الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولهذا قيل: غايةُ شكرِ اللهِ تعالى الاعترافُ بالعجز عنه، بل قد قال الله تعالى: وإنْ تعدّوا نعمةَ اللهِ لا تحصوها، وأيضاً فكل ما يفعل اللهُ بعبده فهو نِعْمةٌ منه، وإن كان بعضُ ذلك يعدُّ بليةً، ولهذا قال بعض الصالحين: يا من منعُه عطاءٌ وبلاؤُه نعماءُ. . . ولأجلِ صعوبةِ شكر الله قال عز وجل: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} . . .
عبقرياتهم في الشكر
حثهم على الشكر
قال حكيم: إذا قَصُرَت يدُك عن المكافأةِ فليَطُلْ لسانُك بالشكر؛ وقالوا: النِّعم إذا شُكرت قرَّت وإذا كُفِرت فرَّت. والأصل في هذا قوله تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن
كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}. . . وقالوا: النعم وحشيّةٌ فاشْكُلوها بالشكر يقال: شَكَلَ الدابة يَشْكُلها: شدَّ قوائِمَها بحبل، واسم ذلك الحبل: الشِّكال وقال ابن المقفع: استوثقوا عُرى النِّعم بالشُّكر. العُرى جمع عُروة، والعُروة في الأصل تقال لعُرْوةِ الدّلو والكوز ونحوه، أي مقبضه. ولعُروة المزادة أي أذنها. ولعُروة القميص: مدخل زره، ولعروة النبات: ما بقي له خضرةٌ في الشتاء ترعاها الإبل إذا أجدب الناس، ومن
هذا استعاروا العُروة لكل ما يُلجأ إليه ويُعوّل عليه ويوثق به ويُتمسك؛ فيقال لقادة الجيش: العُرى، والصحابة رضوان الله عليهم: عُرى الإسلام، وقوله تعالى:{فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا} ؛ شُبِّه ما يُعتصم به من الدين بالعروة التي يُتمسّك بها ويُلجأ إليها، والوُثقى: المُحْكمة، فقول ابن المقفع: استوثقوا: أي أحكموها وقال البحتري:
يَزيدُ تَفضُّلاً وأزيدُ شُكْراً
…
وذلك دأبُهُ أبداً ودأبي
وقال عمرو بن مَسْعَدة: لا تصحب من يكون استمتاعُه بمالِك وجاهِك أكثرَ من إمتاعِه لك بشكرِ لسانِه وفوائدِ عمله. وقال يحيى بن أكثم: كنت عند المأمون فأتيَ برجلٍ تُرْعَد فرائصُه، فلما مثل بين يديه قال المأمون: كفرتَ نعمتي ولم تشكُرْ معروفي! فقال: يا أمير المؤمنين، وأين يقع شُكْري في جنبِ ما أنعم اللهُ بك عليَّ! قال يحيى: فنظر إليّ المأمون وقال متمثلاً:
ولو كان يَسْتغْني عن الشُّكْرِ ماجِدٌ
…
لِرفعةِ قَدْرٍ أَوْ عُلوِّ مكانِ
لَمَا أمَرَ اللهُ العبادَ بشُكْرِه
…
فقال: اشْكروا لي أيُّها الثَقَلانِ
ثم التفت إلى الرجلِ وقال: هلَاّ قلت كما قال أصرمُ بن حُمَيْد:
مُلِّكْتَ حَمْدِيَ حتَى إنِّني رَجلٌ
…
كُلِّي بكلِّ ثَناءٍ فيكَ مُشْتَغِلُ
خُوّلْتَ شُكري لِمَا خَوَّلْتَ من نِعَمٍ
…
فُحُرُّ شُكْري لمَا خَوَّلْتَني خَدَمُ
وقريبٌ من هذا قول أبي الفتح البُسْتي:
لئِنْ عَجِزَتْ عن شُكْرِ بِرِّك قُوَّتي
…
وأقْوى الوَرَى عن شكر بِرِّكِ عاجِزُ
فإنّ ثَنائي واعتِقادي وطاقَتي
…
لأفلاكِ ما أوْلَيْتَنيها مراكزُ
ومن أبرع ما قيل في الشكر قول البحتري:
فلَوْ كان للشُّكْرِ شَخْصٌ يَبينُ
…
إذا ما تأَمَّلهُ الناظِرُ
لبَيَّنْتُه لك حتّى تَراهُ
…
فتعْلَمَ أنِّي امْرُؤٌ شاكِرُ
ولكنّه ساكنٌ في الضَّميرِ
…
يُحَرِّكهُ الكَلِمُ السَّائِرُ
وقال عبدُ الله بن الزبير الأسديُّ في عمرِو بن عثمان بن عفان - لما زاره فنظر عمرو فرأى تحت ثيابِه ثوباً رثّاً، فدعا وكيلَه وقال: اقترض لنا مالاً، فقال: هيهات ما يعطينا التُّجّار شيئاً، قال: فأربحهم ما شاؤوا: فاقترض له عشرةَ آلاف فوجّه بها إليه مع تَخْتِ ثياب التَّخْت: وعاء تصان فيه الثياب -:
سأشْكرُ عَمْراً ما تَراخَتْ مَنِيَّتي
…
أَيادِيَ لم تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ
فتًى غيرُ مَحْجُوبِ الغِنى عن صديقِه
…
ولا مُظْهِرِ الشَّكْوَى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
رأى خَلَّتي من حيثُ يَخْفَى مَكانُها
…
فكانَتْ قَذى عَيْنيه حتى تجَلَّتِ
قوله: سأشكر: فالعرب تستعمل السين إذا أرادت تكرارَ الفعل وتأكيدَه ولا تريد التنفّس فيه. ولم تمنن: لم يَتْبعها مَنّ، وإذا النعل زلت: يريد: إذا زلت قدمُه في مزالقِ الدّهر فلا يجد مركباً يقيه مصرعَ السوء ولا متّكأً يعتمد عليه في نهضتِه، والخَلّة: الحاجة، وقوله من حيث يخفى مكانها: أي من حيث لا يدرِكُها لحاظُ غيره، وفكانت قذى عينيه: أبرع كلمة في معنى الاهتمام بالحاجة. . .
وقال ابنُ عنقاءَ الفزاريُّ في عُمَيْلة الفزاريِّ - وكان قد وصله بنصف ماله لَمّا رأى من رثاثةِ حالِه، وكان عُمَيْلةُ غلاماً جميلاً -:
رآني على ما بي عُمَيلةُ فاشْتَكى
…
إلى مالِه حالِي أَسَرَّ كما جَهَرْ
دَعاني فآساني ولو ضَنَّ لم أَلُمْ
…
على حينَ لا بَدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ
غُلامٌ رَماهُ اللهُ بالخيْرِ يافِعاً
…
له سِيمَياءُ لا تَشُقُّ على البَصَرْ
كأنّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ في جَبينِه
…
وفي خَدِّه الشِّعْرَى وفي وَجْهِه القَمَرْ