الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس التاسع عشر
(أهم الأخلاق التي يجب على الداعية أن يتخلق بها (3))
من الأخلاق التي يجب أن يتخلق بها الداعية: الصبر
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، وأشهد ألا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد ًا عبده، ورسوله، أما بعد:
إن هذه الدنيا دار ابتلاء، واختبار، وامتحان أكد الله سبحانه وتعالى على ذلك في أكثر من آية فقال سبحانه:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31)، وقال سبحانه:{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ والْأَنْفُسِ والثَّمَرَاتِ} (البقرة: 155). ثم بين سبحانه وتعالى ما يفعله المسلم عند وقوع البلاء فقال: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة: 155 - 157).
قال الشيخ السعدي رحمه الله: "أخبر سبحانه وتعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن؛ ليتبين الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تعالى تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر هذه هي فائدة المحن لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين؛ فأخبر سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه سيبتلي عباده بشيء من الخوف أي: من الأعداء، والجوع، والتنكير في قوله: بشيء للتقليل أي: بشيء يسير من الخوف، ومن الجوع؛ لأنه سبحانه وتعالى بالمؤمنين رءوف رحيم، لو ابتلاهم بالخوف كله أو الجوع كله لهلكوا، والمحن تمحص لا تهلك، ونقص من الأموال، وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية، وتمزق، وضياع، واستيلاء الظلمة، وقطاع الطريق، وغير ذلك.
ونقص من الأنفس أي: ذهاب الأحباب من الأولاد، والأقارب، والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يحبه، ونقص من الثمرات أي:
الحبوب، وثمار النخل، والأشجار كلها، والخضر ببرد يصيبها أو حر أو حرق آو آفة سماوية من جراد، ونحوه فهذه الأمور لا بد أن تقع؛ لأن العليم الخبير أخبر بها فوقعت كما أخبر، وإنما أخبر الله سبحانه وتعالى عباده بالبلاء قبل وقوعه لوجوه من الحكم:
أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت؛ فيكون ذلك أبعد لهم من الجزع، وأسهل عليهم بعد الورود؛ لأن المصيبة المنتظرة المتوقعة تكون أخف على النفس ألمًا وشدة، ووجعًا من المصيبة المفاجئة غير المتوقعة.
ثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحنة اشتد خوفهم فيصير ذلك الخوف تعجيلًا للابتلاء فيستحقون به مزيد الثواب.
ثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحن والجوع يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته، فيدعوهم ذلك إلى مزيد من التأمل في دلائله.
ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصرًّا على ذلك المذهب كان ذلك أدعى إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب.
رابعها: أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه، ثم وجد فكان ذلك معجزة.
خامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم طمعًا منه في المال، وسعة الرزق فإذا اختبره الله تعالى بنزول المحن؛ فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق؛ إلا أن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه، وترك دينه فكان في هذا الاختبار هذه الفائدة.
سادسها: أن إخلاص الناس حالة البلاء، ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه؛ فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك.
فتلك هي الحكم المستفادة من إخبار رب العالمين سبحانه وتعالى بوقوع البلاء بعباده قبل وقوعه؛ فإذا وقع البلاء انقسم الناس قسمين: جازعين، وصابرين فالجازع حصلت له المصيبتان فوات المحبوب، وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر ففاز بالخسارة، والحرمان، ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا، والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان، وأما من وفقه الله تعالى للصبر عند وجود هذه المصائب فحبس نفسه عن التسخط قولًا وفعلًا، واحتسب أجرها عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه؛ لأنها صارت طريقًا لحصول ما هو خير له، وأنفع منها فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب فلهذا قال الله تعالى:{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} .
والصبر لغة: مصدر صبر يصبر، وهو مأخوذ من مادة صَبَرَ التي تدل على معان منها: الحبس، ولذلك قال الراغب في تعريف الصبر: الصبر هو حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسه عنه، حبس النفس عن الجزع، والفزع، والشكاية، والتسخط، والاعتراض بحيث يسلم المبتلى أمره لله سبحانه وتعالى، ويصل بعد الصبر إلى الرضا بقضاء الله، ويعلم أن اختيار الله تبارك وتعالى له خير من اختيار نفسه كما قال عز وجل:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (البقرة: 216). وقال سبحانه: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا ويَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (النساء: 19)، ومن هذا الخير ما وعد الله تبارك وتعالى به الصابرين في قوله:{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}
أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب، ثم وصف الله تبارك وتعالى الصابرين بقوله:{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَة} ، وهي: كل ما يؤلم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره {قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ} أي: مملوكون له مدبرون تحت أمره وتصريفه؛ فليس لنا من أنفسنا، وأموالنا شيء فإذ ابتلانا بشيء منها فقد تصرف أرحم الراحمين بمماليكه، وأموالهم فلا اعتراض عليه، ومع أننا مملوكون له فإنا إليه راجعون يوم القيمة ليوفينا أجرنا، وثوابنا الذي وعدنا به على الصبر.
{أُوْلَئِكَ} الموصوفون بالصبر المذكور {عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ} ، وصلاة الله تبارك وتعالى على عبده معناها الثناء عليه في الملأ الأعلى، {وَرَحْمَةٌ} عظيمة يدخلهم الله فيها، {وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ} الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع علمهم بأنهم لله، وأنهم إليه راجعون، وعملوا به، وهو هنا صبرهم لله تبارك وتعالى.
وهكذا جمع الله تبارك وتعالى للصابرين ما لم يجمعه لغيرهم، فقال:{أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة: 157)، وهذا من فضائل الصبر، وفضائل الصبر كثيرة؛ منها: أن الله تبارك وتعالى أخبر أنه يحب الصابرين فقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ومَا ضَعُفُوا ومَا اسْتَكَانُوا واللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: 146)، وأخبر سبحانه وتعالى أنه مع الصابرين فقال عز وجل:{وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين} ، وهذه المعية معية خاصة لأولياء الله تبارك وتعالى الذين يحبهم، ويحبونه، ومقتضاها النصر، والتأيد، والسداد، والتوفيق، وهي خلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} (الحديد: 4)، فهذه المعية العامة من الله عز وجل لجميع خلقه معية الإحاطة، والقدرة، وهي تقتضي الخشية، والرهبة بينما الأولى تقتضي الرجاء، والرحمة، والأمن، والطمأنينة.
كما أخبر الله سبحانه وتعالى أن الإمامة في الدين إنما تنال بالصبر، واليقين، فقال عز وجل:{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة: 24)، وأخبر سبحانه أن التمكين في الأرض لا يتحقق إلا بالصبر؛ فقال على لسان يوسف عليه السلام، وقد كشف لإخوته عن هويته فقالوا متعجبين من حاله الذي انتهى إليها من الرفعة، والسيادة، والتمكين في الأرض:{قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: 90).
وأخبر ربنا سبحانه وتعالى أن الأخلاق العالية، والأعمال الصالحة لا تنال إلا بالصبر فقال سبحانه:{وَقَالَ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ ويْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وعَمِلَ صَالِحًا ولَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص: 80)، وقال سبحانه:{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ ولَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ * ومَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ومَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت: 34، 35).
وأخبر سبحانه وتعالى أن الصبر جُنة تقي العبد كيد العدو وضرره، فقال سبحانه:{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وإِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران: 120)، وأخبر سبحانه وتعالى أن النصر لا يكون إلا مع الصبر فقال سبحانه:{بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} (آل عمران: 125)، ولذلك أمر المؤمنين بالصبر، والثبات عند لقاء العداء فقال:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (الأنفال: 45، 46).
وصح في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((واعلم أن النصر مع الصبر))، وهكذا ظهر لنا أن خير الدنيا كله مرده إلى الصبر، وكذلك نعيم الآخرة لا يناله إلا الصابرون كما قال تعالى:{فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ ولَقَّاهُمْ نَضْرَةً وسُرُورًا * وجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وحَرِيرًا} (الإنسان: 11، 12). وقال سبحانه: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} (الفرقان: 75)، ولهذا كان الصبر خير ما يعطاه الإنسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:((وما أعطي أحد عطاءً خيرًا، وأوسع من الصبر)).
فهذا هو فضل الصبر على البلاء لكن هذا الأجر، والثواب إنما يكون على الصبر عند الصدمة الأولى كما قال صلى الله عليه وسلم لامرأة عند قبر، وهي تبكي، فقال:((اتقي الله، واصبري، قالت: إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم فأتت بابه لتعتذر إليه فلم تجد عنده بوابين فقالت: يا رسول الله، لم أعرفك فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى))، يعني: إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة، وحرارتها فإنه يدل على قوة القلب، وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك.
ولذلك قيل: يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث؛ يعني: إن الأحمق الذي إذا نزلت به المصيبة يلطم الخدود، ويشق الجيوب، وينثر الشعور، ويدعو بالويل والثبور، ثم لا يكاد يمضي عليه ثلاثة أيام إلا ويسكن، ويهدأ، ويبرد حر المصيبة في قلبه فيظهر، وكأنه صابر محتسب، ولكن هيهات هيهات فعلى العاقل أن يحبس نفسه عند الصدمة الأولى عن الجزع، والفزع، ومخالفة الشرع، وألا يقول إلا ما يرضي الرب: إنا لله وإنا إليه راجعون.
فيشترط لحصول المبتلى على أجر وثواب الصبر أن يصبر عند الصدمة الأولى متى قيل: حدث كذا مما يزعج الإنسان، ويفزعه، ويقلقه يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون كما يشترط لحصول الأجر، والثواب على الصبر أن يكون الصبر إيمانًا، واحتسابًا ابتغاء وجه الله عز وجل ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:{وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} (المدثر: 7) أي: اصبر، واجعل صبرك لله عز وجل، ومدح أولي الألباب بقوله:{وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وجْهِ رَبِّهِم} ، فهؤلاء الذين يضاعف لهم الأجر، والثواب على المصيبة. فإن قيل: وهل يصبر الإنسان لغير الله فالجواب: نعم، ومما أثر عن بعضهم قوله:
وتجلدي للشامتين أريهم
…
أني لريب الدهر لا أتضعضع
فهذا رجل يقول: أنه إذا نزلت به مصيبة تجلد، وصبر، وتصبر حتى لا يشمت به أعداؤه إذا رأوه فزعًا جزعًا من المصيبة فهو يصبر لا لله صبر، ولكن لم يكن صبره لله، ولكن صبره للشامتين حتى لا يشمتوا به فهذا لا أجر له، ولا ثواب أما الأجر، والثواب فلمن كان صبره ابتغاء وجه الله.
ولتيسير الصبر أسباب: الصبر شاق على النفس؛ لأن للصبر من اسمه نصيبا لكنه يسير على من يسره الله عليه، ولتيسير الصبر أسباب إذا قارنت حزمًا، وصادفت عزمًا هانت المصيبة، وسهل الصبر عليها بإذن الله تعالى من هذه الأسباب التي تيسر الصبر على المصيبة: العلم بالآيات، والأحاديث المتقدمة التي فيها مدح الصابرين، وبشارتهم، ووعدهم بالجزاء الحسن كلما قرأ الإنسان القرآن، وما فيه من فضل الصبر، وقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وما فيها من فضل الصبر تصبر بإذن الله، ومنها
أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، وحلاوة الدنيا هي بعينها مرارة الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خير من عكس ذلك.
ففي الحديث: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسًا قط هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)).
ومن الأسباب التي تعين على الصبر استشعار النفس بما تعلمه من نزول الفناء، وتقضي المسار، وأن لها آجالًا منصرفة، وأقدارًا منقضية إذ ليس للدنيا حال تدوم، ولا لمخلوق عليها بقاء كما قال تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} (آل عمران: 185)، ومنها أن يتصور انحلال الشدائد، وانكشاف الهموم، وأن الله قدرها بأوقات لا تنصرم قبلها، ولا تستديم بعدها؛ فلا تقصر تلك الأوقات بجزع، ولا تطول بصبر، وأن كل يوم يمر بها يذهب منها ببعضها حتى تنجلي كلها، وتنفرج، وتزول المكاره، والخطوب كما قال الله تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ولَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (يوسف: 110)، وقال تعالى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ والضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} (البقرة: 214).
ومنها أن يعلم أن البلاء عنوان محبة الله سبحانه وتعالى كما في الحديث: ((إنّ الله إذا أحب قومًا ابتلاهم)) بل عليه أن يعلم أنه كلما ارتفع الإنسان منزلة عند الله عز وجل وقدرًا
زاد الله له في البلاء، وفي الحديث: عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)).
فهذه الأسباب تعين المبتلى على الصبر، ثم عليه الدعاء بالصبر، فقد قال عليه الصلاة والسلام:((ومن يتصبر يصبره الله))، ومن يتصبر يعني يسأل الله تعالى الصبر، ولذلك مدح الله تبارك وتعالى السحرة سحرة فرعون بعد إيمانهم، وتهديد فرعون لهم بالعذاب مدحهم الله على تصبرهم، وسؤالهم الصبر بقوله:{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} (الأعراف: 126)، ومدح أتباع الأنبياء أنهم كانوا إذا لقوا أعداءهم سألوا الله تعالى الصبر:{رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (البقرة: 250){رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (آل عمران: 147).
فالصبر شيء عظيم جدًّا، وأهم الناس يلزمهم الصبر هم الدعاة إلى الله عز وجل يلزمهم أن يصبروا على تكاليف الدعوة، وأعباء الدعوة، ومشاق الدعوة، ويلزمهم أن يصبروا على المدعوين، وأذاهم، ويلزمهم أن يصبروا على كل ما يلقونه في سبيل تبليغ دعوة الله سبحانه وتعالى ولذلك أكثر الله سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم من الصبر في القرآن الكريم:{فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ} (القلم: 48){فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الأحقاف: 35){وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} (المدثر: 7) فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على القيام بما حملنا من واجب الدعوة إليه على بصيرة، وأن يرزقنا الصبر حتى نبلغ دعوة ربنا إيمانًا، واحتسابًا، ولعل الله سبحانه وتعالى أن يقر أعيننا برؤية ثمار دعوتنا؛ فإن لم نرها فستتحقق، ولو بعد وفاتنا كما قال الله لنبينا:{فَاصْبِرْ إِنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أونَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (غافر: 77).