الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولقد جاء في القرآن الكريم ووَرَد في السُّنّة الشريفة بعض ما تفضل الله به على أنبيائه ورسُله من فضائل، وما اختصّ كلاً منهم بالمعجزات. فهم عند الله متفاوتون، أمّا عند البشَر فهم متساوون؛ فيَحرُم التّفرقة بينهم أو التطاول على أحد منهم، كما يفعل غير المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
…
} (البقرة:285).
قال ابن كثير: "فالمؤمنون يؤمنون بأنّ الله واحدٌ فردٌ صمد، لا إله غيره ولا ربّ سواه، ويصدِّقون بجميع الأنبياء والرُّسُل، وبالكتب المُنزَلة من السماء عليهم، لا يفرِّقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل الجميع عندهم صادقون بارّون راشدون مهديُّون هادون إلى سبل الخير، وإن كان بعضهم نسخ شريعة البعض بإذن الله، حتى نسخ بشرع محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته. ولا تزال طائفة من أمّته على الحق ظاهرين".
2 -
الدّعوة إلى الله من أشرف الأعمال وأعظمها
تعدّد أسماء الدّعوة إلى الله ممّا يَدلّ على شَرفها
لقد تَعدّدت أسماء الدّعوة إلى الله في القرآن الكريم، وتنوّعت أغراضها ونتائجها، ممّا يُنبئ عن رِفعة قَدْرها، وعلوِّ منزلة مَن يَعمل في مَيدانها، وذلك على النحو التالي:
أولاً: هي دعوة إلى الإيمان بالله، قال تعالى:{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (الحديد:8).
ثانيا: هي دعوة إلى سبيل الله وإلى الطريق المستقيم، قال تعالى:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125).
وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المؤمنون:73).
ثالثاً: دعوة إلى الحياة المستقيمة الآمنة بين ظلال الإسلام، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} (الأنفال:24).
رابعاً: هي دعوة إلى الخير والمعروف والفلاح، قال تعالى:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران:104).
فالخَير: هو جِماع الفَضائل والمَكارم، واسم شامل لصِفات الكَمال المُشتَملة على محاسِن الخِلال وفضائل الأعمال.
والمعروف: اسم جامع لكلّ ما عُرف من طاعة الله والتَّقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكلّ ما نَدب إليه الشّرع أو نهى عنه، من المُحسِّنات والمُقبَّحات.
والفَلاح هو: الفَوز والنَّجاة في الآخِرة.
خامساً: هي دعوة الحقّ وإلى الحقّ، قال تعالى:{لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَاّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَاّ فِي ضَل الٍ} (الرعد:14).
ففي هذه الآية الكريمة بيان وتَوضيح على أنّ دعوة الله هي الحق.
والحق: هو الأمر الثابت الواضِح الجَليّ، الذي لا تعتريه شُبهةٌ ولا يَلحق به زورٌ أو بهتان.
وقد ذَكرت الآية أنّ الدعوات البعيدة عن وحي السماء ورسالات الأنبياء، هي دعوات خاسرة باطلة، لا تُفيد الإنسان، ولا تُحقّق ما يصبو إليه من آمال، وأنها سراب خادع.
وقد شبَّه القرآن الكريم مَن يَتعلّق بها بمَن يَملأ كَفّيْه من الماء ليَبلغ فاه لِيروي ظمأه وعَطشه، ولكنه لا يَبلغه ولا يَستطيع أن يَتناوله؛ وهذا يصْدُق على الدعوات المعاصرة التي تُروِّج وتُزيِّن للعَلمانية والإلحاد، وتَدعو إلى المنكرات، ولم تَحصد الإنسانية منها إلاّ التّعاسة والشذقاء.
سادساً: هي دعوةٌ للعباد إلى الجَنة والمَغفرة، قال تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} (البقرة:221)، وقال تعالى:{وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (يونس:25).
سابعاً: هي دعوةٌ للنجاة من النار، قال تعالى:{وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} (غافر:41، 42).
هذه هي مكارم الدعوة إلى الله وفضائل ما تدعو إليه.
أمّا عن منزلة ومكانة الدّعوة إلى الله، فهي مكانة ومنزلة تَشرئبّ إليها الأعناق، وتشخص لها الأبصار. وقد أسبغ القرآن الكريم على الدّعاة إلى الله من الأنبياء المرسلين ومن سار على نهجهم وبلّغ رسالتهم، صفات الجلال والكمال، وأعلى قَدْرَهم ورفَع مكانتهم، وأطلق عليهم من الأسماء والصفات ما يدلّ على ما حباهم الله به من فضلٍ وما أسبغ عليهم من نِعم، ومِن ذلك:
أولاً: تعدّد أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته، ممّا يُنبئ عن رِفعة قَدْره وشَرف ما يَدعو إليه، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً} (الأحزاب:45، 46).
ثانياً: وصف القرآن الكريم الرُّسُل بأنهم دعاة إلى الله، فلا سلطان لبشَر عليهم؛ فهم يَستمدّون قُوّتهم من وحي الله المنزّل عليهم، وبالمعجزات المؤيِّدة لهم، قال تعالى:{يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الأحقاف:31، 32).
والدّعاة إلى الله يَستمدّون دَعْوَتهم من القرآن والسُّنّة، ويَعيشون بين رياض العِلْم وقُطوف المَعرفة؛ وهذا ممّا يُعلي شَأنهم ويَرفع قَدْرهم، قال تعالى:{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة:11)، وقال تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر:28).
فقد قَصر الحَّقُّ سبحانه وتعالى خَشيتَه وحصَرها في العلماء، لأنه كلّما ازدادت معرفة الإنسان ازدادت خَشيته لله وخوفُه منه، وكلما ارتبط الداعي بالقرآن زادت
مكانتُه عند الله.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((يُقال لصاحب القرآن: "اقرأْ وارْتَقِ، ورتِّلْ كما كُنت تُرتِّل في الدنيا؛ فإنّ مَنزلتَك عند آخِر آية تَقرؤها"))، رواه أبو داود والترمذي.
والدّاعي لا يكون إلاّ عالِماً فقيهاً بأحوال الناس، عليماً بما يَدعوهم إليه، خَبيراً بما يَنهاهم عنه، وبقَدْر تفانيه وإخلاصه تكون مَنزلتُه وثوابه عند الله.
فعن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نضّر الله امرءاً سَمِع منّي شَيئاً فبلَّغه كما سَمِعه؛ فرُبَّ مبلَّغ أوعَى من سامِع))، رواه الترمذي وقال:"حديث حسن صحيح".
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((مَن دعا إلى هدىً كان له من الأجر مثل أجور مَن تَبِعه، لا يَنقُص ذلك من أجورِهم شَيئاً. ومَن دعا إلى ضَلالة كان عَليه من الإثم مثلُ آثام مَن تَبِعه، لا يَنقص ذلك من آثامِهم شيئاً))، رواه مسلم.
وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم: أنّ مِن أفضل الجِهاد ما يقوم به الدّعاة من قول الحق، ولا سيما حينما يَصْدعون به لدى سلطان جائرٍ وحاكِم مُستبدّ.
فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:((أفضلُ الجِهاد: كلمةُ عدلٍ عند سلطان جائر))، رواه أبو داود، والترمذي وقال:"حديث حسن".
وهكذا تَتوافر الأدلّة من القرآن والسُّنّة على مكانة الدعاة، وأنَّ الدعوة إلى الله هي أحسن عَمل وأشرف وَظيفة. وليس مِن عمل أرفع قدراً وأعلى مكانة من عَملٍ مستمدٍ من وحي السماء ورسالات الأنبياء. وليس من ثَواب عند الله أفضل من ثَواب مَن يدعو إلى الله،