الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال في حاكيها داود بن المحبر «متروك باتفاق» فكيف يستند إليها هنا جازماً بقوله «الذي يقول» ؟ وظاهر قول علي بن عاصم «حدثنا أبا حنيفة
…
» إنه وافقه غيره على التحديث، وهبه لم يوافقه أحد أفما كان ينبغي أن يجيبه أبو حنيفة بقوله:«من روى هذا معك؟» أو نحو ذلك، وهبه علم تفرده، أفما كان الأولى أن يجيبه بقوله:«لم يثبت عندي» أو نحو ذلك، بل لو قال له: لا أثق بروايتك لكان أولى من قوله: «لا آخذ به» .
فأما علي بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامه فيه أنه خلط في أول أمره ثم تحسنت حاله، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به أخيراً ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد.
163- علي بن عبد الله بن المديني
. تقدم في ترجمة إبراهيم بن بشار الرمادي متابعة ابن المديني له في حكايته عن ابن عيينة. أشار الأستاذ ص 82 إلى ذلك ثم قال: «لو فكر ابن المديني في مسايرته لابن أبي داود
…
وسعى في إعداد الجواب
…
لكان أحسن له ونحسن أنه لم يعد ولن يعد
…
» . وفي (تاريخ بغداد) 13/420 من طريق عبد الله بن علي بن المديني أنه سأل أباه عن أبي حنيفة؟ «فضعفه جداً، وقال: لو كان بين يدي ما سألته عن شيء، وروى خمسين حديثاً أخطأ فيها» قال الأستاذ ص 168: «إن كان ابن المديني كما نهش الخطيب عرضه في (11/459) وابن الجوزي في (مناقب أحمد) لا يكون لكلامه قيمة» ثم أشار الأستاذ إلى أن ابن المديني تناقض قال: «ينافي ما ذكره أبو الفتح الأزدي في (كتاب الضعفاء) وحيث قال: قال علي ابن المديني أبو حنيفة روى عنه
…
وهو ثقة لا بأس به» ثم قال الأستاذ: «نسأل الله السلامة» وفي (تاريخ بغداد)(13/423) عنه: «قال لي بشر بن أبي الأزهر النيسابوري رأيت في المنام
…
» قال الأستاذ ص 170: «ليس بقليل ما ذكره الخطيب عن ابن المديني في (تاريخه) ومن جملة ذلك صلته الوثيقة بأحمد ابن أبي داود في محنة أهل الحديث
…
وقد ترك أبو زرعة وأحمد الرواية عنه بعد المحنة وبشر بن «أبي» الأزهر من أخص أصحاب أبي
يوسف
…
ومن أتبع أهل العلم لأبي حنيفة وأرعاهم لجانبه فلا أشك أن هذه الرواية مختلقة» .
أقول: أما مسايرته لابن أبي داود فقد أجاب عنها مراراً بأنه مكره وكان في أيام المحنة إذا خلا بمن يثق به من أهل السنة ذكر له ذلك وأنه يرى أن الجهمية كفار، جاء ذلك من طرق. فإن قيل: لم يكن الدعاة يكرهو ن أحداً أن يكون معهم وإنما كانوا يكرهو ن على قول مثل مقالتهم كما فعلوا بيحيى بن معين وغيره، فكيف أكرهو اابن المديني على مسايرتهم؟ قلت: كان الدعاة يرون أنه لا غنى لهم عن أن يكون بجانبهم من يعارضون به الإمام أحمد ولم يكن هناك إلا ابن المديني أو يحيى بن معين، فأما ابن معين فإنه وإن كان أضعف صبراً وأقل ثباتاً من أحمد بحيث أنه أجاب عند الإكراه إلى إجراء تلك المقالة على لسانه، فلم يكن من الضعف بحيث إذا هددوه وخوفوه على أن يسايرهم ليجيبهم إلى ذلك، ولعلهم قد حاولوا ذلك منه فأخفقوا، فما بقي إلا ابن المديني، وكان هو نفسه شهد على نفسه بالضعف قال:«قوي أحمد على السوط ولم أقو» وقال لابن عمار: «خفت أن أقتل وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطاً واحداً لمت» أو نحو هذا. وقال لأبي يوسف القلوسي لما عاتبه: «ما أهو ن عليك السيف» . وقال لعلي بن الحسين: «بلغ قومك عني أن الجهمية كفار ولم أجد بداً من متابعتهم لأني حبست في بيت مظلم وفي رجلي قيد حتى خفت على نفسي» وذكر عند يحيى بن معين فقال:
«رجل خاف» . وإنما أنكر عليه في طول مسايرته للجهمية ما جرى في حديث الوليد بن مسلم، كان الوليد يروي عن الأوزاعي عن الزهري عن أنس عن عمر أنه قرأ قوله تعالى:(وَفَاكِهَةً وَأَبّاً) فتردد في معنى الأب ثم قال: «أيها الناس خذوا بما بين لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى عالمه» فأخطأ الوليد مرة فقال: «إلى خالقه» . كأنه جعل الضمير للأب ونحوه مما ذكره الله عز وجل من مخلوقاته، فكان أهل العلم يروونه عن الوليد على الصواب وربما ذكروا أنه أخطأ فقال:«إلى خالقه» ورواه ابن
المديني بالبصرة: «إلى عالمه» ونبه على الخطأ فيما يظهر، ثم كأن الجهمية عرفوا ذلك فألزموا ابن المديني أن يرويه بلفظ «إلى خالقه» قائلين: إنك قد سمعت مرة كذلك، فإذا رويته كذلك لم يكن فيه كذب. فاضطر إلى إجابتهم، فسأله عباس العنبري فأجابه بقوله:«قد حدثتكم بالبصرة» وذكر أن الوليد أخطأ فيه. فذكروا للإمام أحمد أن ابن المديني روى بلفظ «إلى خالقه» ، فقال:«كذب» يريد أحمد أن ابن المديني يعلم أن الصواب «إلى عالمه» وأن كلمة: «إلى خالقه» كذب وقع من الوليد خطأ. وفي الحديث الصحيح: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» ، فقيل لأحمد:«إن عباساً العنبري قال لما حدث به علي بـ (العسكر) قلت: إن الناس أنكروه عليك، فقال: قد حدثتكم به بالبصرة. وذكر أن الوليد أخطأ فيه» فغضب أحمد وقال: «نعم، قد علم أن الوليد أخطأ فلمَ أراد أن يحدثهم به؟ يعطيهم الخطأ» وعذره في هذا ما قدمناه.
فأما ترك أحمد وأبي زرعة الرواية عن علي بعد أن وقعت المحنة فقد تقدم الجواب عنه في ترجمة إسماعيل بن إبراهيم بن معمر. وأما قول الأستاذ: «ونحسب أنه لم يعد ولن يعد» فكأنه يشير إلى أن الدعاة كانوا على حق وأن ابن المديني سايرهم عارفاً أنهم على حق والحق لا يحتاج الإنسان إلى أن يعد عن اختياره له جواباً. فإن كان هذا مغزى الأستاذ فالكلام فيه مشروح في قسم الاعتقاديات.
وأما ما ذكره الأزدي، فالأزدي نفسه متهم، ولا ندري مع ذلك ما سنده إلى ابن المديني، وهل أن ذلك صح فلا يدفع رواية ولد ابن المديني عن أبيه، فإن كثيراً من الأئمة تختلف أقوالهم في الرجال توثيقاً وجرحاً، إما لتغيير الاجتهاد، وإما لأن إحدى الكلمتين أريد بها خلاف ما يظهر منها، وإما لغير ذلك، كأنه يقال هنا: كان دعاة المحنة حنفية، وكانوا ينسبون مقالتهم التي امتحنوا الناس فيها إلى أبي حنيفة ويدعون إلى مذهبه في الفقه كما مرت الإشارة إلى طرف منه في ترجمة سفيان الثوري، فكأنهم استكرهو اابن المديني على أن يثني على أبي حنيفة ويوثقه فاضطر إلى أن يوافقه وقد يكون ورَّى فقصد بكلمة:«ثقة» معنى أنه لم يكن