الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس عشر
(ركائز الدعوة في الإسلام)
التصور الإسلامي للكون والحياة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد إلا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله؛ أما بعد:
التربية الإسلامية: هي تنمية فكر الإنسان، وتنظيم سلوكه وعواطفه على أساس الدين الإسلامي، وبقصد تحقيق أهداف الإسلام في حياة الفرد والجماعة، أي: في كل مجالات الحياة؛ فالتربية الإسلامية على هذا عملية تتعلق قبل كل شيء بتهيئة عقل الإنسان وفكره وتصوراته عن الكون والحياة، وعن دوره وعلاقته بهذه الدنيا، وعلى أي وجه ينتفع بهذا الكون وبهذه الدنيا، وعن غاية هذه الحياة المؤقتة التي يحياها الإنسان، والهدف الذي يجب أن يوجّه مساعيه إلى تحقيقه.
وقد قدم الإسلام هذه الأفكار كلها في منظومة من التصورات المترابطة متينة البنيان، كما قدم لنا العقائد التي يجب على الإنسان أن يؤمن بها؛ لكي تحرك في نفسه الأحاسيس والمشاعر، وتغرس العواطف الجديرة بأن تدفعه إلى السلوك الذي نظمت الشريعة له قواعد وضوابطه: السلوك التعبدي الذي يُحقق الهدف الذي خُلق من أجله الإنسان سواء أكان هذا السلوك فرديًّا أم جماعيًّا.
فالجانب الإيماني الاعتقادي من الدين يُقدّم لنا أساسًا راسخًا من العقيدة الثابتة والتصورات الواضحة والمترابطة، والأهداف النيرة، والحوافز الدافعة إلى السعي، الباعثة على بعد الأمل والتفاؤل والجد والوعي. والجانب التشريعي يُقدم لنا قواعد وضوابط نقيم عليها سلوكنا وننظّم بها علاقاتنا، بل هو الذي يرسم لنا خطة حياتنا وسلوكنا، والجانب التعبدي هو سلوك المسلم الذي يحقّق به كل تلك التصورات والأهداف والضوابط والأوامر التشريعية، وعملية التربية هي تنمية شخصية الإنسان على أن تتمثل كل هذه الجوانب في انسجام وتكامل، تتوحد
معه طاقات الإنسان، وتتضافر جهوده لتحقيق هدف واحد تتفرع عنه وتعود إليه جميع الجهود والتصورات، وضروب السلوك ونبضات الوجدان.
ويمتاز التصور الإسلامي عن الكون والحياة والعقيدة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان بمميزات أهمها:
أولًا: وضوح الأفكار التي بُني عليها نظام حياة المسلم فاعتنقها ودعا إليها على بصيرة وآمن بها، وتابع تذكرها؛ لأنها هي الضابط لجميع سلوكه وتصرفاته، والرقيب على أعماله وحياته.
ثانيًا: كما يمتاز التصور الإسلامي بمنطقية هذه المعتقدات ومعقوليتها وملاءمتها للفطرة العقلية والوجدانية والنفسية.
ثالثًا: تمتاز المعتقدات الإسلامية بعرضها عرضًا مقنعًا؛ إذ يستنبطها القرآن من لفت الأنظار إلى الواقع المحسوس للتأمل فيما حولنا، وفي أنفسنا تأملًا يوصلنا إلى معرفة الله وقدرته ووحدانيته وفقًا لطبيعتنا النفسية وفطرتنا الدينية؛ فالباحث المنصف إذا تأمل كلام الله عز وجل يلاحظ كيف يلفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى نفسه ليرى كيف أن الله خلقه من علق، وعلمه الكتابة والقراءة، واستخدام الكائنات، وجعله قابلًا للتعلم، وكيف خلقه وكونه في رحم أمه أطوارًا ومراحلَ؛ حتى تكامل خلقه، ثم وُلد لا يعلم شيئًا فشبَّ حتى أصبح خصيمًا مبينًا.
رابعًا: ولو تساءل الإنسان؛ لماذا اتخذ القرآن هذا الأسلوب الاستجوابي الحسي العاطفي الذي يُخاطب العقل والوجدان، ويحرك دمع العين مع نبضات القلب، وتصورات الفكر والجنان عندما كرَّر ذكر آيات في الآفاق وفي أنفسنا لأجابنا القرآن الكريم بأنه لم يقصد بهذه الصور التي رسمها لنا عن الكون والإنسان،
وكررها، ونوَّع أساليب عرضها في مواطن عديدة لم يقصد مجرد المعرفة الثقافية، ولا مباراة الثقا فات والفلسفات الأخرى؛ ليثبت تفوقه المنطقي وقدرته البلاغية عليها فحسب، ولا قصد تدريب عقولنا على الحفظ والفهم، بل أراد أن تتحول هذه المعرفة إلى حركة فكرية وعاطفية، ثم إلى قوة دافعة لتحقيق مدلولها في عالم الواقع أي: لكي نحقق عبوديّتنا لله الذي ما جعل هذه الصور الكونية الرائعة إلا تذكرة لمن يخشى؛ حتى نتجه إلى العبادة والعمل الإسلامي المُثمر في إعمار الكون، وتحقيق عدل الله وشريعته في الحياة الإنسانية.
وأراد من عرضه آياته في الآفاق أن ترجع البشرية إلى ربها، وإلى منهجه الذي أراد لها، وإلى الحياة الرفيعة الكريمة التي تتفق مع الكرامة التي كتبها الله للإنسان، والتي تحققت في فترة من فترات التاريخ على ضوء هذا التصور عندما استحال واقعًا في الأرض يتمثَّل في أمة تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء.
ونبدأ أولًا: بنظرة الإسلام إلى الإنسان فنقول: من الثابت في علم النفس أن نظرة الإنسان إلى نفسه من أقوى المؤثرات في تربيته؛ لذلك قُدّمت هذه النظرة القرآنية إلى الإنسان، وما زال الإنسان منذ وجد على وجه الكرة الأرضية مأخوذًا بسوء الفهم لنفسه، يميل إلى جانب الإفراط حينًا؛ فيرى أنه أكبر وأعظم كائن في العالم، وينادي بذلك وقد امتلأ أنانية وغطرسة وكبرياء، كما نادى قوم عاد وقالوا:{مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} (فصلت: 15)، وكما نادى فرعون في قومه {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} (القصص: 38)، ويربأ بنفسه أن يعتقد أنه مسئول أمام أحد ويتحول إلى متألّه يستهدف القهر والجبروت والبطش والظلم والشر والطغيان.
وأحيانًا يميلُ إلى جانب التفريط؛ فيظن أنه أدنى وأرذل كائن في العالم، فيطأطئ رأسه أمام كل شجر، أو حجر، أو نهر، أو جبل، أو حيوان، ولا يرى السلامة
إلا في أن يسجد للشمس والقمر والنجوم والنار، وما إليها من الموجودات التي يرى فيها شيئًا من القوة أو القدرة على ضرره أو نفعه، وقد عرض الإسلام الإنسان على حقيقته وبيَّن أصله ومميزاته، وما فُضل به ومهمته في الحياة وعلاقته بالكون، وقابليته للخير والشر.
أما حقيقة الإنسان وأصل خلقه: فترجع حقيقة الإنسان إلى أصلين: الأصل البعيد وهو الخِلقة الأولى من طين حين سوَّاه الله تعالى ونفخ فيه من روحه، والأصل الثاني: القريب وهو خلقه من نطفة، وقد بيَّن الله تبارك وتعالى هذين الأصلين في قوله:{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (السجدة: 7 - 9).
وأوضح الله سبحانه وتعالى لنا كيف خلق آدم فقال عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَاّ إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ} (الحجر: 28 - 30). وهكذا لفت القرآن الكريمُ نَظَر الإنسان على حقارة ذلك الماء الذي خُلق منه في رحم أمه: {مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} (السجدة: 8) حقير، {مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} (الطارق: 6، 7)، ولذلك قال تعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} (يس: 77) فأرشد الله تبارك وتعالى الإنسان إلى أصل خلقه من ماء مهين، من ماء دافق، من نطفة إذ تمنى، أرشده ولفت نظره إلى هذا الأصل؛ ليندّد بغطرسة الإنسان، ويهذّب كبرياءه فيجعله متواضعًا واقعيًّا في حياته.
ثم بيَّن له عناية الله به في ظلمات الرحم حينما أنشأه جنينًا، ورباه حتى تمَّ خلقه: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ
لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (الزمر: 7){وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} (المؤمنون: 7 - 9).
ذكر الله تبارك وتعالى الإنسان بعنايته به وهو في ظلمات الرحم؛ ليثير عنده عاطفة العرفان بالجميل والشكر للخالق والخشوع لله، فكان من نتيجة هذه التربية القرآنية دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم في السجود ((سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشقّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين))، وفي رواية كان يقول:((اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشقّ سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين)).
وفي مقابل ذلك كله بيَّن الإسلام للنوع البشري أنه ليس من الذّلة والمهانة والابتذال في درجة يتساوى مع الحيوان والجماد، وسائر المخلوقات فقال تعالى:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} (الإسراء: 70)، وقال سبحانه:{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} (الحج: 65). فقد رزق الله تعالى الإنسان قدرتنا جعله به يسيطر على ما حوله من الكائنات، وسخّرها الله له فمنعه من أن يذلّ نفسه لشيء منها، وجعله آمن من كل المخوف إزاء هذه الكائنات، بل أشعره بأنها طوع يديه، سخرها لمصلحته. وهذه خطوة تربوية ربانية ينشئ بها القرآن الكريم الإنسان على الشعور بالكرامة وعزة النفس. ويُشعره في الوقت ذاته بفضل الله، فإذا ركب شيئًا مما سخر الله له كالطائرة والسيارة ذكر قول الله تعالى {سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ} (الزخرف: 13، 14).
ومما كرم الله تعالى به الإنسان أن جعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر، فألهم الله تعالى النفس الإنسانية فجورها وتقواها، وغرس في جبلتها الاستعداد للخير والشر، وجعل عند الإنسان إرادة يستطيع بها أن يختار بين الطرق المؤدّية إلى الخير والسعادة، والطرق الموصلة إلى الشقاء، وبيَّن له أن هدفه في هذه الحياة أن يترفَّع بنفسه عن سبل الشر، وأن يزكي نفسه أي: ينمّيها ويطهرها ويسمو بها في وقت معًا نحو الفضيلة والاتصال بالله عز وجل، يقول الله تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 7 - 10).
ولعن الله عز وجل قومًا دعاهم غرورهم إلى أن يكذبوا بهذه الحقيقة، فزعموا أن النّفس الإنسانية لا تطغى فقال في تمام الآيات السابقة:{كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا * فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا * وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا} (الشمس: 11 - 15)، فكان جزاء طغيانهم أن سوَّى الله بهم وبمدينتهم الأرض؛ لأنهم اختاروا طريق الشر ومعصية الله ورسوله.
ومما كرَّم الله به الإنسان وفضله أن وهبه القدرة على التعلم والمعرفة، وزوَّده بكل أدوات هذه القدرة يقول تعالى:{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ، (العلق: 3 - 5). ويقول سبحانه: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَاّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة: 31، 32).
أما أدوات القدرة على التعلّم؛ فمنها السمع والبصر والفؤاد كما قال الله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 78)، فالسمع معناه إحراز المعرفة التي اكتسبها الآخرون، والبصر معناه: تنميتها بما يُضاف إليها من ثمرات
الملاحظة والبحث، والفؤاد معناه تنقيتها من أدرانها وأوشابها، ثم استخلاص النتائج منها، وهذه القوى الثلاث إذا تضافرت بعضها على بعض نجمت عنها المعرفة التي منَّ الله بها على بني آدم، والتي بها وحدها استطاع الإنسان أن يهزم سائر المخلوقات ويسخرها لإرادته.
وندَّد الله تعالى بالذين لا يستفيدون من سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم فقال عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ} (الأعراف: 179).
ومن هذه الأدوات التي منحها الله تعالى الإنسان حتى يتعلم اللسان والقدرة على البيان، والقلم والقدرة على الكتابة قال تعالى:{أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} (البلد: 8، 9)، وقال تعالى:{الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان} ، وقال جل جلاله:{ن والقلم وما يسطرون} ، ومن أهم أهداف التفكير والتعلم عند الإنسان أن يتعلم الناس شريعة الله قال الله تعالى:{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة: 129).
ومن هذه الأهداف أن يتفكروا في خلق السموات والأرض وفي أنفسهم كما قال تعالى: {آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُو نَ} (الذاريات: 20، 21)، وقال تعالى:{فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} (الطارق: 5)، وقال سبحانه {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} (الفجر: 17 - 20)، وقال سبحانه:{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام: 50)، وفي كل هذه الآيات دليلٌ على أن الله
سبحانه خلق لنا السمع والبصر والفؤاد؛ لنتفكر ونتأمَّل وننظر نظرة تَمْحِيص، ونلاحظ ما حولنا ثم نمحِّص ذلك بعقلنا وفؤادنا؛ لنستخدم ما سخره الله لنا أي: لنتربَّى تربية علمية على الملاحظة والمناقشة والاستنتاج والتفكير، فنجمع أكبر قسط من المعرفة والمخترعات، وحينئذٍ نظفر بميزة الزعامة على الإنسانية كما ظفر بها أسلافنا، ثم أضعناها؛ لأننا تركنا الاستفادة الحق من سمعنا وأبصارنا وأفئدتنا كما يريد الله منا.
ولم يكتفِ الإسلام بتكريم الإنسان وتفضيله وتمييزه على الكائنات، بل حمَّله مقابلة ذلك مسؤولية عظيمة، وكلَّفه بتكاليف كثيرة، ورتَّب عليها الجزاء الوفاق، حمَّله مسؤولية تطبيق شريعة الله، وتحقيق عبادته، تلك المسؤولية التي أبتْ سائر المخلوقات أن تحملها وأشفقت من حملها كما قال تعالى:{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (الأحزاب: 72، 73)، وكما جعل الله تعالى للإنسان حُرّية وإرادة وقدرة على التمييز بين الخير والشر، كذلك جعله مجزئ يوم القيامة بما اختار لنفسه من الخير ومن الشر قال تعالى:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه} (الزلزلة: 7، 8).
وكذلك جعل الله تعالى الإنسان مسئولًا عن سمعه وبصره وفؤاده وجميع جوارحه، فلا يجوز له أن يستعملها إلا في الخير قال تعالى:{وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36)، وهذا الشعور بالمسئولية يربِّي في نفس الإنسان الوعي واليقظة الدائمة، والبعد
عن المزالق وعدم الاستسلام للأهواء، والعدالة والبعد عن الظلم والبغي، والاستقامة في كل سلوك الإنسان وشئونه.
وكذلك قرَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم مسئولية الإنسان عن ماله وعن عمره وعن شبابه فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسئل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما فعل فيه، وعن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه))، وجماع كل هذه المسئوليات مسئولية الإنسان عن عبادة الله وتوحيده أي: إخلاص العبادة له وحده، كما قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56)، وقال سبحانه:{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن: 18).
هذه هي نظرة الإسلام للإنسان أما نظرة الإسلام إلى الكون فإنها أيضًا نظرة تمتاز بأنها ليست نظرة عقلية محضة، ولكنها تعمل على تحريكًا عواطف الإنسان وشعوره بعظمة الخالق، وبصغر الإنسان أمامه، وبضرورة الخضوع له، كل ذلك إلى جانب البراهين العقلية القاطعة على وحدانية الله وألوهيته في هذا الكون، وسائر الأكوان التي لا نراها. فالكون كله مخلوق لله خلقه لهدف وغاية، وما كان اللعب والعبث باعثًا عن الخلق قال تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَاّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} (الدخان: 38، 39)، وقال سبحانه {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى} (الروم: 8).
أما تحريك عواطف الإنسان؛ فبالاستفهام والحضّ على العبادة وتوحيد الله بعد تأمل مخلوقاته يقول سبحانه: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ
الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ * بَلْ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر: 62 - 67)، ولهذه النظرة الإسلامية إلى الكون آثار تربوية: منها ارتباط المسلم بخالق الكون وبالهدف الأسمى من الحياة، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
ثانيًا: تربية الإنسان على الجدية؛ فالكون كله أُقيم على أساس الحق، ووجد لهدف معين وإلى أجل مسمى عند الله، وليس العبث واللهو من شأن الله تعالى:{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} (الأنبياء: 16، 17)، وهذا يعلم الإنسان أن يبحث عن غاية كل ظاهرة من ظواهر الكون، وأن يُبعد تفكيره عن اللهو والعبث والضياع، وأن يكون تأمله لهذا الكون تأملًا منطقيًّا علميًّا، ولتحقيق هذا واستكماله لفت القرآن نظر المتأمل إلى أمرين آخرين غير الجدية والغاية منها خضوع الكون لسنن الله تعالى وفق أقدار قدرها يقول سبحانه:{وَآيَةٌ لَهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} (الأنبياء: 33، 34)، ويقول سبحانه:{وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَاّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر: 19 - 21).
فدورة الشمس والقمر في فلك لا يحيدان عنه، وفي مواسم لا تتخلف كل ذلك يجري حسب سنن كونية سنها الله تعالى، وحسب مقادير قدرها عز وجل، وكذلك جميع الأحياء التي على الأرض جعل الله لها معايش مقدرة مقننة:{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} (الحجر: 19 - 21)، وقد علم الله تعالى الإنسان الحساب بتكرار الليل والنهار وتقدير الفصول الأربعة والأشهر القمرية، قال تعالى:{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} (الإسراء: 12)، وقال عز وجل:{إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} (الأنعام: 95) وقال: {فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا} (الأنعام: 96).
ومما تقدم نجدُ أنّ القرآن ربّى عقل المسلم على مبدأين آخرين علميين غير مبدأي السلبية والغائية والتفكير الجدي المنطقي، وهما تكرار حوادث الكون حسب سنن سناها الله، وهو جل جلاله وحده يملك أن يغيرها إذا شاء، وهذا هو المبدأ الذي بُنيت عليه اليوم جميع القوانين العلمية، وهو أساس التفكير العلمي الذي به اكتشف الإنسان واخترع كل مظاهر الحضارة.
ثانيًا: أن سنن هذا الكون وجميع حوادثه وظواهره وكائناته من أصغر ذرّة إلى أكبر جرم، قد خلقها الله تعالى وسيرها، أو أنزلها بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولا يتعدى شيء حدوده، فيختل توازنه ويخلّ بنظام غيره مما جاوره أو قابله، وتأثر وأثر فيه ومن هذه المبادئ التي استوحاها علماء المسلمين القرآن وارتقوا بها في العلوم الطبيعة استقت أوربا مبادئ التفكير العلمي، ووحدة قوانين العلم الحديث، ومناهج التفكير العلمي المنطقي، وهذا هو المبدأ الثاني من مبادئ المنطق العلمي إقامة الملاحظة العلمية على أساس القياس الكمي لا على أساس الوصف الكيفي. إنه المبدأ الذي يربي العقل على الدقة ليأخذ كل شيء بمقياس.
والكون مسيّر ومدبّر دائمًا بقدرة الله، فالله سبحانه هو الذي رتَّب سنن الكون، فبقي وما زال قائمًا على تسيير الله وتدبيره أمره يمده بقوته، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه:{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (فاطر: 41)، {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنْ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} (الروم: 25)، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ} (الأنعام: 61)، وكذلك الإنسان قد رتب الله سننًا اجتماعية لحياته؛ فأرسل على أساسها الرسل وعذب الأمم وأهلك بعضها، ورتب آجالها، وغيَّر أحوالها يقول سبحانه:{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (آل عمران: 137). والكون كله قانت لله كما قال سبحانه: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (البقرة: 117 - 117).
والقنوت معناه الطاعة والخضوع والانقياد، فإذا كان الكون كله بما فيه من الكائنات والجمادات خاضعًا لربه مستسلمًا له، منقادًا فأجدر بالإنسان العاقل المفكر أن يعترف لربه بالنعمة والفضل، ويستشعر عظمته، ويسبح بحمده ويقدس له، كما يمتاز الدين الإسلامي بأن جعل الإنسان يستخدم ما حوله من الكائنات وقوى الكون، ولفت نظره إلى أنه مسلط عليها بإذن الله، وأن الله قد سخرها له من أكبر الأجرام التي تؤثر في حياته كالشمس إلى أصغر الكائنات التي يستطيع الاستفادة منها كالنحل والذرة، يقول تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ