الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم بيَّن الرسولُ أن كل ما ينفقه على زوجِه أو ولدِه أو أقاربِه أو خدمِه صدقةٌ ولو كان قليلاً، حتى اللقمةَ يرفعُها إلى فمِ امرأته، يريد صلوات الله عليه: أنَّ المرءَ إن استقلَّ أمرَ الوصيّةِ بالثلثِ أو ما دونه فلْيَسْتَكْثِرْه بالإنفاق، والأقربون أولى بالمَعْروف، فإن امتدَّت به الحياةُ فليَسْلُك هذا الطريق، ثمَّ رجا له الرسولُ أن يبرأَ وتطولَ حياتُه ويرتفعَ شأنُه حتى ينتفع به أناسٌ ويَسْتَضِرَّ به آخرون، وقد تحقّق هذا كلُّه حتّى عزّ به الإسلامُ. هذا والوصيّةُ بالثلث فأقلّ قد استقرَّ عليه الإجماعُ إذا كان هناك ورثةٌ واختلفوا فيمَنْ ليس له
وارثٌ راجع كتبَ الفقه. . . وعن أبي هريرة: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسولَ الله، أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟ قال: أنْ تصدَّقَ وأنت صحيحٌ حريصٌ تأمَلُ الغِنى وتَخْشى الفقرَ ولا تُمْهِل حتى إذا بلغتِ الحُلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا). . . وفي الأثر أيضاً: (مثلُ الذي يُعتق ويَتَصدَّق عند موته، مثلُ الذي يُهدي إذا شبع). . . وقال بعض الصالحين عن بعض المُتْرَفين: يَعْصون اللهَ في أموالِهم مرَّتين، يَبْخلون بها وهي في أيديهم - يَعني في الحياة - ويُسرفونَ فيها إذا خَرَجَتْ من أيديهم - يَعني بعدَ الموت.
من أوصى بشرٍّ وكان قاسِياً
لمّا حضرتِ الحُطيئةَ الوفاةُ اجتمعَ إليه قومُه فقالوا: يا أبا مُلَيْكة: أوْصِ، فقال: وَيْلٌ للشِّعْرِ من راوِيةِ السُّوء؛ قالوا: أوْصِ رَحِمَك اللهُ يا حُطَيْءُ قال: مَن الّذي يقول:
إذا أَنْبَضَ الرّامونَ عَنْها تَرَنَّمَتْ
…
تَرَنُّمَ ثَكْلَى أوْجَعَتْها الجَنائِزُ؟
قالوا: الشَّمّاخ؛ قال: أبْلِغوا غَطفانَ أنّه أشعرُ العَرب؛ قالوا: وَيْحك! أهذه وَصِيّةٌ! أوْصِ بما يَنْفَعك! قال: أبْلِغوا أهلَ ضابِئٍ أنّه شاعرٌ حيث يقول:
لِكُلِّ جَديدٍ لَذَّةٌ غَيْرَ أنّني
…
رأيْتُ جَديدَ المَوْتِ غَيْرَ لَذيذِ
قالوا: أوْصِ وَيْحك بما يَنْفعُك! قال: أبلِغوا أهلَ امْرئِ القيسِ أنّه أشعرُ العربِ حيثُ يقول:
فيا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأنَّ نُجومَهُ
…
بِكُلِّ مُغارِ الفَتْلِ شُدَّتْ بيَذْبُلِ
قالوا: اتَّقِ اللهَ ودَعْ عنكَ هذا؛ قال: أبلِغوا الأنصارَ أنَّ صاحِبَهم أشعرُ العربِ حيث يقول:
يُغْشَوْنَ حتّى ما تَهِرُّ كِلابُهم
…
لا يَسْألونَ عَنِ السَّوادِ المُقْبِلِ
قالوا: هذا لا يغني عنك شيئاً، فقُلْ غيرَ ما أنتَ فيه، فقال:
الشِّعْرُ صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ
…
إذا ارْتَقَى فيه الّذي لا يَعْلَمُهْ
زَلَّتْ بهِ إلى الحَضِيضِ قَدَمُهْ
…
يُريدُ أنْ يُعْرِبَه فيُعْجِمُهْ
قالوا: هذا مثلُ الذي كنتَ فيه، فقال:
قَدْ كُنْتُ أحياناً شديدَ المُعْتمَدْ
…
وكنتُ ذا غَرْبٍ على الخَصْمِ ألَدّ
فَوَرَدَتْ نَفسي وما كادَتْ تَرِدْ
قالوا: يا أبا مُلَيْكة، ألكَ حاجةٌ؟ قال: لا واللهِ، ولكِنْ أجْزَعُ على المديحِ الجيِّد يُمدَحُ به مَنْ ليس له أهلاً. قالوا: فمَنْ أشعرُ الناس؟ فأوْمَأ بيدِه إلى فيه وقال: هذا الجُحَيْرُ إذا طَمِعَ في خير يعني فمَه واسْتَعْبَرَ باكِياً؛ فقالوا له: قل لا إلهَ إلا الله، فقال:
قالَتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ
…
عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكمُ وحُجْرُ
فقالوا له: ما تقولُ في عبيدِك وإمائِك؟ فقال: هُمْ عَبيدٌ قِنٌّ ما عاقبَ الليلُ النَّهارَ؛ قالوا: فأوْصِ للفقراءِ بشَيْءٍ، قال: أوصيهم بالإلحاحِ في المَسْألةِ فإنّها تجارةٌ لا تَبور، واسْتُ المَسؤول أضيقُ. قالوا: فما تقولُ في مالِك؟ قال: للأنثى مِنْ وَلدي مِثْلُ حظِّ الذكر. قالوا ليس هكذا قضى اللهُ جلَّ وعزَّ لَهُنَّ، قال: لكنّي هكذا قضيْتُ. قالوا فما توصي لليتامى؟ قال: كُلوا أموالَهم وانْكِحوا أمَّهاتِهم؛ قالوا: فهل شيءٌ تَعْهَدُ فيه غيرَ هذا؟ قال: نَعَم، تَحْمِلونَني على أتانٍ وتتركونَني راكِبَها حتى أموتَ، فإنَّ الكريمَ لا يموتُ على فراشِه، والأتانُ مَرْكَبٌ لم يَمُتْ عليه كريمٌ قطُّ، فحَمَلوه على أتانٍ وجَعلوا يذهبون به ويَجيئون عليها حتّى مات وهو يقول: