الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقالت الحكماء: لسانُ الحالِ أصدقُ مِنْ لِسانِ الشُّكر: وقد أجاد ابن الرومي في هذا المعنى فقال:
حالي تبُوحُ بما أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ
…
فكُلُّ ما تَدَّعِيه غَيْرُ مَردُودِ
كلِّي هِجَاءٌ وقَتْلي لا يَحِلُّ لكُمْ
…
فيما يُداوِيكُمُ منِّي سِوَى الجودِ
وقالوا: شهاداتُ الأحوالِ أعدلُ من شهاداتِ الرِّجال.
لا يَمدحون إلا إذا أُعطوا
واعتذارهم عن ذلك
قالت بنو تميم لسلامَةَ بن جندل: مَجِّدْنا بِشِعْرِك، فقال: افْعَلوا حتّى أُثني، ونحوُه قولُ عَمْرو بن معد يكرب:
فلَوْ أنّ قومي أنْطَقَتْني رِماحُهُمْ
…
نَطقْتُ ولَكِنّ الرِّماحَ أجَرَّتِ
أجرَّت: قطعت، يقول: لو قاتل قومي أو أبلَوْا لذكرت ذلك وفخرت به، ولكن رماحَهم أجرَّتني: أي قطعت لساني عن الكلام بفِرارهم، أراد أنهم لم يقاتلوا.
وقال بعضُ الأكابر لأبي هفّان: مالك لا تمدحني؟ فقال:
لِسَانُ الشُّكْرِ تُنْطِقُهُ العَطَايا
…
ويَخْرَسُ عند مُنْقَطَعِ النّوالِ
وعاتب يوماً محمد بن عبد الملك الزيات الوزير أبا تمّام على مدحه سواه فاعتذر إليه بأبياتٍ يقول فيها:
أمّا القوافي فقَدْ حَصَّلْتَ عُذْرَتَهَا
…
فما يُصابُ دمٌ منها ولا سَلَبُ
مَنَعْتَ إلا مِنَ الأكْفَاءِ ناكِحَها
…
وكان منْكَ علَيْهَا العَطْفُ والحدَبُ
ولو عَضَلْتَ عن الأكْفَاءِ أيِّمَهَا
…
ولَمْ يكُنْ لك في أطْهارِها أرَبُ
كانَتْ بناتِ نُصَيْبٍ حينَ ضَنَّ بها
…
على المَوالي ولم تَحْفِلْ بها العَرَبُ
العُذْرة: البَكارة، والحَدَب: الإشفاق، وعضل الأيِّم: فالأيِّم: التي لا زوجَ لها بكراً كانت أو ثيّباً والجمع: أيامى وأيايم، وعضل الرجل أيِّمَه يَعْضُلها ويَعْضِلُها عَضْلاً: منَعَها الزَّواجَ ظُلماً قال تعالى: {فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} ، نزلت في مَعْقلِ بنِ يسار المُزَني - وكان زوَّج أختَه رجلاً فطلّقها، فلما انقضت عدَّتُها خطبَها، فآلى أن لا يزوِّجَه إيّاها ورغبت فيه أختُه فنزلت الآية. . . وكان نُصيْبُ الشاعر الأسودُ له بناتٌ وكان يرغب عن أن يزوِّجَهن من الموالي، والعرب لا ترغب فيهن، فبقين بلا زواج، قيل له يوماً: ما حال بناتِك؟ فقال: صببت عليهِنَّ من جِلْدي فكَسَدْنَ عليَّ. . . وكتب هذا الوزير الزيات إلى أبي تمام يوماً يحتجُّ عليه بأنّه يمدح غيره وأنّه لو اقتصر عليه لأغناه وأنَّ كثرةَ مدحِه الناسَ
زهَّدته فيه:
رَأيْتُكَ سَمْحَ البَيْعِ سَهلاً وإنّما
…
يُغالي إذا ما ضَنَّ بالشَّيْءِ بائِعُهْ
هُوَ الماءُ إنْ أجْمَمْتَه طابَ وِرْدُه
…
ويَفْسُدُ منه ما تُباحُ شَرائِعُهْ
فكتب إليه أبو تمام:
أبا جَعْفرٍ إنْ كنتُ أصْبَحْتُ شاعِراً
…
أُساهِلُ في بَيْعي له مَنْ أُبايِِعُهْ
فَقَدْ كُنْتَ قبْلي شاعِراً ذا رَوِيَّةٍ
…
تُساهِلُ مَنْ هانَتْ عليه بَضائِعُهْ
وصِرْتَ وزيراً والوِزَارةُ مَشْرَبٌ
…
يَغَصُّ به بعدَ اللَّذاذةِ كارِعُهْ
وكَمْ مِنْ وزيرٍ قد رأيْنَا مُسلَّطاً
…
رأيْناه قد سُدَّتْ عليه مَطالِعُهْ
وللهِ قوْسٌ لا تَطِيشُ سِهامُها
…
وللهِ سَيْفٌ لا تُفَلُّ مَقاطِعُهْ