الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
…
التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
تأليف: سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلِ اللهم وسلم عليه وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وعلى ذريته وأهل بيته إنك حميد مجيد.. وبعد:
فإن إحياء التراث الإسلامي الذي يتضمن الفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية ضرورة في الوقت الحاضر لأنها هي القاعدة الأساسية لبناء المجتمع الإسلامي الصحيح، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن "منهج أهل السنّة والجماعة" في فهم العقيدة الإسلامية هو المنهج الصحيح الذي يجب تقديمه للأمة الإسلامية اليوم لكي تصبح بحق "أمة مسلمة" تستحق نصر الله ورضوانه وعلى هذا فإنه يسر "دار طيبة" أن تقدم هذه الطبعة الجديدة من كتاب "التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولى الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب" تأليف سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وتجدد ثوب هذا السفر الجليل بعد أن كان قابعاً في طبعة قديمة متداخلة الكلمات متزاحمة الفقرات قامت بها المطبعة الشرفية في مصر عام1319هـ- بعد أن دلنا عليها أحد الإخوان- ونظراً لأهميته ونجابته فقد أسرعنا في إخراج هذه الطبعة في ثوبها القشيب بحرف واضح مميز مفصولاً بين فقرات صفحاته وقد أتت الآيات القرآنية بين قوسين كبيرين والأحاديث النبوية بين قوسين صغيرين تمييزاً لها عن سائر الكلام، وكذلك قمنا بعنونة مواضيع الكتاب بعد أن كان كتلة واحدة غير مفصول بين فقراته. وإن كانت هذه الطبعة ينقصها التحقيق العلمي المنشود فإن العذر في ترك ذلك في هذه الطبعة هو الإسراع بإعادة نشر محتوى الكتاب ذوداً عن حياض العقيدة الحقة ونشراً لنورها بين النّاس، وإننا في طبعة قادمة إن شاء الله سنتطرق إلى لبُ الكتاب وجوهره بتحقيق علمي كامل وتعليقات مفيدة تخرج للقارئ الكريم دُرر الكتاب الكامنة وجواهره المستورة.
هذا والله نسأل أن ينفع به قارئه ويجزل الثواب لمؤلفه ويكتب لنا التوفيق بخدمته في طبعة لاحقة إذاعة للخير ونشراً للحق وهو سبحانه المستعان، وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم.
الناشر
في 1 ذي الحجة سنة 1404هـ
ترجمة المؤلف
هو الحافظ المحدث الفقيه المجتهد الثقة أوحد الحفاظ/ الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولد سنة 1200هـ. كان آية في العلم والحفظ والذكاء، له المعرفة التامة في الحديث ورجاله وصحيحه، وحسنه وضعيفه، والفقه والتفسير، والنحو. وقد أخذ العلم عن أبيه، والشيخ حمد بن معمر، وعن عميه: الشيخ حسين، والشيخ علي والشيخ حسين بن غنام، والشيخ عبد الله بن فاضل، الشيخ عبد الرحمن بن خميس، والشيخ عبد الله الغريب وغيرهم، وأجازه الشيخ محمد بن على الشوكاني.
برع في الفنون، وكانت له اليد الطولى في الحديث ورجاله، ولم ير شخص في زمنه حصل له من الكمال والعلوم والصفات الحميدة سواه على صغر سنه، صنف شرح "كتاب التّوحيد" لجده، فمن بعده عيال عليه فيه، لكنه لم يكمله، وله حاشية على شرحه "والدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك" وله هذا المؤلف الذي نقدمه "التوضيح عن توحيد الخلاق". أخذ عنه العلم عدد كثير من أهل الدرعية وغيرهم.
وكان رحمه الله آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم. وقد أكرمه الله بالشهادة سنة 1233هـ وذلك عندما وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا بن محمد على باشا بعد دخوله الدرعية واستيلائه عليها فأحضره إبراهيم باشا وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر وإغاظةً له. ثمّ أخرجه إلى المقبرة وأمر الجند أن يطلقوا عليه الرصاص جميعاً فمزقوا جسمه، وفاضت روحه إلى ربه، رحمه الله، وأجزل مثوبته، وأسكنه فسيح جناته.
"نقلت الترجمة باختصار من كتاب تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التّوحيد".
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مكمل الدين وناصره، ومظهر الحق بسيف الوحي، فبه الشرك والباطل قامعه، الذي أتم علينا وافر نعمته. وتفضل فرضى لنا الإسلام ديناً بكمال منته. وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم لعظم شأنه وشرفه. وأوضح لنا قواعد دينه الإسلام وملته، ونصب رايات الهدى فهي تنادي لدار الخلد من جنته، المتحبب إلى خلقه بفتح أبواب رحمته. والمحسن إلى أهل ملته الحنيفية بترادف أنواع الخير من نعمته. وميسر لمن اختاره بنصرة دينه أسباب علو الهمة هـ ومانحهم بإقامتهم عليه كشف كل شدة وغمه، والملهم لتوحيده حمداً موافياً لنعمه ومكافئاً لمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفع قائلها يوم وعده ووعيده. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه وخليله، اللهم فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين ما استدار الزمن في تكوّره وتكويره.
أما بعد.
فإن الله عز رجل خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات ليعرف وتعلم حكمته، وقدرته، فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص بجلاله. وذلك معلوم ضرورة قال الله تعالى:{الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} وقال عز من قائل: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} وقال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} . وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم النّاس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض. كما
قال جل ذكره: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} . ومن أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه. وأن الشرك لظلم عظيم، فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل، وأوجب الواجبات وأفرض الطاعات، ولما كان الشرك بالله منافياً بالذات لتوحيده تعالى وإخلاص العبادة له كان اكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك وأباح دمه وماله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيداً لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملاً أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه نداً وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه، رقد أرسل سبحانه وتعالى رسله إلى خلقه، وأنزل كتبه ليعلموا ذلك ويتيقنوه إقامة للحجة علهم، كما قال عز من قائل:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} وقال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً} إلى أن قال: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} فدين الرسل واحد. لم يختلفوا في شيء من أصله. وإنما تحصل الفترة بين الرسولين فيندرس الدين أو بعضه فيُجهل ويُترك.
وقد بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الخلق على فترة من الرسل وأهل الأرض مَقتَهم الله عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم قبل مبعثه صلوات الله وسلامه عليه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي معتصم بكتاب إما مبدل، أو مبدل ومنسوخ، والدين كله أو بعضه مجهول متروك، وأمى من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن أو قبر وتمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علماً وهي جهل، وأعمال سيئة يحسبونها صلاحاً وهي فساد، وغاية البارع منهم علماً وعملاً أن يحصل قليلاً من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه عليه حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع وأكثره مبتدع. فهدى الله الناس بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى
هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين عموماً وأولي العلم منهم خصوصاً من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق العظيمة والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علماً وعملاً الخالصة من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم لتفاوتا تفاوتاً يمنع معرفة قدر النسبة بينهما. والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية تدل على ذلك ولله الحمد والمنة. (وقد روى مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وان ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضاً" ورواه أيضاً البرقاني في صحيحه وزاد " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي المشركين، وحتى تعبد طوائف من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى".
فملك الأمة لأقطار الأرض، ثم افتراقهم الحاصل لهم، والاختلاف بينهم محقق مضبوط محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. وكان صلى الله عليه وسلم يحذر أمته منه لينجو من شاء الله منهم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً ثم قال هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وخطوطاً عن شماله وقال هذه السبل المتفرقة وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} رواه الإمام أحمد وغيره. ومع أن الله تعالى حذرنا هذه السبل فقضاؤه سبحانه نافذ بما أخر به رسوله صلى الله عليه وسلم بما سبق به علم الله تعالى، حيث قال الصادق المصدوق فيما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: "فمن". وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبراً بشبر وذراعاً بذراع" فقيل يا رسول الله فارس والروم قال: "ومن الناس إلا أولئك" فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في أمته مضاهاة لمن سلف من الأم اليهود والنصارى وهم أهل الكتاب وفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهي عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء. وليس إخباراً عن جميع الأمة، بل قد تواتر عنه عليه الصلاة والسلام أنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، وأخبر أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته، وفي الصحيحين عن عقبة بن عامر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني فرط لكم وإني شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو قال مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها" رفي رواية: "ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة فكان آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. فعلم بخبره الصادق أنه في أمته قوم مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضاً، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب اليهود أو النصارى والمشركين. وفي حديث الثوري وغيره عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك وان بني إسرائيل افترقت على اثنين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله قال: "ما أنا عليه وأصحابي" رواه أبو عيسى الترمذي وقال هذا حديث غريب مفسر لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهذا الافتراق مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن عوف الأشجعي وغيرهم فعن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: " تفرقت اليهود على أحد وسبعين فرقة أو اثنين وسبعين فرقة والنصارى مثل ذلك وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني أهل الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة " وقال: "أنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به" هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن عمر. وعن الأزهر بن عبد الله الرازي عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية، رواه عنه غير واحد، منهم أبو اليمان وبقية وأبو المغيرة، ورواه الإمام أحمد وأبو داود في سننه، وقد روى ابن ماجة هذا المعنى من حديث صفوان بن عمرو عن راشد بن سعد عن ابن عوف بن مالك الأشجعي، ويروى من وجوه أخر فقد أخبر صلى الله عليه وسلم بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، والثنتان والسبعون لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم. ثم هذا الاختلاف الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين فقط، وإما في الدين والدنيا معاً، ثم قد يؤول إلى سفك الدماء لأجل الدنيا فقط. أولها وللدين معاً، أو للدين فقط. وهذا الاختلاف هو ما نهى عنه الله في قوله سبحانه:{وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} الآيات وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} وقول: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} وقوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إلى أَجَلٍ مُسَمّىً لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} الآية ومنشأ هذا الاختلاف وأصله إما من جهة عدم العمل
بالعلم، كالذي يعرف الحق من الباطل ويميز بينهما ولا يتبع الحق علما ولا قولاً ولا عملاً، وإما من جهة العمل بلا علم فيجتهد في أصناف البدع بلا شريعة من الله ويقول على الله بلا علم.
فالأول: من مشابهة اليهود الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} .
والثاني: من مشابهة النصارى الغالين في الدين والقائلين فيه غير الحق والضالين عن سواء السبيل. وقد ابتلى الله طوائف من هذه الأمة من المنتسبين إلى العلم بما ابتلى به اليهود من الرياسة وحب الدنيا وإيثارها وكتم الحق، فإن هؤلاء المنتسبين إلى العلم تارة يكتمون العلم بخلاً به وكراهة أن ينال غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضاً برياسة أو مال فيخاف من إظهاره انتقاص رياسته أو ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسئلة أو اعتزى إلى طائفة قد خولفت في مسئلة فيكتم من العلم ما فيه حجة لخالفه وان لم يتيقن أن مخالفه مبطل، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: أهل السنة يكتبون ما لهم وما عليهم وأهل الهوى لا يكتبون إلا ما لهم. وكان السلف منهم سفيان بن عيينة وغيره يقولون أن من فسد من علمائنا ففيه شبهة من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وليس الغرض من هذا تفصيل ما يجب وما يستحب، وإنما الغرض التنبيه على منهاج الحق المتبع وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وفي قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه العرباض بن سارية السلمي رضى الله عنه:" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح ورواه ابن ماجة وفيه قال صلى الله عليه وسلم: "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك" وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني خلفت فيكم ما لم تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض" والنظر بعين الإنصاف إلى ما تشعب فيه الناس، وأصبح غالبهم نابذاً كتاب الله وسنة نبيه وراء ظهره زاعماً أن كتاب الله ما بقي من حكمه الآن إلا
مجرد التلاوة باللسان، وأما فهم معانيه وتدبره والعمل بما فيه فلا وصول لأحد إليه، وكذلك الأحاديث. فالقرآن مصرح بنقيض قولهم ورد حججهم قال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} وقد قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} وقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} وقال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} فهذا كله مشعر بأن القرآن محفوظ ومصون عن التبديل والتغيير والنسخ جملة وعدم فهم معانيه وتدبره فإنه للذين آمنوا نور وهدى، ولم ينزله الله إلا للعمل به، وذلك متوقف على معرفة معانيه. وكذلك الأحاديث فإنها تفسر لقرآن، كما أن بعضه يفسر بعضاً. وقد فسره الصحابة رضي الله عنهم وتفقهوا في الدين منه. كما تفقهوا من السنة. وكذلك كتب الأئمة الأعلام الذين يؤخذ بأقوالهم من أهل الملة الغراء والمحجة البيضاء المفسرين له والمؤوّلين لمعانيه، والجامعين للأحاديث النبوية، المفارقين كل فرقة غوية، ليس في أيديهم منها إلا مجرد تلاوتها من غير تذكر لها ولما فيها ولا عمل بمعانيها، بل استغنوا عن ذلك كله بزخرفات المبطلين وإتباع حجج المعطلين، وإتباع الهوى وذلك كله من عموم البلوى حتى كتب الفقه التي في أيديهم، ويزعمون العمل بها وبما فيها إنما يأخذون منها ومن معاني ما تضمنته ما كان موافقاً لتحذيق الكلام والتشدق به من تعلم الدعاوي والخصومات وتعليمها، وأما العبادات والحدود فإنما تتلى باللسان تلاوة وقلّ ما توجد عند فقيه مستجمع لها، بل إن وجدت فهي عند الخواص من ذوي الثروة يساطرها مخزونة عنده من غير انتفاخ بها ولا عمل بمعانيها، بل تفاخراً وتكبراً وحب رياسة، وهو ربما لا يعلم اسمها ولا اسم مؤلفها، وينضاف إلى ذلك عداوة الحق ودحضه، وإيثار الباطل وحبه، اجتلاب لقلوب العوام، وجمع الحطام، ففي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر الزمان قوم يجتلبون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل أبي تغترون وعليّ تجترئون فبي حلفت لأبعثن
على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيراناً" وذكر ابن أبي الدنيا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي كرم الله وجهه: " يأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت الفتنة وفيهم تعود" وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن كما يستخفي المنافق فينا اليوم" ومنشأ ذلك وسببه إنما هو الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو وأصحابه صلاة الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، والإقبال والانقياد إلى طاعة هذا العدو اللعين، الذي توعد وجد واجتهد في قوله لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين. وقد قال تعالى:{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فلذلك حصل الران والغمرة، ووجدت الغفلة فانعكس الأمر وهجر ما الله به أمر، وارتكب ما عنه نهي وزجر. فصار المعروف منكراً والمنكر معروفاً واتبعت الأهواء وعمت البلوى، فالآمر بالمعروف ينكر عليه، والمتبع لهواه المنقاد إلى الباطل والمتنسك به يجل ويوقف بين يديه. وقد آل ذلك إلى عمى القلوب، والجهل بما هو من العبيد مطلوب حتى إذا أوجد الله رجلاً أحيا به قلوباً قد انعكفت وانهمكت في أنواع باطل مضاد للحق متناول للشرك الأكبر فما دونه، فبصرهم به وأنقذهم منه ونهاهم عنه ثم قادهم إلى سبيل الخير والنجاة الذي هو منهاج نبيهم وأصحابه وما أنزل القرآن لأجله قام عليه أهل الأهواء فجرحوه وبدعوه، ومنهم من جعل اليهود والنصارى أخف شرّاً منه ومن إتباعه بلا تدبر ولا تذكر ولا تفكر في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ولا في كلام الأئمة الأعلام ممن سلف من الأنام، وما حصل لهم وعليهم من الأذى في ذات الله تعالى حسداً وبغياً، إما لأجل حق عملوا به وقالوه ونهوا عن ضده واجتنبوه أو لتصنيف صنفوه أو على غير ما شيء من ذلك أسلفوه، وإنما هو بسبب عدم موافقتهم لهم فيما اعتادوه.
ومن تأمل أحوال السلف وما جرى عليهم من أنواع البلوى إما قتلاً وإما حبساً أو نفياً أو ضرباً ابتلاء لو ذكرت أسبابه على تفاصيلها وذكر عدد من ابتلى ممن سلف لاحتمل ذلك مجلدات ضخام ولكن لنا في الاختصار أسوة علم علم اليقين أن الله
سبحانه يبتلي أحبابه ابتلاء له فيه حكمة، ولو لم يكن فيه إلا رفع المقامات أو تكفير السيئات، خصوصاً هذا التوحيد فإنه سبحانه من حكمته لم يبعث به نبياً قط إلا جعل له أعداء يؤذونه كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} .
ولما كان العلماء ورثة الأنبياء جعل الله لمن كان منهم عاملاً بعلمه مهتدياً بقول الله متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عدواً من الإنس والجن يؤذونه ويشوشون عليه اتباعه ويردون عليه ما قال عن الله ورسوله أقواله، وهذا كله من الله عدل إذ فيه رفع درجات الأنبياء، وإظهار مقامهم صلوات الله وسلامه عليهم، وتكفير سيئات هؤلاء العلماء ورفع درجاتهم وتعظيم أجورهم رضي الله عنهم، ولذلك قال تعالى:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} ومع ذلك فلا بد من نصر ما جاءت به الرسل الذي عملت به هؤلاء العلماء ودعت إليه قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وقال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} فمن صبر من هؤلاء العلماء المذكورين نصره الله كما نصر رسله، وهذا مصداق قوله تعالى:{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} .
وهكذا لم تزل السلسلة في صعود وهبوط إلى أن حل بهذا الرجل ما حل بالأسلاف الذين خلوا من قبله من صالح سلف الأمة وخيارها. لكن قد هدى الله به أمماً ضلالاً منهمكة في أكبر الكبائر على الإطلاق فحاز من الأجر العظيم مغنماً لقوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء" أخرجه مسلم وابن ماجه والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فلله الحمد والمنة.