المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أهمية القرآن الكريم في حياة الداعية والمجتمع - أصول الدعوة - جامعة المدينة

[جامعة المدينة العالمية]

فهرس الكتاب

- ‌الدرس: 1 بعض الآفات التي تصيب بعض الدعاة

- ‌العجلة

- ‌ضعف اليقين

- ‌التقصير في عمل اليوم والليلة

- ‌الدرس: 2 أصول العقيدة (1)

- ‌علاقة الدعوة بأصول الإسلام

- ‌تعريف العقيدة وأصولها الستة

- ‌الركن الأول: الإيمان بالله

- ‌الركن الثاني: الإيمان بالملائكة

- ‌الركن الثالث: الإيمان بالنبيين والكتب المنزلة على المرسلين

- ‌الدرس: 3 أصول العقيدة (2)

- ‌الركن الرابع: الإيمان بالكتب

- ‌الركن الخامس: الإيمان باليوم الآخر

- ‌الركن السادس: الإيمان بالقدر

- ‌الدرس: 4 العبادة

- ‌الركن الأعظم بعد الشهادتين: الصلاة

- ‌الركن الثاني بعد الصلاة: الزكاة

- ‌الركن الثالث بعد الصلاة: الصيام

- ‌الركن الرابع بعد الصلاة: الحج

- ‌الدرس: 5 الأخلاق

- ‌علاقة الأخلاق بالعقيدة

- ‌علاقة الأخلاق بالعبادة

- ‌تعريف الأخلاق وأهميتها

- ‌مكانة الأخلاق في الإسلام

- ‌خصائص الأخلاق في الإسلام

- ‌الدرس: 6 خصائص الإسلام

- ‌خاصية العالمية

- ‌خاصية الإنسانية

- ‌الدرس: 7 المبادئ العشرة لعلم أصول الدعوة

- ‌معنى أصول الدعوة، وموضوعه، وحكم تعلمه

- ‌موضوع علم أصول الدعوة

- ‌فضائل علم أصول الدعوة

- ‌نشأة علم أصول الدعوة، والمراحل التي مر بها

- ‌روافد علم أصول الدعوة، ونسبته، وثمرته، ومسائله، ومصادره

- ‌الدرس: 8 التصور الإسلامي للمعرفة بأنواعها المختلفة

- ‌الفرق بين العلم والمعرفة

- ‌الحس في الفكر الإسلامي

- ‌العلاقة بين العقل والنقل

- ‌الدرس: 9 دعوة المسلمين

- ‌أصناف المدعوِّين

- ‌الأصول الشرعية في دعوة الكفار والمنافقين

- ‌الأصول الشرعية في دعوة المسلمين

- ‌الدرس: 10 أهم الصفات التي يجب علي الداعية أن يتصف بها

- ‌الإيمان

- ‌الاجتهاد في الطاعات والتقرب بها إلى الله

- ‌التجرد والزهد

- ‌أن يكون في نفسه قدوة حسنة

- ‌أن يكون قوي الحجة مستظهرًا للأدلة

- ‌العلم

- ‌الدرس: 11 المدعوون

- ‌من هو المدعو

- ‌دعوة القرآن المشركين للإيمان

- ‌دعوة القرآن اليهودَ للإيمان

- ‌دعوة القرآن النصارى للإيمان

- ‌دعوة القرآن المنافقين للإيمان

- ‌الدرس: 12 المصادر التي يعتمد عليها الداعية في دعوته المصدر الأول: القرآن الكريم

- ‌التعريف بالمصدر الأول: القرآن الكريم

- ‌بيان القرآن الكريم للأحكام الشرعية

- ‌أهمية القرآن الكريم في حياة الداعية والمجتمع

- ‌الدرس: 13 المصدر الثاني: السنة

- ‌التعريف بالسنة وأهميتها في التشريع

- ‌أقسام السنة من حيث ورودها إلينا

- ‌الدرس: 14 الثقافة التي يحتاج إليها الداعية

- ‌الثقافة الدينية

- ‌معرفة علوم القرآن

- ‌الثقافة التاريخية

- ‌الثقافة الأدبية والواقعية

- ‌الدرس: 15 ركائز الدعوة في الإسلام

- ‌التصور الإسلامي للكون والحياة

- ‌التصور الإسلامي للإنسان والمجتمع

- ‌الدرس: 16 علاقة الإسلام بالدعوات السابقة

- ‌الإسلام هو الدين القيم الذي فطر الله الناس عليه

- ‌حكمة اختلاف الشرائع من أمة لأمة

- ‌الدرس: 17 الأخلاق ومكانتها في الإسلام - أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (1)

- ‌الأخلاق ومكانتها في الإسلام

- ‌من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الإخلاص

- ‌من أهم الأخلاق التي تلزم الداعية: الشجاعة

- ‌الدرس: 18 أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (2)

- ‌من أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها: الإيجابية

- ‌من الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها التضحية

- ‌الدرس: 19 أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (3)

- ‌من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الصبر

- ‌من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الرفق

- ‌الدرس: 20 أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (4)

- ‌من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: العدل

- ‌من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: العفو

- ‌الدرس: 21 من خصائص الإسلام: الربانية والوسطية والوضوح

- ‌(من خصائص الإسلام: الربانية

- ‌من خصائص الإسلام: الوسطية

- ‌من خصائص الإسلام: الوضوح

الفصل: ‌أهمية القرآن الكريم في حياة الداعية والمجتمع

إلا معنى واحد ًا فقط؛ ففي هذه الحالة تكون دلالة اللفظ على الحكم دلالة قطعية مثل قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (النساء: 12) فالنصف والربع من الألفاظ التي لا تحتمل إلا معن ً ى واحد ً ا.

وقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (النور: 2) فالمائة من الألفاظ القطعية الدلالة على مدلولها لا تحتمل معنى آخر، وتكون دلالة القرآن الظنية إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى، فتكون دلالة اللفظ الحكم إذًا دلالة ظنية وذلك مثل قوله تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} (البقرة: 228) فلفظ "قروء" يحتمل أن يكون المراد به الأطهار، ويحتمل أن ي ُ راد به الحيضات، فمع هذا الاحتمال تكون دلالة ال آية على الحكم ظنية لا قطعية، ولما كان الق ُ رء أو القروء تحتمل الأطهار والحيضات؛ لذلك اختلف الفقهاء في المراد بها، وبماذا تعتد ّ المطلقة، والراجح - والله أعلم - أن القروء المراد بها الحيضات لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة المستحاضة ((دعِ الصلاة أيام قرئك)) أي: أيام حيضتك.

‌أهمية القرآن الكريم في حياة الداعية والمجتمع

فهذا هو القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع، والمصدر الأول الذي يستمد ّ الداعية منه دعوته ومادتها، والذي فرض الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يجاهد به جهاد الدعوة في مكة قبل أن يفرض عليه جهاد السيف في المدينة قال الله تعالى:{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} (الفرقان: 51، 52) أي: بالقرآن الكريم جهاد ً اكبير ً ا، فالقرآن الكريم هو سلاح الداعية {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُه ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ

ص: 241

حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1){وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت: 41، 42)((فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله)).

وقد تكف َّ ل الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة فقال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} (طه: 123 - 127).

لقد أنزل الله تبارك وتعالى هذا القرآن ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور قال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (إبراهيم: 1)، وقال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} (النساء: 174 - 175).

وقال تعالى: {يَا أَهْل الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة: 15، 16) وما أدق ّ هذا التعبير وما

ص: 242

أصدقه {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ} السلام الذي يسكبه هذا الدين في الحياة كلها، سلام الفرد، وسلام الجماعة، سلام العالم، وسلام الضمير، سلام العقل، وسلام الجوارح، سلام البيت، وسلام الأسرة، وسلام المجتمع والأمة والبشرية والإنسانية، والسلام مع الحياة، والسلام مع الكون، والسلام مع الله رب الحياة والكون، السلام الذي يقوم عل عقيدته وشريعته، وهي دعوة صريحة لدعاة السلام إن كانوا جادين في البحث عن حل للخروج من ويلات الحرب وما جلبته عليهم من دمار وخراب وفساد.

إن كانوا حق ًّ اجادين في دعوتهم للسلام، فإن هذا هو طريق السلام آمنوا بهذا القرآن، وا دخلوا في السلام كافة، فإن الله قال عن القرآن الكريم:{يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (المائدة: 16) من ظلمات الوهم والخرافة وظلمات الأوضاع والتقاليد، وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة، وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين إلى نور الحق والحقيقة، ونور الهدى والإيمان، ونور الطمأنينة واليقين. وهي دعوة صريحة أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إليها فقال تعالى:{قُلْ يَا أَهْل الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 64).

فإذا أرادت البشرية أن تخرج من بؤسها وشقائها فلتقبل هذه الدعوة، وليقم أهل القرآن بواجبهم نحوه، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، تلاوة صحيحة، مجودة بالأحكام؛ فإن تلاوة القرآن الكريم ق ُ ربة من أعظم القرب، وعبادة من أجل العبادات، يعطي الله تبارك وتعالى عليها من الأجر والثواب ما لا يعطي على

ص: 243

غيرها، وقد بي َّ ن النبي صلى الله عليه وسلم كثرة هذا الأجر بقوله:((من قرأ حرف من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول "الم" حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)).

وحتى تتصو ّ ر أي ّ ها الداعية كثرة الأجر الذي يمن ّ الله عليك به على قراءة القرآن، أذكرك بأن الفاتح ة "الحمد لله رب العالمين" مائة وثلاث عشرة حرف ًا، فإذا قرأتها مرة أعطاك الله عليها ألف ًا ومائة وثلاثين حسنة، فكم مرة يقرأ المسلم "الفاتحة" في اليوم الواحد، ولذلك كانت قراءة القرآن من التجارة التي لا تبور كما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر: 29، 30) كان قتادة رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول: هذه آية القراء، وذلك لما أثبتته لهم من الأجر العظيم والثواب المضاعف لا ينعمون بالأجر الوافي، وإنما يزيدوهم الله إكرامًا وفضلًا.

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن يرفع صاحبه في الدنيا والآخر عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين))، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ، وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها)). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب، حلِّه فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب، زدنه فيلبس حُلة الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارق، وتزاد بكل آية حسنة)).

ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحضّ على تعلم القرآن وتعليمه، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وكان يقول: ((وما

ص: 244

اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)). وكان صلى الله عليه وسلم يحثهم على قراءة القرآن والخروج في طلبه بلغة التجارة والربح، عن عقبة بن عامر، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصُّفَّة فقال: ((أيكم يحب أن يغدوا كل يوم إلى بطحان أو إلى العقيق؛ فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم ولا قطع رحم، فقلنا: يا رسول الله، نحب ذلك. قال: أفلا يغدوا أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين وثلاثة خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل)).

والتعلم والتعليم الذي حضَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم يشمل القراءة، كيف يقرأ القرآن، وكيف يتلى، وكيف يجود، وكيف يرتل، ويشمل كذلك التفسير ومعرفة المعاني حتى يعقل العبد عن الله مراده، ويشمل استخراج الأحكام ومدارستها؛ فمن فعل ذلك فقد تلا القرآن حق تلاوته، ودخل في عموم قوله تعالى:{الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} (البقرة: 121) قال ابن مسعود رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحلَّ حلاله ويحرم حرامه، ويقرؤه كما أنزله الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضع، ولا يتأوَّل منه شيء على غير تأويله".

وقال الحسن البصري رحمه الله: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِه} يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابه، ويكلون ما أُشكل عليهم إلى عالمه. وقال الإمام السيوطي رحمه الله: والأمة كما هي متعبدة بفهم معاني القرآن وأحكامه متعبدة بتصحيح ألفاظه وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من الأئمة القُراء، وهي الصفة المتصلة بالحضرة النبوية أي: أنه لا يكفي الأخذ من المصاحف بدون تلقٍّ عن أفواه المشايخ المتقنين للتلاوة.

ص: 245

يدل على ذلك ما رواه الطبراني عن مسعود بن زيد قال: كان عبد الله بن مسعود يقرئ رجلًا فقرأ الرجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} فخطف المد في "الفقراء" فلم يُشبع المد كما ينبغي، فقال ابن مسعود: ما هكذا أُقرِئتُها ثم تلاها مرة أخرى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} (التوبة: 60) ومدَّ "الفقراء" المد اللازم المعروف.

فاحذر أيها المتعلم أن تأخذ القرآن من المصحف، أو من الأشرطة دون تصحيح على أهل القرآن المتخصصين؛ فإن ذلك يعرضك للخطأ ولقد عرف أعداء الأمة أن هذا القرآن هو سر بقائها، وسبب فوزها، فعملوا جادين على فصل المسلمين عن القرآن وعزله عن حياتهم، وكادوا يظفرون بما يؤملون فقل الحفظة، وصدق فيهم قول القائل:

وقد كانوا إذا عُدوا قليلًا

فصاروا اليوم أقل من القليل

وسادت الأمية من حيث القرآن وقراءته كثير من المثقفين والمتعلمين بحيث أنك ترى الرجل يحمل الشهادات العليا، وهو لا يحسن يقرأ القرآن، وصارت المصاحف تتخذ في البيوت لمجرد البركة فقط، أما التلاوة أما التدبر أما التفسير أما استخراج الأحكام؛ فهذا له رجال هكذا ظنوا، ولذلك قلت البركة والرحمة في البيوت، وغابت عنها الملائكة، وسكنتها الشياطين، وعادت شكوى رسول الله صلى الله عليه وسلم تئنّ من جديد:{وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا} (الفرقان: 30).

فاقرءوا القرآن يا أمة القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، كما النبي صلى الله عليه وسلم اقرءوا القرآن فإنه روح لكم في السماء، وذكر لكم في الأرض قال الله تعالى

ص: 246

للنبي صلى الله عليه وسلم {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزخرف: 44)، وقال للقوم أنفسهم:{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنبياء: 10)، اقرءوا القرآن فإنه يهدي للتي هي أقوم في كل أمر من الأمور، وكل مسألة من المسائل وكل مشكلة من المشاكل، اقرءوا القرآن فإنه عزكم وشرفكم، وبه يتم سؤددكم، لقد ساد السلف الصالح الدنيا كلها حين قبلوا كتاب ربهم، واستمسكوا به وجعلوه أمامهم فقادهم إلى الخير والبر، والنجاح والفلاح؛ فلما نبذ الخلف كتاب ربهم وراء ظهورهم تداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فاقرءوا القرآن يا أمة القرآن، فلن تزالوا على الهدى ما قرأتم القرآن، وتمسكتم به، كم أخبركم بذلك نبيكم صلى الله عليه وسلم ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي)).

وعليك أيها الداعية، إن كنت قد أتممت القرآن حفظًا أن تتاعهده بالمراجعة حتى لا يتفلت من صدرك، وإن كنت لم تتمه فعليك أن تجتهد في إتمامه؛ فإنه سلاحك الأول، والمصدر الأول الذي تستمدّ منه مادة دعوتك، ولأن تنجح في دعوتك حتى يكون القرآن في صدرك وأنت على المنبر كما لو كان في يدك تتناول منه ما تشاء، وتستدل به على ما تشاء، لا تردد، ولا تتلعثم، ولا تقف عند آية تريد أن تستدل بها، ولا تستطيع أن تأتي بها.

ثم اعلم -بارك الله فيك- أنك كداعية ينبغي عليك أن تكون متخلق بأخلاق القرآن، ومتأدب بآدابه متأسيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد سُئلت أمنا عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:((كان خلقه القرآن))، وتذكر أنه يجب عليك ما لا يجب على العامة، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وبحزنه إذ الناس

ص: 247

يفرحون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، ولا ينبغي أن يكون جافيًا ولا غافلًا، ولا صخابًا، ولا حديدًا.

وقال الفضيل بن عياض رحمه الله: حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلغوا مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلهو مع من يلهو؛ تعظيمًا لله تعالى، ولا ينبغي أن يكون له إلى أحد حاجة؛ بل ينبغي أن تكون حوائج الناس إليه، ويوم أن يكون الدعاة إلى الله عز وجل متخلقين بهذه الأخلاق، ومتأدبين بهذه الآداب يمشون بين الناس قرآنًا يراه الناس في مظهرهم ومخبرهم {يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}. (الروم: 4، 5).

وصلى وسلم وبارك على نبين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ص: 248