الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وطاعته واتباعه في كل ما أتى وأمر به، فما أثبته واجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه، فروى البخاري من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟! قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" وروى أيضاً من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا ان لصاحبكم هذا مثلاً فاضربوا له مثلاً فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان فقالوا مثله كمثل رجل بنى داراً وجعل فيها مأدبة وبث داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها له يتيقنها قال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان قالوا فالدار الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمداً فقد أطاع الله ومن عصى محمداً فقد عصى الله، ومحمد مفرق بين الناس أي مميز بين مؤمنهم وكافرهم. فأهل القبلة هم أهل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد لله وحده وترك جميع الآلهة سواء، وهذا هو تحقيق معنى لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإخلاصها له فمن استسلم وانقاد لله ولغيره في معناها فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به، فلفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص أخذاً من قوله:{ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} فأهل القبلة هم العابدون الله بدين الحق المتبع لا بهوى النفوس والبدع.
التوحيد وما يتعلق به:
(فمن الأول) قوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} يعني من الشرك وما سواه من الأديان فليس بدين الله المأمور به، بل هو عين ما نهى الله عنه قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله والقيام بمعناها وبحقوقها (ومن الثاني) اتخذوا من دونه شفعاء يعتقدون بهم ويتقربون بشفاعتهم كما قال عز من قائل: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ
زُلْفَى} يعني ليشفعوا لنا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول المفسرين، والزلفى القربى اسم أقيم مقام المصدر كأنه قال إلا لتقربنا إلى الله تقريباً (ومعنى العبادة) في اللغة: الذل والانقياد كما قال أهل المعاني (وأما معناها) حقيقة: فهي ما كان مختصاً لله لأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ولذلك توعد سبحانه هؤلاء الذين جعلوا حقه لغيره بقوله تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} يعني بين المتفرقين من أهل الأديان فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، كل يقول الحق ديني فهم مختلفون وحكم الله بينهم أن يخلد في النار من لم يتبع كتاب الله بل نبذه ورغب عنه باتباع هواه ولا يتدين بدين رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم إلى طريق النجاة فقال:{إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} في زعمه ان معتقده يشفع له، كفار في اتخاذه أولياء من دون الله أو معه ليشفعوا له ويقربوه، فالدين المأمور بالإقامة عليه واحد وهو دين الإسلام الذي بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وجملة من الأنبياء لم يختلفوا في أصله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه:"إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء أخوة العلات" وإنما تنوعت شرائعهم فيه كتنويع القبلة في وقتين فإنه قد كان في وقت يجب استقبال الصخرة التي في بيت المقدس في الصلاة وذلك بعد هجرته صلى الله عليه وسلم فصلى إليها بضعة عشر شهراً ثم بعد ذلك وجب استقبال الكعبة، فهذا التنوع الذي كان بين الأنبياء لا يوجب اختلاف الملة، وإنما يوجبه من لم يفرق بين عبادة الرحمن وعبادة الشيطان قال سبحانه وتعالى:{شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي هذه ملتكم دينكم الإسلام ملة واحدة فلا تتفرقوا عنها، وأنا ربكم أي معبودكم الذي خلقتكم وأمرتكم بعبادتي وإخلاصها لي وحدي، فاتقون لا تشركوا بي شيئاً بل احذروا عقابي، خطاب لهم وقصد لغيرهم وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ} فأهل القبلة لله مخلصون وفي الدين متفقون، وأهل الإشراك عن الحق معرضون وهم متفرقون قال تعالى:{وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} ولذلك خلقهم فأهل الرحمة هم أهل القبلة لأنهم فيما شرع الله متفقون، وفيه مجتمعون وعليه واقفون وبه آخذون، فهم فيما أمرهم الله ورسوله به عاملون، وعلى ما يرضى الله ورسوله مقتصرون، وعما لم يشرعه الله متحادون.
وأما من نبذ القرآن وراءه فلم يعمل بما أنزل لأجله فليس من أهل القبلة بل من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون وان تلاه بلسانه تلاوة وهو يتدين بشرك كما يتدين به الأولون وتنسك به المتحادون، ومجرد تلاوة القرآن بلا عمل فيما هو الموجب لإنزاله من التوحيد لإله كل العبيد وانحاز عن منافيه من الشرك الذي لا يغفره إلا بالتوبة منه والتجريد لا تخرجه تلك التلاوة عن ملة الأولين قال سبحانه وتعالى:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ} ولهذا يوجد ما أحدث من الشرك والبدع قد تفرق فيه أهله فكان لكل قوم منهم معتقد يعتقدون فيه دفع الضر وجلب الخير يهتفون باسمه عند نزول الشدة نائياً كان المعتقد أو ميتاً، فكل منهم يدعو معتقده ليكشف عنه شدته ويفرج كربته ويجلي غمه، فالموحدون لله وحده لا شريك له العاكفون على توحيده من إخلاص الدعوة له هم أهل القبلة قال تعالى:{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِص} وضدهم هؤلاء المشركون العاكفون على ما يرجونه ويخافونه من دون الله ويتخذونه من تلك المعتقدات في الأحياء الغائبين والأموات يشركون به في عبادة الله ومعاملته فيرجونه يفرج كربتهم ويكشف شدتهم راغبين راهبين منيبين إليه متوكلين عليه أو ليكن شافعاً لهم عند الله في قضاء مطالبهم، فقد عطلوا توحيد الله تبارك وتعالى في ألوهيته وصمديته بإشراكهم معه في عبادته ومعاملته وبجعلهم الدين لغيره، ونفي الصانع القادر لم يقل به أحد من المشركين الذين كفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتلهم، فإن المشركين الأولين لم يكن أحد منهم يقول ان العالم له خالقان بل ولا يقولون إن الله له إله يساويه في صفاته هذا لم يقله أحد من المشركين بل كانوا مقرين بأن خالق السموات والأرض واحد كما أخبر الله عنهم في قوله:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وقوله: {قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} وقوله: {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} وقوله: {قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} وكانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، كما يقول هؤلاء المشركون الذين لمشاكليهم مقتفون إن هؤلاء الذين اعتقدناهم ودعوناهم ورجوناهم هم وسائلنا ووسائطنا إلى الله فإنه فوض إليهم وأعطاهم فلهم ما يشاؤن ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ومنهم من يصرح بقوله وهم في الكون يتصرفون فوبخهم الله تعالى وذمهم ولامهم وضرب لهم الأمثال في ذلك فقال عز من قائل:{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} الآية ولكن تتأله قلوبهم وألسنتهم إما نبياً أو ولياً أو ملكاً أو غيرهم مما يصورونه على صورة أحد هؤلاء يتخذونه واسطة تقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} وقال تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} الآية وقال تعالى: {وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فقد قطع الله تعالى بهذه الآيات جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعاً قطعاً يعلم من تأمله ويحقق من تدبره أن من اتخذ من دون الله ولياً أو شفيعاً فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت، قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} فمن استمسك بغير الله في حال شدته وكربه وغمه فدعاه ورجاه بما لا يقدر عليه إلا الله فليس في يده ممن استمسك به سواه تعالى إلا كمن يستمسك ببيت العنكبوت فإنه لا يجدي عنه شيئاً، فلو علم المستمسك هذا الحال لما اتخذ من دون الله ولياً ولا شفيعاً، وهذا بخلاف أهل القبلة فإنهم لله مخلصون وله في العمل مستسلمون ومحسنون وفي إتباع ما جاء من الله على لسان رسوله منقادون وبالله معتصمون وبالعروة الوثقى مستمسكون وهي العقد الوثيق المحكم في الدين التي لا انفصام لها لقوتها وثباتها
وهي الكلمة الطيبة لا إله إلا الله قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} والطاغوت كل باطل ليس من الدين وكل ما طغى من شيطان جني أو أنسي وكل عبادة ليست لله فهي باطلة، فالمشرك إنما يتخذ أحداً غير الله لما يحصل له في زعمه من النفع وهو لا يكون إلا فيمن كانت فيه خصلة من أربع: إما أن يكون مالكاً لما يريد متخذه، فإن لم يكن مالكاً كان معيناً، فإن لم يكن كان ظهيراً، فإن لم يكن كان شفيعاً، فنفى سبحانه وتعالى هذه المراتب الأربع نفياً مرتباً منتقلاً من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك عن غيره والشركة والمظاهرة والشفاعة التي لأجلها وقعت المخالفة والعداوة والمخاصمة، وأثبت سبحانه شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه في قوله سبحانه وتعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} الآية وإنما ذكر ذلك تعالى لأنهم دعوا الملائكة دعاء عبادة لشفاعتهم لهم، قاله المفسرون فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً ونجاة وتجريداً للتوحيد وقطعاً لأصول الشرك، وكافية لمن عقلها على أن القرآن مملوء بأمثالها ونظائرها، ولكن الغفلة والجهل هما المؤديان إلى فهم قصور العام على السبب، فالأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك، ولم يميز بين ما عابه القرآن وذمه، وبين ما أنزل لأجله ودعا إليه، فَصَوَّب المستقبح وحَسنَّه، وهو لا يعرف حقيقة وصفه. وإنه الذي كان عليه الجاهلية أو نظيره أو أسوأ منه أو دونه فتنقض عرى الإسلام بذلك ويعود المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وهذا بعينه مشاهد، فإنه قد آل الأمر إلى الشك بالشرك والتدين به في اتخاذ الوسائل والوسائط من الأولياء والأنبياء بل والشياطين من الجن والإنس المعاندين والأشجار والنيران والقبور يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم وينسكون النسك لهم راغبين إليهم راهبين منهم ويستدلون على جواز ما اعتقدوه وفعلوه بقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} وإلى فعل الولايات لقبض النذور على الأموات لدفع ما حل من البلايا والمصيبات، ويجعل للقادمين إلى محل الميت الضيافات، وتنحر في باب قبته النحائر من الأنعام للتقرب إليه ورجاء ما لديه، فهذا بعينه هو الذي كان عليه
عباد الأصنام. وقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عقر في الإسلام" قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.
فكل ما تقدم مما ذكرنا داخل في معنى لا إله إلا الله التي أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بمجاهدة الخلق وقتالهم حتى يقولوها ويتركوا المنافي لها من الإشراك بالله قولاً وعملاً واعتقاداً. وأما حقها فقد جعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه فعل الصلاة وإيتاء الزكاة منه، ومن العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج. واستدلوا بحديث جبريل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام فعد منه هذين الركنين فمن لم يقوّمهما مع القدرة عليهما لم يأت بالإسلام، إذ أركانه لا يقوم بعضها ولا ينوب عن بعض. واستدلوا أيضاً بحديث أبي بكر حين بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس وبقول عمر لو ترك الناس الحج لقاتلناهم عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا علياً يوم حنين فأعطاه الراية وقال:"أسر ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" فسار على ما شاء الله ثم وقف فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس فقال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وفي رواية "إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل" فجعل من حقها الامتناع من الصلاة والزكاة مع الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي الله عنهم. ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من اقام الصلاة وإيتاء الزكاة قوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} وقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا لم يفر حتى يصبح فإن سمع مؤذناً وإلا أغار عليهم. وكان يوصي سراياه إذا سمعتم مؤذناً أو رأيتم مسجداً فلا تقتلوا أحداً. قال العلماء: معنى ذلك والمقصود فيه إذا أظهر قوم توحيد الله والقيام بشرائعه وجب الكف عنهم، لأن فعلهم ذلك دليل على إسلامهم. ثم إن أظهروا منكراً ينكره الشرع ولم ينتهوا عنه إلا بقتال فللإمام قتالهم كما لو تركوا فرض كفاية فيقاتلهم على تركه. ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتل الرجل
الذي أظهر الإسلام ظاناً أسامة أنه إنما قال الشهادتين والسلام خوفاً، وأنزل الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً} الآية فإنه لم يدع الإسلام قبل ذلك؛ ثم انه قد قاله وصدر منه بلا وجود مناف له لا في معناه ولا فيما هو حق له، ولهذا أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتثبت لذلك. وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً فيه:"من محمد النبي إلى أهل عمان - وكان بعضهم يدعي الإسلام- سلام عليكم أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم" أخرجه البزار والطبراني وغيرهما فهذا يدل على أنه كان يغير على الداخلين في الإسلام إذا لم يمتثلوا أمر الله ولم يقوموا بشرائعه فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوّموا الشرائع كف عنهم وإلا لم يمتنع عن قتالهم. وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين عن إلى هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي الله عنه كفر من كفر من العرب فقاتلهم على الإسلام وقاتل أناساً يدعون الإسلام قد امتنعوا من أداء الزكاة قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل" فقال أبو بكر رضي الله عنه: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال فوالله لو منعوني عقالاً كان يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه، فقال له عمر رضي الله عنه: فوالله ما رأيت إلا أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. فأبو بكر رضى الله عنه أخذ قتالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا بحقه" فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين ومنع حقهما جائز، ومن حقهما أداء حق المال الواجب، وعمر رضي الله عنه ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكاً بعموم ألفاظ وردت وليست حال الأمر على ذلك، ثم ان عمر رضي الله عنه رجع إلى موافقة أبي بكر رضي الله عنهما. وقد خرج النسائي قصة توافق مناظرة أبي بكر وعمر بزيادة وهي أن أبا بكر قال لعمر رضي الله عنهما: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ليأتوا بذلك كله". وخرجه ابن خزيمة في صحيحه وإنما قال أبو بكر لأقاتلن من فرق بين
الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، أخذاً والله أعلم من قوله إلا بحقها وفي رواية إلا بحق الإسلام، فجعل من حق الإسلام فعل الصلاة وإيتاء الزكاة كما أن من حقه أن لارتكب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثنى من قوله إلا بحقها وقوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال يدل على ان من ترك الصلاة فإنه يقاتل لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة فإنها حق المال، وهذا فيه إشارة إلى أن تارك الصلاة قتاله أمر مجمع عليه لأنه جعله أصلاً لقتال مانعي الزكاة مقيداً عليه وليس هو مذكوراً في الحديث الذي احتج به عمر، وإنما أخذه من قوله إلا بحقها فكذا الزكاة فإنها من حقها وكل ذلك من حقوق الإسلام، ويستدل أيضاً على قتال تاركي الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع" فقالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم قال: " لا ما صلوا" وحكم ترك سائر أركان الإسلام أو واحد منها أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة. فروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي ابن الأشجع أن أبا بكر رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه وأمره أن يقاتل الناس على خمس فمن ترك واحدة منهن فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام. قال سعيد بن جبير قال عمر بن الحطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات. وأما قتل الواحد الممتنع فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع من الصلاة وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم ويدل على ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: (أن خالد بن الوليد استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل رجل فقال: "لعله يكون مصلياً" فقال خالد: فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال: "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق قلوبهم" وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي بن الخيار: (أن رجلاً من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" قال: بلى ولا شهادة له قال: "أليس يصلي" قال: بلى ولا صلاة له قال: " أولئك الذين نهانا الله عز وجل
عن قتلهم"، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المانع من قتله كونه يصلي فدل على أن من لم يصل يقتل، ولهذا قال في الحديث الآخر نهيت عن قتل المصلين فدل على أن غير المصلين لم ينهه الله عن قتلهم. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تارك الصلاة إذا كان واحداً يحبس حتى يموت وتقاتل الجماعة. وأما قتل الرجل الواحد الممتنع عن أداء الزكاة والصوم والحج مع القدرة فعن أحمد والشافعي ومالك أنه يقتل تارك الزكاة وهي الرواية المشهورة عنهم ويستدلون بحديث ابن عمر "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث وأما الصوم فقال أحمد ومالك في رواية عنه: يقتل بتركه واستدلا بما روى ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: "أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصوم فهو كافر حلال الدم" قال الشافعي في رواية عنه وأحمد في الرواية الأخرى لا يقتل الواحد بل يؤدبه الإمام بالحبس والضرب على ما يرى حتى يصوم واستدلا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما وغيره مما في معناه فإنه ليس فيه ذكر الصوم ولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب الصوم لم يجيء فيه شيء، وهذا والله أعلم قبل أن يثبت عنده حديث ابن عباس فقد رواه ابن الجوزاء عن ابن عباس قال: ولا أحسبه إلا رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم شهر رمضان من ترك منهن واحدة فهو كافر حلال الدم" ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفاً مختصراً ورواه سعيد بن زيد أخو حماد عن ابن مالك بهذا الإسناد مرفوعاً وقال من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ولا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وقد حل دمه وماله ولم يذكر ما بعده. وأما الحج إذا تركه رجل واحد مع القدرة عليه فعن أحمد في القتل بتركه روايتان، وحمل بعض أصحابه رواية قتله على من أخره عازماً على تركه بالكلية، أو أخره مع غلبة ظنه على موته في ذلك العام، فأما من أخره معتقداً أنه على التراخي كما يقوله بعض العلماء فلا قتل في ذلك وقد روي عن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على من لم يحج، وقال ابن عيينة المرجئة يسمون ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم وان ترك الصلاة والزكاة خاصة كفر دون الصيام والحج وقال: قد روي عن عمر ضرب الجزية على من لم يحج وقال ليسوا بمسلمين ولا إله إلا الله مفتاح الجنة وحقها أسنانه ولا مفتاح إلا بأسنان رواه البخاري عن وهب بن منبه ولفظه: (قال البخاري: قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله