الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
و (لَا) تصحُّ الصَّلاةُ على الرَّاحلةِ (لِلمَرَضِ) وحدَه دونَ عذرٍ مما تقدَّم.
ومَنْ بسفينةٍ وعَجَز عن القيامِ فيها والخروجِ منها؛ صلَّى جالساً مُستقبِلاً، ويدورُ إلى القبلةِ كلما انحرفت السَّفينةُ، بخلافِ النَّفلِ.
(فَصْلٌ)
في قصر المسافر الصلاة
وسندُه قولُه تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) الآية [النساء: 11].
(مَنْ سَافَرَ)، أي: نوى (سَفَراً مُبَاحاً)، أي: غيرَ مكروهٍ ولا حرامٍ، فيَدخلُ فيه (1) الواجِبُ والمندوبُ والمباحُ المطلقُ، ولو نزهةً وفرجةً، يَبلغُ (أَرْبَعَةَ بُرُدٍ)، وهي ستةَ عَشَرَ فَرسخاً، برًّا أو بحراً، وهي يومان قاصدان (2)؛ (سُنَّ لَهُ قَصْرُ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ)؛ لأنَّه عليه السلام داوَمَ عليه، بخلافِ المغربِ والصُّبحِ، فلا يُقصران إجماعاً، قاله ابنُ المنذرِ (3)، (إِذَا فَارَقَ عَامِرَ قَرْيَتِهِ)، سواءٌ كانت البيوتُ داخِلَ السُّورِ أو خارِجَه، (أَوْ) فارَقَ (خِيَامَ قَوْمِهِ)، أو ما نُسبت إليه
(1) في (ق): في.
(2)
في (ب): قاصدان أي: معتدلان.
(3)
الإجماع لابن المنذر (ص 41).
عرفاً سُكانُ قصورٍ وبساتينَ نحوِهم؛ لأنَّه عليه السلام إنما كان يَقصُرُ إذا ارتحلَ (1).
ولا يُعيدُ مَن قَصَر بشرطِه ثم رَجَع قبلَ استكمالِ المسافةِ.
ويَقصرُ مَن أسلم، أو بَلَغ، أو طَهُرت بسفرٍ مبيحٍ، ولو كان الباقي دونَ المسافةِ، لا مَن تاب إذاً.
ولا يَقصُرُ مَن شكَّ في قَدْر المسافةِ، ولا مَن لم يَقصِدْ جِهةً معينةً كالتَّائِه، ولا مَن سافر ليترخَّصَ.
ويَقصرُ المكرَهُ كالأسيرِ، وامرأةٌ وعبدٌ تبعاً لزوجٍ وسيدٍ.
(وَإِنْ أَحْرَمَ) في الحضرِ (ثُمَّ سَافَرَ، أَوْ) أحرم (سَفَراً ثُمَّ أَقَامَ)؛ أتمَّ؛ لأنَّها عبادةٌ اجتمعَ لها حكمُ الحضرِ والسَّفرِ، فغُلِّب حكمُ الحضرِ.
وكذا لو سافَر بعدَ دخولِ الوقتِ؛ أتمَّها وجوباً؛ لأنَّها وَجَبَت تامةً.
(أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ) أتمَّها؛ لأنَّ القضاءَ مُعتبرٌ بالأداءِ، وهو أربعٌ (2).
(1) رواه البخاري (1111)، ومسلم (704)، من حديث أنس بن مالك، قال:«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثم يجمع بينهما، وإذا زاغت صلى الظهر ثم ركب» .
(2)
في (ب): أرفع.
(أَوْ عَكْسَهَا)، بأن ذَكَر صلاةَ سفرٍ في حضرِ أتمَّ؛ لأنَّ القصرَ مِنْ رُخَصِ السفرِ، فَبَطَل بزوالِه.
(أَوْ ائْتَمَّ) مسافرٌ (بِمُقِيْمٍ) أتمَّ، قال ابنُ عباسٍ:«تِلْكَ السُّنَّةُ» رواه أحمدُ (1)، ومنه لو ائتمَّ مسافرٌ بمسافرٍ فاستخلفَ مُقيماً لعذرٍ، فيَلزمُه الإتمامُ.
(أَوْ) ائتم مسافرٌ (بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ)، أي: في إقامتِه وسفرِه، لزِمه أن يُتمَّ وإن بان أنَّ الإمامَ مُسافرٌ؛ لعدمِ نيتِه، لكن إذا عَلِم، أو غَلَب على ظنِّه أن الإمامَ مُسافرٌ بأمارةٍ كهيئةِ لباسٍ، وأن إمامَه نوى القصرَ، فله القصرُ عملاً بالظَّاهرِ.
وإن قال: إن أتمَّ أتممتُ، وإن قَصَر قصرتُ؛ لم يضرَّ.
(أَوْ أَحْرَمَ بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا) لكونِه اقتدى بمقيمٍ، أو لم يَنوِ قَصْرَها مثلاً، (فَفَسَدَتْ) بحدثٍ أو نحوِه (وَأَعَادَهَا)؛ أتمَّها؛ لأنَّها وجبت عليه تامةً بتلبُّسِه بها.
(1) رواه أحمد (1862)، من طريق قتادة، عن موسى بن سلمة، قال: كنا مع ابن عباس بمكة، فقلت: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعاً، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلينا ركعتين، قال:«تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم» ، قال ابن الملقن:(وهذا الإسناد رجاله كلهم محتج بهم في الصحيح)، وصححه أبو عوانة، والألباني.
وأصله في صحيح مسلم (688)، من طريق قتادة عن موسى بن سلمة أيضاً، بلفظ: سألت ابن عباس: كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصل مع الإمام؟ فقال: «ركعتين، سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم» . ينظر: البدر المنير 4/ 554، إرواء الغليل 3/ 21.
(أَوْ لَمْ يَنْوِ القَصْرَ عِنْدَ إِحْرَامِهَا)؛ لزِمه أن يُتمَّ؛ لأنَّه الأصلُ، وإطلاقُ النيةِ يَنصرفُ إليه.
(أَوْ شَكَّ فِي نِيَّتِهِ)، أي: نيةِ القصرِ أتمَّ؛ لأنَّ الأصلَ أنه لم ينوِه.
(أَوْ نَوَى إِقَامَةً أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ)؛ أتمَّ، وإن أقام أربعةَ أيامٍ فقط قَصَر؛ لما في المتفقِ عليه مِن حديثِ جابرٍ وابنِ عباسٍ:«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ» (1)، فأقام بها الرابعَ والخامسَ والسادسَ والسابعَ، وصلَّى الصُّبحَ في اليومِ الثامنِ، ثم خَرَج إلى منى، وكان يَقصُرُ الصَّلاةَ في هذه الأيامِ، وقد أجمع (2) على إقامتِها.
(أَوْ) كان المسافرُ (مَلَّاحاً)، أي: صاحبَ سفينةٍ، (مَعَهُ أَهْلُهُ، لَا يَنْوِي الإِقَامَةَ بِبَلَدٍ؛ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ)؛ لأنَّ سَفَرَه غيرُ منقطعٍ، مع أنَّه غيرُ ظاعنٍ عن وطنِه وأهلِه، ومثلُه مُكَارٍ، وراعٍ، ورسولِ سلطانٍ ونحوِهم.
(1) أما حديث جابر، فرواه البخاري (2506)، ومسلم (1216)، بلفظ:«قدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة» .
وأما حديث ابن عباس، فرواه البخاري (1085)، ومسلم (1240)، بلفظ:«قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لصبح رابعة يلبون بالحج» .
(2)
زاد في (أ) و (ب): أي: عزم.
ويُتمُّ المسافرُ إذا مرَّ بوطنِه، أو ببلدٍ له بها امرأةٌ، أو كان قد تزوَّج فيه، أو نوى الإتمامَ، ولو في أثنائِها بعدَ نيةِ القصرِ.
(وَإِنْ كَانَ لَهُ طَرِيقَانِ) بعيدٌ وقريبٌ (1)، (فَسَلَكَ أَبْعَدَهُمَا)؛ قَصَر؛ لأنَّه مسافرٌ سفراً بعيداً.
(أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي) سفرٍ (آخَرَ؛ قَصَرَ)؛ لأنَّ وجوبَها وفعلَها وُجِدَا في السَّفرِ، كما لو قضاها فيه نفسِه، قال ابنُ تميمٍ وغيرُه:(وقضاءُ بعضِ الصَّلاةِ في ذلك كقضاءِ جميعِها)، اقتصر عليه في المبدعِ (2)، وفيه شيءٌ.
(وَإِنْ حُبِسَ) ظُلماً أو بمرضٍ أو مطرٍ ونحوِه، (وَلَمْ يَنْوِ إِقَامَةً)؛ قَصَر أبداً؛ «لِأَنَّ ابْنَ عُمَر أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانِ (3) سَتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ» رواه الأثرمُ (4).
(1) في (ب): قريب وبعيد.
(2)
(2/ 121).
(3)
قال القطيعي في مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع 1/ 47: (بالفتح ثم السكون، وفتح الراء، وكسر الباء الموحّدة، وياء ساكنة وجيم، وألف ونون، وفتح قوم الذّال وسكّنوا الراء، ومدّ آخرون مع ذلك الهمزة).
(4)
لعله في سننه المفقود، ، ورواه عبد الرزاق (4339)، والبيهقي (5476)، عن نافع: أن ابن عمر أقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة، قال: وكان يقول: «إذا أزمعت إقامة فأتم» ، قال النووي:(بإسناد صحيح على شرط الصحيحين)، وصححه ابن الملقن، وابن حجر، والألباني. ينظر: خلاصة الأحكام 2/ 734، البدر المنير 4/ 546، التلخيص الحبير 2/ 117، إرواء الغليل 3/ 28.
والأسيرُ لا يَقصرُ ما أقام (1) عندَ العدوِّ.
(أَوْ أَقَامَ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ بِلَا نِيَّةِ إِقَامَةٍ)، لا يَدري متى تَنقضي؛ (قَصَرَ أَبَداً)، غَلَب على ظنِّهِ كثرةُ ذلك أو قلتُه؛ «لِأَنَّهُ عليه السلام أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْماً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» رواه أحمدُ وغيرُه، وإسنادُه ثقاتٌ (2).
وإنْ ظنَّ أنْ لا تَنقضي إلا فوقَ أربعةِ أيامٍ؛ أتمَّ.
وإنْ نوى مسافرٌ القصرَ حيثُ لم يُبَحْ؛ لم تَنعقِدْ صلاتُه، كما لو نواه مقيمٌ.
(1) في (ب): دام.
(2)
رواه أحمد (14139)، وأبو داود (1235)، من طريق معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن جابر بن عبد الله، قال أبو داود:(غير معمر لا يُسنِده)، وصححه ابن حبان، وابن حزم، والنووي، وابن الملقن، والألباني.
وأعلّه الدارقطني والبيهقي بأنه روي مرسلاً، قال البيهقي:(وحديث معمر غير محفوظ، وقد رواه علي بن المبارك وغيره، عن يحيى مرسلاً وليس فيه ذكر جابر)، وأجاب النووي على ذلك بقوله:(ولا يقدح فيه تفرد معمر؛ فإنه ثقة حافظ، فزيادته مقبولة)، وأقره على ذلك ابن الملقن، والزيلعي، والألباني. ينظر: معرفة السنن والآثار 4/ 272، البدر المنير 4/ 538، التلخيص الحبير 2/ 114، إرواء الغليل 3/ 23.