الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن فائدته بالنظر إلى المواضع التي هي في نسخ التاريخ على ما حكياه وذكرا أنه خطأ: معرفة الخلاف؛ ليجتهد الناظر في معرفة الصواب، وكثير من ذلك لم ينبه عليه في "الجرح والتعديل"، ولا غيره فيما علمت.
3 -
النظر في تعقبات الرازيين:
وجدت المواضع المتعقَّبة على أضْرُب:
الأول: ما هو في "التاريخ" على ما صوَّبه الرازيان لا على ما حكياه عنه وخطآه، وهذا كثير جدًّا، لعلّه أكثر من النصف، وقد ذكرت في مقدمة "الموضح" أنّ البخاري أخرج "التاريخ" ثلاث مرات، وفي كل مرة يزيد وينقص ويصلح، واستظهرتُ أنّ النسخة التي وقعت للرازيين كانت ممّا أخرجه البخاري لأول مرة، وهذا صحيح، ولكني بعد الاطلاع على هذا الكتاب علمت أنّه لا يكفي لتعليل ما وقع فيه من هذا الضرب لكثرته، ولأنّ كثيرًا منه يبعد جدًّا أن يقع من البخاري بعضه فضلاً عن كثير منه، وتبين لي أنّ معظم التَّبعة في هذا الضرب على تلك النسخة التي وقعت للرازيين، وعلى هذا فوق ما تقدم شاهدان:
الأول: أنّ الخطيب ذكر في "الموضح"(1/ 7) هذا الكتاب ثم قال: "وقد حكي عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه"، وقد وقف الخطيب على عدة نسخ من "التاريخ" مختلفة الأسانيد إلى البخاري.
الثاني: أنّ أبا حاتم وهو زميل أبي زرعة، ولا بدّ أن يكون قد اطلع على تلك النسخة، وعرف حالها، يقول في مواضع كثيرة من هذا الكتاب:"وإنّما هو غلط من الكاتب" أو نحو هذا، راجع رقم 10، 31، 42، 66، 89، 210، 229، 230، 239، 404، 460، 472، 609.
يعني أنّ الخطأ فيها ليس من البخاري ولا ممّن فوقه، وإنّما هو من كاتب تلك النسخة التي حكى عنها أبو زرعة. وثمَّ مواضع أكثر مما ذكره؛ الحمل فيها على الكاتب أوضح.
قد يُعترض هذا بما في أول هذا الكتاب عن أبي زرعة: "حَمَل إليَّ الفضل بن العباس المعروف الصائغ كتاب "التاريخ" ذَكَر أنّه كتبه من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري فوجدت فيه
…
"، والفضل بن العباس الصائغ حافظ كبير يبعد أن يخطئ في النقل ذاك الخطأ الكثير، وقد ذكر أنه كتب من كتاب البخاري، والظاهر أنه يريد به نسخة البخاري التي تحت يده، والأوجه التي تحمل التبعةَ على تلك النسخة توجب أحدَ أمرين:
الأول: أن يكون الفضل بن العباس حين نقل النسخة لمَّا يستحكم علمه، وقد تكون نسخة البخاري حين نقل منها لا تزال مسوَّدة، فنقل ولم يسمع ولا عَرَض ولا قابل.
الثاني: أن تكون كلمة "كتاب محمد بن إسماعيل" في عبارة أبي زرعة لا تعني نسخة البخاري التي تحت يده، وإنّما تعني مؤلفه الذي هو "التاريخ"، وتكون النسخة التي نقل منها الصائغ نسخةً لبعض الطلبة غير محررة، وإنّما نُقِلت عن نسخة أخرى مع جهل الكاتب، ولم يسمع ولا عَرَض ولا قابل.
الضرب الثاني: ما اختلفت فيه نُسخ "التاريخ" ففي بعضها كما حكاه أبو زرعة وخطأه، وفي بعضها كما ذكر أنّه الصواب، والأمر في هذا محتمل، وموافقة بعض النسخ للنسخة التي وقف عليها أبو زرعة لا تكفي لتصحيح النسبة إلى البخاري، ولاسيما ما يكثر فيه تصحيف النسَّاخ كاسم "سعر"، يتوارد النسَّاخ على كتابته "سعد".
الثالث: ما وقع في الموضع الذي أحال عليه أبو زرعة كما حكاه، وفي موضع آخر من "التاريخ" على ما صوَّبه، وهذا قريب من الذي قبله، لكن إذا حكى البخاري كلّاً من القولين من وجهٍ
(1)
غير وجه الآخر فالخلاف من فوق. وقد يذكر البخاري مثل هذا، ويرجّح تصريحًا أو إيماء، وقد يسكت عن الترجيح ولا يعد هذا خطأ، والبخاري معروف بشدة التثبت.
الرابع: ما هو في "التاريخ" على ما حكاه أبو زرعة وخطَّأه، ولا يوجد فيه كما صوَّبه، والأمر في هذا أيضًا محتمل، ولاسيما في المواضع التي تنفرد نسخة واحدة من "التاريخ"، وفي المواضع التي يغلب فيها تصحيف النسَّاخ، وما صحت نسبته إلى البخاري من هذا، فالغالب أنّه كذلك سمعه، فإن كان خطأ فالخطأ ممّن قبله، وما كان منه يكون أمره هينًا كالنسبة إلى الجدّ؛ فإنّ أبا زرعة يعدها في جملة الخطأ، وقد دفع ذلك أبو حاتم في بعض المواضع، راجع رقم 36، 92. وقد يكون الصواب مع البخاري وأخطأ أبو زرعة في تخطئته، وقد قضى أبو حاتم بذلك في مواضع منها ما هو مصرَّحٌ به في هذا الكتاب، ومنها ما يعلم من "الجرح والتعديل" راجع رقم 11، 32، 44، 49.
وبالجملة، فقد استقرأتُ خمسين موضعًا من أول الكتاب، فوجدته يتجه نسبة الخطأ إلى أبي زرعة في هذه المواضع الخمسين
(2)
، ولا يتَّجِه نسبة الخطأ إلى البخاري نفسه إلا في موضع واحد هو رقم 25 ذكر رجلاً ممّن أدركه سماه محمدًا، وقال الرازيان وغيرهما: اسمه أحمد.
(1)
ط: وجهه.
(2)
(ط): الخمسة.