الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غفلة الناس عن الموت
قال أبو العتاهية:
النّاسُ في غَفلاتِهِمْ
…
ورَحَى المَنيَّةِ تَطْحَنُ
وقال الحسن البصريُّ: ما رأيتُ يَقيناً لا شكَّ فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقينَ فيه مثلَ الموتِ وقد تقدم وقال عمر بن عبد العزيز في خُطبة له: ما هذا التغافلُ عمّا أمِرْتُمْ به، والتَّسَرُّعُ إلى ما نُهيتُم عنه! إنْ كُنْتُمْ على يقينٍ فأنتُمْ حَمْقى، وإنْ كُنتم على شكٍّ فأنتُمْ هَلْكى. . .
وقال شاعر:
ونأمُلُ مِن وعْدِ المُنَى غَيرَ صادِقٍ
…
ونأمَنُ مِن وَعْدِ المَنَى غَيْرَ كاذِبِ
نُراعُ إذا ما شِيكَ إخْمَصُ بَعْضِنا
…
وأقْدامُنا ما بينَ شَوْكِ العَقارِبِ
المُنى: جمعُ المُنْية وهو ما يتمنّاه المرءُ، والمَنى: الموت، وأصلُه القدر تقول: مَنى اللهُ لك ما يسرُّك: أي قدَّر اللهُ لك ما يسرُّك ويسمّى الموتُ بالمَنى لأنّه قُدِّر علينا وقيل: من لم يَرْتدِعْ بالموتِ وبالقُرآنِ ثم تناطَحَتِ الجبالُ بينَ يديْه لم يرتَدِعْ.
لا ينجو من الموت أحد
قيل: من لَمْ يمُتْ عاجلاً مات آجلاً؛ وقال أميّةُ بن أبي الصَّلت:
مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطةً يَمُتْ هَرَماً
…
للمَوْتِ كأسٌ والمَرْءُ ذائِقُها
ما لَذّةُ النَّفْسِ في الحَياةِ وإنْ
…
عاشَتْ قليلاً فالمَوْتُ لاحِقُها
يَقودُها قائِدٌ إليهِ ويَحْ
…
دُوها حَثيثاً إليهِ سائِقُها
يقال: ماتَ فلانٌ عبطةً: أي شاباً، وقيل: شاباً صحيحاً، وأصلُ العَبيطِ من اللحم: ما كان سليماً من الآفاتِ ويقالُ: عَبَطَ الشاةَ والناقةَ وكلَّ دابةٍ: نَحَرَها أو ذبَحَها من غيرِ داءٍ وهي فتيَّةٌ.
وقيل لابن المقفَّع: قد كُنتَ نُعيتَ لنا! فقال: ما بَعُدَ كائِن ولا قَرُبَ بائن. . . وقال ابن المعتز:
أَلا إنّما جِسْمِي لِرُوحي مَطِيَّةٌ
…
ولا بُدَّ يَوْماً أن يُعَرَّى مِنَ الرَّحْلِ
الرَّحْل: المنزل، والسرج يُوضع على ظهر الدابة، وعُرِيَ منه نُزِعَ عنه وهذا على المثل وقال محمود الورّاق:
وما صاحِبُ السَّبْعينَ والعَشْرِ بَعْدَها
…
بأقْرَبَ مِمَّنْ حَنَّكَتْهُ القَوابِلُ
ولكِنَّ آمالاً يُؤَمِّلُها الفتَى
…
وفيهِنَّ للرّاجِينَ حَقٌّ وباطِلُ
القوابل جمع قابلة: المرأةُ تتلقّى الولدَ لدى الولادة المُولِّدة وحنّكته فالتَّحْنيكُ: أن تَمْضَعَ التّمر ثم تَدْلُكُه بحَنَكِ الصَّبيِّ داخلَ فمِه. . .
وقال المتنبي:
وأوْفَى حَياةِ الغابِرينَ لِصَاحِبٍ
…
حَياةُ امْرِئٍ خانَتْهُ بعدَ مَشِيبِ
يريد المتنبّي: أنَّ الحياةَ وإن طالت فهي إلى انقضاء، يقول: أوفى عُمر أن يبقى حتّى المَشيب ثم يخونُه عُمْرُهُ بعد ذلك، وقصاراه الموت، أو تقول: إذا عاش المرءُ إلى بلوغِ المَشيب ثم خانته حياتُه يومئذٍ فقد تَناهَتْ في الوفاء.
ومرَّ شيخٌ من العرب بغلامٍ فقال له الغُلام: أحْصَدْتَ يا عمّاه، فقال: يا بنيَّ، وتُخْتَضَرونَ أحْصَدْتَ: آن لك أن تُحْصدَ، وتُخْتَضَرونَ: تموتون خُضراً في شبابكم.