الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبينَه وبينَ الجزية اتفاقٌ وافتراقٌ في وجوه.
ويطلق الخراج أحياناً، ويراد به معنىً عامٌّ بحيث يعني الأموال العامة أو إيراد الدولة، وهو المقصود من إطلاقه على كتابَيْ أبي يوسف (1) ويحيى بن آدم (2) .
و
الخراج بمعنى ضريبة الأرض نوعان:
الأول: خراج الوظيفة؛ وهو المحدد بمقدار معين يدفع في كل سنة، وهو يتعلق بالتمكن من الانتفاع من الأرض، سواء انتفع أو لم ينتفع، وهذا ما أريد به في الحديث (دينار) و (درهم) ، فيكون الواجب شيئاً في الذمة.
والثاني: خراج المقاسمة؛ وذلك إذا كان الواجب حسب الاتفاق بعض الخارج؛ كالربع والخمس، مما يُعَينه الإمام على قدر تحمل الأرض، وهذا أشبه ما يكون بفرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، وهذا ما أريد به في الحديث (القفيز) و (المدي) و (الإردب) .
أما النوع الأول: فثبوته وتقديره اجتهادي في أيام عمر بن الخطاب
…
رضي الله عنه، والاختلاف في تقديره إنما هو راجع لاختلاف الروايات عن عمر رضي الله عنه، قال ابن هبيرة:«واختلافُ الروايات عن أمير المؤمنين عمر في ذلك كلِّه صحيحٌ، وإنما اختلفت لاختلاف النواحي، والله -تعالى- أعلم» (3) .
(1) حصّلت -ولله الحمد- ما يقارب خمسة عشر نسخة خطية، بعضها قديم ونفيس، تمهيداً للعمل به، يسر الله ذلك بمنّه وكرمه.
(2)
انظر: «تحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال» (139، 156) ، و «الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية» (ص 8-11) للريس، و «ملكية الأرض في الشريعة الإسلامية» (ص 308) لمحمد بن علي السميح، و «النظام الاقتصادي في الإسلام» (238-239) ، و «الموارد المالية في الإسلام» (ص 172-205) .
(3)
«الإفصاح» (2/437) . وانظر: «الرتاج» (571) ، والفائدة الثانية عشرة.
خامساً: دلَّ الحديث على أن الأرض المفتوحة تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون، يكون فيه القفيز والدرهم (1) ، وهذه مسألة مهمة، وأكثر ما تظهر ثمرتها في هذه الصورة:
سادساً: ما حازه أهل الحرب من أموال المسلمين على وجه الإغارة، فإذا أسلم مَنْ هو في يده، كان ملكاً له، ولم يكن لمالكه الأول من المسلمين اعتراض عليه فيه، وهذا مذهب المالكية (2) والحنفية (3) .
وقال الشافعية (4) والحنابلة (5) : هو باقٍ على مِلك المسلم، وله أخذه منه بغير عوض.
واستدل المالكية والحنفية بهذا الحديث، وقالوا -أيضاً- في المسألة: لأنّ للكفار شبهةَ مِلكٍ على ما حازوه من أموال المسلمين، يدل عليه قوله
…
-تعالى-: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ} [الحشر: 8] ،
(1)«مختصر اختلاف العلماء» (3/495) ، «أحكام القرآن» (5/320) للجصاص.
(2)
انظر: «المدونة» (1/378-379) ، «التفريع» (1/358) ، «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (4/421 رقم 1741 - بتحقيقي) ، «الرسالة» (190) ، «المعونة» (1/608) ، «أسهل المدارك» (2/14) ، «قوانين الأحكام» (171) ، «بداية المجتهد» (1/398) ، «الذخيرة» (3/441) ، «عقد الجواهر الثمينة» (1/474) .
(3)
انظر: «السير الكبير» (4/1297) ، «القدوري» (114) ، «تحفة الفقهاء» (3/523) ، «بدائع الصنائع» (9/4356) ، «البناية» (5/753) ، «فتح القدير» (6/3) ، «الاختيار» (4/133) ، «تبيين الحقائق» (3/260) ، «البحر الرائق» (5/102) ، «رؤوس المسائل» (360) .
(4)
انظر: «مختصر المزني» (273) ، «المهذب» (2/243) ، «المجموع» (21/218) ، «حلية العلماء» (7/661) ، «روضة الطالبين» (10/293، 294، 335) ، «مختصر الخلافيات» (5/51 رقم 317) .
(5)
انظر: «مسائل أحمد» (243) لأبي داود، «المغني» (13/117، 121) ، «الإنصاف» (4/159) ، «تنقيح التحقيق» (3/342) ، «منتهى الإرادات» (1/638-640) ، «تقرير القواعد» (3/412، 414 - بتحقيقي) ، «ذيل طبقات الحنابلة» (1/120) .
فسماهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم ديارهم وأموالهم، ولأنه لا خلاف أنهم لو استهلكوه ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه للزمه غرمه، فدل ذلك على ثبوت شبهة المِلْك المشترك (1) .
قلت: ورجح المحققون من العلماء مذهب الشافعية والحنابلة، ويدل عليه ما أخرج مسلم في «صحيحه» (رقم 1641)، وأحمد في «مسنده» (4/430) -والمذكور لفظه- وغيرهما:«عن عمران بن حصين، قال: كانت العضباء لرجل من بني عقيل، وكانت من سوابق الحاج، فأُسِر الرجل وأخذت العضباء، فحبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم لرحله، ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة، وكانت العضباء فيه، وأسروا امرأة من المسلمين، فكانوا إذا نزلوا أراحوا إبلهم بأفنيتهم، فقامت المرأة ذات ليلة بعدما ناموا، فجعلت كلما أتت على بعير رغا، حتى أتت على العضباء، فأتت على ناقة ذلول فركبتها، ثم وجهتها قبل المدينة، ونذرت إنْ نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عُرِفَتِ الناقة، وقيل: ناقةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بنذرها، أو أتته فأخبرته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس ما جَزَتْها إنِ اللهُ أنجاها عليها لتنحرنها» . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم» .
فلو ملكها المشركون ما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطل نذرها، وقد بحث هذه المسألة أستاذنا فتحي الدريني وردها على أصولها وبيّنَها أحسن بيان، قال -حفظه الله (2) -: «ولخطورة هذه المسألة، وأهميتها البالغة في كل من العلاقات الدولية، والقانون الدولي العام، لا بد أن نقرر ما هو الحقّ فيها، مؤيداً بالأدلة، وبروح التشريع الإسلامي.
(1)«الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (4/422 - بتحقيقي) .
(2)
في كتابه «المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي» (1/289-291) .
إن منطق القوة لم يعهد في الشرع مزيلاً ليدٍ محقَّةٍ، ومقرِّراً ليدٍ مبطلَةٍ؛ لأنه محض بغي وعدوان، وذلك بالبداهة لا يصلح سنداً للملكية؛ لكونه محرماً في الشريعة تحريماً قاطعاً.
ولو أُقِرَّ مبدأُ العدوان هذا، لانخرم أصل الحق والعدل، ولاضطرب حبل الأمن في العالم كله، وما أنزلت الشرائع، وأرسل الرسل، إلا لاجتثاث أصول العدوان، ولإقرار الحق والعدل بين البشر؛ لقوله -تعالى-:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديث: 25] .
وأيضاً لو كان الاستيلاءُ القهريُّ بقوة السلاح (1)
من قبل الأعداء وسيلةً مُعتَرَفاً بها شرعاً، لامتلاكهم أموالَ المسلمين، واستيطانِ ديارهم بعد إخراجهم منها، لما وجب الجهاد -في مثل هذه الحالة- فرضاً عينيّاً على كل قادر على حمل السلاح رجالاً ونساءً، بالإجماع؛ من أجل استرداد ما استولى عليه العدو عنوة! والله -تعالى- يقول:{وَأَخْرِجُوهُمْ منْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] .
وقد تضافرت نصوص القرآن الكريم على وجوب دفع العدوان قبل وقوعه بالجهاد بالأنفس والأموال، وعلى وجوب إزالته بعد الوقوع، ولم يعهد أنه سبيل لتملك الأعداء ديارَ المسلمين وأموالَهم.
(1) نظير هذا في عصرنا الحاضر، استيلاء اليهود على الأراضي العربية، عدواناً وظلماً بعد إخراج أهلها منها.
هذا والاستيلاء والإحراز، عهدا طريقاً مُكسِباً للمِلكية الفردية في المباحات، وذلك تشجيعاً للجهد الإنساني الفردي للانتفاع بما وجد في الطبيعة من خيرات واستثمارها، وذلك معقول؛ لأن من بذَلَ جهداً فاجتنى مما وجد في الطبيعة من خير مباح لا مالك له، كان أولى من غيره بامتلاكه، ممن لم يبذل أدنى مشقة في هذا السبيل، وهذا أمر وراء استلاب الحقوق والثروات، واغتصاب الديار والأوطان بعد تشريد أهلها منها، بقوة السلاح.
قال -تعالى-: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
وإذا حرَّمَ الإسلام على أهله الاعتداء، فأحرى أن يحرم عدوان غيرهم عليهم، ولا يجعله سبيلاً لامتلاك أموالهم وديارهم!
وقال -تعالى-: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141] .
لا يقال: إن الآية تدل على أن الله -تعالى- لن يجعل للأعداء سبيلاً على نفوس المسلمين دون أموالهم؛ لأنا نقول: إن كلمة {سبيلاً} نكرة في سياق النفي؛ فتعم كل سبيل سواء أكان واقعاً على نفوسهم، أو أموالهم، أو ديارهم.
ولا يقال -كذلك-: إن الله لم يجعل للكافرين على المسلمين حجة؛ لأن الصيغة عامة فيجب إجراؤها على العموم -كما هو الأصل-؛ إذ لا دليل على التأويل أو التخصيص (1) .
كذلك لا يقال: إنه لو كانتْ أموالُ المسلمين باقيةً على ملكهم، رغم إخراجهم من ديارهم، لأطلق عليهم القرآن الكريم كلمة (أبناء السبيل) ، وهو من انقطعت بهم صلَتُهم بأموالِهم لبعدهم عنها، ولم يسمِّهم (فقراء) ؛ فدل ذلك على أنهم فقراءُ حقيقةً قد زالت ملكيتُهم عنها؛ لأنا نقول: إن ابن السبيل هو (المسافر) الذي انقطعت به الطريق، ونفد ماله، وله طماعية في الرجوع إلى بلده؛ لتمكنه من ذلك، وهذا مفوم يختلف عمن أُخرج من دياره وأمواله عَنوَة، وليس في وُسعِه أن يعودَ إليها، لذا صحّ اعتباره كأنّه فقير، أضف إلى
(1) انظر: «كشف الأسرار» (1/68 وما بعدها) ، «التوضيح» (1/131 وما بعده) ، «أصول السرخسي» (1/236) .