المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائل: - التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق

[محمد بن علي بن غريب]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌ ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائل:

- ‌سبب تأليف الرسالة:

- ‌ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذكر من أخذ عنه العلم:

- ‌تعصب الراوي وكبره:

- ‌ما ذكره الراوي في شأن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

- ‌رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونقد الراوي لها:

- ‌رد الشيخ على قول الخصم:

- ‌تعريف المرتد:

- ‌حكم التوسل بالأعمال الصالحة وبأسماء الله وصفاته:

- ‌تعريف الدليل لغة واصطلاحاً:

- ‌قصائد في مدح الشيخ من علماء الأقطار:

- ‌رد قول الخصم أن الشيخ أخذ علمه من كتب ابن تيمية:

- ‌تعريف التقليد:

- ‌تعريف الإجماع:

- ‌رجوع إسماعيل بن اسحق الأشعري عن معتقداته:

- ‌تعريف السلف

- ‌حدوث العالم وأنه لا خالق سوى الله:

- ‌المعاد الجسماني والمجازاة:

- ‌جواز العفو عن المذنبين:

- ‌شفاعة الرسل:

- ‌إنكار الخوارج والمعتزلة للشفاعة:

- ‌عقيدة السلف الصالح في الشفاعة:

- ‌بعثة الرسل بالمعجزات حق:

- ‌أهل الشجرة وأهل بدر من أهل الجنة:

- ‌وجوب نصب الإمام على المكلفين:

- ‌الإمام الحق بعد الرسول أبو بكر ورد قول الرافضة:

- ‌الأفضلية على ترتيب الخلافة

- ‌عدم تكفير أحد من أهل القبلة:

- ‌التوحيد وما يتعلق به:

- ‌الاعتقاد المكفر أقسام:

- ‌تارك الصلاة كافر، وإقامة الدليل عليه:

- ‌الأدلة على كفر تارك الصلاة:

- ‌الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة:

- ‌مسائل الإيمان والإسلام والفرق الضالة:

- ‌حكم الفاسق:

- ‌كفر دون كفر:

- ‌الحكم بغير ما أنزل الله كفر عملي:

- ‌الجمع بين حديثي "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " وبين حديث " لا يزني الزاني

- ‌النفاق نفاقان

- ‌حكم ما يفعله العوام من الدعاء والهتف

- ‌حمل نصوص القرآن وغيرها على ظواهرها

- ‌تعريف العبادة

- ‌حمل المؤمن عل الصلاح

- ‌وجوب الاستغفار والترضي لمن سلف

- ‌زيارة القبور الشرعية وما ورد في ذلك

- ‌الشفاعة الثابتة والمنفية والمنهي عنها

- ‌الدعاء عند الموتى أو بهم ليس من الوسائل المشروعة

- ‌مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور

- ‌حكم المتهاون بصلاته

- ‌المسابقة مع الإمام يبطل الصلاة وكلام الإمام أحد فيها

- ‌لبس الخلقة والخيط لدفع البلاء أو رفعه من الشرك

- ‌حكم التبرك بالشجر والحجر

- ‌الدلائل القائمة على ألوهية الخالق

- ‌تعريف النذر لغة وشرعاً وحكم النذر لغير الله

- ‌الاستعاذة بغير الله وتفصيل الكلام فيها

- ‌نداء غير الله هو الدعاء الذي هو العبادة

- ‌الاستغاثة بغير الله وتفصيل الكلام فيها

- ‌من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا

- ‌قول البوصيري يا أكرم الخلق وحديث بن مظعون وتزكية الناس ورد قول الخصم فيما يتعلق بقول البوصيري

- ‌بحث قوله تعالى: {جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا}

- ‌الكلام في العبادة والعبودية

- ‌قول الخصم لا يلزم من دعاء الغير أن يكون شركاً في العبادة والجواب عنه

- ‌قول الخصم كيف يقال طلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إشراك والجواب عنه

- ‌الشفاعة ومعناها ورد قول المخالف

- ‌الاعتصام بالكتاب والسنة

الفصل: ‌ ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائل:

(1)

-‌

‌ ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائل:

وقد وردت إليه أسئلة من علماء الحرمين والشام وأقطارها، وعلماء نجد وسكانها، وعلماء الاحساء وأتباعها، متعلقة بكشف أحواله، ومما يدعو الناس إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ومتضمنة للسؤال عن بيان ما يدعيه وما يقوله وما دليله فيه، فأجابهم بإجابة من الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة ما بمثلها يهتدي المهتدون، وعليها يقف المنصفون، وبها يأخذ المستدلون، فهدى الله به من اهتدى وخاض في لجج طغيانه من شقى، ولو ذكرنا ما حصل من ذلك على التفصيل اللائق لطال الفصل، وانعكس الوصل، ولكن يكفي اللبيب ما قد شاع عنه وذاع، وتقطعت به الأسماع، من أن يدعو الناس إلى توحيد الله وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته وإخلاص وحدانيته وعبادته بأنواعها له وحده ليكون الدين كله له، وهذا ما دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب.

القول على خطبة رسالة عبد الله الراوي:

وقد وردت إليه رسالة تنسب إلى عبد الله أفندي الراوي البغدادي خطيب المسجد المنسوب للوزير سليمان باشا، وقيل لعبد القادر الجيلي رحم الله روحه ونور مرقده وضريحه، وكان إرسالها بأمر الوزير سليمان باشا المقيم فيه الآن، هداه ربنا الرحمن في السر والإعلان، ومضمونها: أن التوحيد إنما هو مختص بمعنى الربوبية، فالإله اسم مختص بالخالق الرازق الضار النافع وهو الله، ولا يكون اسماً لغيره إلا إن اعتقد أن ذلك الغير يوجد ذلك الضر والنفع اعتقاداً علمياً مع اعتقاد ذلك الغير أيضاً شريكاً لله حتى يطلق على ذلك المعتقد اسم المشرك واسم الكفر الموجب لسفك دمه وخلوده في النار، فأما من قال بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله وآمن بالله واليوم الآخر ثم دعا غير الله من ولي أو ملك أو نبي بشيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، واعتقد في ذلك الغير أنه يضر وينفع فهو يعتقد فيه ذلك الذي لا يقدر عليه إلا الله، ولكن لا يعتقد أنه

ص: 14

شريك لله. بل إذا سئل فقيل له الله شريك، قال لا. ولكني أدعو هؤلاء لقربهم وصلاحهم، فهم يكشفون شدتي، ويفرجون كربتي، وأطلب منهم شفاعتهم، فإن ذلك لا يخرج عن الملة بل فيه مجرد الحرمة والإثم فقط. ثم استثنى جواز سؤال الشفاعة منهم في هذه الدار وأنه إن دعاهم لشفاعتهم له وطلبها منهم فلا بأس بذلك، وفيه أيضاً: أن تارك الصلاة عامداً لا يكفر فلا يقتل وفيها أيضاً: جواز شد الرحال إلى زيارة القبور، وانه قريب من الواجب حيث كانت قبور الأنبياء، وفيها مسائل ومسائل واعتراضات كما سنذكرها إن شاء الله تعالى، وقد أرسلها الوزير المكرم لننظر فيها ثم نجيب عنه، فنقول بعد الاستعانة بالله والاتكال عليه والبراءة من الحول والقوة.

أما قولكم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وجنده وحزبه وعلى من تبعهم بإحسان، وقفى أثرهم إلى آخر الزمان.

فنقول هذا الابتداء بالبسملة، والحمد له، والاستعانة، والاستغفار، والاستعاذة بالله من شرور النفس وسيئات الأعمال والاخبار، بأن من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والشهادة بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، والاخبار بإرساله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وإنشاء الصلاة عليه وعلى آله وأصحابه وجنده وحزبه ومن تبعهم بإحسان وقفي أثرهم إلى آخر الزمان، مشروع للتأسي بالكتاب العزيز ومأمور به في قوله صلى الله عليه وسلم:"كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أبتر" وفي رواية فهو أجذم. وفي رواية فهو أقطع. والأبتر في اللغة مقطوع الذنب. والأجذم مقطوع الأنف. والأقطع مقطوع اليد. أطلق الشارع صلى الله عليه وسلم كلا منها في الحديث على ما فقدت البركة منه تشبيهاً له بما فقد ذنبه الذي به تكمل خلقته؛ أو بمن فقدت يداه اللتان يعتمدهما في البطش ومحاولة تحصيل ما يروم تحصيله. فإطلاق كل منها في هذا على وجه التشبيه البليغ أو الاستعاذة، ومعنى ذلك في هذا المعنوي ناقص البركة فهذا حث منه صلى الله عليه وسلم على البدء بالبسملة التي هي سبب لتمام البركة في كل ما يهتم به شرعاً، وكما أن الحديث وارد بالبدء بالبسملة فكذلك

ص: 15

الحمدلة. ولذلك المصنفون يجمعون بينهما. لكن الابتداء بالبسملة حقيقي، وبالحمدلة إضافي، ليندفع التعارض. والاسم مشتق من السمو، وهو العلو، أو من السمة وهي العلامة. وفيه ست لغات كما هي مبسوطة في محالها من مطولات ومختصرات، ووشرت سينه للتمييز بينه وبين الفاصل للميم عنه. ولذلك كان عمر بن الحطاب رضي الله عنه يضرب الناس على توشيره، وعلى مد الألف المتصلة به قدام الباء، التي وضعت عوضاً عن الألف المتصلة بالباء في حال انفرادها عن السين، كما في باسم ربك، وأفردت نقطة الباء التي تحت الاسم إشارة إلى تفرده تعالى بالألوهية والوحدانية، ودورت ميمه إشارة إلى احاطة ملكه سبحانه وتعالى جميع الكائنات، فاجتمع فيه معنى الألوهية والربوبية، ثم هذا المبدوء به المذكور في صدر المقدمة يحتاج كل ذاكر له وقائل به إلى علم معانيه والعمل بما يدعيه، فإن معنى قول القائل بسم الله، أي أستعين وأتبرك بكل اسم للذات الأقدس، المسمى بهذا الاسم الأنفس، الموصوف بكمال الإنعام وما دونه، فالباء متعلقة بمحذوف مقدر بقوة المذكور وكونه فعلاً أولى لأنه الأصل في العمل، وعمل الاسم بالحمل عليه وخاصاً من مادة المفعول أولى أيضاً، فمريد السفر يقدر بسم الله أتبرك وأستعين به على السفر، والمؤلف يقدر على التأليف، فهو في معنى أسافر أو أؤلف ونحو ذلك، لما فيه من الاستعانة والتبرك في جميع أجزاء الفعل، بخلاف الابتداء والافتتاح سواء قلنا معنى الباء الاستعانة أو المصاحبة أو التعدية، وكونه مؤخراً عن لفظ بسم الله أولى أيضاً، ولا يجوز بينهما والأولى تأخيره عن الرحمن الرحيم لمن أتى بهما، وذلك لأن رتبة العامل التقديم، فتأخيره لنكتة وهي إفادة الاهتمام مطلقاً والاختصاص والحصر غالباً وهو من حمر القلب ان كان المشركون يتبركون بأسماء آلهتهم وما يعبدون من دون الله، أو من قصر الإفراد ان كانوا يتبركون بالابتداء بأسماء الله وأسماء آلهتهم، واستظهره السعد وغيره.

فلذلك وجب على الموحد قصر الاستعانة والتبرك على اسم الله تبارك وتعالى، أي الإتيان بما يفيد ذلك وان لم يلاحظه أو لم يعرفه، ولا يغني عنه كون المتكلم لا يعتقد ذلك لعدم إطلاعه عليه ومعرفته إياه، إذ الجهل بالشيء لا يزيل حكمه. وأما قوله تعالى اقرأ باسم ربك فللاهتمام بالقراءة لخصوص المحل، فان أول هذه السورة أول ما نزل من القرآن واقرأ فيها راجع للبسملة لأنها بعض ذلك الأول ومقدمة عليه، فهي أول آية نزلت على الإطلاق كما اقتضى الاختصاص والحصر، إياك نعبد وإياك نستعين، والمعنى نخصك بالعبادة

ص: 16

والاستعانة، فلا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك، ففي تقديم اسم الله اهتمام به للتعظيم واختصاص أيضاً، وحصر للذوق السليم، وتنبيه على أنه ينبغي للعابد أن يكون نظره ابتداء إلى المعبود ثم إلى العبادة، لا من حيث أنها عبادة صدرت عنه بل من حيث أنها نسبة شريفة إليه، ووصلة بينه وبين معبوده، وقدمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي، ولأن تقديم الوسيلة التي هي القربة والأعمال الصالحة على طلب الحاجة أدعى إلى القبول والإجابة، وللإشارة إلى أنه لا توجد العبادة من العابد إلا مع الاستعانة، ولذلك قيل إن الواو للحال، وكرر الضمير إشارة إلى حصر الاستعانة به تعالى، وذكر السين في بسم الله للفرق بين التيمن واليمين.

(والله) أصله اله زيدت فيه اللام وشددت وفتحت همزته فصار الله؛ وهو علم على ذاته تعالى وتقدس يوصف ولا يوصف به (والرحمن الرحيم) اسمان بنيا للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمن أبلغ من الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، وإنما قدم، والقياس يقتضى الترقي لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره تعالى لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها، فيكون كالتتمة، وفي إيثار هذين الوصفين المفيدين المبالغة في الرحمة إشارة لسبقها وغلبتها على أضدادها وعدم انقطاعها، فلينظر القائل بسم الله أهو عامل بمعناه، لقصره الاستعانة والبركة على اسم الله خاصة، فلا يعتقد معنى ذلك في غيره تعالى كما كان يعتقده المشركون في آلهتهم ولا يرضى به أيضاً، وان أشعر تقديم العامل بالاحتمال فاعتقاده باق على حاله، أو هو يعتقد ذلك المعنى في غير الله مع كونه إنما ذكر اسم الله خاصة، أو لم يعتقده لكنه يرضى به من غيره، فهذا لم يقصر الاستعانة والبركة على اسم الله وان أتى بما يفيدهما لفظاً، لأن عقيدته أفسدت عليه.

(ومعنى الحمد لله) أي جنس الوصف بالجميل أو كل فرد منه مملوك أو مستحق للمعبود بالحق المتصف بكل كمال على الكمال. والحمد هو الثناء بالصفات الجميلة الاختيارية، والأفعال الحسنة المرضية، سواء كان في مقابلة نعمة أم لا. وفي الاصطلاح فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه على الحامد أو غيره. والشكر لغة هو الحمد ومعناه اصطلاحاً صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه لما خلق لأجله.

ص: 17

قال تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} وبين الحمد والشكر اللغوي عموم وخصوص من وجه، فان الحمد مورده خاص، ومتعلقه عام، والشكر مورده عام، ومتعلقه خاص كقوله:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة

يدي ولساني والضمير المحجبا

(ولينظر القائل الحمد لله) أيضاً هل هو خاص بالمعبود بالحق المتصف بكل كمال على الكمال بما هو حق له، فما كان من جلب نفع أو كشف ضر فلا ينسبه إلا إليه تعالى ويثني عليه به، لأنه المنعم الحقيقي. وغيره وان أسدى معروفاً فالثناء عليه مجاز، لأن الله هو الخالق لذلك الغير، وهو المعطي له ما أسداه وحببه إليه وقواه عليه، فهو سبحانه المعطي المانع الضار النافع، وأزمة الأمور كلها في يده ومرجعها إليه، فصار معنى الحمد مختص لله تعالى بهذا الاعتبار، وان أثنى على الناس خيراً، أو هو ينسب شيئاً من ذلك لغيره تعالى فقد عدله به. وان قال الحمد لله لفظاً، فان كان قد خص المعبود بما هو حق له فقد أتى بمعنى أحمده، لأن معناه أصفه بجميع صفاته التي كل منها جميل، وأثنى عليه بها فان رعاية الجميع أبلغ في التعظيم، وهذه الصيغة يدل معناها على إيجاد الحمد الذي هو الثناء على الله بجميع المحامد لا الإعلام بذلك، وان لم يخصه تعالى بما هو حقه لم يأت بالمعنى وإنما هو مجرد لفظ خال منه.

(ومعنى) أستعينه أي أطلب المعونة في أموري كلها منه، فأنا متوكل عليه ومتبرئ من حولي وقوتي ولا أرضى من نفسي ولا من غيري إلا بذلك، فان عمل به فقد أتى بمعناه، وإلا فهو مجرد لفظ.

(ومعنى) استغفره أي أطلب منه المغفرة. ثم إن كان المستغفر قد فعل ذنباً أقلع عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود إليه فذلك توبة، وإلا فهو مجرد دعاء، والمستغفر المقيم على ذنبه كالمستهزئ بربه.

(ومعنى) أعوذ أي ألوذ وأتحصن واعتصم وأستجير بالله من شر هذه النفس الأمارة أن تصدني عن فعل ما أمرت به، أو تحثني على فعل ما نهيت عنه، فيحصل لي الشر من قبلها لأنها قد حسنت لي سيئات الأعمال، فأعوذ بالله من شرها ومن سيئات أعمالها. فعلامة الصدق في ذلك فعل المأمورات واجتناب المنهيات والانقياد إلى قول الله والإتباع لدين محمد بن عبد الله، وإلا فهو مجرد لفظ خال من معناه. (ومعنى) من يهد الله فلا مضل له أي من يرشده الله إلى

ص: 18

سبيل الرشاد وهو الصراط المستقيم الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين فلا محيد له عن ذلك، ومستهل الهداية دخول الدليل إلى الفؤاد والانبساط له كما يراد، ثم خفة الطاعة بعد القيام بمعنى الشهادتين والحمد على الخروج من ساحة الإضاعة ونور البصيرة وجلاء عين السريرة والسلوك في مدارج السالكين، ومناهج المتقين، والسفر إلى أعلى عليين، ومحبة أرحم الراحمين، والإقتداء بأفضل المرسلين، وأما من كان من الضالين- أي الهالكين الغائبين- عن الهدى الزائغين عنه بتقدير الله عليه ذلك فلا هادي له مصداقه قوله تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً} بل قلبه عن الحق مقفل قد نابذ جميع أوامر الله عز وجل، وانتقش في خاطره الكثيف بغض الحق وأهله، وامتلأ قلبه وقالبه بحب الباطل وأهله، والشيطان وحزبه والتلذذ بكل نوع من الطغيان، فنفرت منه كل جارحة عن حزب الرحمن، لا شيء أحب إليه من إطفاء نور الإيمان وتكثير جند الطغيان، وفي المعنى يقول الرحمن:{وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} وهذه الآية على هؤلاء أشد بلية وأجل رزية، فإنهم يحاولون بجدهم وجهدهم إغواء المؤمنين، ونقض عهدهم مع الموحدين ليراجعوا إلى ما هم عليه من الباطل والطغيان. ومن ذاق طعم الإيمان لأن يقذف في النار أحب إليه من أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه رب العالمين. فحلاوة الإيمان لا ألذ منها عند الموحدين، ثم النصر والتأييد لهم في كل حين. وحزب الشيطان يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. والمهتدي إذا صارت نفسه لوامة خاف من مورثات الندامة فحزن على ما فات وخاف مما هو آت. ومقام الخوف من أجلّ المقامات {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه أخوف الأمة لمولاه. فلينظر الإنسان من أي الفريقين هو أمن حزب الرحمن، أم من أولياء الشيطان الذين لم ينقادوا لإتباع ما جاءت به الرسل فقلب قلبه عن الحق بعدم الانقياد كما قال تعالى {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} وكقوله:{كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} فجعل علة التقليب والطبع عدم الانقياد لاتباع ما جاءت به الرسل، وذلك أنه تعالى قد فطر عباده على الهدى فمن بقي على الفطرة وقبل ما جاءت به الرسل زاده هدى ولطفاً وتوفيقاً. ومن

ص: 19

غير الفطرة وعاند ما جاءت به الرسل ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، ويسره للعسرى وخذله. (ثم ليعلم) أن إرادته تعالى الخير من عباده، وإرادته الشر لا يستلزم وقوع المراد منهم ضرورة، إنه أراد ذلك فهم مع بقائهم مختارين كما أراد الإيمان منهم فهو أراد وقوع الخير منهم وهم مختارون، فقد يقع ما أراده تعالى منهم وقد يتخلف هذا بخلاف ما يريده تعالى من أفعاله فإنه لا يتخلف عن إرادته وقوع مراده مثل قوله تعالى:{إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} بخلاف الأول ومنه {يريد الله أن يتوب عليكم} فإن المراد يريد منكم أن يتوب عليكم فيتوب عليكم أي يتقبل توبتكم، إلا أن مع إرادته تعالى الخير لعبده يكون أقرب إلى فعل ما أراده منه لأنه من اللطف، وعكسه إرادته بعبده الشر. إذا عرف هذا فليجعل هذا البحث نصب العينين فقد زلت بجهله عوالم وتهاوش حوله طوائف ولم يقع لهم محرراً مقرراً.

(ومعنى نشهد) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أي أذعن بقلبي واعترف بلساني وأعمل بمقتضى ذلك أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله؛ فمن عبد من دونه أو معه فعبادته زور وظلم وبهتان، وأنا برئ من العابد وعبادة المعبود واشتقاق الإله من التوله، ومعناه المألوه وهو الذي تتألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والإجلال والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والإنابة وذبح النسك. قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} فالمحبة التي في الله غير التي كحب الله لأن الأولى محمودة شرعاً كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله والثانية تأله: {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} وكذلك الخوف {فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} والتوكل {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} وقوله تعالى: {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} فهذا كله يفيد الحصر. ثم استعمل في كل ما يعبد بما تقدم ذكره من دون الله أو معه، فنفى ذلك بلا النافية للجنس وأثبت الألوهية لمستحقها وهو الله بألا المفيدة للحصر.

(وحده) أي حال كونه مفرداً بها عما سواه (لا شريك له) حال ثانية مؤكدة للأولى. أي لا شريك له في هذه الألوهية التي نفيت عن غيره واختصت بجلاله وعظمته، فالعبادات بأنواعها له خاصة به ليس لأحد منها شيء البتة، فهذه الكلمة

ص: 20

الطيبة التي قد قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات، وعليها أسست الملة ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد وبها أمر الله سبحانه جميع العباد، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ومفتاح عبوديته التي دعا الأمم على ألسنة رسله إليها فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وأساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. ضد الكلمة الخبيثة التي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فهي خراب الكائنات وعليها تثبت أنواع المنكرات، وبها وجد الذل والصغار ولأجلها فتحت أبواب النار فكل من لم يعمل بمعنى هذه الشهادة التي قد شهد بها فهو كاذب في ادعائه إياها كما كذب الله الذين شهدوا بالرسالة فلم يعملوا بمعناها. (وان محمداً عبده ورسوله) أي أشهد أن محمداً عبده ورسوله، فمحمد اسمه صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو القاسم، وسمي به لكثرة خصاله الحميدة سمي به قبله سبعة عشر شخصاً على ما قاله ابن الهائم عن بعض الحفاظ، بخلاف أحمد فإنه لم يسم به قبله عبد قالي أبو علي الدقاق ليس شيء أشرف ولا أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية، ورسوله إلى كافة الخلق. والرسول إنسان ذكر أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه أخص من النبي. فبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة وينفرد أحدهما في أخرى، وهو الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين، وحجة على المعاندين، وحسرة على الكافرين، (أرسله بالهدى ودين الحق) الذي هو التوحيد بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. فأنعم به على أهل الأرض نعمة لا يستطيعون لها شكوراً فأمده بملائكته المقربين، وأيده بنصره وبالمؤمنين، وأنزل عليه كتابه المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشكر واليقين، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وفرض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه وسد الطرق كلها إليه وإلى جنته، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فهو الميزان الراجح الذي على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان المبين الذي باتباعه يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فلم يزل صلى الله عليه وسلم مشمراً في ذات الله لا يرده عنه راد، صادعاً بأمره لا يصده عنه صاد، صادع إلى أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، فأشرقت برسالته الأرض بعد

ص: 21

ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الدنيا نوراً وابتهاجاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً فلما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة على عباده المؤمنين، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، والمحل الأسنى، وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، فصلى الله وسلم وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه. كما وحد الله وعرف به ودعا إليه. ومن لازم صحة هذه الشهادة الإيمان بما أرسل به وهو التوحيد قولاً وعملاً واعتقاداً، وتصديقه بجميع ما أخبر به وإلا فهو مكذب ودين الحق هو المؤيد المنصور لقوله تعالى {ليظهره} أي يعليه ويعزه {عَلى الدِّين كله} سائر الأديان المخالفة لدينه (صلى الله وسلم عليه) قال الأزهري معنى الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء بخير، وقال أبو العالية صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء، والسلام إما بمعنى التحية أو بمعنى السلامة من النقائص والرذائل وتستحب الصلاة عليه بتأكد، وتتأكد كلما ذكر. وقيل بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر اسمه (وعلى آله) وهم في مقام الدعاء أتباعه على دينه عند أكثر أهل العلم، قال تعالى:{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} أي أتباعه. وقيل هم الأتقياء من أمته. وأما في مقام الزكاة فهم أقاربه المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف، وقدموا على الصحب للأمر بالصلاة عليهم وإضافته إلى المضمر جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين عليه، ومنعه جمع منهم الكسائي والنحاس والزبيدي (وصحبه) جمع صاحب، وجمع الصحب أصحاب، والصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع به مؤمناً ومات على ذلك. وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام، وفي الجمع بين الصحب والآل مخالفة للمبتدعة لأنهم يوالون الآل دون الصحب (وجنده) هم خاصته من المؤمنين (وحزبه) المعاونين له بالنصرة (وعلى من تبعهم بإحسان) لم يغيروا بعدهم ولم يبدلوا سيرتهم الحسنى (وقفى أثرهم) على السيرة المحمودة (إلى آخر الزمان) فمن لم يتبع بل غير وبدل فهو مبتدع، وقد أثنى الله على الذين يطلبون المغفرة من ربهم لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين فقال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} فهذا هو المطلوب بعكس

ص: 22

ما عليه أهل الأهواء من الوثوب على مسبة الحق الذي جاء من عند الله فهو له غير محبوب، وتفريق كلمة المؤمنين وسب أكابر الصحابة والتابعين.

وما أمروا إلا ليستغفروا لهم

فسبوا كراماً سبهم لم يحلل

وقال الإمام مالك رحمه الله: من أصبح وفي قلبه بغض لأحد من الصحابة فقد أصابته الآية يعني قوله تعالى: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} .

وصرح بعض الحنفية بتكفير الرافضة لسبهم الصحابة. فقال صاحب تبيين المحارم:

واعلم أن الروافض كفار عندنا لأنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وكذا من أنكر خلافتهما يكفر عندنا في الأصح وقد أثنى الله سبحانه على السابقين من الأولين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} وإنما المتبع لهم العامل بمنهاجهم، والمقتدي بهديهم هو الذي لم يحدث في الدين ولم يغير ما جاءت به سنة سيد المرسلين.

ص: 23