الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس العاشر
(الآثار السيئة الناتجة عن تقاعس المسلمين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحقيقة الدعوة الإسلامية)
1 -
الآثار السيئة التي أدى إليها التخاذل عن تبليغ الإسلام ونشره
الآثار السيئة التي أدّى إليها التخاذل عن تبليغ الإسلام ونشْره
إن التهاون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخاذل عن تبليغ الإسلام ونشْره، قد أدّى إلى آثار سيِّئة وعواقب وخيمة، على المسلمين وعلى العالَم بأسره.
ومن هذه العواقب ما يلي:
أولاً: حينما خفَتَ صوت الحق وأقلع المسلمون عن التناصح فيما بينهم، وآثر كلّ منهم الصمت وغضّ الطرف عمّا حوله من عوامل الفساد ومعالم الانحراف، وانزوى الإنسان داخل نفسه وانشغل بأموره عن أمور المسلمين وأحوالهم، استشرى الفساد، وعظُم الظّلم، وكثرت الفتن؛ قال تعالى:{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم:41).
ولقد بيّن القرآن الكريم: أنّ من أسباب استحقاق بني إسرائيل اللّعن والطّرد من رحمة الله، وإنزال العقاب بهم: أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّ أوّل ما دخَل النّقصُ على بني إسرائيل: أنه كان الرجل يَلْقى الرجل فيقول: يا هذا، اتّقِ الله، ودَعْ ما تصنع؛ فإنه لا يحلّ لك! ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيلَه وشريبَه وقعيدَه. فلما فعَلوا ذلك، ضرَب الله قلوبَ بعضهم ببعض، ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} (المائدة:78، 79).
ثم قال: كلاّ والله! لتأمرُنّ بالمعروف، ولَتَنهوُنّ عن المنكر، ولتأخذُنّ على يد الظالم، ولتأطرُنّه على الحق أطراً، ولتقصُرُنّه على الحق قصراً، أو ليضربَنّ اللهُ بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلْعَنكم كما لعَنَهم))، رواه أبو داود، والترمذي وقال:"حديث حسن".
ثانيًا: إن التخاذل عن إبداء النصح، والتهاون في التّصدي لفواحش القول والعمل، جعل ساحة الدّعوة شاغرة، وقلوب العباد فارغة، ممّا جعل الشيطان وحزبَه يعيثون في الأرض فساداً، ويتلاعبون بالعقول والقلوب إضلالاً وانحرافاً. وتعدّدت ميادين أنشطة الشياطين في المجالات التالية:
أولاً: إفساد عقيدة التوحيد، وقد اتّخذ في سبيل ذلك صُوراً عِدّة، منها:
1 -
الدعوة إلى إنكار وجود الخالِق سبحانه وتعالى.
2 -
الدعوة إلى عبادة مظاهر الطبيعة.
3 -
ادّعاء الألوهيّة، والتّكبّر والاستعلاء في الأرض.
4 -
اتّخاذ أنداد وشركاء من دون الله، يتوجّه الناس إليهم بالدعاء والاستغاثة.
ثانيًا: الإفساد بين بني الإنسان:
فكلّما تذكّر الشيطان أنه طُرد من الجنة وأُبعِد من رحمة الله بسبب خلْق آدم عليه السلام وتكريم بني جنْسه واستخلافهم في الأرض، اشتعل وميض الحقد في قلبه، وتوهّجت نار العداوة في صدره، فيقدح زناد فكره الخبيث ومكره اللئيم، وصبّ جام غضبه على الإنسان، فأوغر الصدور، وفرّق القلوب، ومزّق الروابط. فأصبحت الكرة الأرضية ميداناً فسيحاً للصراعات، وساحةً تشتعل فيها الحروب
والفتن. وصمَتَ صوتُ العقل والحِكمة، وعلا زئير جند الباطل وحزبه؛ وما ذلك إلاّ بسبب تخلِّي المسلمين عن واجب الدّعوة إلى الله لإصلاح ذات بينهم وهداية غيرهم إلى الطريق المستقيم. قال تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:257).
ثالثًا: الإفساد المادي:
لقد جُبل الإنسان على حبّ المال وجمْعه قال تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمّاً * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً} (الفجر:19، 20).
ومن خلال حبّ الإنسان للمال، فإن الشيطان يُزيِّن لابن آدم جمْعه بكافة الطُرق غير المشروعة، كالربا، والسرقة، والغصب، وأكل مال اليتيم، والاحتكار، والاستغلال، إلى غير ذلك من الوسائل المحرّمة. ولقد أصبح ميدان المال ميداناً فسيحاً للشيطان يعيث فيه فساداً. ولم يكن العالَم الإسلامي بمنأى عن هذا الفساد، فقد أصابته العدوى، وحلّ بدياره الأنظمة المالية والرّبوية ممّا هدد استقلالها. قال تعالى:{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة:268).
رابعًا: الإفساد عن طريق المرأة:
لقد كان من آثار عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن استطاع الشيطان وحزبه من شياطين الإنس، الاستحواذ على قلْب المرأة وعقلها، فانحرفوا بأنوثتها، وأفسدوا فطْرتها وما جُبلت عليه من حياء؛ فزيّنوا لها التبرج والسفور،
والخروج عن آداب الإسلام، ولا سيما في هذا العصر الذي خرجت فيه المرأة إلى الحياة العامة تَعرض أنوثتها بطريقة فجّة ومُثيرة، يساعد على ذلك أجهزة الإعلام، وبخاصة القنوات الفضائية التي ينفث الشيطان في روعها إغواء المرأة وإخراجها من مملكتها، وهو منزلها وعالَم أسرتها. فأفقدوها حنان الأمومة، وحرموها من وجوب احترام الزوج لها؛ فاضطرب أمر الأسرة، وانفرط عِقدها. ودفعت الأرحام بأجيال فقدوا حنان الأم ورعاية الأب، فلم يحرزوا هدفاً ولم يحققوا نصراً، ولم يصونوا ديناً أو يَحموا عرضاً. وقد استغلّت بعض أجهزة الإعلام المرئيّة أنوثة المرأة أسوأ استغلال، فجعلوا منها ممثّلة متبرّجة تعرض جسدها باسم الفن والدعاية والإعلان.
هذا، ولقد اشتدّت الهجمة الشرسة على المرأة المسلمة في هذه الأيام، للقضاء على ما بقي من الإسلام في عقلها وقلبها؛ فالأسلحة كلّها مصوّبة نحو المرأة المسلمة، تتدرّع بكل وسائل الشيطان وحزبه من تقنيات حديثة تدعو إلى الانحراف وتزيِّن له. وقد خفَتَ صوت الدعاة إلى الفضيلة، بل كاد يختفي وسط صخَب وضجيج وسائل الإعلام الحديثة، إلاّ من بعض الأصوات الصادقة التي تنبعث من هنا أو من هناك، تذكّر بالإسلام وتدعو إلى الفضيلة، وتحذِّر من شياطين الإنس والجن. قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (النور:21).
هذه بعض الآثار السيئة التي نجمت عن خفوت صوت الدّعاة إلى الله، وضعف أداء البعض منهم، والارتجال في ميادين العمل الدّعوي، وعدم التخطيط السليم