الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب المعاني الكبير
تقدم عن "المزهر" للسيوطي في الكلام على أبيات المعاني: "وقد ألف ابن قتيبة في هذا النوع مجلدًا حسنًا"، وذكر البغدادي في "خزانة الأدب" (ج 1 ص 9) الكتب التي استمدَّ منها وفيها:"وأبيات المعاني لابن قتيبة في مجلدين ضخمين"
(1)
. وفي ترجمة أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قُتيبة من كتاب "رفع الإصر عن قضاة مصر" للحافظ ابن حجر ذكر في جملة مصنفات ابن قتيبة و"معاني الشعر". وأيضًا وجدنا في ترجمة أحمد في "الديباج المذهب"(ص 35) في تعداد مصنفات أبيه ابن قتيبة "ومعاني الشعر".
وفي "فهرست ابن النديم" عند ذكر ابن قتيبة: "وله من الكتب كتاب معاني الشعر الكبير ويحتوي على اثني عشر كتابًا منها:
1 ــ كتاب الفرس، ستة وأربعون بابًا.
2 ــ كتاب الإبل، ستة عشر بابًا.
3 ــ كتاب الجرب، عشرة أبواب.
4 ــ كتاب العرور، عشرون بابًا.
5 ــ كتاب الديار، عشرة أبواب.
6 ــ كتاب الرياح، إحدى وثلاثون بابًا.
7 ــ كتاب السباع والوحوش، سبعة عشر بابًا.
(1)
لا منافاة بين القولين، يمكن أن قطع هذين المجلدين كان صغيرًا. [المؤلف].
8 ــ كتاب الهوام، أربعة عشر بابًا.
9 ــ كتاب الأيمان والدواهي، سبعة أبواب.
10 ــ كتاب النساء والعزل، باب واحد.
11 ــ كتاب النسب واللبن، ثمانية أبواب.
12 ــ كتاب تصحيف العلماء، باب واحد.
وذكر پروفسور بروكلمان " كتاب المعاني " الذي ذكره ابن النديم، ثم قال:" ومن المحتمل أن يكون عين كتاب "أبيات المعاني"، موجود بمكتبة آيا صوفيا رقم 4050 ".
وذكر الفاضل أحمد زكي العدوي مصنفات ابن قتيبة، فذكر فيها عدد (21) " معاني الشعر الكبير
…
" ساق عبارة ابن النديم، ثم كتب عدد (22)، وقال " كتاب المعاني في خزانة أيا صوفيا رقم 4050، الجزء الأول من كتاب المعاني لابن قتيبة، وهذا الجزء في كتاب الخيل
(1)
. وفي المكتب الهندي بلندن الجزء الثاني منه، وأوله باب الذباب
(2)
، ويحتمل أن يكون هذان الجزءان من الكتاب السابق".
أقول: قد تصفَّحتُ النقل عن هذين الجزئين، فتبين لي أنّهما من كتاب
(1)
هو الذي عبَّر عنه ابن النديم بكتاب الفرس، وكذلك فيه كتاب السباع والوحوش وكتاب الطعام والضيافة وهذا الجزء في الأصل على 539 صفحة. [المؤلف].
(2)
وفي هذا الجزء كتاب الذباب وكتاب الهوام أو كتاب الوعيد والبيان
…
والأيمان والدواهي وكتاب الحرب وكتاب الميسر
…
والشيب والكبر وفيه بعض خروم وناقص من آخره. الموجود منه 272 ورقة وهو في مكتب الهند بالقسم العربي رقم (1155). [المؤلف].
المعاني الذي ذكره ابن النديم، وممّا يدلّ على ذلك أولاً أن هذين الجزئين من تصنيف ابن قتيبة حتمًا لشواهد كثيرة، منها ما تشاهده في الجدول الآتي:
في عيون الأخبار لابن قتيبة (1/ 157 ــ 158): "وأنشدني أبو حاتم عن أبي عبيدة . . . قال أبو حاتم: أحسبه لعبد الغفار الخزاعي
ذاك وقد أذعَرُ الوحوشَ بصَلْـ
ـتِ الخدِّ رَحْبٍ لَبانُه مُجْفَرْ
طويلُ خمسٍ قصيرُ أربعةٍ
عريضُ سِتِّ مقلِّصٌ حَشْوَرْ
وقد فسَّرت هذا الشعر في كتاب المؤلف في "أبيات المعاني" في خلق الفرس.
كتاب المعاني ص (110) من مطبوعنا "وأنشد أبو عبيدة هذا الشعر .. وقال [أبو حاتم] السجستاني: هو لعبد الغفار الخزاعي:
ذاك وقد أذعَرُ الوحوشَ بصلـ
ـتِ الخدّ رحب لبانه مجفرْ
طويلُ خمسٍ قصيرُ أربعةٍ
عريضُ ستِّ مقلِّص حَشْورْ
قال: قال أبو عبيدة: طويل العنق طويل الأذنين طويل الذراعين طويل الأقراب طويل الناصية".
* * * *
أنشد ابن السِّيد في الاقتضاب ص (302) قول الأعلم يصف ضبعًا:
عشنزرةٌ جواعرها ثمانُ
فويق زماعها وشم حجولُ
كتاب المعاني الكبير ص (217) من مطبوعنا:
عشنزرةٌ جواعرها ثمانُ
فويق زماعها وشم حجولُ
العشنزرة: الغليظة.
ثم قال: "وذكر ابن قتيبة في كتابه الموضوع في معاني الشعر .. سألت الرياشي عن قوله: "جواعرها ثمان" فقال: الجواعر أربع وهي في موضع الرقمتين من مؤخر الحمار، وأراه أراد زيادة في تركيب خلقها".
وسألت الرياشي عن قوله: "جواعرها ثمان" فقال: الجواعر أربع وهي في موضع رقمتي الحمار، ومواصل أطراف عظام وأراه أراد زيادة في تركيب خلقها".
* * * *
أنشد البغدادي في "خزانة الأدب"(ج 4 ص 20) لامرئ القيس يصف فرسًا:
إذا أقبلت قلت دُبّاءة
من الخضر مغموسة في الغدر
وقال ابن قتيبة في أبيات المعاني: يقول: كأنّها من بريقها قرعة، وليس يريد أنّها مغموسة في الماء، ولكنّه أراد أنها في رِيّ، فهو أشد لملاستها، وهذا كقولك: فلان مغموس في الخير، وقال بعضهم:
وفي كتاب المعاني الكبير (ص 60) من مطبوعنا: " وقال امرؤ القيس:
إذا أعرضت قلت دباءة
من الخضر مغموسة في الغدر
وفسره بقوله: يقول: كأنّها من بريقها قرعة، وليس يريد أنّها مغموسة في الماء، ولكنّه أراد أنها في رِيّ، فهو أشد لملاستها، وهذا كقولك: فلان مغموس في الخير، وقال بعضهم: إناث الخيل تكون
إناث الخيل تكون في الخِلْقة كالقَرْعة، يدق مقدمها ويعظم مؤخرها".
في الخِلْقة كالقَرْعة، يدق مقدمها ويعظم مؤخرها".
***
في "الخزانة"(ج 3 ص 642) "أنشده ابن قتيبة في أبيات المعاني. . .
فأعقب خيرًا كلّ أهوج مهرجِ (؟)
وكل مفداة العلالةِ صلدمِ
قال: أي أعقبتهم خيلهم هذا (؟) خيرًا مما قاموا عليها وصنعوها، والأهوج الذي يركب رأسه، والمهرج (؟) بكسر الميم الكثير الجري، وقوله:"وكل مفداة العلالة" يقال لها إذا طلب علالتها، وهي بقية جريها: ويها فدا لك. ومثله قول طفيل:
وللخيل أيام [فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها الخير تعقبُ والعرب لكثرة انتفاعها بالخيل
كتاب المعاني الكبير (ص 84 - 85) من مطبوعنا، وقال آخر:
فأعقب خيرًا كلّ أهوج ممرجِ
وكل مفداة العلالةِ صلدمِ
أي: أعقبتهم خيلهم هذه خيرًا ممّا قاموا عليها وصنعوها، والأهوج الذي يركب رأسه، والممرج الكثير الجري، وقوله:"مفداة العلالة" يقال لها إذا طلب علالتها، وهي بقية جريها: ويها فدى لك. ومثله لطفيل:
وللخيل أيام فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها الخير تعقبُ والعرب لكثرة انتفاعها بالخيل تسميها: الخير، قال الله تعالى:
تسميها: الخير، قال الله تعالى:{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] ذكروا أنّه لها بالخيل وبالنظر إليها، حتى فاتته صلاة العصر، وقال أبو ميمون العجلي: فالخيل والخيرات كالقرينين".
في الخزانة (ج 1 ص 65) "من أبيات أربعة رواها الرواة لتأبط شرًّا منهم. . . . وابن قتيبة في أبيات المعاني. . . والأبيات هذه:
وقربة أقوام جعلت عصامها
…
على كاهل مني ذلول مرحلِ
ووادٍ كجَوْف العير قفرٌ قطعته
…
به الذئب يعوي كالخليع المعيَّلِ
. فقلتُ له لما عوى إن شأننا
…
قليلُ الغنى إن كنت لمّا تموّلِ
كلانا إذا ما نال شيئًا أفاته
…
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزلِ
{إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32] ذكروا أنّه لها بالخيل وبالنظر إليها، حتى فاتته صلاة العصر، وقال أبو ميمون العجلي: فالخيل والخيرات كالقرينين".
وفي كتاب المعاني الكبير (ص 208 - 209)، وقال تأبط شرًّا:
ووادٍ كجَوْف العير قفرٌ قطعته
…
به الذئبُ يعوي كالخليع المعيلِ
الخليع: الذي قد خلعه أهله لجناياته، والمعيَّل: الذي ترك يذهب ويجيء حيث شاء. . .
طرحت له نعلاً من السبت طلة
…
خلاف ندى من آخر الليل مخضلِ
وقلتُ له لما عوى إنّ ثابتًا
…
قليل الغنى إن كنت لما تمولِ
كلانا مضيعٌ لا حراثة عنده
…
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
إلى أن قال: " والخليع قال ابن قتيبة في أبيات المعاني هو الذي قد خلعه أهله، والمعيل الذي تُرِك يذهب ويجيء حيث شاء، . . .
وروى ابن قتيبة: وقلت له لما عوى إن شأننا (؟) . . . كلانا مضيع لا خزانة (؟). . . .
يقول: إن كنت لا مال لك فأنا لا مال لي، وثابت اسم تأبط شرًّا، لا حراثة عنده، أي: ليس عنده إصلاح مال".
* * * *
شرح ديوان امرئ القيس للوزير أبي بكر عاصم بن أيوب (ص 16): "وقال القتيبي يروي:
لها وثباتٌ كصوبِ السحاب
…
لها وثباتٌ كصوبِ السحاب
فوادٍ خطيط ووادٍ مطر
…
فوادٍ خطيط ووادٍ مطر
الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، ويستحب سعة سحرة (؟) الفرس فجعل سحويه (؟) وهو (؟) ما بين حافر (؟) من الأرض خطيطًا وموضع الحافر مغيثًا".
وفي كتاب المعاني الكبير (ص 20) من مطبوعنا: " وقال امرؤ القيس:
لها وثباتٌ كصوبِ السحاب
…
فوادٍ خطيط ووادٍ مطر
الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين، ويستحب سعة شحوة الفرس، فجعل شحوته ــ وهي ما بين حافريه من الأرض ــ خطيطًا، وموضع الحافر غيثًا".
وفي شرح ديوان امرئ القيس مواضع أخرى، لكنّه لا يسمي الكتاب، بل يقول:"وقال القتيبي" وعامة ذلك من هذا الكتاب " كتاب المعاني".
* * * *
شرح ديوان النابغة للوزير أبي بكر عاصم بن أيوب (ص 3) قول النابغة:
لئن كان للقبرَيْن قبرٌ بجلّقٍ
وقبرٌ بصيداء الذي عند حاربِ
وللحارث الجفني سيد قومه
ليلتمسنْ بالجيش دار المحاربِ
وقال في شرح ذلك (ص 4): "وقال القتيبي: هذا تحضيض على الغزو يقول: لئن كان ابن هؤلاء الذين سميتَ ووصفتَ مكان قبورهم ليغزون بالجيش دار من يحاربه".
كتاب المعاني الكبير (ص 1015) "وقال النابغة:
لئن كان للقبرَيْن قبرٌ بجلّقٍ
وقبرٌ بصيداء الذي عند حاربِ
وللحارث الجفني سيد قومه
ليلتمسنْ بالجيش دار المحاربِ
هذا تحضيض على الغزو يقول: لئن كان ابن هؤلاء الذين سميتَ ووصفتَ مكان قبورهم ليغزون بالجمع دار من يحاربه".
* * * *
وفي شرح ديوان النابغة مواضع كثيرة يقول فيها: " قال القتيبي
…
" ولا يسمي الكتاب، وعامة ذلك من هذا الكتاب "المعاني الكبير".
ولم يذكر أحد من مترجمي ابن قتيبة أنّ له كتابين في هذا الفن، إنّما المعروف له كتاب واحد، فما وقع في "فهرست ابن النديم":"كتاب المعاني الكبير" لعله إشارة إلى أنه أكبر من كتب المعاني التي ألفها غير ابن قتيبة.
ثانيًا: قابلت التفصيل الذي ذكره ابن النديم بما في الجزئين فلم أجد فيهما خمسة من الكتب الضِّمْنية التي ذكرها، وهي الثاني والخامس والسادس والعاشر والثاني عشر.
وأمّا السبعة الكتب الباقية فتبين لي أنّها في الجزئين، أكثر ذلك بوضوح وبعضه برجوح، وذلك أنّه وقع في بعض الألفاظ في "فهرست ابن النديم" تصحيف، ووقع في الجزئين مخالفة في الترتيب وغير ذلك كما ترى بيانه في الجدول الآتي:
تفصيل ابن النديم مما يطابقه من الموجود من هذا الكتاب.
1 - كتاب الفرس: (ستة وأربعون بابًا).
الجزء الأول المجلد الأول (ص 2 - 180) من مطبوعنا الجزء الأول في كتاب الخيل "أبيات المعاني في الخيل" ثم ساق الكلام وعدد العناوين كما سترى في "الفهرست" ستة وخمسون.
2 - كتاب الإبل (ستة عشر بابًا) :
مفقود، وقد أحال عليه المؤلف في مواضع منها ص (14)، قال:"وللعرق باب ألّفته في كتاب الإبل فيه أبيات المعاني في عرق الإبل، ومنها ص (81) قال: " وقد فسّر في كتاب الإبل".
3 - كتاب الجرب (عشرة أبواب) :
الجزء السادس ص (879 - 1146) من مطبوعنا "الأبيات في الحرب" ثم ساق الأبواب المناسبة "الطعنة والشجة والضربة في الديات في الثأر . . . " وهي عشرة أبواب. فالظاهر أنّ كلمة "الحرب" تصحفت في فهرست ابن النديم، والذي أوقع في ذلك مجاورة الإبل، فإن الجرب من أدوائها.
4 - كتاب العرور(عشرون بابًا) :
الجزء الثالث ص (365 - 602) من مطبوعنا "الثالث من كتاب المعاني لابن قتيبة، وهو كتاب الطعام والضيافة . . . أبيات معان في القدور" ثم ذكر بعد ذلك أبوابا "في الجفان، في الرحا، . . . . وهي عشرون بابًا، فيظهر أنّ ابن النديم إنّما قال: "باب القدور .. . " فتصحَّفت الكلمة في النسخة، أوقع في ذلك مجاورة الجَرَب والإبل، لأنّ العرور من أدواء الإبل كالجَرَب.
5 - كتاب الديار(عشرة أبواب) :
مفقود، وقد أحال عليه المؤلف في النصف الثاني، الورقة الأصل (243 ألف)، ذكر بيت النابغة:
كأنّ مجرّ الرامسات ذيولها
…
عليه حصير نمقته الصوانع
ثم قال: "وقد فُسَّر في موضعه في وصف الديار".
6 - كتاب الرياح (أحد وثلاثون بابًا):
مفقود
7 - كتاب السباع والوحوش:
الجزء الثاني ص (181 - 364) من مطبوعنا "الجزء الثاني فيه الأبيات في صفة الذئب والأرنب والضبع والكلاب والأسد . . . "، والأبواب سبعة عشر كاملاً.
8 - كتاب الهوام (أربعة عشر بابًا) :
الجزء الرابع ص (306 - 792)"أبيات في الذباب" وسقطت قبل ذلك ورقة، ثم أبيات في البعوض، وأبواب أخرى: الجراد، النحل، الجعل . . . الحية، العقارب، ضروب من الهوام"، وعناوينه ثلاثة وعشرون.
9 - كتاب الأيمان والدواهي . (سبعة أبواب):
الجزء الخامس ص (793 - 872) من مطبوعنا "الجزء الخامس في الوعيد والبيان والخطابة . . . والأيمان . . . والداهية . . . " وعناوينه ستة.
10 - كتاب النساء والعزل (والغزل؟ )
مفقود
11 - كتاب النسب . . . واللبن (ثمانية أبواب). :
الجزء السابع، المجلد الثالث من مطبوعنا "السابع من كتاب المعاني . . . الميسر والشعر والشعراء والشيب والكبر وغير ذلك، وأبوابه ثمانية كاملاً، فكأن كلمتي "الشيب والكبر" تصحفت في نسخة "الفهرست".
12 - كتاب تصحيف العلماء (باب واحد). :
مفقود
وممّا يصحح القياس في تصحيف "الجرب" عن "الحرب"، وتصحيف "العرور" عن "القدور"، وتصحيف "النسب واللبن" عن "الشيب والكبر" أمور:
الأول: أنّ عدد الأبواب في تلك الكتب على ما ذكره ابن النديم موافق لعدد الأبواب في كتابنا "في كتاب الحرب" و "كتاب الطعام والضيافة" و "كتاب الميسر
…
والشيب والكبر".
والثاني: أنّ من يعرف الأدب العربي لا يخفى عليه أن الجرب والعرور لم يأت فيهما من الشعر ما يمكن أن يُجْمع من أبيات المعاني منه كتابان يحتوي الأول على عشرة أبواب، والثاني على عشرين بابًا، وإنّما حقهما أن يكون لهما باب أو بابان في كتاب الإبل.
الثالث: أنّه لو فرض أنّ هذا الكتاب غير كتاب "المعاني الكبير" الذي ذكره ابن النديم، وأنّ في ذاك كتابين للجرب والعرور، لكان ذاك الكتاب خاليًا من ذكر الحرب، وذكر الطعام والضيافة، فكيف يعقل أن يهمل ابن قتيبة في ذاك الكتاب الكبير والحرب والطعام والضيافة مع عظم أهميتهما وكثرة الأشعار فيهما، ويعتني بالجرب والعرور؟
فأمّا اختلاف عدد الأبواب فأقرب ما يوجَّه به اختلاف النسخ، وأيضًا من العناوين ما يكتب أوله لفظ " باب "، ومنها ما لا يكتب فيه ذلك، فيمكن أن
تكون بعض العناوين ضمنية، ويكون ما تحتها داخلا في الباب السابق، وذلك ممّا ينشأ عنه اختلاف عدد الأبواب.
قد سلف الإشارة إلى مكانة الشعر العربي ثم إلى مكانة فن أبيات المعاني وتفسير علماء السلف لها.
وههنا نذكر خصائص أخر لهذا الكتاب، فمنها:
1 -
أنّه مُتكفِّل بجمع غالب أبيات المعاني، وبقية كتب الفن مفقودة إلا كتاب الاشنانداني وهو مختصر جدًّا، لا يكاد يبلغ نصف عشر الموجود من هذا الكتاب.
2 -
لم يقتصر ابن قتيبة على ذكر العويص من الشعر، بل أتى به وبما يقرب منه وما يتصل به وما يناسبه في معناه، فأصبح بذلك ذخيرة أدبية عظيمة.
3 -
في الكتاب طائفة غير قليلة من الأشعار التي لا توجد في الكتب المطبوعة، ومنها ما يُشكّ في وجوده فيما أبقته يدُ الحَدَثان من المخطوطات، من ذلك أرجوزتان طويلتان [و] لامية في الخيل أيضًا.
4 -
فيه أشعار كثيرة توجد في الكتب الأخرى، لكنّها فيها غير مفسرة، وهي فيه مفسرة بالتفسير الواضح.
5 -
المؤلف من الأئمة الذين يُسْتند إلى قولهم ونقلهم في اللغة والغريب، وفي هذا الكتاب جملة كبيرة من ذلك، بحيث يصح أن يُعدّ كتاب لغة لا كتاب أدب وشعر فقط.
6 -
عامة الألفاظ اللغوية المفسرة فيه إنّما هي واردة في الأشعار التي يفسرها، وفي ذلك أعظم فائدة لتحقيق ضبط الكلمة ومعناها وموضع استعمالها، ومن أمثلة ذلك أنّ في "تاج العروس شرح القاموس" (وق ي):"التقيا: شيء يتقي به الضيف أدنى ما يكون" فأخذ هذه العبارة صاحب "أقرب الموارد"، وزاد فضبط "التَّقْيا" بفتح التاء وسكون القاف، وفي هذا الكتاب ص (424):"وأنشد: قَرانا التُّقَيَّا بعدما هبّت الصبا" ثم قال: "التقيا: شيء يُقراه الضيف يتقي به الأذى، بقدر ما تقول: أطعمته شيئًا". فبان بوزن الشطر الذي أورده أن ضبط "أقرب الموارد" خطأ، واتضح معنى الكلمة، وثبتت عربيتها؛ لأنّها في "التاج" غير منسوبة إلى كتاب ولا إمام.
7 -
يوجد فيه من الألفاظ اللغوية أو الصِّيَغ ما لا يوجد في المعاجم المطبوعة، من ذلك ما في ص (474) لعدي بن زيد:
ووطيد مستعل سيبه
…
عاقد الأيام والدهر يُسنّ
قال: "الوطيد الملك"، ولم نجد هذا في المعاجم، ولا هناك مظنة لتصحيف أو تحريف.
ومن ذلك أنّه أنشد في ص (576) لأبي النجم:
عيرًا يُكَدّ ظهرُه بالأفْوُقِ
…
حمارَ أهِلِ غير أن لم ينهَق
ثم قال: "أي يكد بالذل، فواقًا بعد فواق". وهذا يعطي أن الأفوق جمع فواق، ولم نجده في المعاجم.
وأثمن من هذا وأجدى أنّ فيه مواضع يتبين بها خطأ أصحاب المعاجم وتصحيفهم، منه ما في ص (446) أنشد لابن مقبل:
سقتني بصهباء درياقةٍ
…
متى ما تُليِّنْ عظامي تَلِنْ
صُهابيةٌ مُترعٌ دنُّها
…
تُرجَّع في عودِ وعسٍ مُرِن
وفسره بقوله: "أي ترجَّع الخمر في هذا القدح، تعرف منه فيوالي عرفها ويُشرب وهو ترجيعه، وعسا لموالاة العَرف والحاجة، كما تواعس أنت الأرض فتلحّ عليها وتطؤها، عود يعني قدحًا، والمرن الذي يُرِنّ إذا شُرب أطرب صاحبه حتى يَرنّ أي يتغنى ويترنّم
…
"، ونقلتُ في التعليق عن القدماء ما يوافق قول المؤلف: أنّ البيت الثاني في وصف الخمر، وأنّ كلمة "عود" أريد بها القدح، إلا أنّ بعضهم قال: الوعس هنا الرمل، ومعنى عود وعس عود رمل، وعني به قدح زجاج، فإنّ الزجاج يعمل من الرمل، فجاء بعض المتأخرين فتصحف عليه الشطر الأول، وحَدَس أنّ البيت في وصف مغنية، وأنّ المراد بالعود عود الطرب، وأنّ الوعس ضرب من الشجر، فتبعه أصحاب المعاجم من المتأخرين، فزعموا أنّ الوعس ضرب من الشجر تُعْمَل منه البرابط، وهذا كله حدس، ولا يثبت في اللغة أنّ الوعس شجر.
8 -
لم يسق ابن قتيبة الأشعار التي يريد تفسيرها مفرقة كيفما اتفق، بل رتّب وبوّب وهذّب، فقسّم الكتاب أولا إلى أجزاء بحسب موضوعاتها، كما تقدم، فالجزء الأول في الخيل.
ثمّ رتّبه على أبواب، بدأ أولا بأبيات أبي دواد:
لقد ذعرتُ بناتِ عـ
…
ـمِّ المرشقاتِ لها بصابِصْ
بمجوَّفٍ بلقًا وأعـ
…
ـلى لونه وردٌ مُصامِصْ
ككنانةٍ الزُّغَرى زَيَّـ
…
ـنها من الذهب الدُّلامِصْ
يمشي كمشي نعامَتَيْـ
…
ـن تتابعان أشقَّ شاخصْ
يخرجن من خلل الغبا
…
فجامِزُ الوَلَقى وقابصْ
وأبيات أخرى تتعلّق بألوان الخيل، فظهر أنّ تلك المقدمة في وصف ألوان الخيل، ثم ذكر الأبواب: العرق، اضطرام العدو وحفيفه، في وثبها، لحوق الخيل بالصيد، الميل في أحد الشقين، جريها ومشيها، ما يشبَّه به جريها ومشيها، التشبيه بالعقاب، التشبيه بالبازي، التشبيه بالصقر، التشبيه بالنعامة.
وتراه يتحرّى حُسْن التخلُّص من باب إلى باب، مع مراعاة المناسبة.
ويجمع بين النظائر ويضم الشيء إلى مثله والشكل إلى شكله، وبذلك يتهيأ للمُطالع الإحاطة بكل موضوع في مكان واحد، ويتسنّى للمراجع أن يظفر ببغيته في موضع معين.
ومن أثمن ما فيه جمع الأشعار الغريبة البديعة في صفات الوحوش والطير والهوام والحشرات؛ كالأشعار في الذئب، والأشعار في القطا، والأشعار في الحية، والأشعار في النحل، وفي هذه الأبواب وغيرها من الأشعار الوصفية الرشيقة ما لا غايةَ بعده في إطراب أرباب الذوق.
جلُّ الفضل في إحياء هذا الكتاب الجليل لجناب المستشرق الكبير الدكتور كرنكو، وذلك أن البحاثين لم يجدوا لهذا الكتاب أثرًا في مكاتب العالم، إلا أنّهم عثروا على جزء منه في خزانة أيا صوفيا بإستانبول رقم (4050)، وجزء آخر بمكتب الهند بلندن في القسم العربي رقم (1155)، فظفر الدكتور كرنكو عند بعض أصدقائه بنسخة مأخوذة بالتصوير الشمسي عن جزء أيا صوفيا، فبادر إلى انتساخها بخط يده، ثم دعته همته العالية
ورغبته الصادقة في إحياء العلم ونشره إلى تكميل الموجود من الكتاب، فنسخ النصف الثاني من جزء مكتب الهند، فحصلت له نسخة تحتوي على الجزئين.
وأفادنا الدكتور في بعض مكاتيبه أن الجزأين بخط واحد، يظهر أنهما كانا نسخة واحدة فرَّقت بينهما أيدي الزمان ، وأنّ كتابتهما كانت في القرن السادس أو السابع، ولمّا رأى الدكتور ما في الأصل من كثرة الخطأ والتصحيف شمَّر عن ساعد الجدّ، وبذل غاية الجهد في تصحيح نسخته، وضحّى في مقابل ذلك بمدة ثمينة من وقته صرفها في تقليب المعاجم، وتتبُّع المظانّ من الكتب المطبوعة والخطيّة التي لم تطبع بعد، كما ترى دليل ذلك في تعليقاته القيمة، وبالغ في الاعتناء بتخريج أبيات الكتاب، ولا يخفى على من زاول مثل ذلك ما فيه من المشقة الشديدة، ثم أكمل ذلك بترتيب الفهارس المتعددة كما يأتي.
ثم بعث حضرة الدكتور كرنكو بنسخته المصححة إلى إدارتنا العلمية "دائرة المعارف العثمانية" للطبع، وذَكَر ما قاساه من سُقْم الأصل، وأنّه مع ما عاناه وبذله من المجهود العظيم في تصحيح النسخة، لا يثق بأنّه لم يبق في النسخة شيء من الغلط، فأُحِيلت النسخة إلى كاتب هذه الكلمة، فتصفحتُ الكتاب، واستدركت بعض ما بقي بحسب ما بلغه علمي على ما تيسر واتسع له الوقت المقرر.
وقسمنا الكتاب إلى ثلاثة مجلدات، قد تمّ طبع مجلدين منها، المجلد الأول من (ص 2 - 602) يشتمل على الجزء الأول في كتاب الخيل، والجزء الثاني في كتاب السِّباع والوحوش، والجزء الثالث في كتاب الطعام
والضيافة. المجلد الثاني من (ص 603 - 1146) يشتمل على الجزء الرابع في كتاب الذباب، والجزء الخامس في كتاب الوعيد والبيان، والجزء السادس في كتاب الحرب. والمجلد الثالث تحت الطبع، ويشتمل على الجزء السابع في الميسر والشعر والشعراء، وعلى فهارس الكتاب: الفهرس الأول للشعراء، والثاني لأعلام الرجال والنساء والقبائل، والثالث لأسماء الأماكن والمياه والأيام، والرابع للكتب المذكورة في كتاب المعاني، والخامس للقوافي، والسادس للأمثال.
الأصل رغمًا عن سقمه معرب الكلمات صوابًا وخطأ، واعتنى حضرة الدكتور بالمحافظة على الإِعراب وإصلاح ما بان له أنّه خطأ، لكن مع الأسف لا يتيسر لمطبعتنا وعمالها استيفاء الإِعراب في المطبوع، فنحن مضطرون إلى الاقتصار على ما نراه ضروريًّا منه.
أكثر التعليقات من إفادات حضرة الدكتور كرنكو، وبعض التعليقات بقلم كاتب هذه الكلمة، وتمتاز في المطبوع بعلامة في أواخرها وهي حرف (ي)، والتعليقات تشتمل على أمور، الأول: إثبات حواشي كانت على هامش الأصل، الثاني: تخريج الأشعار ببيان مواضعها من الكتب الأخرى، الثالث: التنبيه على ما وقع في الأصل ممّا اعتقد المصحح أنّه خطأ مع بيان الحجة، الرابع: فوائد مهمة من بيان معنى كلمة غريبة، أو إيضاح مراد المؤلف، أو التنبيه على تفسير آخر، أو على رواية أخرى أو نحو ذلك.
علينا وعلى جميع العالم الأدبي تقديم الشكر الجزيل لحضرة المستشرق الجليل البحَّاثة الدكتور كرنكو، فإنّ له الفضل في إحياء هذا الأثر الثمين، مع ما بذله من المجهود البالغ في تصحيحه والتعليق عليه وترتيب
فهارسه، مؤملين أن لا يزال يقدم للعلم وأهله أمثال هذه التحف السَّنية. ولا أنسى فضل الرفيق المفضال السيد زين العابدين الموسوي مصحح دائرة المعارف، والقائم بتكاليف التصحيح المطبعي لهذا الكتاب، مع تنبيهه لي على مواضع غير قليلة ممّا كان بقي في المسودة من الخطأ.
ونرجو من أهل العلم والفضل إذا عثر أحد منهم على نسخة من هذا الكتاب قديمة يكون فيها تكملة القطعة الباقية (الإبل، الديار، الرياح، النساء والغزل، تصحيف العلماء) أن يبادر بإخبار دائرتنا بذلك لنسعى في تكميل الكتاب. كما أنّنا نرجو منهم إذا عثروا في مطبوعنا على زلل أو خلل أن يتكرّموا بإطْلاعِنا لنتدارك ذلك في الطبعة الثانية إن شاء الله تعالى.
طَبْع هذا الكتاب الجليل من أوائل الأعمال المهمة التي تقوم بها هذه الإدارة العلمية في عهدها الجديد، وهو عهد رئاسة ذي الفضل البارع والمجد الفارع، النواب علي ياورجنك بهادر عميد الجامعة العثمانية ورئيس الدائرة، وهو من بيت الشرف والعلم والرئاسة والعناية بهذه الدائرة العلمية، فإنّ مؤسسها السيد الجليل العالم الشهير النواب عماد الملك أعلى الله مقامه، جَدّه، ورئيسها السابق المأسوف عليه السيد الجليل مهدي ياورجنك، رفع الله درجاته، خاله.
نجوم سُماءٍ كلما انقضّ كوكبٌ
…
بدا كوكبٌ تأوي إليه كواكبه
نسأل الله تعالى أن يجعله خير خلف لخير سلف، في حسن العناية بهذه الدائرة العلمية وغيرها، ويبلغه في الخير آماله، ويقرن بالفوز أعماله.
وعهد إدارة العالم الجليل الفاضل النبيل الدكتور محمد نظام الدين، الساعي لإصلاح شؤون هذه الدائرة وتوسعة أعمالها، ورفعها إلى المستوى
اللائق بها، نسأل الله تعالى أن يكلّل مساعيه الجميلة بالنجاح الباهر، ويثيبه على حسناته الجزيلة الثواب الوافر، وله الفضل في الإشراف على تصحيح الكتاب وعلى ترتيب هذه المقدمة، وإصلاح بعض ما فيها من الخلل والنقص، مع الإفادة بالمعلومات القيمة.
تقوم الدائرة بهذا العمل الجليل في عهد سلطنة مولانا السلطان الموفق المعان، سلطان العلوم، نظام الملك، مير عثمان علي خان بهادر، مدّ الله في أيامه، وبارك في أعماله، وحفظ ولي عهده وسائر أنجاله الكرام. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه وسلم.
عبد الرحمن بن يحيى اليماني
المصحح بدائرة المعارف العثمانية بحيدراباد الدكن
في 9 ذي الحجة الحرام، سنة 1368 هجري