الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الخامس
(تحديد المعنيين بخطاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأسباب المعصية، وشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)
1 -
تَحديد المَعْنِيِّين بخِطاب الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر، وبيان أسباب المعاصي
تَحديد المَعْنِيِّين بخِطاب الأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر. أـ تحديد الظالمين لأنفسهم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
لقد خَلق الله البشَر مُختلِفين في العُقول، متعاوِنين في الإيمان، متمايِزين في السلوك. وقد قسّم سبحانه وتعالى في أوّل سورة (البقرة) الناس إلى ثلاثة أقسام: مُؤمن، وكافر، ومُنافق. وتَوجّهت الدّعوة لكلّ منهم بخِطاب معيّن وأسلوب في الإقناع مُميّز. ثم تَنوَّع المؤمنون إلى ثلاثة أنواع جاءت في قول الله تعالى:{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} (فاطر:32).
يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول الله تعالى: ثم جَعلنا القائمين بالكتاب العَظيم، المُصدِّق لما بين يَديْه من الكُتب، الذين اصطفينا من عِبادنا، وهم هذه الأمّة. ثم قسّمناها إلى ثلاثة أنواع، فقال: {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ} وهو: المُفرّط في فِعل بعض الواجبات، المُرتَكب لبعض المُحرّمات. {وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ} وهو: المُؤدّي للواجبات، التَّارك للمُحرّمات. ومنهم {سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} وهو: الفاعل للواجبات والمُستحبَّات، التّارِك للمُحرّمات والمَكروهات وبعض المُباحات".
فعَن أبي الدرداء -رضي الله تعالى عنه- قال: سَمِعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا
…
} الآية. فأما الذين سَبقوا فأولئك الذين يَدخلون الجنة بغَير حِساب. وأما الذين اقتَصدوا فأولئك الذين يُحاسَبون حِساباً يَسيراً. وأمّا الذين ظَلموا أنفسهم، فأولئك الذين يُحبسون في طول المَحشر، ثم تلافاهم الله برحمته. فهم الذي يقولون: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ
فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} (فاطر:34، 35)))، مسند الإمام أحمد.
ويَتنوّع الخِطاب الدَّعويّ لكلّ جماعة من هذه الجماعات الثلاث، بأسلوب مُميّز ونَسق خاصّ من الإقناع.
فالأمر بالمَعْروف والنّهي عن المُنْكر يتوجّه في الجانب الرئيسي إلى بعض المؤمنين الذين ظَلموا أنفسهم بارتكابِهم المَعاصي، وتَفريطِهم في أداء العِبادات، وتَقصيرهم عن القِيام بالطاعات، وتهاونهم في أمر الإسلام. وهؤلاء يُمثّلون غَالبية المُسلمين، ولا سيما في هذا العَصر، الذي يَخنق أقطار العالَم الإسلامي ويَكتُم أنفاسه، ويكاد أن يُزهق روحه بسبب العدوان الشَّرس، والتآمر المُستمر على ثَوابت الأمّة الإسلامية وهويّتها.
وهذا الجانب الأكبر من المُسلمين هم الذين يَنبغي أن يَهتمّ بهم الدُّعاة إلى الله، لأنهم مَرضى المَعاصي، ويَحتاجون لحِكمة في القول، ولِين في المَوعظة، لإيقاظ ينابيع الخَير في القُلوب، واستمالة العُقول. ويَنبغي أن يَسبق مواجهتَهم بالأمر بالمَعْروف والنَّهي عن المُنْكر دِراسةُ القضايا التالية:
أ- تَحديد الظالمين لأنفسهم، وهم: العُصاة المُفرِّطون، والمُسيئون لأنفسهم بارتكاب المَعاصي والذنوب، والفُسّاق من المسلمين. فالعُصاة مهما فرّطوا في جَنب الله، ما يَزالون مُسلمين طالما لمْ تَصل مَعصيتُهم إلى كَبيرة الشِّرك والكُفر بالله، ولم يَرتكبوا كفراً بواحاً. وهؤلاء يَختلف خِطابُهم عن غَيرهم من المؤمنين. قال تعالى:{وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ} (غافر:58).