الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكيف تركت نصارى الشرق جميع هذه الصفات التي اتصفت بها اليهود وتعلموا منهم تلك الخصلة التي لا يتأتى عنها إلا الغصة والحسد فهل يسوغ للغني في مذهب من المذاهب أن يأخذ دنانيره في يديه ويبعث بها في عين الفقير الصعلوك حالة كونه لا يملك منها قراضة. أو للشبعان أن يلوّح بثريدته للجائع اللامس. فإن قلت أن ذلك أمر طبيعي وإن العلامة إنما يراها في الغالب المتزوجون فلا وجه للحسد. قلت لو كانت هذه العادة طبيعية لكنّا نراها مستعملة عند جميع الأمم. وهؤلاء الإفرنج الذين هم أكثر دراية وعلماً في الطبيعيات لا يستعملونها. لا بل يفنّدون مستعملها ويقولون أن العُقْر يكون غالباً سبباً في العُقْر وأن العروس منهم أول ما يحسّ بالأنشوطة قد عقدت في عنقه يأخذ عروسه ويعتزل بها في ناحية لا يبصره فيها أحد من خلق الله مجانية لأسباب الحسد، الموجب للنغص والكمد. فلا يرون أن سرور شخص يكون سبباً في حزن جماعة. وإنما قلت الأنشوطة لأن عقد الزواج عندهم تنحل بأسباب كثيرة. فأما قولك أن العلامة إنما يراها المتزوجون فلا وجه للحسد فهو كلام من حاول المغالطة والتوريب والمؤاربة. أو هو ولا مؤاخذة بما أقول كلام من لا بصرة له ولا خُبر. فقد أجمع العلماء كلهم المتبلغ منهم والمقتر والمتكفف والمعتر والعريان وذو الرعابيل والمسجون والمكبل والمشكو والمرغم أنفه على أن المتزوِّج أضيق عيناً بالحسد من العزب. وذلك أن كل إنسان يظن أن غيره في حرفته أسعد منه حالاً فلا يفكر إلا في وجه أسعديته دون أشقويته.
ولما كانت ليلة الدخول بالعروس من الليالي الغراء وأن تكن حالكة كانت مظنة لأن تنشى الحسد في صدر الخبير بها دون تذكر لما يعقبها. وفي المثل وما ينبئك مثل خبير. هذا وأني أستميح العفو من الجناب الأكرم. المقر الأفخم. حضرة الصيْر المكرم. عما أريد أن أسأله عنه على وجه الاستفادة لا الانتقاد فأقول. من أين تعلم يا ذا البصيرة أن تلك البصيرة التي يخضب بها المنديل ويعقد على علم إيذاناً ببكارة البنت هي علامة البكارة. أفليس من الممكن أن يكون ليلة الدخول بها قد فار التنور، وفاض المسجور أو بقيت منه عقابيل، دبج المنديل؟ أو يكون الرجل قد ذبح عصفوراً أو جرح أحد أصابعه إذا كان هو الذي سبق اقتطاف تلك الوردة؟ أو تكون البنت قد ادخرت فيذلك الصوان شيئاً من الدم. فإن قلت أن الرجل يعرف ذلك بمجرد التذوق، قلت لعمري ولعمر أبيك أن تلك الساعة ليست وقت وعْي ومعقول، بل وقت دهشة وذهول. ولا سيما إذا وقف وراء الباب جماعة يضجّون ويعجُّون. ويلحقون ويلجوُّن فأفِد الجواب عن ذلك. وها أنا منتظره من هنا وهنالك.
التورية
من عادة أمثالي من المؤلفين أن يقهقروا أحياناً ويطفروا فوق مدة من الزمان يلفقوا واقعة جرت قبلها بأخرى بعدها. وذلك يسمى عندهم التورية أي جعل الشيء وراء. وانهم أيضاً يبتدئون بذكر صفات الشخص الذي بنوا عليه مؤلفهم منذ ابتدائه مناغاة محبوبته إلى وقت خفوته في الزواج. ويذكرون خلال ذلك أموراً طويلة مملة وذلك كصفوة وجهه عند لقائها وتغير حركات نبضه وبهره وعيَّه عن الجواب وبعثه إليها عجوزاً وكتاباً واجتماعه بها في مكان كذا وزمان كذا. وكتخيفها ألواناً عند قوله لها الفراش، الضم، العناق، الساق على الساق، الرضب، الملاسنة، البعال وما أشبه ذلك وربما أساءوا الأدب أيضاً في حق الأب والأم. فأنهم كثيراً ما يصرحون بأن الأم ترضى بأن تكون ابنتها فتنة لناظريها. وتتساهل معها في تنهيد زمرة من الرجال لتقاسمها منهم شطراً. وأن الأب من حيث أن حجره في حجر امرأته لا في رأسه لا يمكنه منع تلك الأسباب. وأن الخدمة لا يكونون إلاّ ذوي حَذْل مع المرأة على الرجل. فالخوادم للإقتداء بسيرة سيدتهن والخادمون للطمع فيها. وفي الجملة فأنهم يجعلون بيت البنت المعشوقة دسكره وماخوراً وحابوراً ومنبتاً لجميع أنواع الفساد والحيل والمكائد وكل من أخواني هؤلاء المؤلفين يخترع حيلة من رأسه ويعزوها إلى غيره. أما الطفرة إلى وراء فعندي أنه لا بأس بها إذا كان المؤلف رأى مذهب التأليف قد سدّ أمامه ثم يعود إلى ما كان عليه. وأما تبليغ الرجل إلى سرير عروسه ثم أطباق الكتاب عليهما من دون ملاوصة لمعرفة أحوالهما بعد ذلك فلست أرضى به. إذ لا بدّ لي من أن أعرف ما جرى عليهما بعد الزواج. فأن كثيراً من النساء اللائي يحسَبْن إناثاً قبل تولي هذه الرتبة الشريفة يصرن بعدها رجالاً كما أن الرجال تصير نساء.
من أجل ذلك رأيت أن أتتبع الفارياق بعد زواجه أكثر من تتّبعي إياه قبله. إذ الكلام على أثنين أدعى إلى العجب منه على واحد. فأما الإسفاف للأمور الخسيسة والدعلقة والدنوق من شأني. فأذن لي إذاً يا سيدي ورخصي لي يا سيدي في أن أستعمل الطفرة وأقول.