الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ممّا سبق، يتضح لنا تنوّع أصناف مَن تتوجّه إليهم النصيحة، وعلى القائمين على شأن الدّعوة أن يقدّروا لكلّ جماعة من العصاة ما يناسبها وما تُطيقه من الأمر والنهي والترغيب والترهيب، وأن تكون لديهم النظرة الثاقبة لِردّ الفعل الذي يحدث في نفوس مَن يُلقَى إليهم بالأمر أو النهي؛ وهذه هي الدّعوة إلى الله بالبصيرة المستنيرة، والحكمة والموعظة الحسنة.
المأمورات والمنهيّات التي يجب أن يتناولها الآمِر بالمعروف والنّاهي عن المنكَر
التمهيد للمحاضرة:
إنّ الشريعة تقوم على أصل عظيم وقاعدة هامّة، وهي: جلْب المصالح ودَرْء المفاسد.
ومصالح العباد تتعلّق بأمور ضروريّة أو حاجيّة أو تحسينيّة.
فالأولى: وهي التي لا قيام لحياة الناس بدونها، وإذا فاتت حلّ الفسادُ، وعمّت الفوضى، واختلّ نظام الحياة. وهذه الضروريات هي:
حفظ الدِّين، والنّفْس، والعقل، والعِرض، والمال. وبعضهم يجعل مع العِرض: النّسل.
الثانية: الحاجيات، وهي التي يحتاج إليها الناس ليعيشوا بيُسر وسَعة، وإذا فاتتهم لم يخِلّ نظام الحياة، ولكن يصيب الناسَ ضيقٌ وحرَج.
الثالثة: التحسينات، وهي ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الحارس الأمين والعين الساهرة، لحفظ الشريعة وصون أحكامها، وهو الأداة التنفيذية التي تقوم على تطبيق ما أمر الله به أو ما نهى عنه. وأوامر الشرع الحكيم ونواهيه تختلف وتتفاوت على النحو التالي:
أ- الوجوب: ومعنى هذا: أن الفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم يلزم المكلَّف القيام به على وجه الإلزام، ويُسمّى هذا الفعل بـ"الواجب". فالواجب هو: ما طلَب الشارعُ من المكلَّف فعْلَه على وجه الحتْم والإلزام، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والوفاء بالعقود
…
ب- الحُرمة: ومعنى هذا الحُكم: أن الفعل الذي تعلّق به يُلزم المكلَّف تركَه على وجه الحتم والإلزام، ويسمَّى هذا الفعل المطلوب ترْكه إلزاماً بـ"المُحرَّم". فالمُحرَّم إذاً هو: ما طلَب الشارع ترْكَه على وجه الإلزام، كالزِّنى والسرقة
…
ج- النّدب: أي: طلَب الشارع القيام بالفعل على وجه التفضيل والترجيح لا الإلزام، ويُسمَّى الفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم بـ"المندوب". فالمندوب: ما طلَب الشارعُ فعْلَه على وجه التفضيل لا الإلزام، مثل: كتابة الدّيْن حفظاً لحقوق الدائن.
د- الكراهة: طلَب الشارع ترْك الفعل على وجه الترجيح لا الإلزام، ويسمَّى الفعْل الذي تعلّق به هذا الحُكم بـ"المكروه". فالمكروه: ما طلَب الشارعُ ترْكه على وجه الترجيح لا الإلزام، مثل: إيقاع الطلاق بلا مبررٍ كافٍ.
هـ- الإباحة: ويعني هذا الحُكم: تخيير المكلَّف بين القيام بالفعل الذي تعلّق به هذا الحُكم وترْكه. والفعل المخيَّر بين ترْكه والقيام به يسمَّى بـ"المباح"، مثل: الأكل، والشرب، والقيام، والقعود، ومباشرة سائر التّصرّفات الشرعيّة.
والصّحّة: حُكم شرعيّ يتعلّق بالأفعال التي يقوم بها المكلّف على الوجه الذي قرّرتْه الشريعة الإسلامية، ويسمَّى الفعل في هذه الحالة:"الصحيح".
والصحيح تترتّب عليه آثاره الشرعية، سواء أكان من العبادات، أو العقود، والتّصرّفات.
ز- البطلان: حُكم شرعيّ يلحق أفعال المكلَّفين إذا جاؤوا بها على غير الوجه المشروع، ويسمَّى الفعل في هذا الحالة:"باطل". والباطل لا تترتّب عليه الآثار التي تترتّب على الصحيح.
هذه الأحكام باختلاف نوعية الأمر فيها أو النهي عنها، ينبغي أن توضع أمام أعيُن الدّعاة ليقدروا لكلّ حُكم قدْره في الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛ وهذا ما سوف نتناوله من خلال العناصر التالية: ما يجب على الإنسان أن يفعله ويحرم عليه ترْكه.
وهذه الواجبات هي أركان الإسلام، وقواعد الدِّين، وصلب العقيدة، وجوهر الشريعة، ولا قيام للملّة إلا من خلالها، ولا نجاة للعبد يوم القيامة إلاّ بالإيمان بها، والمحافظة عليها، وأدائها بالكيفية التي أمر الله سبحانه وتعالى بها وفرَضها على عباده، وبيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم ووضّحها لأمّته على الوجه الأمثل والأفضل. هذه الواجبات التي فرَضها الله تبارك وتعالى يُطلَق عليها:"ما عُلِم من الدِّين بالضّرورة". وهذه الواجبات والفرائض تكون على النحو التالي:
أولاً: ما يتعلّق بالعقيدة:
"العقيدة" في اللغة: العقد نقيض الحَلّ، يقال: عقَد الحَبْل والبيع، يعقده: شدّه ووثّقه.
والعقْد: الضّمان والعهد، ويُستعمل في أنواع من البيوعات والعقود وغيرها. ثم استُعمل في: التصميم والاعتقاد الجازم. وتعاقدوا: تعاهدوا. والعقيد والمعاقِد: المُعاهِد.
فـ"العقيدة" هي: كلّ ما يعتقده الإنسان اعتقاداً جازماً، ويقيناً صادقاً موثقاً، لا ريب فيه، يطمئن له القلب، وينشرح له الصدر، ويؤمن به العقل، سواء كان هذا المعتقَد إيماناً أو كفراً، خيراً أو شراً.
فالبشَر أنواع شتّى تختلف عقائدُهم وتتباين أفكارهم ومذاهبهم، وكلّ منهم يؤمن بما يعتقده، سواء كان صواباً أو خطأً.
والمؤمنون بالله حقّ الإيمان يعتقدون عن علمٍ ويقينٍ اعتقاداً جازماً، بأن الله ربّ كلّ شيء ومليكه، وخالقه والقائم على حفظه، والمتصرّف فيه، وأنه سبحانه وتعالى الذي يستحقّ وحْده أن يُفرَد بالعبادة، من صلاة وصوم ودعاء، ورجاء وخوف، وذل وخضوع، وأنه سبحانه مُتّصف بصفات الجلال والكمال، ومُنزّه عن كلّ ما لا يليق بذاته. وتوحيد الله تبارك وتعالى وطاعته، والتزام أوامره واجتناب نواهيه، هو جوهر دعوات الأنبياء والمرسلين، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} (النحل:36).
وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء:25).
والإيمان بالله يتضمّن:
"توحيده في ثلاثة: في ربوبيّته، وفي ألوهيّته، وفي أسمائه وصفاته. ومعنى توحيده في هذه الأمور: اعتقاد تفرّده سبحانه بالرّبوبية، والألوهية، وصفات الكمال وأسماء الجلال؛ فلا يكون العبد مؤمناً بالله حتى يعتقد أنّ الله ربّ كلّ شيء ولا ربّ غيره، وإله كلّ شيء ولا إله غيره، وأنه الكامل في صفاته وأسمائه ولا كامل غيره".
ولقد جاء القرآن الكريم متضمِّناً أركان الإيمان وأسُس العقيدة في مواضع كثيرة في الذِّكر الحكيم، ومن ذلك قوله تعالى:{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة:285).
فقد اشتملت هذه الآية على أركان الإيمان، وهي: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالكتب السماوية، الإيمان بالرّسُل، الإيمان بالبعث. وتضمّنت الآية: الإيمان بوجوب السّمع والطاعة، وطلب المغفرة. كما أنه من أركان الإيمان: عدم التفرقة بين الأنبياء والمرسلين.
وجاءت بالإيمان أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ووضّحتْه غاية الإيضاح؛ ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيْه إلى ركبتيْه، ووضع يديْه على فخِذيْه، وقال: يا محمد. أخبرْني عن الإسلام. فقال صلى الله عليه وسلم: ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً)). قال: صدقتَ. فعجبْنا منه، يسأله ويصدِّقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال صلى الله عليه وسلم: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتُبه، ورسُله، واليوم الآخِر. وأن تؤمن بالقضاء والقدَر، خيْرِه وشرّه)). فقال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: ((أن تعبُدَ الله كأنك تراه. فإن لم تكن تراه فإنه يراك))
…
إلخ الحديث، رواه مسلم.
فهذا حديث شامل لأسُس العقيدة الإسلامية، جامع لأركان الإسلام والإيمان بشِقَّيْه: العقيدة، والشريعة. فلا تصحّ عقيدة المؤمن، ولا يكتمل إيمانه، إلاّ بالإيمان بالإسلام عقيدة وشريعة، قولاً وعملاً. ولقد جمَع القرآن الكريم بين جوانب العقيدة والشريعة، والسلوك والمعاملات، في الوصايا العشْر التي جاءت في سورة (الأنعام)، قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (الأنعام:151 - 153).
فهذه الآيات تضمّنت الإسلام بكلّ عقائده وتشريعاته. يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "من أراد أن ينظر إلى وصيّة محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتَمه -أي: كأنها كُتبتْ وخُتم عليها، فلم تُغيّرْ ولم تُبدّلْ- فلْيقرأْ قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
…
} الآية"، رواه الترمذي وحسّنه، وابن المنذر، والطبراني.
وقد روى عُبادة بن الصامت -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيّكم يبايعُني على هؤلاء الآيات الثلاث؟ ثم تلا: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} حتى فرغ من الثلاث آيات. -ثم قال:- مَن وفّى بهن فأجْره على الله. ومَن انتقص منهن شيئاً فأدركه الله به في الدنيا كانت عقوبته. ومَنْ أخّره إلى الآخرة كان أمْره إلى الله، إن شاء أخَذه، وإن شاء عفا عنه))، رواه ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه.
فالأمر بالمعروف يتّجه لتعريف وتوضيح كلّ ما فرَضه الله سبحانه وتعالى وسَنّهُ الرسول صلى الله عليه وسلم من أنواع العبادات، وصنوف الطاعات، ومختلف القربات، ممّا جاء في القرآن والسُّنّة، وأجمعت عليه الأمّة، وأصبح معلوماً من الدِّين بالضرورة، لا يتغيّر ولا يتخلّف باختلاف الزمان والمكان.