلا مخالطة نجاسة لا تغير أحد أوصافه، لأنه قلتان وأكثر، ولا بمخالطة نجاسة تغير أحد أوصافه لأن ذلك لا يقع عادة، إذ لا يعرف ذاك العصر ببلاد العرب ماء يبلغ أربعين أو أزيد تقع فيه نجاسة تغيره. والمعنى الأول يحتاج إلى الاستثناء من منطوقه فيقال: إلا أن يتغير، ومن مفهومه فيقال: إلا بعض النجاسات كميتة ما لا دم له سائل، مع ذلك لا يكون لمفهومه مستند معروف من الشرع بل المنقول عن الشرع خلافه.
وأيضاً فلم يذهب إليه أحد من الفقهاء. فأما أن يترجح المعنى الثاني وتكون فائدة ذاك القول أن من ورد ماء فوجده متغيراً فإن كان من الكثرة بحيث لا يعرف عادة أن تقع فيه نجاسة تغيره فله استعماله بدون بحث، وإن كان دون ذلك فعليه أن يتروى ويبحث، وإما أن يحمل على المعنى الأول ويطرح مفهومه ويقال: لعل ذاك القول كان عند سؤال عن ماء بذاك المقدر وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، فذكر الأربعين لموافقة الواقع لا للتقيد.
(1) الغرب: هو إناء من جلد البقر يستخرج به الماء من الآبار.
هذا، ولم أجد عن المتقدمين من الفقهاء، وغيرهم حرفا واحداً فيه التفات إلى ما اعتمده الحنفية من اعتبار مساحة وجه الماء دون مقداره وكان الأستاذ شعر بهذا فحاول عبثاً أن يشرك مع مذهبه في ذلك مذهب القلتين، إذ قال:«لم يأخذ به أحد الفقهاء قبل المائتين» وقد علم أن القول بالقلتين مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن جماعة من الصحابة والتابعين وغيرهم.
فأما الحنفية فذهبوا في الجملة إلى الفرق بين القليل والكثير لكنهم لم يعتبروا مقدار الماء في نفسه، وإنما نظروا إلى مساحة وجهه وعندهم في ذلك روايات:
الأولى: أن الماء راكد الذي تقع فيه نجاسة لا تغير أحد أوصافه، إذا كانت مساحة وجهه بحيث يظن المحتاج خلوص النجاسة من أحد طرفية إلى الآخر بنجس وإلا فلا.
الثانية: أنه إذا كانت بحيث ذا حرك أدناه اضطرب شديد جداً كما تراه في كتبهم المطولة.
واستبعد بعضهم عدم اعتبار العمق، فاشترطوا عمقاً! واختلفوا في قدره! فقيل أن يكون بحيث لا ينحسر بالاغتراف، وقيل: أربع أصابع، وقيل: ما بلغ الكعبين، وقيل: شبر، وقيل: ذراع، وقيل: ذراعان!!!
واختلف على الرواية الثانية في الحركة فقيل: حركة المغتسل، وقيل المتوضئ، وقيل اليد، ولم يعتبروا وقوع الحركة إنما ذكروها لمعرفة قدر المساحة، سواء في الحكم عندهم أكان الماء عند وقوع النجاسة وبعدها ساكناً أم تحرك، وقالوا: إذا كان بالمساحة المشروطة فللمحتاج أن يغتسل النجاسة وإن لم يكن قد تحرك! وقالوا: إذا كانت مساحة وجه الماء تساوى القدر المشروط كفى وإن كان دقيقاً كأن يكون طوله مائة ذراع وعرضه ذراعاً! وقال محققهم ابن الهمام في ترجيح الرواية الأولى: «هو الأليق بأصل أبي حنيفة أعني عدم التحكم بتقدير فيما لم يرد فيه تقدير شرعي» .
أقول: والرواية الأولى فيها تحكم، والبول مثلاً إذا وقع في الماء ثم تحرك الماء خلصت ذرات البول إلى جميع الماء كما تشاهد إذا صببت قارورة مداد في حوض فقد
يظهر لون مداد في الماء واضحاً، وقد يظهر بتأمل، وقد لا يظهر ذلك بسب اختلاف قدر الماء وقدر المداد وقدر لونه، وعلى كل حال فالخلوص محقق، وإنما لا يظهر اللون لتفرق الذرات، وظنون الناس لا ترجع غالباً إلى دلالة وإنما ترجع إلى طبائعهم، فمنهم متقزز ينفر عن حوض كبير إذا رأى إنساناً واحداً بال فيه وآخر لا ينفر، ولكن لوا رأى ثلاثة بالوا فيه لنفر، وثالث لا ينفر ولو رأى عشرة بالوا فيه. وإذا جردت الرواية الأولى عن التحكم، لم يكد يتحصل منها إلا أن قائلها وَكَّل الناس إلى طباعهم، وفي عد هذا قولاً ومذهباً نظر. وقد حكى الحنفية أن محمد بن الحسن كان يقول: بعشر في عشر، ثم رجع وقال:«لا أوقت شيئاً» وعقد الشافعي لهذه المسألة باباً طويلاً تراه في الكتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) ج7ص105-125 وذكر أنه أنه ناظر بعضهم، والظاهر أنه محمد بن الحسن، وفي المناظرة:«قال قد سمعت قولك في الماء» فلو قلت لا ينجس الماء بحال للقياس على ما وصفت أن الماء يزيل الأنجاس كان قولاً لا يستطيع أحدُ رده
…
قلت: ولا يجوز إلا أن ينجس شيء من الماء إلا بأن يتغير
…
أو ينجس كله بكل ما خالطه؟ قال: ما يستقيم في القياس إلا هذا، ولكن لا قياس مع خلاف خبر لازم. قلت: فقد خالفت الخبر اللازم ولم تقل معقولاً ولم تقس» وقال في موضع آخر: «فقال: لقد سمعت أبا يوسف يقول: قول الحجازيين في الماء أحسن من قولنا، وقولنا فيه خطأ» . وقال في موضع آخر: «ما أحسن قولكم في الماء» .
أقول: فانحصر الحق في المذهبين الأولين وسقط ما يخالفهما.
وأما الأمر الثاني: وهو الاضطراب في روايات ذاك الحديث فالاضطراب الضار أن يكون الحديث حجة على أحد الوجهين مثلاًَ دون الأخر ولا يتجه الجمع ولا الترجيح، أو يكثر الاضطراب ويشتد بحيث يدل إن الراوي المضطرب الذي مدار الحديث عليه لم يضبط. وليس الأمر في هذا الحديث كذلك كما يعلم من مراجعة (سنن الدارقطني) و (المستدرك) و (سنن البيهقي (1)) .
(1) قلت: وقد بينت ذلك في «صحيح سنن أبي داود» رقم (58) .ن
وأما الأمر الثالث وهو قول الأستاذ «ولم يقل بتصحيحه إلا المتساهلون» ففيه مجازفة فقد صححه الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد القاسم بن سلام، وحكى الشافعي عن مناظرة من الحنفية ويظهر أنه محمد بن الحسن أنه اعترف بثبوته، كما في كتاب (اختلاف الحديث) بهامش (الأم) ج7ص 115ولفظة «فقلت: أليس تثبيت الأحاديث التي وصفت. فقال: أما حديث الوليد بن كثير «وهو حديث القلتين» ، وحديث ولوغ الكلب في الماء، وحديث موسى بن أبي عثمان فتثبت بإسنادها، وحديث بئر بضاعة فيثبت بشهرته وأنه معروف» ؛ واعترف الطحاوي بصحته كما يأتي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، قال الحاكم في (المستدرك) ج1ص132: «حديث صحيح على شرط الشيخين فقد احتجا جميعاً بجمع رواته ولم يخرجاه، وأظنهما والله أعلم لم يخرجاه لخلاف فيه
…
» ثم ذكر الخلاف وأثبت أن ما هو متابعة تزيد الحديث قوة.
وأما الأمر الرابع وهو قول الأستاذ: «ولم ينفع تصحيح صححه لعدم تعين المراد بالقلتين» ففي (فتح الباري) : «واعترف الطحاوي من الحنفية بذلك (يعنى بصحة الحديث) لكنه اعتذر عن القول به بأن القلة في العرب تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ولم يثبت في الحديث تقديرهما فيكون مجملاً فلا يعمل به وقواه ابن دقيق العيد
…
.»
أقول: قال الله عز وجل: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ومن المساكين الصغير والكبير والطويل الجسيم والقصير القضيف، ومن المماليك الصغير والكبير وقد يقال نحو ذلك في الإطعام والكسوة إذ يصدقان بتمرة تمرة وقلنسوة، وأمثال هذا في النصوص كثير، وفيها ذكر المقادير كالصاع والرطل والمثقال والميل والفرسخ وغير ذلك مما
وقع فيه الاشتباه والاختلاف، ولم يقل أحد في شيء من ذلك أنه مجمل، بل منهم من يقول بمقتضى الإطلاق، ومنهم من يذهب إلى الغالب أو الأوسط، ومنهم من يختار الأكمل فيمكن الأخذ بمعنى الإطلاق في القلتين فيؤول ذلك إلى تحقيق المقدار بما يملأ قلتين أصغر ما يكون من القلال ولا يخدش في ذلك أنه قد يكون مقدار قلة كبيرة أو نصفها مثلاً كما قد يأتي نحو ذلك في كسوة المساكين على القول بأنه يكفى ما يسمى كسوة المساكين. ويمكن الأخذ بالأحوط كما فعل الشافعي وغيره، ولا ريب أن ما بلغ قلتين من أكبر القلال المعهودة حينئذ وزاد على ذلك داخل في الحكم منطوق الحديث حتماً على كل تقدير، وهو أنه لا ينجس، وأن ما لم يبلغ قلتين من أصغر القلال المعهود حينئذ داخل في الحكم مفهوم الحديث حتماً، وهو أنه ينجس، فلا يتوهم في الحديث إجمال بالنظر إلى هذين المقدارين وإنما يبقى الشك في ما بينهما فيؤخذ فيه بالاحتياط.
وقال ابن التركماني في (الجوهر النقي) : «وقد اختلف في تفسير القلتين اختلافاً شديداً كما ترى، ففسرتا بخمس قرب، وبأربع، وبأربعة وستين رطلا، وباثنين وثلاثين رطلا، وبالجرتين مطلقا، وبالجرتين بقيد الكبر وبالخابيتين، والخابية: الحُبَّ، فظهر بهذا جهالة مقدار القلتين فتعذر العمل بها» .
أقول: أما الاختلاف في تفسير القلة بمقتضى اللغة فمن تأمل كلام أهل اللغة وموارد الاستعمال وتفسير المحدثين السابقين ظهر له أن القلة هي الجرة، وإنما جاء قيد الكبر من جهتين: الأولى: تفسير أهل الغريب لما ورد في الحديث في ذكر سدرة المنتهى «فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة» وقلال هجر مشهورة بالكبر، وتفخم شأن السدرة يقتضي الكبر.
الثانية: تفسير المحتاطين لحديث القلتين، وفي (سنن البيهقي) ج1ص264 عن مجاهد تفسير القلتين بالجرتين ونحوه عن وكيع ويحيى بن آدم، وعن ابن إسحاق:«هذه الجرار التي يستقى فيها الماء والدواريق» وعن هشيم: «الجرتين الكبار» وعن
عاصم بن منذر: «الخوابي العظام» .
وأكثر الآخذين بحديث القلتين أخذوا بالاحتياط فاشترطوا الكبر والخابية هي الحب والحب هو الجرة أو الجرة الكبيرة، وعلى كل حال فما بلغ جرتين من أكبر ما يعهد من الجرار داخل في الحكم منطوق الحديث حتماً وما لم يبلغ الجرتين من اصغر ما يعهد من الجرار داخل في حكم مفهومه حتماً كما سلف.
وأما الاختلاف في مقدار ما تسع فأكثر الأوجه التي ذكرها ابن التركماني جاءت في خبر رواه ابن جريج عن محمد بن يحيى عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن النبي صلى الله عليه وسلم «إذا كان الماء قلتين لم يحمل نجساً ولا بأساً» رواه أبو قرة عن ابن جريج وقال فيه: «قال محمد فرأيت قلال هجر فأظن كل قلة تأخذ قربتين» ورواه الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري عن أبي حميد المصّيِصي عن حجاج عن ابن جريج وقال فيه: «قال فأظن أن كل قلة تأخذ الفَرَقَيْن» رواه البيهقي عن أبي حامد أحمد بن على الرازي عن زاهر بن طاهر عن أبي بكر النيسابوري بإسناده مثله وزاد «والفرق ستة عشر رطلاً» ورواه الشافعي ثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج لا يحضرني ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان الماء قلتين لم يحمل خبثاً. وقال في الحديث بقلال هجر. قال ابن جريج: وقد رأيت قلال هجر فالقلة تسع قربتين أو قربتين وشيئاً.
قال الشافعي: كان مسلم يذهب إلى أن ذلك أقل من نصف القربة أو نصف القربة فيقول: خمس قرب هو أكثر ما يسع قلتين، وقد تكون القلتان أقل من خمس قرب. قال الشافعي فالاحتياط أن تكون القلة فربتين ونصف
…
وقرب الحجاز كبار
…
» ومسلم بن خالد وإن ضعفه الأكثر ونسبوه إلى كثرة الغلط فقد وثقة ابن معين وغيره وقالوا: كان فقيه أهل مكة وكانت له حلقة في حياة ابن جريج، وهذا الخبر مما يحتاج إليه الفقيه فلا يظن به الغلط فيه (1) وقد تابعه في الجملة أبو قرة
(1) قلت هذا غير مسلم، فإن لازمه قبول أحاديث الأحكام والزيادات التي تفرد بها بعض =
وهو ثقة فلفظ «القربتين» ثابت عن ابن جريج، فأما لفظ «الفرقين» فإن كان بفتح الراء فيدفعه أن قلال هجر معروفة بالكبر بحيث يضرب بها المثل كما مر، وقد قال الأزهري بعد إن عاش في هجر معروفة بالكبر بحيث ونواحيها سنين «قلال هجر والإحساء ونواحيها معروفة تأخذ القلة منها مزادة كبيرة من الماء وتملأ الرواية قلتين» والقربة تكون من الجلد واحد والمزادة من جلدين ونصف أو ثلاثة والرواية هو البعير الذي يحمل مزادتي الماء فالمراد هنا أن المزادتين اللتين يستقي فيهما على البعير تملآن قلتين،
= الفقهاء المتكلم فيهم أمثال أبي حنيفة وابن أبي ليلى وغيرها، وهو مما لا يقوله المؤلف ولا غيره من أهل العلم، ثم لو سلمنا بذلك هنا فإسناد الزيادة من فوق مسلم بن خالد ضعيف لجهالة من فوق ابن جريج، فإن حمل على رواية أبي قرة عنه، فهي ضعيفة أيضاً لأن يحيى بن يعمر تابعي، ومحمد بن يحيى مجهول. وأما متابعة أبي قرة، له في الجملة، فلا تفيد هنا لأن البحث خاص بزيادة «بقلال هجر» وهى مما لم يتابعه عليها أبو قرة، وهب أنه قد توبع فهي لا تثبت لما عرفت من الضعف. على أن قوله «وقال في الحديث: بقلال هجر» ليس صريح في الوقف. فيسقط الاستدلال بها جملة.
ثم كيف يمكن أن تكون زيادة محفوظة، ولم ترد في شيء من طرق الحديث المحفوظة التي بها ثبتت أصل حديث القلتين لا برواية مسلم بن خالد له، بل القواعد الحديثية تعطى أن هذه الزيادة منكرة لتفرد ابن خالد بها وقد ضعفه الأكثرون.
والحق أن حديث القلتين مع صحته، فالاستدلال به على ما ذهب إليه الشافعية صعب إثباته، وعليه اعتراضات كثيرة لا قبل لهم بردها، ولقد جهد المؤلف رحمه الله لتقرير الاستدلال به وتمكينه من بعض الوجوه من حيث منطوقة ومفهومه، ولم يتعرض للإجابة عن الاعتراضات المشار إليها، فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إلى تحقيق ابن القيم في «تهذيب السنن» (1/56-74) .
والمختار في هذه المسألة إنما هو المذهب الأول الذي قرره المؤلف رحمه الله تعالى، لأن حديثه مع ثبوته فالاستدلال به سالم من أي اعتراض علمي، بل هو الموافق لسماحة الشريعة ويسرها. ن
فكيف يعقل أن يكون ما تسعه القلتان من قلال هجر من الماء أربعة وستين رطلاً فقط؟ فإما أن يكون لفظ «الفرقين» تصحيفاً من بعض الرواة والصواب «القربتين» وإما أن يكون «الفرقين» بسكون الراء، والفرق بسكون الراء مائة وعشرون رطلاً وما وقع في رواية البيهقي عن الرازي عن زاهر «الفرق ستة عشر رطلاً» تقدير من بعض الرواة ظن الفرقين بفتح الراء، وزاهر فيه كلام.
وأما ما ذكره ابن التركماني من تفسير القلتين معاً باثنتين وثلاثين رطلاً فإنما أخذه من قوله «وقد جاء ذكر الفرق من طريق آخر أخرجه ابن عدي من جهة المغيرة بن سقلاب عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء وذكر أنهما فرقان» قال ابن تركماني: وهذا يقتضي أن تكون قلتان اثنين وثلاثين رطلاً. والمغيرة هذا ضعفه ابن عدي، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه صالح، وعن أبي زرعة: جزري لا بأس به»
أقول: الرواي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعناً شديداً لا يزيده ثناء بعض الغرباء عليه إلا وهناً، لأن ذلك يشعر بأنه كان يتعمد التخطيط فتزين لبعض الغرباء واستقبله بأحاديث مستقيمة فظن أن ذلك شأنه مطلقاً فأثنى عليه، وعرف أهل بلده حقيقة حله. وهذه حال المغيرة هذا فإنه جزري أسقطه محدثو الجزيرة فقال أبو جعفر النفيلي: لم يكن مؤتمناً. وقال علي بن ميمون الرقي: كان لا يسوى بعرة. وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان كأنهما لقياه في رحلتهما فسمعا منه فتزين لهما كما تقدم فأحسنا به الظن. وقد ضعفه ممن جاء بعد ذلك الدارقطني وابن عدي لأنهما اعتبرا أحاديثه، وحسبك دليلاً على تخليطه هذا الحديث فإن الناس رووه عن ابن إسحاق عن ابن عبد الله بن عمر عن أبيه ولا ذكر فيه لقلال هجر ولا للتقدير فخلط فيه المغيرة ما شاء. وهذا والذي في (الميزان) في ترجمة المغيرة هذا «
…
عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر مرفوعاً إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء، والقلة أربعة آصع»
ففي هذا أن القلة الواحدة اثنان وثلاثون رطلاً لا القلتان معاً، والصاع عند العراقيين ثمانية أرطال، وقد يكون المغيرة رأى في بعض الروايات التقدير بالفرقين بتقدير الراء كما تقدم، وهو تالف على كل حال.
هذا والفرقان بسكون الراء قريب من قربتين وشيء من قرب الحجاز فإنها كبار كما ذكره الشافعي فالفرقان مائتان وأربعون رطلاً، ومر عن الشافعي وشيخه مسلم بن خالد صاحب ابن جريج جعل شيء نصفاً وحررّ بعض أصحاب الشافعي القربة مائة رطل فتكون قلة مائتين وخمسين رطلا فتقاربت روايتا الفرقين والقربتين وشيء. فأما ما روى عن الإمام أحمد أن القلتين أربع قرب فكأنه رجح رواية أبي قرة عن ابن جريج ورأى أن قلتين في أصل الحديث مطلقتان، وأن قلال هجراً أكبر من قلال المدينة فرأى أن الزيادة على أربع قرب غلو في الاحتياط لا حاجة إليه. وأما قول إسحاق بن راهويه أن القلتين ست قرب فكأنه أخذه من قول الشافعي خمس قرب مع قوله أن قرب الحجاز كبار فاحتط إسحاق فجعلها ست قرب بقرب العراق.
وعلى كل حال فذاك المقدار أعنى خمس قرب من قرب الحجاز داخل هو وما زاد عليه في حكم منطوق الحديث حتماً أعني أنه لا ينجس، لأنه يشتمل على قلتين أو قلتين وزيادة على جميع التفاسير، فدلالة الحديث على أنه لا ينجس حتمية
…
وكذلك دلالة الحديث على أن الماء القليل الذي لا يبلغ أن يكون قلتين في تفسير من التفاسير ينجس واضحة، فبطلت دعوى تعذر العمل بالحديث، وتحتم على من يعترف بصحته أن يعمل به فيما ذكر.
وأما الأمر الخامس وهر الاحتجاج بحديث الماء الدائم فإنه صح في ذلك حديثان:
الأول: في النهى عن البول فيه. ففي (صحيح مسلم) من حديث جابر «عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يبال في الماء الراكد» ومن حديث أبي هريرة «عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» وفي رواية «لا تبل في الماء الدائم الذي لا يجري ثم تغتسل منه»
وحديث أبي هريرة في (صحيح البخاري) وفيه: «ثم يغتسل فيه» فقد يقال من جانب الحنفية: ها هنا ثلاث قضايا:
الأولى: فرق الحديث بين الراكد وغيره وهو قولنا.
الثانية: دلّ على البول في الماء الراكد ينجسه، ولم يشترط التغير فهو حجة لنا على من يشترطه.
الثالثة: قال في رواية البخاري: «ثم يغتسل فيه» وهو ظاهر في شمول الحكم للماء الذي يمكن الإنسان أن يغتسل فيه، ولابد أن يكون أكثر من قلتين فهو حجة لنا على من يقول بالقلتين.
أقول: أما القضية الأولى فدلالة الحديث على التفرقة إنما هي بمفهوم المخالفة، والحنفية لا يقولون بها فيلزمهم إلحاق الجاري بالراكد قياسياً أو يقيموا على مخالفته دليلاً آخر. أما نحن فنقول بدلالة مفهوم المخالفة ولكننا نقول ليس وجه المخالفة ما توهمه الحنفية أو بعضهم حتى قال بعضهم «إناءان ماء أحدهما طاهر، والآخر نجس فصبا من مكان عال فاختلطا في الهواء ثم نزلا طهر كله! ولو أجرى ماء الإناءين في الأرض صار بمنزله ماء جار» وقال بعضهم «لو حفر نهراً من حوض صغير أو صب رفيقه الماء في ميزاب وتوضأ فيه وعند طرفة الآخر إنا يجتمع فيه الماء جاز توضؤه به ثانياً وثم وثم» وذكروا أن هذا معتبر حتى على القول بنجاسة الماء المستعمل، وقضية هذا أنه لو عمد إلى جرة يصب الماء منها في ميزاب وقعد آخر على وسط الميزاب يبول يبول فيه ويسيل بوله مع الماء وعلى طرف الميزاب إناء يجتمع فيه ذاك الماء كان ذاك الماء الذي خالطه البول واجتمع في ذاك البول الإناء طاهراً مطهراً مع أنه لو وضع في الجرة ابتداء. شيء يسير من ذاك البول لصار ماؤها نجساً! ولا يخفى أن مثل هذا الفرق لا يعقل له وجه، وإنما الماء الجاري الخارج بمفهوم المخالفة في الحديث هو بمقتضى التبادر والنظر ما كان جارياً بطبعه كالأنهار والعيون مما ليس مفسدة البول فيه كمفسدة البول في الراكد فإن الراكد
يختلط به البول ويبقى بحاله فإن اغتسل منه البائل وغيره كان مغتسلاً بماء مخالطه البل من أول اغتساله إلى آخره. وأما الجاري كماء النهر فإن الدافعة التي وقع فيها البول تذهب فوراً ولا تعود فلا يمكن البائل أن يعود فيغتسل فيها وإنما يمكنه أن يعود فيغتسل في تلك البقعة ولا صغير، فان الماء الذي يكون فيها ماء جديد لم يخالطه بوله، ومن شأن الماء الجاري أن يتلاحق فلا تكاد تمر الدافعة التي وقع فيها البول مسافة لهم قدر حتى يتلاحق بها الماء المتجدد فيتغلب عليها وعلى أنها حفظت بعض حالها حتى مرت بإنسان يغتسل فسرعان ما تجاوزه ويعقبها الماء الجديد بل المتجدد فيذهب بأثرها فهذا هو المعنى المعقول الذي به خالف الجاري الراكد فوجب البناء عليه وبذلك على الجواب.
وأما القضية الثانية فلو دل الحديث الجابر على تنجس الراكد بالبولة الواحدة لدل على تنجس كل ماء راكد قل أو كثر حتى البحر الأعظم فالصواب أن هناك عدة علل إذا خشيت واحدة منها تحقق النهي:
الأولى: التنجيس حالاً إما بأن يكون الماء قليلاً جداً تغيره البولة الواحدة، وإما بأن يكون دون المقدار الشرعي وقد تقدم الكلام فيه.
الثانية: التنجيس مآلاً وذلك أنه لو لم ينه عن البول في الماء الراكد لأوشك أن يبول هذا ثم يعود فيبول ويتكرر ذلك وكذلك يصنع غيره فقد يكثر البول حتى يغير الماء فينجسه.
الثالثة: التقدير حالاً، قال الشافعي كما في هامش (الأم) ج7ص111 «ومن رأى رجلاً يبول في ماء نافع قذر الشرب منه والوضوء به» وقال قبل ذلك:«كما ينهى أن يتغوط على ظهر الطريق والظل والمواضع التي يأوي الناس إليها لما يتأذى به الناس من ذلك»
الرابعة: التقذير مآلاً؛ قد يكون الغدير أو المصنعة كبيراً جداً لا يقذره الإنسان لبولة واحدة لكن إذا علم أن الناس يعتادون البول فيه قذره.
الخامسة: فشّو الأمراض، فقد تحقق في الطب أن كثيراً من الأمراض إذا بال المبتلى بأحدها خرجت الجراثيم المرض مع البول فإن كان البول في ماء راكد بقيت تلك الجراثيم حتى تدخل في أجسام الناس الذين يستعملون ذاك الماء فيصابون بتلك الأمراض والإصابة بذلك أكثر جداً من الإصابة بالجذام للقرب من المجذوم وقد ثبت في الصحيح (فر من المجذوم كما تفر من الأسد) وكثير منها أشد ضرراً من جرب الإبل وقد ثبت في (الصحيح)«لا يردون ممرض على مصلح» ، وبهذا يبقى الحديث على عمومة ولا يحتاج الى إخراج عن ظاهرة بمجرد الاستنباط فأما حال الضرورة فمستثنى من اكثر النواهي. ثم إن تحقق بعض هذه العلل في ماء يصدق علية انه ليس براكد وجب أن يشمله الحكم، أما على قول من لا يعتد بمفهوم المخالفة كالحنفية فواضح، وأما على قول من يعتد به فيخص عمومه بالقياس الواضح ولا ريب إن الشرع لا يبيح إن يلقى في الماء الجاري ما يضر بالناس أو يؤذيهم، وعلى هذا قيل لو اعتبرنا العلل المذكورة واعتبرنا القياس لزم شمول المنع لكل ماء جار فيلزم اطراح المفهوم رأساً؛ قلت: بل تبقى مياه السيول ونحوها التي تمر بنفسها على مواضع النجاسة فلا يبقى وجهه لمنع الإنسان عن البول فيها على إن الذين يعتقدون بمفهوم المخالفة يشترطون ما لعلنا لو دققنا لَلَاح لنا أنه غير متحقق هنا، وفي القرآن عدة آيات لا يأخذون فيها بمفهوم المخالفة ويعتلون بوجوه إذا تدبرت وجدت بعضها وارداً هنا.
وأما حديث أبي هريرة فإن كان قوله: «ثم يغتسل منه» على معنى الخبر كما قدرة القرطبي قال: «كحديث لا يضرب أحدكم امرأته ثم يضاجعها» فالكلام فيه كما مر إلا أنه زاد بقولة: «ثم يغتسل منه» التنبيه على بعض العلل كأنه قال: كيف يبول فيه ثم لعله يحتاج إليه فيغتسل منه فيتنجس أو يتقذر أو يدع الاغتسال مع حاجته إليه؟ وإذا كان هو يستقذره لبوله فيه فغيره أولى بالاستقذار، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ولا يدفع هذا أن تكون هناك علة أخرى فإن النهي عام وقد
جاء مثله بدون هذا التنبيه وهو حديث جابر؛ وإن كان المعنى على النهي عن الجمع بين البول والاغتسال انصب النهي على الاغتسال بعد البول كأنه قيل: لا يغتسل في ماء دائم قد بال فيه؛ ويحتمل هذا النهي عللا إحداها التنجس، ثانيتها التقذر، ثالثتها إن يكون عقوبة للبائل لان الإنسان إذا علم أنه إن بال في الماء حضر علية الاغتسال منه كان مما يمنعه عن البول، وقريب منه حديث المرأة التي لعنت ناقتها فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخلية الناقة كأنة جعل عقوبة المرأة على لعنها الناقة أن لا تنتفع بها لكي تزجر هي وغيرها عن اللعن، فأي واحدة من هذه العلل وجدت النهي وبذلك يساوق التعليل عموم النص؛ وإن كان المعنى: لا يبل في الماء الدائم فإن عصى فبال فلا يغتسل منه فآخره كما ذكر، وأوله كما مر في حديث جابر.
وأما القضية الثالثة فقد مر ما يعلم بها الجواب عنها، على أن الماء إذا كان دون القلتين بقليل وكان في حفرة ضيقة أو حوض بقدر قعدة الإنسان إلا أنه عميق أمكن الانغماس فيه لأنه إذا قعد ارتفع الماء من جوانب فيغمره، ومع ذلك فالاغتسال في الماء يصدق بأن يقعد وسطه ويغرف على نفسه، وفوق هذا كلمة «فيه» كأنها شاذة، والغالب في الروايات من ذلك الوجه وغيرة كلمة «منه» .
الحديث الثاني: النهى عن اغتسال الجنب فيه، وهو في (الصحيحين) عن أبي السائب «أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب فقال كيف يفعل يا أبا هريرة. قال: يتناوله تناولاً» .
قد يستدل به على أن الماء يصير باغتسال الجنب فيه نجساً أو غير مطهر، فأما النجاسة فرويت عن أبي حنيفة ثم رغب عن ذلك الحنفية أنفسهم وأما سلب التطهير فوافقهم عليه فيما دون القلتين الشافعية والحنابلة. ومن يأبي ذلك يقول إن علة النهى هي التقذير، وقد يحتمل غير ذلك من العلل تظهر بالتأمل فيساوق التعليل عموم النص. وأما التفرقة بين دائم والجاري فقد مر ما فيها، وكذا إن قيل: إن الحديث
يدل على حصول المفسدة في لماء الذي يمكن أن يغتسل فيه الجنب ولا يكون إلا فوق القلتين فقد مر مثله والجواب عنه. وأما الأمر السادس وهو قول الأستاذ «فدعونا معاشر لحنيفة نتوضأ من الحنيفات ولا نغطس في المستنقعات» فأبى الأستاذ إلا التقليد حتى في السخرية. (1)
(1) أقول: لقد فات المصنف رحمه الله تعالى النظر فيما ادعاه الأستاذ من اعتراف ابن دقيق العيد بقوة احتجاج الحنفية بحديث الماء الدائم. فإن الواقع خلافة، فهاك نص كلامه في الشرح المذكور (1/121-1215- بحاشية «العدة» ) .
«وهذا الحديث مما يستدل به أصحاب أبي حنيفة على تنجيس الماء الراكد وإن كان أكثر من قلتين، هذا الحديث العالم في النهى على ما دون القلتين، جمعاً بين الحديثين، فإن حديث القلتين يقتضي عدم تنجيس القلتين فما فوقها، وذلك أخص من مقتضى الحديث العام الذي ذكرناه، والخاص مقدم على العام» . فليتأمل القاري في كلا ما ابن دقيق هذا أهو اعترف أم اعتراض؟!