الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
26 - فصل في خروجه من دار المعتصم
قال حنبل: قال أبو عبد اللَّه: وقال له ابن أبي دؤاد، بعد ما ضربت وأمر بتخليتي: يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، احبسه فإنه فتنة، يا أمير المؤمنين، إنه ضال مضل، وإن أخليته فتنت به الناس. فقال: يا إسحاق أطلقه. وقام أبو إسحاق فدخل وما عقلت إلا بالقيد وقد نزع من رجلي. وقام أبو إسحاق من مجلسه ذلك، فلم يجد بدًّا من أن يخلي عني، ولولا ذلك كان قد حبسني، وجاءوني بسويق، فقالوا لي: اشرب، فأبيت، فقلت: لا أفطر.
قال حنبل: وبلغني أن أبا عبد اللَّه قال: لي ولهم موقف بين يدي اللَّه عز وجل، فكتب بها إليه، فقال: يخلى سبيله الساعة.
قال حنبل: وأخبرني أبي: قال لي بعض من حضر يومئذ: وكان أحمد في دهره مثل صاحب بني إسرائيل في دهره، كان هؤلاء يحتجون عليه، وهؤلاء يحتجون عليه فيحتج على هؤلاء، ويحتج على هؤلاء بقلب ثابت وفهم، ليس ثَمَّ شيء ينكر. وقال لهم أبو إسحاق: ليس هذا كما وصفتم لي، وذاك من قدره عنده، وقللوه وصغروه عنده، فلما شاهده ورأى ما عنده عرف له فضله.
ولما أمر أبو إسحاق بتخلية أبا عبد اللَّه خلع عليه مبطنةً وقيمصًا وطيلسانًا وخفًّا وقلنسوة، فبينا نحن على باب أبي إسحاق في الدهليز، والناس في ذلك الوقت مجتمعين في الميدان وفي الدروب وغيرها، وأغلقت الأسواق واجتمع الناس فنحن كذلك إذ خرج أبو عبد اللَّه على دابة من دار أبي إسحاق، وقد ألبس تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه وإسحاق بن إبراهيم عن يساره، فلما صار في دهليز أبي إسحاق قبل أن يخرج إلى الطريق، قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه فكشفوه، وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان
نحو طريق الجسر، فقال لهم إسحاق: خذوا به هاهنا، يريد دجلة، فذهبت به إلى الزورق فحمل إلى دار إسحاق، ومع غسان والشافعي، فأتي به دار إسحاق، فأقامه عنده إلى أن صليت الظهر، وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومشايخ المجالس، فجمعوا وأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل، إن كان فيكم من يعرفه وإلا فليعرف، وجاء ابن سماعة فدخل. فقال ابن سماعة: هذا أحمد بن حنبل، فإن أمير المؤمنين ناظره في أمر، وقد خلى سبيله، وها هو ذا، فأخرج على دابة لإسحاق بن إبراهيم عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان، فلما صار إلى الباب سمعت عياشًا صاحب الجسر لما رأى أبا عبد اللَّه قد أقيل، فقال عياش لصاحب إسحاق والناس قيام: تازية تازية -يعني: عربي عربي- فدخل أبو عبد اللَّه، ودخلت معه من باب الزقاق، وهو منحنٍ على الضربة التي كانت قد أجافت، ولم تنقب بحمد اللَّه، وكان عليه أن ينحني، فلما صار إلى باب الدار، وذهب لينزل فاحتضنته، ولم أعلم، فوقعت يدي على موضع الضربة، فصاح وآلمه ذلك ولم أعلم فنحيت يدي، فنزل متوكئًا علي، وأغلق الباب ودخلنا معه، ورمى أبو عبد اللَّه بنفسه على وجهه، ولا يقدر يتحرك هكذا ولا هكذا إلا بجهد، وخلع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع وأخذ ثمنه فتصدق به.
وكان أبو إسحاق أمر إسحاق بن إبراهيم ألا يقطع عنه خبره، وذلك أنه تركه فيما حكي لنا عند الإياس منه، وبلغنا أن أبا إسحاق ندم بجد ذلك وأسقط في يده حتى صلح، وكان صاحب خبر إسحاق بن إبراهيم يأتينا في كل يوم، يتعرف خبره حتى صح وبرأ بعد العلاج، وخرج للصلاة والحمد للَّه رب العالمين وبقيت يده وإبهاماه متخلعتين يضربان عليه، إذا أصابه البرد حتى يسخن له الماء، وأصاب سوط من الضرب في خاصرته، وظنوا أنها قد
نقبت، فسلمه اللَّه من ذلك ورزقه العافية.
قال حنبل: جاء رجل من أهل السجن يقال له: أبو الصبح ممن يبصر الضرب والجراحات، فقال: قد رأيت من ضرب الضرب العظيم، ما رأيت ضربا مثل هذا ولا أشد، فهذا ضرب التلف. ولقد جر عليه الجلادون، قطع اللَّه أيديهم، من قدامه ومن خلفه، وإنما أريد قتله، ثم سبره بالميل مخافة أن تكون نقبت، فلم تكن نقبت.
قال: ورأيت أبا عبد اللَّه وقد أصابت أذنه ضربة فقطعت الجلد، فأنتنت أذنه، فأصابت وجهه غير ضربة مما كان يضطرب. وقال أبو عبد اللَّه: وقال لي بعضهم: يا أبا عبد اللَّه لا تتحرك وانتصب.
قال حنبل: ولما أردنا علاجه خفنا أن يدس ابن أبي دؤاد إلى المعالج فيلقي في دوائه سمًّا يقتله، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا وكان في برينة عندنا، فكان إذا جاء المعالج ليعالجه منها، فإذا فرغ رفعناها، وكان في ضربه شيء من اللحم قد مات فقطعه بسكين، فلم يزل أثر الضرب في ظهره، وكان إذا أصابه البرد ضرب عليه، وإذا آذاه الدم، بعث إلى الحجام في أي وقت فيخرج الدم حتى يسكن عنه ضربان كتفه، وكان يسخن له الماء ليصب عليها. قال حنبل: سمعت أبا عبد اللَّه بعد هذا يقول: ظننت أني قد أعطيت من نفسي المجهود، واللَّه أعلم.
قال حنبل: حضرت أبا عبد اللَّه وإياه رجل وهو في مسجدنا، وكان الرجل حسن الهيبة كأنه كان مع السلطان، فجلس حتى انصرف من كان عند أبي عبد اللَّه ثم دنا منه، فرفعه أبو عبد اللَّه، لما رأى من هيبته، فقال له: يا أبا عبد اللَّه اجعلني في حل.
فقال: ماذا؟ قال: كنت حاضرا يوم ضربت، وما أعنت ولا تكلمت على ضربك، إلا أني حضرت ذلك. فأطرق أبو عبد اللَّه، ثم رفع رأسه إليه فقال:
أحدث للَّه عز وجل ولا تعد إلى مثل ذلك الموقف.
فقال له: يا أبا عبد اللَّه، أنا تائب إلى اللَّه عز وجل السلطان.
قال له أبو عبد اللَّه: فأنت في حل، وكل من ذكرني إلا مبتدع.
وقال أبو عبد اللَّه: وقد جعلت أبا إسحاق في حل، ورأيت اللَّه عز وجل يقول:{وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22]. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر بالعفو في قصة مسطح (1).
قال أبو عبد اللَّه: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سبيلك، ولكن تعفو أو تصفح عنه، فيغفر اللَّه لك، كما وعدك.
قال أبو عبد اللَّه: وقد قال اللَّه عز وجل: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40].
"ذكر المحنة" لحنبل ص 57 - 65
قال المروذي: قال لي أبو عبد اللَّه: قد سألني إسحاق بن إبراهيم أن أجعل أبا إسحاق في حل، قال: قلت له: قد كنت جعلته في حل، ثم قال أبو عبد اللَّه: تفكرت في الحديث: "إذا كان يوم القيامة نادى مناد لا يقم إلا من عفا"(2). وذكرت قول الشَّعْبي: إن تعف عنه مرة يكن لك من الأجر مرتين.
"الورع" للمروذي (265)
قال مُهَنَّا: رأيت يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري حين أخرج أحمد من الحبس وهو يقبل جبهة أحمد ووجهه، ورأيت سليمان بن داود الهاشمي يقبل جبهة أحمد ورأسه.
"حلية الأولياء" 9/ 172، "تاريخ دمشق" 5/ 319، "المناقب" ص 420
(1) رواه أحمد 6/ 59، والبخاري (2661)، ومسلم (2775) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" 11/ 198 - 199 من حديث ابن عباس، ورواه أيضا الخطيب في "تاريخ بغداد" 6/ 145، والبيهقي في "شعب الإيمان" 6/ 44 (7451) من حديث عمران بن حصين. وذكرهما الألباني في "الضعيفة" (2583) وقال عن الحديث الأول: موضوع، وقال عن الثاني: إسناده ضعيف.
قال ميمون بن الأصبغ: أخرج أحمد بن حنبل بعد أن اجتمع الناس على الباب وضجوا حتى خاف السلطان فخرج.
"المناقب" ص 420، "الجوهر المحصل" ص 92
قال الحسن بن عبد العزيز الجروي: قلت للحارث بن مسكين: إن هذا الرجل -أعني: أحمد بن حنبل- قد ضرب، فاذهب بنا إليه، فذهبت أنا وهو فدخلنا عليه، فحدثنا حدثان ضربه.
فقال لنا: ضربت فسقطت وسمعت ذاك -يعني: ابن أبي دُؤاد- يقول: يا أمير المؤمنين هو واللَّه ضال مضل. فقال له الحارث: أخبرني يوسف بن عمر ابن يزيد، عن مالك بن أنس: أن الزهري سعى به حتى ضُرب بالسياط، فقيل لمالك بعد ذلك: إن الزهري قد أقيم للناس وعلقت كتبه في عنقه، فقال مالك: قد ضُرب سعيد بن المسَّيب بالسياط وحلق رأسه ولحيته، وضُرب أبو الزناد بالسياط، وضُرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في حمام بالسياط، قال: وقال عمر بن عبد العزيز: لا تغبطوا أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذى، قال: وما ذكر مالك نفسه، فأعجب أحمد بقول الحارث.
"المناقب" ص 421، "سير أعلام النبلاء" 11/ 295
قال فُوران: وجَّه إليَّ أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل في الليل فدعاني، فقال لي: كيف أخبرتني عن فَضْل الأنماطي.
قال: قلت: يا أبا عبد اللَّه، قال لي فضل: لا أجعل في حل من أمر بضربي حتى أقول القرآن مخلوق، ولا من تولى الضرب، ولا من سَرَّه ممن حضر وغاب من الجهميَّة.
قال لي أحمد بن حنبل: لكني جعلت المعتصم ومن تولى ضربي ومن غاب ومن حضر، وقلت: لا يعذب فيَّ أحد. وذكرت حديثين يرويان عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه عز وجل ينشئ قصورًا فيرفع الناس رؤوسهم فيقولون: لمن
هذِه القصور ما أحسنها؟ فيقال: لمن أعطى ثمنها، قيل: وما ثمنها؟ ، قال: من عفا عن أخيه المسلم" (1)، و"يأمر اللَّه عز وجل بعقد لواء فينادي مناد ليقم تحت هذا اللواء إلى الجنة من له عند اللَّه عهد. فيقال: بيِّن بيِّن من هو؟ قال: من عفا عن أخيه المسلم" (2).
"المناقب" لابن الجوزي ص 425
قال عبد اللَّه: قرأت على أبي، روح، عن أشعث، عن الحسن: إن للَّه عز وجل بابا في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة.
فقال لي: يا بني ما خرجت من دار أبي إسحاق حتى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دؤاد وعبد الرحمن بن إسحاق فإنهما طلبا دمي، وأنا أهون على اللَّه عز وجل أن يعذب فيَّ أحدًا، أشهدك أنهما في حِلّ.
"المناقب"ص 426
قال أبو حاتم: أتيت أحمد بن حنبل بغدما ضرب بثلاث سنين أو نحوها. فقلت له: ذهب عنك أثر الضرب، فأخرج يده اليسرى على كوعه اليمنى وقال: هذا -كأنه يقول خلع- وأنه يجد منها ألَم ذلك.
"المناقب" ص 427، "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص 131، "سير أعلام النبلاء" 11/ 258
قال أبو الحسين بن المنادي: حدثني جدي قال: لقيت أبا عبد اللَّه بعد ما انكشف ذلك البلاء، فرأيت بين يديه مجمرة فيها جمر يضع خرقة ملفوفة في يديه فيسخنها بالنار، ثم يجعلها على جنبه من الضرب الذي كان ضرب، فالتفت إليَّ فقال: يا أبا جعفر ما كان في القوم أرأف بي من المعتصم.
"المناقب" ص 427، "سير أعلام النبلاء" 11/ 264
(1) رواه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن باللَّه"(117) والحاكم 4/ 576 من طريق عباد ابن شيبة، عن سعيد بن أنس، عن أنس. وقال: صحيح الإسناد. ورواه الخطيب في "تاريخ بغداد" 9/ 342 من طريق زياد بن ميمون، عن أنس. وقال الألباني في "ضعيف الترغيب" (1469): ضعيف جدًا.
(2)
لم أجده.
قال محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي: في سنة سبع وعشرين ومائتين حدث أحمد بن حنبل ببغداد ظاهرًا جهرة، وذلك حين مات المعتصم، بلغنا انبساطه في الحديث ونحن بالكوفة، فرجعت إليه فأدركته في رجب من هذِه السنة وهو يحدث، ثم قطع الحديث لثلاث بقين من شعبان من غير منع من السلطان، ولكن كتب الحسن بن علي بن الجعد -وهو يومئذ قاض ببغداد- إلى ابن أبي دُؤاد: أن أحمد قد انبسط في الحديث. فبلغ ذلك أحمد فأمسك عن الحديث من غير أن يمنع.
"المناقب" لابن الجوزي ص 428، "سير أعلام النبلاء" 11/ 265
قال عبد اللَّه: سمعت أبي يقول: واللَّه لو علمت أني أتخلص منهم بهذا المقدار، كان الأمر غير ذا، ولكن قدرت أن لحمي يقرض بالمقاريض حبة حبة.
"المحنة" لعبد الغني المقدسي ص 123