الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقالت له إذا كان الأمر يا سيدي كما ذكرت فإني اختار قسيسا. قال أي وسواس وسوس إليك هذا الاختيار الذي ليس من الخير في شيء قالت أما أولا فلأن الناس لا يسيئون به الظن إذا رأوه داخلاً إليّ كل يوم. والثاني انه يقال ان مادّة القسيس متوفرة فيه. قال قد غويت ومع ذلك فإني أخشى منه على ولديّ فإنه ربما يغريهما بخلافي حالة كوني مخالفا له في معتقده فالأولى أن تختاري آخر. قالت أنت طبيب تعرف الصحيح من العليل والقوي من الضعيف فاختر لي ما تشاء فإني أرضى بكل ما ترضى به أنت. قال بارك الله فيك. ثم قبّلها من فرحه ووعدها بإنجاز عدته في اليوم القابل. وما كاد يسفر الفجر إلا وهو فوق حماره يقصد بعض أصحابه. فلما اجتمع به قال له أن لي عندك حاجة جئت التمسها منك. قال قل لي ما بدا لك. قال علي شرط أن لا تخيّبني. قال سأبذل مجهودي كله أن شاء الله في قضائها. فأخذ يده حٍ توثيقا للعهد ثم قال له أني أريد أن تكون خليفتي في زوجتي. فقال له الرجل هل بدا لك سفر عن مصر وأن تترك زوجتك هنا قال لا وإنما تكون خلافتك عني في حضوري. فاستاء الرجل وقال أو خامرك ريب في صداقتي لك حتى أضمرت استطلاع سرّي. وخفي أمري. فعند ذلك صرَّح له بالقضية وألح في القدوم معه.
ولما قدما انعقد البيع بحضرة كلّ من الزوج والزوجة وتم التراضي. وصار الرجل مذ ذلك الوقت يتردد على دار الخلافة وبقي ذلك مدة. ثم أن الزوجة لما ملتّه كما هي عادة النساء وظهر له ذلك من قلة احتفالها به مرة ومن اعتذارها إليه أخرى. جرى هو أيضاً على عادة الرجال من أنه أفشى سرّها لصاحب له. فجرى هذا أيضا على جدد أمثاله وجعل يتودد إليها وقام عنده مقام الأول. ثم ملته فأفشى سرها، ثم جاءها آخر فقبلته. ثم آخر وآخر حتى صاروا جماعة عظيمة. ثم تراجع إليها أحبّاؤها الأولون وانهمكت في التبديل والتغيير حتى صارت دار الطبيب كالمشرعة. ولم تكن هذه القضية قد شهرت في مبادئها عند الجيران إذ كانوا يظنون القوم يأتون ليتداووا من علل بهم. ولكنها علمت بعد ذلك. وكان سببه أن الطبيب اتخذ له دارا أخرى خارج البلد ليصيف فيها وترك امرأته في الدار الأولى والزائرون على ما كانوا عليه من الورود والصدور فتنبه ح الناس لذلك.
وفي هذا الوقت أي ورود الخلق إلى هذا المغنم البارد كان الفارياق المسكين يتردد على منزل الطبيب ليعلم ابنه ويتداوى. فظن الناس أنه من جملة الزائرين. وتقلدوا إثمه في أعناقهم إلى يوم الدين. فإنه كان معطلا وفعله ملغى عن العمل. وبقي على تلك الحالة مدة من دون أن يرى فائدة من العلاج فكأن الطبيب أراد أن تطول المدة عليه إلى غاية تعليم ابنه. فمن ثم اقتصر الفارياق عن التردد إليه وتداوى عند غيره وشفي.
وفي خلال ذلك سافر إلى الإسكندرية لمصلحة ما. فاجتمع فيها بواحد من الخرجيين الصالحين. فسأله هذا أن يرجع معه إلى مصر ليعلم عنده بعض تلاميذ فأجابه إلى ذلك. وإنما رغب فيه لكون الخرجيين لا يؤخرون اجرة من يعمل لهم. وفي أثناء هذا عنّ له أن يقرأ علم العروض. فأخذ في قراءة شرح الكافي على الشيخ محمد. فما كاد يختمه حتى فشا الطاعون بمصر فاشتد بالمولى الخرجي الحرص على حياته إبقاء للمصلحة الخرجية كما زعم. فمن ثم رأى أن يتباعد عن وهدة الفخ قليلاً لكيلا ينطبق عليه فيفجع الخرجيون أمثاله بفقده سببا في فقد غيره. إذ قد تقرر عندهم ان شدة الحزن تميت. فجعل الفارياق مع الخريجين الخِرّيجيين ومع رجل لبيب ذي خبرة بالعلاج المانع من عدوى الطاعون. ثم استصحب ما لزم له وفرّ إلى الصعيد، وتفصيل ذلك في الفصل الآتي.
معجزات وكرامات
كان عند الخرجي المذكور خادمة رعبوبة من أهل بلاده. فلما عزم على الفرار رأى أن يغادرها في منزله لتصون حاجته فيه. وإِنما أبى أن يستصحبها معه لأنه كان متزوجا بامرأة هي دونها في الحسن. كما جرت العادة في بلاد الإفرنج من أن الخادمة غالبا تكون فوق مخدومتها في القسامة والجمال ودونها في الدراية والمعارف. فوقع في خاطر زوجته أنه إذا نشبت فيها عوالق الفخ أولا ربما اتخذ زوجها تلك الخويدمة في فراشها وطاب عنها نفسا. وإن أول شيء تتعلمه البنت من أمها قبل زواجها هو منع الأسباب التي تبعث زوجها على الاستغناء عن شخصها أو عن ذكرها. ولذلك كان من عادة نساء الإفرنج أن يهدين إلى بعولتهن صورهن وأن كانت شنيعة ليجعلوها في قمصهم. أو خصلا من شعورهن وان تكن حمراء ليتختموا بها. ثم بدأ مشكل آخر وهو أن الخادمة إذا بقيت وحدها في الدار لم تأمن من أن يتسور عليها أحد في الليل فيقع المحذور. ويحمي التنور. ويكسر المجبور. ويمد المجزور. ويطم المحفور. ويذال المذخور. ويحرث البور. وتفك الطلاسم عن المسحور. ويفتق المشصور. ويسمد الصعبور. ويوسع الصنبور. ويبعثر المطمور. وتذلّل العبسور. ويصدع الفاثور. ويخرب القهقور. وينقر في الناقور فتتثلم شوكة الزنبور. فارتأى بعد أن رفع يديه بالابتهال إلى الله تعالى أن يضم إليها رجلا من أهل بلاده نحيفا قشعوماً اعتقاد انه لا يقدر على ارتكاب شيء من الأفعال التي جرّت هذه القوافي المتعددة. وذلك من جملة الأغلاط الفاضحة التي اشتهرت بين الناس أعني أهم في الغالب من دون مراجعة النساء والاستشهاد بقولهن إن النحيف لا يقدر على ما يقدر عليه السمين. وكان الأولى أن لا يستبدوا في ذلك. فمكث القشعوم مع الخادمة في أهنأ عيش.
أما ما كان من الخريجيين فإن مخرجهم أي مربيهم وكل بهم ذلك الرجل اللبيب. وأوعز إليه في أن يحظرهم عن الخروج عن الخروج وأن لا يدع أحداً من أقاربهم يدخل إليهم وأن يستخدم رجلاً ليشتري لهم ما يلزم من الخارج ولا يستلم منه شيئاً إلا بعد أن يغمسه في الحل أو يبخره بالشيح. وغير ذلك مما عرف في اصطلاح الإفرنج لمنع أسباب الوباء. وكان هذا الوكيل من مشاهير علماء ملته. وكان في مبدأ أمره كافراً لا يعتقد بدين من الأديان. لكنه كان حميد الخصال حسن الأخلاق. غير أن كفره حال بينه وبين رزقه فأضطر إلى أن ينحاز إلى الخرجيين من أهل بلاده ففرحوا بهدايته كثيراً وأحسنوا إليه إحساناً وفيراً فأنقلب هزله جداً وتمكنت منه الوساوس والأوهام حتى أعتقد أخيراً أنه أهل للكرامات والمعجزات. فكان يتمنى أن يسنح له فرصة لذلك. وأتفق في هذا الأوان أن مات بالطاعون ذلك الخادم الذي كان يشتري لوازم الدار. فلما جاء الدفانون ليحملوه أعترضهم الوكيل من داخل الدار فخافوا أن يخالفوه لكونه من الإفرنج فأنه لهم عند أهل مصر حرمة زائدة. ثم أنه مضى إلى موضع منفرد وجثاً على ركبتيه وهو يدعو الله سبحانه وتعالى لأن يحقق له صدق عقيدته. ثم فتح الباب وخرج وألقى نفسه على جثة الميت وجعل فمه في أذنه وهو يناديه قائلاً: يا عبد الجليل "اسم الميت" أني أدعوك باسم المسيح ابن الله لأن تعود من ظلمة الموت إلى نور الحياة. ثم أصغى ليستمع الجواب فلم يجبه أحد. فأشار إلى الدفانين أن اصبروا. ثم سار إلى ذلك الموضع الذي صلىّ فيه أولاً. وغير ركعته بأن جعل فمه بين فخذيه وهو يجمجم في الدعاء وذلك على منوال الياس النبي حين صلىّ لإنزال المطر بعد أن قتل أنبياء بعل. وكان عددهم أربعمائة وخمسين نبياً على ما ذكر في الفصل الثامن عشر من سفر الملوك الأول. إلا أن بين الداعيين فرقاً. وهو أن النبي صلى هكذا بعد القتل وصاحبنا هذا قبل الأحياء. وكان الأولى أن يرفع عبد الجليل إلى غرفة كما فعل النبي المذكور بابن الأرملة التي كانت تعوله. وكان دعاؤه إلى الله لإحيائه أن قال أيها العرب الهي أجلبت الشر أيضاً على هذه المرأة بقتل ابنها الخ. ثم أنه شبح يديه حتى صارت جثته على شكل صليب. ثم قام ناشطاً مسروراً وأسرع في أن ألقي جثته على الميت وأعاد في أذنيه كلامه الأول. فلما لم يجبه أحد ورأى الميت لم يزل مفتوح الفم مطبق الجفنين ولم يمشِ مرة هنا ومرة هناك ولم يعطس سبع عطسات كما عطس أبن المرأة الذي أحياه النبي اليشع على ما ذكره في الفصل الرابع من سفر الملوك الثاني، ذهب إلى المطبخ وأمر الطباخ بأن يصنع له مرقة على الفور. فلما صبت المرقة أقبل بها إلى عبد الجليل وجعل يفرغ منها في حلقه وذلك مشغول عنه بناكر ونكير. فلما أعياه أمره أمر الدفانين أن يحملوه وقال ما عليّ ذنب في كوني لم أرد أن أبعثه وإنما الذنب عليه. ثم أقبل إلى حجرة الفارياق وقال له لا تؤاخذني يا خليلي بعجزي عن أحياء الخادم فإن زمن الانتشار لمّا يبلغ. ولكني لا أتراخى في عقيدتي بأن أفعل ذلك المرة الآتية إن شاء الله.