الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من صباح يوم إلا وينزل ملكان يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا)) فهذا بعض فوائد الزكاة للمعطي الذي يجود بها.
أما نفعها للمعطى؛ فإن الله قد أمر بدفعها للمحتاجين من الفقراء والمساكين، والغارمين، وفي الرقاب، وللمصالح التي يحتاج المسلمون إليها، فمتى وضعت في محلها اندفعت الحاجات والضرورات، واستغنى الفقراء أو خف فقرهم، وقامت المصالح النافعة العمومية، فأي فائدة أعظم من ذلك وأجل. فلو أن الأغنياء أخرجوا زكاة أموالهم، ووضعت في محالّها لقامت المصالح الدينية والدنيوية، وزالت الضرورات، واندفعت شرور الفقراء، وكان ذلك أعظم حاجزٍ، وسدٍّ يمنع عبث المفسدين، ولهذا كانت الزكاة من أعظم محاسن الإسلام لما اشتملت عليه من جلب المصالح والمنافع ودفع المضار.
الركن الثالث بعد الصلاة: الصيام
أما العبادة الرابعة فهي الصيام: صيام رمضان، وصيام رمضان واجب بالكتاب والسنة وإجماع الأمة قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة: 183 - 185).
وقد عدّه النبي صلى الله عليه وسلم ركنًا من أركان الإسلام كما في الحديث المشهور: ((بني الإسلام على خمس: شهادة إلا إله إلا الله، وأن محمد رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)).
وقد أجمعت الأمة على أن صوم رمضان أحد أركان الإسلام، وفضل الصيام عظيم؛ فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثّ أصحابه على الصيام ويبين لهم فضله وثوابه، ومما أُثر عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك قوله:((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه))، وقال صلى الله عليه وسلم:((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي)). ((للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك))، وقال صلى الله عليه وسلم:((إن في الجنة باب يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد)). وقال صلى الله عليه وسلم: ((الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام: أي ربي منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي ربي منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان)).
فعلى المسلمين والمسلمات أن يحافظوا على صيام شهر رمضان، وأن يصوموه إيمانًا واحتسابًا ((فمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه))، وعليهما أن يعودا صبيانهما الصيام من صغرهم ليعتادوا على الصيام، فلا يشقّ عليهم إذا صار واجبًا عليهم بعد البلوغ، كما كانت تفعل نساء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن الربُيّع بنت معوذ قالت: أرسل النبي صلى الله عليه وسلم غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار ((من أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه، ومن أصبح صائمًا فليصم، قالت: فكنا نصومه بعدُ، ونصوّم صبياننا، ونجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهما على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار)).
هذا؛ وإن للصيام أحكامًا فقهية مردّها إلى علم الفقه، لكننا نقول: إن للصيام آدابًا يستحب للصائم أن يأخذ نفسه منها، ومن أهمها الكفّ عن اللغو والرفث ونحوهما مما يتنافى مع الصوم، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((إذا كان يومُ صومِ أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، ولا يجهل، فإن شاتمه أحد أو قاتله؛ فليقل إني صائم))، وعنه رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((من لم يدع قول الزور والعمل، فليس الله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه))، وقد أثر عن بعض السلف أنه قال:"إذا صمت، فليصم سمعك وبصرك ولسانك، وليكن عليك يوم صومك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".
هذا؛ وإن للصيام فوائد تعود على الصائمين أعظمها ما صرّح به ربنا سبحانه وتعالى في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 183)، فذكر تعالى للصوم هذه الفائدة العظمى، المحتوية على فوائد كثيرة، وهي قوله:{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي: ليكون صيام وسيلة لكم إلى حصول التقوى، ولتكونوا بالصيام من المتقين، وذلك أن التقوى اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من فعل المحبوبات لله ورسوله، وترك ما يكرهه الله ورسوله.
فالصيام هو الطريق الأعظم لحصول هذا الغاية الجليلة التي توصل العبد إلى السعادة والفلاح؛ فإن الصائم يتقرب إلى الله بترك ما تشتهي نفسه من طعام وشراب، وتوابع ذلك؛ تقديمًا لمحبة الله على محبة النفس، ولذلك اختص الله تعالى لنفسه الصيام من بين سائر الأعمال، فقال:((كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزِي به)).
وبالصيام يزداد الإيمان ويتمرّن العبد على الصبر النفسي الدافع لاندفاع النفس البهيمية في شهواتها الضارة، وبالصيام يستعين العبد على كثير من العبادات من صلاة وقراءة وذكر وصدقة، ويرجع النفس عن الوقوع في الأمور المحرمة من أقوال وأفعال، وذلك من أصول التقوى، وبالصيام يعرف العبد نعمة الله عليه في أقداره على ما يتمتع به من مأكل ومشرب ومنكح وتوابع ذلك، فالامتناع منها في وقت وحصول المشقة بذلك، وإباحته في بقية أوقاته يذوق طعم الجوع والظمأ، ويعرفه مقدار النعمة ويحنو على إخوانه المعدمين الذين لا يكادون يجدون القوت دائمًا.
وبالصيام يكون العبد صابرًا على الطاعات، وعن المخالفات، وعلى أقدار الله المؤلمة بصبره عن المفطرات التي يؤلم النفس تركها، ويكون من الشاكرين لله بمعرفة مقدار نعمة الله عليه بالسعة والغنى، وبنعمته الكبرى بتوفيقه للصيام.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الصيام يُكفّر الذنوب المتقدمة كلها، وأن الله يحبه ويرضى عن صاحبه، ويعطيه أجرًا عظيمًا، وأن من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال فكأنّما صام الدهر، ومن صام من كل دهر ثلاثة أيام، فكذلك، فإن الحسنة بعشرة أمثالها، وذلك يعدل صيام الدهر، فضلًا من الله ومنة، ومن تيسير الله للصيام وتسهيله: أن الله تعالى شرعه في وقت واحد وشهر واحد؛ ليتفق