الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي والعشرون
(من خصائص الإسلام: الربانية
والوسطية والوضوح)
من خصائص الإسلام: الربانية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
والربانية كما يقول علماء العربية: "مصدر صناعي منسوب إلى الرب زيدت فيه الألف والنون على غير قياس، ومعناه: الانتساب إلى الرب أي: الله سبحانه وتعالى ويُطلق على الإنسان أنه رباني إذا كان وثيق الصلة بالله عالمًا بدينه، وكتابه معلمًا له قال الله تعالى:{وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} (آل عمران: 79) فمن تعلم، وعمل، وعلم فذلك العالم الرباني الذي يدعى في ملكوت السموات عظيمًا.
والمراد بربانية الإسلام أن الإسلام عقيدة وعبادة، ومعاملة كله من عند الله رب العالمين الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وهو العليم الحكيم فهو أعلم بما يصلح الإنسان، وبما يصلح له، وهو أعلم بما يسعده، وبما يشقيه؛ فلا سعادة للإنسان، ولا فلاح له، ولا نجاح في الدنيا والآخرة إلا بقبول هذا الدين الذي هو من عند الله رب العالمين. والدليل على أن الإسلام رباني أي: من عند الله رب العالمين أن مصدر الإسلام الأساس هو القرآن الكريم، والسنة النبوية أما القرآن الكريم فهو كلام الله رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فيه أية دور سوى دور التبليغ، وقد بلغه كما سمعه من جبريل عن رب العالمين بلغه بكل أمانة بلا زيادة، ولا نقصان.
وفي القرآن الكريم آيات كثيرة مصرحة بأن القرآن الكريم تنزيل رب العالمين يقول الله تعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (الزمر: 1){تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (غافر: 2){تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الواقعة: 80){إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9){إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر: 1)، ولما زعم
الكفار أن محمدًا صلى الله عليه وسلم افترى هذا القرآن من عنده كذبهم الله تبارك وتعالى في قولهم، ووصفهم بالظلم، وقالوا:{إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وزُورًا * وقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا * قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ والْأَرْضِ} (الفرقان: 4 - 6)، وقال سبحانه:{وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} (يونس: 37).
فالدليل على أنه من عند الله عز وجل لا يُمكن لإنسان مهما بلغ في العلم والفصاحة، والبلاغة مبلغًا لا يمكن أن يفتري هذا القرآن أبدًا، ولذلك طلب الله تبارك وتعالى من الكفار أن يأتوا بمثل هذا القرآن في أكثر من موضع فلم يستجيبوا لذلك، طلب منهم أن يأتوا بحديث مثله، فلم يفعلوا فطلب أن يأتوا بعشر سور مثله، فلم يفعلوا فطلب منهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يفعلوا فطلب منهم أن يأتوا بسورة من مثله فلم يفعلوا بل ولم يحاولوا فقال تعالى:{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا} (البقرة: 23، 24). يعني الآن، {وَلَنْ تَفْعَلُوا} إلى يوم القيامة {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} اتقوها بالإيمان بأن القرآن كلام الله رب العالمين، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم فيه أية دور سوى دور التبليغ:{وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثم لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} (الحاقة: 44 - 47).
فتوعد الله تبارك وتعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم لو تقول عليه أن يقطع منه الوتين، وهو شريان الحياة فيموت، ولم يفعل رب العالمين سبحانه بنبيه شيئًا من هذا الوعيد؛ فدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يتقول على ربه شيئًا، ولم يزد في القرآن الذي أوحاه إليه، ولم ينقص منه.
كما أنّ مما يدل على أن القرآن كلام الله رب العالمين أن القرآن الكريم تضمن أخبارًا كثيرة عما كان، وعما سيكون مما لا سبيل لمحمد صلى الله عليه وسلم إلى معرفته إلا أن يكون وحيًا أوحاه الله تبارك وتعالى إليه، الله سبحانه وتعالى أخبرنا في القرآن الكريم عن نبأ آدم عليه السلام، وما كان بينه، وبين إبليس في الجنة قبل أن ينزلا إلى الأرض، ثم أخبرنا بما كان من بني آدم بعد نزولهم في الأرض مما سبق حياة محمد صلى الله عليه وسلم وكل هذا ما كان محمد ليعلمه إلا أن يكون وحيًا أوحاه الله إليه، ولذلك نرى الله سبحانه وتعالى كثيرًا ما يعقب على القصص القرآني بالإشارة إلى أنه وحي الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لما قص الله تعالى في سورة "هود" قصة نوح عليه السلام مع قومه قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:{تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ ولَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود: 49).
ولما قص عليه قصة يوسف عليه السلام وإخوته قال: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ومَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وهُمْ يَمْكُرُونَ} (يوسف: 102)، ولما قص عليه قصة مريم عليها السلام وقصة زكريا عليه السلام مع مريم قال:{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ومَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ ومَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (آل عمران: 44). فإخبار القرآن بهذا القصص الذي ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دليل على أن القرآن كلام الله رب العالمين.
كما أن في القرآن إخبارًا ببعض ما سيكون مما لم يكن كما أخبر الله سبحانه وتعالى عن انتصار الروم على الفرس بعد هزيمة الروم، وكان كما أخبر الله قال تعالى:{الم * غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ} (الروم: 1 - 4)، وما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يجرؤ على الإخبار بأن الروم ستغلب فارس في بضع سنين لو لم يكن متأكدًا مائة في المائة أن هذا شيء من الله أوحاه الله إليه فلا يمكن أن يكذب، ولا يمكن أن يخلف أبدًا؛ لأنه كان
يعلم أن أعداءه يتربصون به الدوائر، فلو أخبر أن الروم ستنتصر، ثم لم تنتصر لكان هذا مدخلًا لهم إلى تكذيبه، ورد دعوته. فمثل هذه الأنباء، والأخبار عما كان، وعما سيكون مما يدل على ربانية هذه الرسالة.
كما أن في القرآن الكريم إشارة إلى بعض العلوم الكونية، والإنسانية التي لم يكن لمحمد صلى الله عليه وسلم بها علم، كل ذلك يفيد إفادة قطعية أن القرآن كلام الله رب العالمين كما أن المصدر الثاني للإسلام هو السنة والسنة أيضًا وحي من الله عز وجل وإن لم تكن وحيًا صريحًا كالقرآن لكن الله تعالى قال عن رسوله صلى الله عليه وسلم:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وحْيٌ يُوحَى} (النجم: 3، 4)، وصرح ربنا سبحانه وتعالى بأنه نزل على نبيه السنة كما نزل عليه القرآن فقال عز وجل:{وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} (النساء: 113)، والحكمة: هي السنة، وهكذا ثبتت لنا ربانية الإسلام، وأنه دين الله عز وجل وشرعه.
ويترتب على هذه الخاصية، وهي أن الإسلام رباني أي: من عند الله عز وجل وحده يترتب على كون الإسلام من عند الله كماله، وخلوه من معاني النقص، والجهل، والهوى، والظلم لسبب بسيط واضح هو أن صفات الصانع تظهر فيما يصنعه، ولما كان الله تعالى له الكمال المطلق في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ويستحيل في حقه خلاف ذلك فإن أثر هذا الكمال يظهر فيما يشرعه من أحكام، ومناهج، وقواعد، وبالتالي لا بد أن يكون كاملًا، وهذا بخلاف ما يصنعه الإنسان، ويشرعه فإنه لا ينفك عن معاني النقص، والهوى، والجهل، والجور؛ لأن هذه المعاني لاصقة بالبشر، ويستحيل تجردهم عنها كل التجرد، وبالتالي تظهر هذه النقائص في القوانين، والشرائع التي يصنعونها.
ويكفينا هنا أن نذكر مثالًا واحدًا للتدليل على ما نقول: جاء الإسلام بمبدأ المساواة بين الناس في الحقوق، وأمام القانون بغض النظر عن اختلافهم في الجنس
أو اللغة أو اللون أو الحرفة أو الغنى أو الفقر، وأقام ميزان التفاضل على أساس التقوى، والعمل الصالح كما نطق به كتاب ربنا:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وأُنْثَى وجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (الحجرات: 13)، ومن الأحاديث المشهورة قول النبي صلى الله عليه وسلم حين شفع فيه أو عنده أسامة بن زيد ألا يقطع يد المرأة المخزومية التي سرقت قام في الناس خطيبًا، وقال:((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)). وبلغت دقة تطبيق هذا المبدأ إلى حد أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على مسلم عربي قوله لمسلم غير عربي: "يا ابن السوداء"، واعتبر هذا القول من بقايا الجاهلية الأولى.
وواضح من ذلك أن التشريع الإسلامي ارتفع إلى أعلى مستوى من العدالة، والمساواة في نظرته إلى الأفراد، وإن اختلفوا في الجنس، واللون، واللغة، وغير ذلك، وطبق هذا المبدأ فعلًا في واقع الحياة بينما ونحن في القرن العشرين في عصرنا الحاضر، وبالرغم من الضجيج الهائل في العالم حول المساواة، وتسطير هذا المبدأ في دساتير الدولة، فإنه لا يزال مجرد كلام لا نصيب له في الواقع إلا الشيء القليل؛ لأنه من صنع البشر.
ويترتب أيضًا على كون الإسلام رباني أي: من عند الله رب العالمين أن الإسلام يظفر بقدر كبير جدًّا من الهيبة، والاحترام من قبل المؤمنين به مهما كانت مراكزهم الاجتماعية، وسلطاتهم الدنيوية؛ لأن هذه السلطات، وتلك المراكز لا تخرجهم من دائرة الخضوع لله تعالى واحترام شرعه، وطاعة هذا الشرع طاعة اختيارية تنبعث من النفس، وتقوم على الإيمان، ولا يكره عليها المسلم كرهًا، وفي هذا ضمان عظيم لحسن تطبيق القانون الإسلامي، وعدم الخروج عليه، ولو مع القدرة على هذا الخروج.
أما القوانين، والمبادئ الوضعية التي شرعها الإنسان فإنها لا تظفر بهذا المقدار من الاحترام، والهيبة إذ ليس لها سلطان على النفوس، ولا تقوم على أساس من العقيدة والإيمان كما هو الحال بالنسبة للإسلام، ولهذا فإن النفوس تجرؤ على مخالفة القانون الوضعي كلما وجدت فرصة لذلك، وقدرة على الإفلات من ملاحقة القانون، وسلطان القضاء، ورأت في هذه المخالفة اتباعًا لأهوائها، وتحقيقًا لرغباتها.
إن القانون لا يكفي أن يكون صالحًا بل لا بد له من ضمانات تكفل حسن تطبيقه، ومن أول هذه الضمانات إيجاد ما يصل هذا القانون بنفوس الناس، ويحملهم على الرضا به، والانقياد له عن طواعية، واختيار، ولا يحقق مثل هذه الضمانة مثل الإسلام؛ لأنه أقام تشريعاته على أساس الإيمان بالله، واليوم الآخر، والإيمان بمحمد رسولًا لله عز وجل، وإن الالتزام الاختياري بهذه التشريعات، واحترامها هو مقتضى هذا الإيمان، لهذا كله نجد المؤمن الواعي البصير المتفهم للحقيقة يندفع بكليته، وينطلق من ذاته إلى تطبيق المنهج الرباني على نفسه، وعلى من يكون تحت ولايته لاعتقاده الجازم أن كمال شخصيته، وبناء إنسانيته، وإصلاح بني قومه لا يتم على الوجه اللائق إلا أن يأخذ ممن اختص بالكمال، والجلال، وينقاد إلى من تنزه عن النقص، والقصور، ويستسلم إلى من عرف بالعظمة، والإبداع ألا وهو الله سبحانه وتعالى وحده.
لذلك رأينا بعض المسلمين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يرتكب بعضهم مخالفة، ويقع فيما حرم الله سبحانه وتعالى عليه في السر دون أن يراه أحد، ولا يطلع عليه أحد فيأتي بنفسه النبي صلى الله عليه وسلم ويعترف بين يديه بخطئه، ويطالب النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقيم عليه الحد الذي جعله الله تعالى عقوبة لهذه المخالفة كما فعل ماعز، والغامدية لما زنيا،