الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول: جملة اعتقاد أهل السنة في كلام الله تعالى
يعتقدُ السَّلَفُ: أنَّ لله تعالى صفةَ الكلامِ، وهي صفةٌ قائمةٌ به غير بائنةٍ عنه، لا ابتداء لاتِّصافِهِ بها ولا انتهاء، يتكلّمُ بها بمَشيئتِهِ واختياره.
وكلامُه تعالى أحسَنُ الكَلام.
ولا يُشْبه كلامَ المَخلوقينَ، إذ الخالقُ لا يُقَاسُ بالمَخلوقِ.
ويُكَلَّمُ به مَن شاءَ من خَلْقهِ: من مَلائكتهِ، ورُسُلهِ، وسائِرِ عبادِهِ، بواسطةٍ إن شاءَ، وبغيرها.
ويُسْمِعُه على الحَقيقة مَن شاءَ من مَلائكتهِ، ورُسُلِهِ، ويُسْمِعُه عبادَه في الدّار الآخرةِ بصَوْتِ نفسِهِ، كما أنَّهُ كلَّمَ موسى وناداهُ حينَ أتى الشجرةَ بصَوْتِ نفسِهِ فسَمِعَهُ موسى.
وكما أنَّ كَلَامَهُ تعالى لا يُشْبِهُ كلامَ المَخلوقينَ، فإنَّ صَوْتَهُ لا يُشْبِهُ أصواتَهم.
وكَلِماتُهُ تعالى لا نِهايَةَ لها.
ومِنْ كَلَامِهِ:
القُرآنُ، والتَّوارةُ، والإِنْجيلُ.
فالقرآنُ كلامُه: سُوَرُهُ، وآياتُهُ، وكَلِماتُهُ.
تَكَلَّمَ به بحُروفِهِ ومَعانيهِ.
ولم يُنْزِلْه على أحدٍ قبلَ محمَّد صلى الله عليه وسلم.
أسمعَهُ جِبريلَ عليه السلام، وأسْمَعَهُ جبريلُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم، وأسْمعَهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم أمَّتَهُ، وليسَ لجبريلَ ولا لمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلَاّ التبليغُ والأداءُ.
وهو المكتوبُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وهو الَّذي في المَصاحِفِ، يَتْلوهُ التالونَ بألسنتِهم، ويقرؤُهُ المُقرئونَ بأصواتِهم، ويسمَعُهُ السَّامعونَ بآذانِهِم، ويَنْسَخُهُ النُّسَّاخُ، ويَطْبَعُهُ الطَّابعونَ بآلاتِهِم، وهو الَّذي في صُدورِ الحُفَّاظِ، بحُروفهِ ومَعانيهِ، تكلَّمَ اللهُ بهِ على الحَقيقةِ، فهو كلامُهُ على الحَقيقةِ لا كَلامُ غيرِهِ، منه بَدَأ، وإليه يَعودُ، وهو قُرآنٌ واحدٌ مُنْزَلٌ، غيرُ مَخلوق، كيفَما تصرَّفَ: بقراءةِ قارئ، أو بلفظِ لافظٍ، أو بحِفْظِ حافظٍ، أو بخَطِّ كاتبٍ، وحَيثُ تُلِيَ، وكُتِبَ، وقُرِىءَ.
فمَنْ سَمِعهُ فزَعَم أنَّه مَخلوقٌ فَقَدْ كَفَرَ.
وكَتَبَ تَعالى التَّوْراةَ لمُوسى بيدهِ، قبلَ خَلْقِ آدمَ بِأربعينَ سَنَةً -كما صحَّ به الخبرُ-.
وكَلامُ الله تعالى ينقَسِمُ وَيَتَبعَّضُ ويتَجزَّأ.
فالقرآنُ مِن كلامِهِ، والتَّوراةُ من كلامِهِ، والإِنجيلُ من كلامِهِ.
والقرآنُ غيرُ التْوراةِ، والتَّوراةُ غيرُ الإِنجيلِ.
والفاتحةُ بعضُ القُرآنِ، وآيةُ الكُرْسيّ بعضُ البقرةِ، وسُورةُ البَقرةِ غيرُ سورةِ آلِ عِمْرانَ، وهكذَا سائرُ كلامِهِ.
كَمَا أنَّهُ تعالى تكلَّمَ باللُّغاتِ، فالتَّوْراةُ بالعِبْرانِيَّةِ، والقرآنُ بالعَربِيَّةِ، والإِنجيلُ بالسريانيَّةِ.
وفي القرآنِ من المَعاني ما لَيْسَ في التَّوراةِ، وفيها من المَعاني ما ليسَ في القرآنِ، وهكذا سائرُ كَلامِهِ.
كَما أنَّ كلامَه تعالى يتفاضَلُ، فيكون بعضُهُ أفضَلَ مِنْ بَعْضٍ، فآيةُ الكُرْسي أفضَلُ من سِوها من الآي وسُورةُ الفاتحةِ لَمْ يَنْزلْ في التَّوراةِ ولا في الإِنجيلِ ولا في القُرآنِ مِثْلُها، و {قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ} تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ.
كَمَا أنَّ كلامَهُ تعالى يتعاقَبُ -أي يَتْلو بعضُهُ بَعْضًا - كـ {بسم الله} فكلمةُ {الله} عَقبَ {بسم} والسّينُ عقبَ الباءِ، والمِيمُ عقبَ السّينِ، وكُلُّ ذلكَ كلامُ الله تعالى غَيرُ مَخْلوقٌ، بألفاظِهِ وحروفهِ، لا يُشْبِهُ كلامَ الخَلْقِ.
وأصواتُ العبادِ وحَرَكاتُهم بالقرآنِ، ووَرَقُ المُصْحَفِ، وجِلْدُهُ ومِدادُ الكتابةِ، كُلّ ذلكَ مَخْلوقٌ مَصْنوعٌ، والمُؤلَّفُ من الحُروفِ المَنطوقةِ المَسْموعةِ المَسْطورةِ المَحْفوظةِ، كَلامُ الله تعالى غيرُ مَخْلوقٍ بحروفِهِ ومَعانيهِ.
هذه جملةُ الاعتقادِ في كلام الله تعالى، وتفصيلُ هذه الجُمَلِ والاستدلالُ لها سيأتي في المباحث الآتية.