الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما ترك أحداً منكم حتّى سأله. . وقال المازنيّ: وقف علينا أعرابيٌّ فقال: رحم الله امرءاً لم تَمْجُجْ أذناه كلامي، وقدّم لنفسِه مَعاذاً مِنْ سوء مقامي، فإنّ البلاد مُجْدبة والحال مُصْعبةٌ والحياء زاجرٌ يمنع من كلامكم، والعُدْم عاذرٌ يدعو إلى إخباركم، والدُّعاء أحد الصدقتين، فرحم الله امرءاً أمر بميرٍ ودعا بخير. فقال له رجل من القوم: ممّن الرجل؟ فقال: اللهم غَفْراً ممن لا تضرّك جهالته، ولا تنفعك معرفته، ذلُّ الاكتساب، يمنع من عزّ الانتساب.
حسن الخلق
وعبقرياتهم فيه وفيما يتأشّب إليه
وهذا هو أحد لوني الإحسان إلى الناس، وإن شئت قلت هو اللون الثالث من ألوان البِرّ، أعني حُسنَ الخلق.
تحضيضهم على حسن الخلق
قال الله عز وجل: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . وقال: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} . {خُذِ الْعَفْوَ} : فالعفو: السهل الميسّر، يقول سبحانه: احتمل أخلاق الناس واقبل ما سَهُل منها وتيسّر، ولا تستقصِ عليهم فيستقصي الله عليك، مع ما فيه من العداوة والبغضاء قال شُرَيْح:
خُذِي العفْوَ مِنِّي تستديمي مودّتي
…
ولا تَنطِقي في سَوْرَتي حين أغْضَبُ
فإني رأيتُ الحُبَّ في الصَّدْرِ والأذى
…
إذا اجْتَمَعا لم يَلْبَثِ الحبُّ يَذْهَبُ
وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} : فالجهل هنا ما قابل العقل والجاهلون: الحمقى الأشرار السيّئو الأخلاق، أمر الله نبيه بأن لا يماري الجاهلين ولا يكافئهم بمثل أفعالهم.
وقال سيدنا رسول الله: (إنكم لن تَسعوا الناسَ بأموالِكم فسَعوهم بأخلاقكم). ومن ذا قولُ حكيم وقد قيل له: هل من جودٍ يُتناول به الخَلْقُ؟ فقال: نعم، أن تحسن الخُلُقَ وتنوي الخيرَ لكل أحد. . . وقال صلوات الله عليه:(ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم مني مجالسَ يوم القيامة!: أحاسنكم أخلاقاً الموطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالسَ يوم القيامة! الثّرثارون المتفيهقون). . . قوله: أحاسنكم أخلاقاً يريد: الأحاسنَ منكم على إرادة التفضيل لا الوصف، وذلك أن العرب تقول في الوصف: رجلٌ حَسنٌ ولم تقل رجلٌ أحسن، مع قولهم امرأة حسناء. ونظيره في عكسه: غلامٌ أمردُ ولم يقولوا جارية مرداء. وقوله: الموطؤون أكنافاً: يريد دماثة الخُلق ولينَ الجانبِ وأن ناحيته يتمكّن فيها صاحبه غير مؤذًى ولا نابٍ به موضعُه. وأصل التوطئة: التذليل والتمهيد يقال: فراشٌ وطيءٌ إذا كان وثيراً - أي ليّناً - والثرثارون: الذين يكثرون الكلامَ تكلّفاً وتجاوُزاً وخروجاً عن الحق، وأصل هذه اللفظة من العينِ الواسعة من عيون الماء يقال: عينٌ ثَرْثارة وثَرّارة: إذا كانت كثيرةَ الماء. . . والمتفيهقون: بسبيل من الثرثارون وهو تأسيس له، واشتقاقه من قولهم: فَهِقَ الغَديرُ يَفْهَقُ: إذا امتلأ ماءً فلم يكن فيه موضعٌ مزبدٌ: يصفهم
بأنهم يوسعون أشداقَهم ويملؤونها بالكلام. قال أبو العبّاس المبرّد بعد ما أورد ما أوردناه من تفسير هذا الحديث: وتصديقُ ما فسّرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يريد الصدقَ في المنطق والقصدَ وتركَ ما لا يُحتاج إليه: قوله لجرير بن عبد الله البَجَلي: يا جرير: إذا قلتَ فأوْجِزْ وإذا بلغتَ حاجتَك فلا تتكلّف. وقال الله جل شأنه في الحث على لين الكلام: وقولوا للناس حسناً. وقال: {فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً} ، وقال:{وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} . وقال: {فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً} . . . وقالوا: من لانت كلمته وجبت محبتُه. وقالت جدة سفيان بنِ عُيينة له:
بُنَيَّ إنَّ البِرَّ شيءٌ هَيْنُ
…
المَفْرَشُ اللّيِّنُ والطُّعَيْمُ
ومَنْطِقٌ إذا نَطقْتَ لَيْنُ
قولها هَيْنٌ: فالعرب تقول: رجلٌ هَيْنٌ لَيْنٌ وهَيّنٌ لَيّنٌ وفي الحديث: (المؤمنون هيّنون ليّنون كالجملِ الأنِفِ إن قُدْتَه انقادَ وإن أنَخْتَه على صخرة اسْتَناخ) جمل أنفٌ: أي مأنوف، أي يشتكي أنفُه من خِشاشٍ أو بُرَةٍ أو خِزامة في أنفه فلا يمتنع على قائده في شيء للوجع، فهو
ذلول منقادٌ، ومعنى المؤمنون كالجمل الأنف: أنهم لا يَريمون التشكّي، أي يُديمون التشكي مما بهم إلى الله وحده لا إلى سواه. أقول: وأحسن من هذا التفسير قول بعضهم: الجمل الأنف: الذليل المُؤاتي الذي يأنَف من الزّجْر ومن الضرب ويُعطي ما عنده من السير عفواً سهلاً، كذلك المؤمن، لا يحتاج إلى زجر ولا