الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جَنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ» فسمع ذلك ابن عمر (1) فقال: «أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَيْنَا» ، فَاَيَّدَتْ عَائِشَةَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِيمَا رَوَى، فقال ابن عمر:«لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ» ، ثم أصبح يروي الحديث ويسنده إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم. فلما روجع فيه قال:«حَدَّثََنِي أَبُو هُرَيْرَةَ»
…
ومن هنا تراه يقول له: «كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وَأَعْلَمُنَا بِحَدِيثِهِ» .
وَقَعَدَ مُحَمَّدٌ بْن عُمَارَة بْن عَمْرُو بْنِ حَزْم مَجْلِس فِيهِ مَشْيَخَة مِنْ الصَّحَابَة بِضْعَة عَشَر رَجُلاً، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَة يُحَدِّثهُمْ عَنْ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم بِالْحَدِيثِ فَلَا يَعْرِفهُ بَعْضهمْ، فَيُرَاجِعُونَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفُوهُ، ثُمَّ يُحَدِّثهُمْ بِالْحَدِيثِ كَذَلِكَ حَتَّى فَعَلَ مِرَارًا، يَقُولُ مُحَمَّدٌ:«فَعَرَفْت يَوْمَئِذٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة أَحْفَظ النَّاس» ، أخرجه البخاري في " تاريخه " والبيهقي في " المدخل ".
5 - تَرْكُ الحَنَفِيَّة حَدِيثَهُ أَحْيَانًا:
قال صاحب " فجر الإسلام ": «وَالحَنَفِيَّةُ يتركون حديثه أحياناً إذا عارض القياس كما فعلوا في حديث المُصَرَّاةِ (2)، فقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ، مَنْ ابْتَاعَهَا بَعْدُ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا، فَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخَطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ» . قالوا: أبو هريرة غير فقيه، وهذا الحديث مخالف للأقيسة بأسرها فَإِنَّ حَلْبَ اللَّبَنِ تَعَدٍّ، وَضَمَانُ التَعَدِّي يَكُونُ بِالمِثْلِ أَوْ القِيمَةِ، والصاع من التمر ليس بواحد منها» (3).
ها هنا أشياء زعمها المؤلف:
1 -
أَنَّ الحَنَفِيَّةَ يقولون بتقديم القياس على الخبر إذا عارضه.
2 -
أنهم فعلوا هذا في أحاديث أبي هريرة التي خالفت القياس وظاهره أن هذا الموقف من أبي هريرة خاصة.
(1) سبق لنا من قريب التحدث عن هذا الحديث ص 306.
(2)
هي التي يترك حلبها أَيَّاماً ليجتمع اللبن في ضرعها فيتوهم المشتري أنها تَدُرُّ هذا القدر من اللبن كل يوم.
(3)
ص 269.
3 -
أنهم يَعُدُّونَهُ غير فقيه.
والمؤلف مخطئ في هذه الأمور الثلاثة خطأ تعلم مأتاه فيما بعد.
أما أولاً - فَالحَنَفِيَّةُ لم يقولوا بتقديم القياس على الحديث، بل الإمام وصاحباه وجمهرة أتباعه على أن الخبر مُقَدَّمٌ على القياس مُطْلَقاً، فقيهاً كان الراوي أم لا، وهو مذهب الشافعي وأحمد وجمهور أهل الأصول، وذهب فخر الإسلام واختاره ابن أبان وأبو زيد وهم من الحَنَفِيَّةِ، إلى أن الراوي إذا كان فقيهاً قُدِّمَ خَبَرُهُ على القياس مُطْلَقاً. وإن كان غير فقيه قُدِّمَ خَبَرُهُ على القياس أيضاًً إلا إذا خالف جميع الأقيسة وَانْسَدَّ باب الرأي بالكلية، ومثلوا لذلك بحديث المُصَرَّاةِ وذهب الكَمَالُ بْنُ الهُمَامِ إلى ما اختاره ابن الحاجب والآمدي: من أنه إذا كان ثبوت العلة في القياس راجحاً على الخبر، وكان وجودها في الفرع كوجودها في الأصل، فالقياس مقدم، وإن تساوى ثبوت العلة في الأصل والفرع وثبوت الخبر، فالتوقف، وإلا فيقدم الخبر.
هذا تفصيل أقوال العلماء في تعارض الخبر والقياس، ومنه يعلم أن جمهور الحَنَفِيَّةِ وعلى رأسهم الإمام وصاحباه يقولون بتقديم الخبر على القياس مطلقاً سواء كان الراوي فقيهاً أم لا، فما نسبه المؤلف إليهم غير صحيح قطعاً، بل قول من ذكرنا سابقاً. ولا حاجة بي إلى أن أنقل أقوال علماء الأصول فهي مبسوطة في مراجعها، وسيأتي في ترجمة أبي حنيفة ما يزيدك اطمئناناً.
وأما ثانياً - فهذا الموقف من تقديم القياس على الخبر ليس خَاصًّاً بأبي هريرة عند القائلين به، بل هم يُعَمِّمُونَهُ في كل رَاوٍ غير فقيه، وإليك عبارة " مسلَّم الثبوت " و" شرحه ":
وإذاً فتخصيص أبي هريرة بهذا الحكم كما يفيده ظاهر كلام المؤلف غير صحيح.
وأما ثالثاً - فما نقله عن الحَنَفِيَّةِ من قولهم بعدم فقاهة أبي هريرة غير صحيح أيضاًً، إذ لم يقل بذلك منهم إلا فخر الإسلام وصاحباه، وجمهور الحَنَفِيَّةِ على خلافهم، والتشنيع على مقالتهم تلك، قال الكَمَالُ بْنُ الهُمَامِ بعد ذكر قولهم السابق نقله عن " مسلَّم الثبوت ":«وَأَبُو هُرَيْرَةَ فَقِيهٌ» ، قال شارحه ابن أمير الحاج:«لَمْ يَعْدَمْ شَيْئًا مِنْ أَسْبَابِ الاجْتِهَادِ، وَقَدْ أَفْتَى فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ يُفْتِي فِي زَمَنِهِمْ إلَاّ مُجْتَهِدٌ وَرَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ مَا بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَتَابِعِيٍّ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ» (1).
نعم إن الحَنَفِيَّةَ مع كونهم يُقََدِّمُونَ الخبر على القياس إذا تعارضا، فقد تركوا خبر أبي هريرة هنا، لا لخصوص أبي هريرة، ولا خروجاً عن قاعدتهم، بل بناء على قاعدة أخرى مُسَلَّمٌ بِهَا عِنْدَهُمْ، بل عند جميع العلماء وهي أن الخبر إذا عارض الكِتَابَ وَالسُنَّةُ وَالإِجْمَاعَ لَمْ يُعْمَلْ بِهِ، والقاعدة في الترجيح عند تعارض الأدلة أن يصار إلى الأقوى، ولا شك أن ما دَلَّ عليه الكِتَابُ وَالسُنَّةُ بمجموعها والإجماع، أقوى مِمَّا دَلَّ عليه خبر الآحاد، وهذا الخبر قد عارض عندهم الكِتَابَ وَالسُنَّةُ وَالإِجْمَاعَ فلا يُعْمَلُ بِهِ، ثم سلكوا في الجواب عنه مسالك مختلفة أوصلها ابن حجر في " فتح الباري " إلى ستة أقوال: أقربها أنه منسوخ. وروي ذلك عن أبي حنيفة نفسه، وَأَيًّا ما كان فليس في مسلك الحَنَفِيَّةِ هنا ما يعود بالطعن على أبي هريرة، وهذا فخر الإسلام الذي قال بعدم فقاهة أبي هريرة، نَصَّ بصراحة على إجلاله وصدقه وأمانتة، ومعاذ الله أن يذهب أَحَدٌ من أهل العلم والخشية والورع إلى غير هذا.
لعلك علمت الحق في هذه المسائل الثلاث التي أخطأ فيها المؤلف خطأً كبيراً، أما كيف وقف هذا الموقف ومن أين أتى بكلامه السابق، فإليك ما يستدعي عجبك من أمانة العلم ودقة الفهم وصدق البحث.
(1)" التقرير ": 2/ 251، انظر كذلك " التيسير ": 3/ 53.
عقد صاحب " المُسَلَّمِ " فصلاً لبيان ما يشترط في الراوي وما لا يشترط، وذكر أن من الأمور التي لا تشترط فيه الاجتهاد قال: ولا الاجتهاد خلافاً لبعض الحَنَفِيَّة عند مخالفة القياس من كل وجه. والمراد بهم فخر الإسلام ومن وافقه، وقد بيَّن الشارح وجهة نظرهم التي حملتهم على التفرقة بين المجتهد وغيره، ثم قال:«مَثَّلُوا لِذَلِكَ (أي فخر الإسلام ومن وافقه) بِحَدِيثِ المُصَرَّاةِ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَة - وَسَاقَ الحَدِيثَ - قَالُوا: (أي فخر الإسلام ومن معه) وبعد أن قرر الشارح كلامهم كلى هذا الوجه قال: كذا أَقَرَّ شُرَّاحُ كلامه (أي فخرالإسلام) وفيه تأمل ظاهر، فإن أبا هريرة فقيه مجتهد لا شك في فقاهته، فإنه كان يفتي زمن النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وبعده، وكان هو يعارض قول ابن عباس وفتواه، كما رُوِيَ في الخبر الصحيح أنه خالف ابن عباس في عِدَّةِ الحامل المُتَوَفَّى عنها زوجها حيث حكم ابن عباس بأبعد الأجلين، وحكم هو بوضع الحمل، وكان سلمان يستفتي منه، فهذا - أَيْ حَدِيثُ المُصَرَّاةِ - ليس من الباب في شيء» (1).
هذه هي عبارة شارح " المسلَّم "، ومنه تعلم أن الضمير في قوله، «قَالُوا:
…
الخ» عائد إلى فخر الإسلام ومن وافقه، ولكن مؤلف " فجر الإسلام " اقتطع منه العبارة بنصها من كلام الشارح وجعل الضمير عائداً إلى الحَنَفِيَّةِ جميعاً، ونسب إليهم القول بعدم فقاهة أبي هريرة، بعد أن نسب إليهم تقديم القياس على الخبر. وأغضى النظر عن تعقيب الشارح له في نفيهم فقاهة أبي هريرة
…
والمؤلف بين أمرين: إما أن يكون غير فاهم لكلام المصنف والشارح، ولا واقف على المذاهب في هذه المسالة. فخلط بين الأقوال، وأضاف قول فخر الإسلام وموافقيه إلى الحَنَفِيَّةِ جميعاً، وفهم عبارة الشارح على أنها قول الحَنَفِيَّةِ، ولم يفهم تعقيب الشارح بعد ذلك، وهذا بعيد عن فهم طالب مبتدىء، فكيف بمن كانت له مكانة الأستاذ أحمد أمين وشهرته العلمية. وإما أن يكون فاهماً للموضوع ولكنه تَعَمَّدَ الخبط والخلط في نسبة المذاهب إلى أربابها، ليحكم نسيج المؤامرة على
(1)" شرح مسلّم الثبوت ": 2/ 145 - 146.