الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للزبير بِالسَقْيِِ قبل الأنصاري من شراج الحرة، وليس هذا الحكم في كتاب الله تعالى.
وهكذا كل أدلة القرآن تدل على أن ما جاء به الرسول، وكل ما أمر به ونهى عنه، فهو لاحق في الحكم بما جاء في القراَن فلا بد أن يكون زائداً عليه (1).
وقالوا ثالثاً: فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على أن الشريعه تتكون من الأصلين معاً: الكتاب وَالسُنَّةُ، وأن في السُنَّةِ ما ليس في الكتاب، وأنه يجب الأخذ بما في السُنَّةِ من الأحكام كما يؤخذ بما في الكتاب، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:«يُوشِكُ بِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولُ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ، مَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ أَحْلَلْنَاهُ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلَا مَنْ بَلَغَهُ عَنِّي حَدِيثٌ فَكَذَّبَ بِهِ، فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِي حَدَّثَهُ» (2).
وقد ذكرنا من قبل حديث «يُوشِكُ رَجُلُ مِنْكُمْ
…
إلخ» وهذا دليل على أن في السُنَّةِ ما ليس في الكتاب (3).
وقالوا رابعاً: لقد ثبت من قول عَلِيٍّ رضي الله عنه، «مَاعِنْدَنَا إِلَاّ كِتَابَ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ
…
إلخ» وجاء في حديث معاذ «بِمَاذَا تَحْكُمُ؟ قال: بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» ، وهو واضح في أن السُنَّةَ ما ليس في القرآن، وهو نحو قول من قال من العلماء:«تَرَكَ الكِتَابُ مَوْضِعًا لِلْسُنَّةِ، وَتَرَكَتْ السُنَّةُ مَوْضِعًا لِلْقُرْآنِ» (4).
حُجَجُ المُنْكِرِينَ لِلاسْتِقْلَالِ:
أما الآخرون فقد استدلوا لرأيهم بما عَبَّرَ عنه الشاطبي فيما يلي:
(1)" الموافقات " للشاطبي: 4/ 13، 14.
(2)
رواه الطبراني في " الأوسط " عن جابر، وأورده ابن عبد البر في " جامع بيان العلم ": 2/ 189.
(3)
" الموافقات " للشاطبي: 4/ 15.
(4)
" الموافقات " للشاطبي: 4/ 16، 17.
السُنَّةُ راجعة في معناها إلى الكتاب فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دَلَّ عليه قوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (1) فلا تجد في السُنَّةِ أمراً إلا والقرآن قد دَلَّ على معنَاه دلالة إجمالية أو تفصيلية.
وأيضاًً فكل ما دَلَّ على أن القرآن هو كلي الشريعة وينبوع لها فهو دليل على ذلك، لأن الله تعالى قال:{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (2) وفسرت عائشة ذلك بِأَنَّ خُلُقَهُ القراَن واقتصرت في خُلُقِهِ على ذلك، فَدَلَّ على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن، لأن الخُلُقَ محصور في هذه الأشياء، ولأن الله جعل القراَن تِبْيَاناً لكل شيء، فيلزم من ذلك أن تكون السُنَّةُ حاصلة فيه في الجملة لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب، ومثله قوله تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (3) وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} (4) وهوَ يريد إنزال القرآن.
فَالسُنَّةُ إذن في محصول الأمر بيان لما فيه، وذلك معنى كونها راجعة إليه، وأيضاًً فالاستقراء التام دَلَّ على ذلك (5).
وأجابوا عن حجج الفريق الأول بما خلاصته: إننا نَدَّعِي أَنَّ السُنَّةَ مُبَيِّنَةٌ للكتاب، وما ذكرتموه من الآيات التي توجب طاعة الرسول مع طاعة الله يقصد منها طاعة الرسول في بيانه وشرحه، فمن عمل وفق بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع رسوله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان، إذ عمل خلاف ما أراد
(1)[سورة النحل، الآية: 44].
(2)
[سورة القلم، الآية: 4].
(3)
[سورة الأنعام، الآية: 38].
(4)
[سورة المائدة، الآية: 3].
(5)
" الموافقات " للشاطبي: 4/ 12، 13.