الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في تفسير هذه الظاهرة مع الأدلّة
لا تفسير لهذه الظاهرة -على فرض صدق نوايا أصحابها- إلَاّ بما ورد في مجموعة من النصوص من نزع عقول الناس آخر الزمان عند هبوب الفتن.
أخرج أحمد (4/391-392، 406، 414) -واللفظ له-، والبخاري في «الأدب المفرد» (118) وفي «التاريخ الكبير» (2/12) ، وابن ماجه (3959) ، وأبو يعلى (7228، 7234) ، ونعيم بن حمّاد في «الفتن» (1/30، 41 رقم 10، 11، 48، 68) بسندٍ صحيح عن أبي موسى الأشعري، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إنَّ بين يدي الساعة الهَرْج» ، قالوا: وما الهرج؟ قال: «القَتْل» ، قالوا: أكثر مما نَقْتُل؟ إنا لنقتلُ كلَّ عام أكثر من سبعين ألفاً، قال:«إنَّه ليس بقَتْلِكُم المشركين، ولكن قَتْل بعضكم بعضاً» ، قالو: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: «إنَّه لتُنزعُ عقولُ أهل ذلك الزمان، ويَخْلُفُ له هباءٌ من الناس، يَحْسَبُ أكثرُهُم أنّهم على شيءٍ، وليسوا على شيءٍ» .
قال أبو موسى: والذي نفسي بيده، ما أجدُ لي ولكم منها مخرجاً إن أدركتني وإيَّاكم، إلَاّ أنْ نخرُجَ منها كما دَخَلْنا فيها، لم نُصِبْ منها دماً ولا مالاً.
وعزاه الهيثمي في «المجمع» (7/324) للطبراني في «الكبير» ، وقال:«وفيه من لم يُسمَّ» ! وفاته العزو إلى أبي يعلى وأحمد!
قلتُ: الحديث له طرق، وهو صحيح، كما تراه في «السلسلة الصحيحة» (1682) تحت عنوان: (من أعلام نبوّته صلى الله عليه وسلم .
وسبق (1) قول علي رضي الله عنه: «جعل الله عز وجل في هذه
(1)(ص 539-540) .
الأمة خمس فتن
…
» وذكر الأخيرة، وقال:«ثم تجيء فتنة سوداء مظلمة؛ فيصير الناس فيها كالبهائم» .
ووصف حذيفة فيما ثبت عنه (1) هذه الفتنة بأنها: (دهماء مجلّلة) ؛ فهي سوداء مظلمة، تدهم الناس جميعاً، يعتريها غموض وخفاء، فكأنّها غُطّت وجُلِّلت، من أشخص إليها، وتعجّل أحداثها، أذهبت عقله، ونسفته نسفاً.
أخرج عبد الرزاق في «المصنف» (11/359 رقم 20740) ، ومن طريقه نعيم بن حماد في «الفتن» (1/140، 177 رقم 343، 472) والطبراني، وعنه أبو نعيم في «الحلية» (1/273)، والحاكم (4/448) : أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن عُمارة بن عُمير (2) ، عن حذيفة، قال:
«إيّاكم والفتن؛ لا يشخص إليها أحد، فوالله ما شخص فيها أحد إلاّ نسفته، كما ينسف السيل الدمن، إنها مشبهة مقبلة، حتى يقول الجاهل: هذه تشبه
…
، وتبين مدبرة» .
وهذا إسناد رجاله ثقات، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
فالفتنة: مظلمة، ودهماء، مجلّلة، مشبهة، مقبلة، تجعل الناس كالبهائم، والجاهل من الناس من يتعرض لإسقاط هذا النوع من الفتن على الأحداث، فتُشَبَّه عليه عند إقبالها بالذي يجري، وعند إدبارها تبين على حقيقتها! والسعيد
(1) وتقدم تخريجه (ص 539) .
(2)
تحرّف في مطبوع «الحلية» إلى «عمارة بن عبد الله» ، وصوابه المثبت، وهو كوفي ثقة، قال عنه أحمد:«ثقة وزيادة، يُسأل عن مثل هذا؟!» ، ووثقه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي، وترجمه ابن حبان في «ثقاته» (5/243) ، وابن شاهين في «ثقاته» (891) ، ومات سنة اثنتين وثمانين، فأدرك حذيفة المتوفى سنة 36هـ. وانظر ترجمته في:«تهذيب الكمال» (21/256) ، و «إكمال تهذيب الكمال» (10/22) .
من جنّبها، وحفظ عقله حتى يتبين ويتثبت؛ لأنها كالخمر.
أخرج أبو نعيم في «الحلية» (1/274) عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه-، قال:«ما الخمر صرفاً بأذهب بعقول الرجال من الفتنة» .
وتأمل قول أبي موسى على إثر ما رفعه في الحديث المتقدم قريباً: «والذي نفسي بيده! ما أجد لي ولكم منها مخرجاً إن أدركتني وإياكم إلاّ أن نخرج منها كما دخلنا فيها» .
وهذا هو معيار السلامة منها، وأما من أُركس فيها، فعلامته:
ما أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (1/272-273) -أيضاً- بسنده إلى حذيفة على إثر حديث صحيح، قال: «
…
فمن أحب منكم أنْ يعلم أَصَابَتْهُ الفتنةُ أم لا؟ فلينظر! فإنْ كان يرى حراماً ما كان يراه حلالاً، أو يرى حلالاً ما كان يراه حراماً؛ فقد أصابته الفتنة» ، وهذا ضابط كلي مهم، من خلاله يُعْرَفُ المفتونون، ويجب على العلماء وطلبة العلم النبهاء، والدعاة الصادقون العملُ على كشفهم، وتقويم اعوجاجهم، والتحذير من سمّهم.
فهم -كما في حديث أبي موسى- مَنْزُوعو العقول، و «يخلف لهم هَبَاء (1)
من الناس» ، وهم حثالة على كثرتهم -لا بارك الله فيهم، ولا رحم فيهم مغرز إبرة-، صفتهم كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «يحسب أكثرُهم أنهم على
(1) الهباء: ما تسفي به الريح. قاله ابن عباس، علقه البخاري في «صحيحه» في كتاب التفسير (باب سورة الفرقان) بصيغة الجزم، ووصله ابن جرير (19/4) وغيره. وانظر:«تغليق التعليق» (4/270) ، و «فتح الباري» (8/409) .
وقال ابن شميل: الهباء التراب الذي تطيّره الريح؛ فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم يلزق لزوقاً. كذا في «لسان العرب» مادة (هبا) .
قلتُ: وهباء الفتنة يلزق في القلوب لزوقاً، وتراه في المواقف، وعلى أسنّة الرماح، وعلى صفحات الكتب والجرائد والنشرات السيَّارة، وشبكات (الإنترنت) العالمية.