الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَا رَسُولَ اللهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» وأخرج أبو عبد الله الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الوداع: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَاحْذَرُوا، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» .
وأخرج ابن عبد البر عن عرباض بن سارية قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقيل: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا، قال:«عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (1).
من أجل هذا عني الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - بتبليغ السُنَّةِ لأنها أمانة الرسول عندهم إلى الأجيال المتلاحقة من بعدهم، وقد رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ العلم عنه إلى من بعده بقوله:«رَحِمَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» (2).
كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَلَقَّوْنَ سُنَّةَ الرَّسُولِ
؟:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش بين أصحابه دُونَ أن يكون بينه وبينهم حجاب، فقد كان يخالطهم في المسجد والسوق والبيت والسفر والحضر، وكانت أفعاله وأقواله محل عناية منهم وتقدير، حيث كان صلى الله عليه وسلم محور حياتهم الدينية والدنيوية، منذ أن هداهم الله به وأنقذهم من الضلالة والظلام إلى الهداية والنور، ولقد بلغ من حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان
(1)" جامع بيان العلم ": 2/ 182 وأخرجه الترمذي أيضاً وأبو داود والإمام أحمد وابن ماجه، وقال الحافظ أبو نعيم:«هو حديث جيد، من صحيح حديث الشاميين» .
(2)
" جامع بيان العلم ": 1/ 39 وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " وأبو داود والترمذي وحسَّنه، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي بتقديم وتأخير وزيادة عند بعضهم دُونَ بعض.
بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يَوْماً بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُحَدِّثُنَا عنه " البخاري " بسنده المتصل إليه، يقول:«كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ (1) فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ - وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» وليس هذا إلا دليلاً على نظر الصحابة إلى رسول اللهِ نظرة اتِّبَاعٍ واسترشاد برأيه وعمله، لما ثبت عندهم من وجوب اتباعه والنزول عند أمره ونهيه، ولهذا كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه صلى الله عليه وسلم بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله ثم يرجعون إليهم معلمين ومرشدين.
بل كان الصحابي يقطع المسافات الواسعة ليسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم شرعي، ثم يرجع لا يلوي على شيء، أخرج البخاري في " صحيحه " عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره - وكان بمكة - قاصداً المدينة حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟» ففارق زوجته لوقته فَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ.
وكان من عادتهم أن يسألوا زوجات النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بشؤون الرجل مع زوجته لعلمهن بأحوال رسول الله العائلية الخاصة، كما قَدَّمْنَا من قصة الصحابي الذي أرسل امرأته تسأل عن تقبيل الصائم لزوجته فأخبرتها أم سلمة «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبِِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» (2).
كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النَّبِيِّ فأحياناً يسألن رسول الله ما يشأن السؤال عنه من أُمُورِهِنَّ، فإذا كان هنالك ما يمنع النَّبِيَّ من التصريح للمرأة بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَمَرَ إحدى زوجاته أن تفهمها إياه، كما جاء أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ تَتَطَهَّرُ مِنَ الحَيْضِ؟ فَقَالَ عليه الصلاة والسلام:«خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا» فَقَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا؟ " فَأَعَادَ كَلَامَهُ
[تَعْلِيقُ مُعِدِّ الكِتَابِ لِلْمَكْتَبَةِ الشَّامِلَةِ]:
(1)
[هو أَوْس بن خولى بن عبد الله بن الْحَارِث الْأنْصَارِي، انظر: " عمدة القاري شرح صحيح البخاري " للعيني، 20/ 181، الطبعة بدون تاريخ، دار إحياء التراث العربي. بيروت - لبنان. و" تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي " للمباركفوري (ت 1353 هـ): 9/ 159، نشر دار الكتب العلمية. بيروت - لبنان].
(2)
[انظر ص 53 من هذا الكتاب].