المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: اللفظية النافية جهمية - العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

[عبد الله الجديع]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌التنبيه على مسائل يحتاج إليها قبل الشروع في المقصود

- ‌ المسألة الأولى:

- ‌ المسألة الثانية:

- ‌ المسألة الثالثة:

- ‌ المسألة الرابعة:

- ‌ المسألة الخامسة:

- ‌مجمل خطة تأليف الكتاب

- ‌الباب الأول: العقيدة السلفية في كلام رب البرية

- ‌الفصل الأول: بيان حقيقة الكلام

- ‌المبحث الأول: حقيقة الكلام

- ‌المبحث الثاني: حقيقة المتكلم

- ‌المبحث الثالث: أنواع الكلام

- ‌ الأول: الخبر:

- ‌ والثاني: الإنشاء:

- ‌الفصل الثاني: عقيدة السلف في إثبات الصفات

- ‌قاعدة جلية في الاعتقاد

- ‌الفصل الثالث: شرح اعتقاد السلف فى كلام الله تعالى

- ‌المبحث الأول: جملة اعتقاد أهل السنة في كلام الله تعالى

- ‌المبحث الثاني: الأدلة المثبتة لصفة الكلام

- ‌المبحث الثالث: التكليم في الدنيا

- ‌المبحث الرابع: التكليم في الآخرة

- ‌المبحث الخامس: كلام الله تعالى غير مخلوق

- ‌المبحث السادس: الوقف في القرآن

- ‌المبحث السابع: كلام الله تعالى بحرف وصوت

- ‌المبحث الثامن: كلام الله تعالى بمشيئته واختياره

- ‌المبحث التاسع: تفاضل كلام الله تعالى

- ‌المبحث العاشر: كلام الله تعالى منزل منه ، منه بدأ وإليه يعود

- ‌الباب الثاني: توضيح مسألة اللفظ بالقرآن ورفع ما وقع بسببها من الاشكال

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول: تفسير الألفاظ المجملة التي وقع بسببها الاشكال

- ‌المبحث الأول: بيان هل اللفظ هو الملفوظ؟ أم غيره

- ‌المبحث الثاني: تبيين المراد بقوله تعالى {إنه لقول رسول كريم}

- ‌الفصل الثاني: مسألة اللفظ وموقف أهل السنة

- ‌المبحث الأول: جملة اختلاف الناس في مسألة اللفظ

- ‌المبحث الثاني: اللفظية النافية جهمية

- ‌المبحث الثالث: إقامة الحجة على بطلان اعتقاد اللفظية النافية

- ‌المبحث الرابع: بيان غلط اللفظية النافية على الامامين أحمد والبخاري

- ‌المبحث الخامس: اللفظية المثبتة مبتدعة

- ‌الباب الثالثعقائد الطوائف المبتدعة في كلام الله تعالى وكشف أباطيلهاوفيه تمهيد وثلاثة

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأولذكر جملة أقوال طوائف أهل البدع

- ‌ أولا: المتفلسفة وبعض غلاة الصوفية:

- ‌ ثانيا: الجهمية من المعتزلة وغيرهم:

- ‌ ثالثا: الكلابية:

- ‌ رابعا: الأشعرية:

- ‌ خامسا: السالمية ومن وافقهم من أهل الكلام والحديث:

- ‌ سادسا: الكرامية:

- ‌الفصل الثانيكشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى وحكم السلف والأئمة فيهم

- ‌المبحث الأول: ذكر شبه المعتزلة ونقضها

- ‌المبحث الثاني: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني التنزيل لابطال صفة الكلام

- ‌المبحث الثالث: المعتزلة فى الميدان

- ‌الفصل الثالثكشف تلبيس الأشعريةفي إثبات صفة الكلام لله تعالى

- ‌المبحث الأول: تعريف الكلام عند الأشعرية

- ‌المبحث الثاني: إبطال كون كلام الله تعالى معنى مجرداً

- ‌المبحث الثالث: القرآن العربي عند الأشعرية

- ‌المبحث الرابع: أسماء الله تعالى عند الأشعرية

- ‌المبحث الخامس: وجه التوافق بين قولي المعتزلة والأشعرية في القرآن

- ‌المبحث السادس: الأشعرية وأهل السنة في مسألة القرآن

- ‌خاتمة

الفصل: ‌المبحث الثاني: اللفظية النافية جهمية

‌المبحث الثاني: اللفظية النافية جهمية

اللَّفظيةُ النافيةُ -كما سبَقَ قريبًا- هم القائلونَ: (ألفاظُنا بالقُرآن مخلوقةٌ) ويريدونَ: أنَّ القرآنَ العربيَّ مخلوقٌ، وأنَّ جبريلَ إنَّما نزلَ بقرآن مخلوقٍ.

وهذا القولُ في الحَقيقةِ هو قَوْلُ الجَهْميَّة الذين أطلَقوا أنَّ القرآنَ مَخلوقٌ، فإنَّ القرآنَ لا يُعْرَفُ إلَّا أنَّهُ اسْمَ للنَّظْمِ العَرَبيّ، والجَهْمِيَّةُ أطلَقَتِ القولَ بخَلْقهِ، وهؤلاءِ وافَقوهُم في كَوْنِ القرآنِ العَرَبيّ مَخْلوقَ النَّظْم، لأنَّهُ مؤلَّفٌ من الحُروفِ، وما تألَّفَ منَ الحروفِ فهو مَخْلوقٌ، لأنَّ الحُروفَ مخلوقةٌ، والله لَمْ يتكلَّم بها، إلَاّ أنَّهم خالفوهم خِلافًا لَفظيًّا في الحَقيقةِ، وذلكَ أنَّهُم ادَّعَوْا لله تعالى صفةَ الكلام، لكنَّهم قالوا: هو مَعنى أو مَعاني مجرّدةٌ، ليسَتْ بحُروفٍ ولا أصواتٍ، وهذا القولُ من أفسَدِ المَقالاتِ، وسيأتي نقضُه عليهم في الباب الثالث في الردّ على الأشعرية.

وإنَّما وَصَفْتُهُ بكونهِ (لفظيًّا) لأن القائلينَ به لم يُثْبتوا في الحقيقةِ لله تعالى صفةَ الكَلام، وإنَّما افترَوا صِفةً لا حَقيقةَ لها، فنَسَبوها للربِّ تعالى، سَمَّوْها صفةَ الكَلامِ، وأبطَلوا ما هو معلومٌ ضَرورةً في تفسيرِ الكلام.

ص: 227

فلذا صَحَّ وصفُهُم بالجَهْمِيَّة.

وقَدْ قَالَ الإِمام أحمدُ رحمه الله -فيما رواه ابنه صالحٌ عنه-:

"افترقَت الجَهْمِيَّةُ على ثَلاثِ (12) فِرَقٍ: فِرْقَةٍ قالوا: القرآنُ مَخلوقٌ، وفرقةٍ قالوا: كلامُ الله وتسْكُتُ، وفرقةٍ قالوا: لفظُنا بالقرآنِ مَخلوقٌ، قالَ الله عز وجل في كتابهِ: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6] فجبريلُ سَمِعَه من الله، وسَمِعَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم من جبريلَ عليه السلام، وسمِعَهُ أصْحابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم من النَّبِيِّ، فالقُرآنُ كَلامُ الله غيرُ مخلوقٍ"(13).

والنُّصوصُ عن الإِمام أحمدَ في تبديعِهم، بلْ وبعضُها في تكفيرهم، متواتِرةٌ، أسوقُ منها بعضَ ما فَتح الله تعالى بهِ، وثَبَتَ إسنادُهُ.

وهو مَرويٌّ عنه من وجوهٍ:

1 -

عبد الله ابنه عنه.

قال: سألت أبي رحمه الله، قلتُ: ما تَقولُ في رجُلٍ قال: التَّلاوةُ مَخلوقةٌ، وألفاظُنا بالقرآن مَخلوقةٌ، والقُرآنُ كلامُ الله عز وجل وليس بمَخلوقٍ؟ وما تَرى في مُجانَبتهِ؟ وهل يُسمَّى مُبْتدِعًا؟ فقال: "هذا يُجانَبُ، وهو قولُ المُبتَدِع، وهذا كلامُ الجَهْمية، ليسَ القرآنُ بمخلوقٍ، قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: تَلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} (14)[آل عمران: 7] فالقرآن ليسَ

(12) في الأصل المنقول عنه: ثلاثة.

(13)

رواه صالح في "المحنة" ص: 72 عن أبيه.

(14)

أراد حديث عائشة في الذين يتبعونَ المتشابة، وسياقُهُ، قالت: تلا =

ص: 228

بمَخْلوقٍ" (15).

وقال عبد الله: سَألتُ أبي رحمه الله، قلتُ: إنَّ قومًا يقولونَ: لفظُنا بالقرآن مخلوقٌ؟ فقال: "هم جَهْميَّةٌ، وهم أشَرُّ ممَّنْ يَقِفُ (16)، هذا قولُ جَهْمٍ".

وعَظّمَ الأمرَ عنده في هذا، وقال:"هذا كَلَامُ جهْمٍ"(17).

وقال عبد الله: سمعت أبي رحمه الله يقولُ:

"كلُّ مَن يقصِدُ إلى القرآن بلفظٍ، أو غيرِ ذلكَ، يريدُ بهِ مخلوق، فهو جَهميُّ"(18).

قلتُ: وأرادَ بقوله: "يريدُ به

" إلخ، الاحتراز عن قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وأراد فعلَ العبدِ القائمَ به الذي هو حركتُهُ وصوتُهُ، لا كلامَ الله تعالى المسْطورَ المكتوبَ الملفوظَ، فإنَّ من قالَ ذلك على هذا النحو فقوله حقٌ على هذا المعنى، لكنَّ إطلاقَهُ غيرُ جائزٍ لما يوقِعُ فيه من المَحْذورِ.

= رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} الآية إلى آخرها - قالت: قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابهَ منه، فأولئك الذي سمىَّ الله، فاحذَروهم".

أخرجه البخاري 8/ 209 ومسلم رقم (2665) وغيرهما من حديث عائشة.

(15)

رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (178).

(16)

أي: لا يقول مخلوق، ولا غير مخلوق.

(17)

رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (180ب).

(18)

رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (183).

ص: 229

وقالَ عبد الله: سمعتُ أبي يقولُ: "مَنْ قال: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ، هذا كلامُ سُوءٍ رديءٌ، وهو كلامُ الجَهمية".

قلت له: إنَّ الكَرابيسيَّ يقولُ هذا، فقالَ:

"كذَبَ، هَتَكَهُ الله، الخَبيثُ".

وقال: "قد خَلَفَ هذا بِشْرًا المَرِيسيَّ"(19).

قلتُ: والكَرابيسي هو الحُسَين، من أسلاف الأشعريَّةِ والماتُريديَّة في مسألةِ اللَّفظِ، فإنَّ مقالَتَهم نَفْسُ مقالَتِهِ معَ زيادةٍ عليه، وهو أحسن حالًا منهم بكَثيرٍ.

وهذا الذي ذكرتُ بعضُ ما نَقَلَ عبدُ الله عن أبيه.

2 -

صالح ابنه عنه.

قال: قلتُ لأبي: مَن قالَ: لفظي بالقرآنِ مخلوقٌ يُكَلَّمُ؟ قال: "هذا لا يُكلَّمُ، ولا يصلَّى خَلْفَه، وإنْ صلَّى رجُلٌ أعادَ"(20).

وسَبَقَ قبلَ قليلٍ نقلُهُ عن أبيه قولَه في افتراقِ الجَهْمية إلى ثلاثِ فِرَقٍ، منها اللفظيَّة.

3 -

يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ عنه.

قال لَه أحمد: "إنَّ اللَّفْظيَّةَ إنَّما يدورونَ على كلام جَهْمٍ، يزعُمونَ أنَّ جبريلَ إنَّما جاءَ بشيءٍ مخلوقٍ" يعني: جبريل، مخَلوقٌ جاء به إلى

(19) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (186).

(20)

رواه صالح في "المحنة" ص: 70.

ص: 230

محمدٍ صلى الله عليه وسلم (21).

وقال صالحُ بن أحمدَ: سألَ يعقوبُ بن إبراهيمَ الدورقيُّ أبي عمَّنْ قال: لفظُهُ بالقرآنِ مخلوقٌ، كيفَ يقولُ في هؤلاءِ؟ قال:"لا يُكَلَّمُ لهؤلاءِ، ولا يُكلَّمُ في هذا، القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ على كُلِّ جهَةٍ، وعلى كلّ وَجْهٍ، وعلى أيّ حالٍ"(22).

4 -

أحمد بن إبراهيم الدَّورقي عنه.

قال: سألتُ أحمدَ بن حنبل، قلتُ: لهؤلاء الذين يقولونَ: إنَّ ألفاظنا بالقرآنِ مخلوقةٌ؟ قال: هُمْ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الجَهْمية، مَن زعَمَ هذا فقَدْ زعَمَ أنَّ جِبريلَ جاءَ بمَخلوقٍ، وأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تكَلَّمَ بمخلوقٍ" (23).

5 -

أبو داود سُليمان بن الأشعث عنه.

قال: سمعتُ أحمدَ يتكلَّمُ في اللَّفْظيَّةِ، ويُنْكِرُ عَلَيْهم كلامَهم (24).

وقال: كتبتُ رُقْعَةً، وأرسَلْتُ بها إلى أبي عبد الله -وهو يومئذٍ مُتوارٍ- فأخرجَ إليَّ جَوابَه مكتوبًا فيه:

قلتُ: رجلٌ يقولُ: التّلاوةُ مخلوقةٌ، وألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ، والقرآنُ ليسَ بمخلوقٍ، وما تَرى في مُجانبتهِ؟ وهل يُسمَّى مبتدِعًا؟ وعلى ما يكون عَقْدُ القلبِ في التّلاوةِ والألفاظِ؟ وكيفَ الجوابُ فيه؟

(21) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 271 عنه.

(22)

رواه صالح في "المحنة" ص: 70.

(23)

رواه أبو داود في "المسائل" ص: 271.

(24)

"المسائل" ص: 264.

ص: 231

قال: "هذا يُجانَبُ، وهو فَوْقَ المُبْتَدعِ، وما أراهُ إلَّا جَهْمِيًّا، وهذا كلامُ الجَهْمية، القرآن ليسَ بمخلوقٍ، قالتْ عائشةُ رضي الله عنها: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ

} الآية، قالتْ: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتمُ الذين يتّبعون ما تَشابَهَ منه فَاحْذَروهم، فإنَّهم هم الذينَ عنى الله"(25). فالقرآن ليسَ بمخلوقٍ" (26).

6 -

إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيْسابوريّ عنه.

قال: سمعتُ أبا عبد الله -يعني أحمد- يقول:

"مَن زعَمَ أنَّ لَفظي بالقرآنِ مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ".

وقال: "أرأيتَ جبريلَ عليه السلام حيث جاءَ إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَتَلا عليهِ، تلاوةُ جبريلَ للنبيّ صلى الله عليه وسلم أكانَ مخلوقاً؟ ما هو مَخْلوق"(27).

وقال: وسألتُهُ عن الذي يقول: لَفْظي بالقرآن مخلوق؟

قال: "هذا كلامُ جَهْمٍ، مَنْ كانَ يُخاصِمُ منهم فلا يُجالَسُ، ولا يُكلَّمُ، والجَهْمىَ كافرٌ"(28).

وقال: سُئل -يعني أحمدَ- عمَّنْ يقول: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ، أيُصلّى خلفه؟

(25) هو عين الحديث الذي سبق قريباً في التعليق رقم (14) من هذا الباب.

(26)

"المسائل" ص: 265.

(27)

"مسائل ابن هانىء" 2/ 152 - 153.

(28)

"مسائل ابن هانىء" 2/ 154.

ص: 232

قال: "لا يُصلّى خلفه، ولا يُجالَسُ، ولا يُكلَّمُ، ولا يُسَلَّمُ عليه"(29).

7 -

أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذيّ عنه.

قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بن حَنْبل يقول: "اللَّفظيَّةُ جَهْمِيةٌ، يقولُ الله: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} مِمَّنْ يَسمَع؟ "(30).

8 -

أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زَنْجَوَيْهِ عنه.

قال: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: "مَنْ قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ"(31).

فهذه بعضُ النُّصوص الصَّحيحةِ الثابتةِ عن الإِمام أحمدَ، وهي عن الأثباتِ من أصحابهِ عنه، دالَّةٌ دلالةً صَريحةً على أنَّ اللفظيةَ جَهْميةٌ، وهم بمنْزلة المُصرِّحينَ بخَلْقِ القرآنِ.

وقد حكى الإِمام أبو عثمان الصابونيُّ في "عقيدتهِ" ما حَكاهُ ابنُ جَرير رحمه الله عن الإِمام أحمد في تَجْهيم اللفظيةِ، ثمَّ قال:

"والَّذي حكاهُ عن أحمَدَ رضي الله عنه وأرضاهُ: أن اللَّفظيَّةَ جَهْميةٌ، فصَحيح عنه، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّ جَهْماً وأصحابَه صَرَّحوا بخَلْقِ القرآن،

(29)"مسائل ابن هانىء" 2/ 152.

(30)

رواه ابن جرير في "صريح السنَّة" رقم (31) ومن طريقه ابن الطبري في "السنَّة" 1/ 185، 2/ 355 وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" 1/ 279 - 280 وهو صحيح عنه.

(31)

رواه الخلّال في "السنَّة" -كما في "مجموع الفتاوى" 12/ 325 - عن أبي بكر به.

ص: 233

والذينَ قالوا باللَّفظ تدَرَّجوا به إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، وخافوا أهلَ السُّنَّةِ في ذلك الزَّمانِ من التَّصْريحِ بخَلْقِ القرآن، فأدْرَجوهُ في هذا القول ذي اللَّبْس، لِئَلَّا يُعَدّوا في زُمْرَةِ جَهِمٍ الذين هم شياطينُ الإِنس يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُروراً، فذكَروا هذا اللفظَ وأرادوا به أنَّ القرآنَ بلفْظِنا مخلوقٌ، فلذلك سَمَّاهُم أحمدُ رحمه الله جَهْميَّةً، وحُكيَ عنه أيضاً أنه قال: اللَّفظيةُ شَرٌّ من الجَهْميةِ" (32).

قلتُ: صرّحَتْ نصوصُ الإِمام أحمد السابقةُ بتجهيم اللفظيةِ، لأجْل أنَّهم يعدّون القرآنَ العربيُّ، المَسموعَ المقروءَ المَلفوظَ، المؤلَّفَ من الحُروفِ والكلماتِ، والسُّوِر والآياتِ، مخلوقاً، وقدْ بيَّنَ أحمدُ رحمه الله ذلكَ بقولهِ:"يزعُمُون أنَّ جبريلَ، إنَّما جاءَ بشيءٍ مخلوقٍ" وهذا هو الفَصْلُ في مُرادِ أحمدَ بتجهيم اللَّفظيةِ.

ولَمْ يُجَهِّم الإِمامُ أحمد مَن أرادَ باللفظ فِعْلَ القارئِ وصوتَه الذي هو مخلوقٌ، ولِذا أبانَ عن ذلكَ بقولِهِ الذي رَواه عنه ابنُه عبد الله:"كلّ مَن يَقْصِدُ إلى القرآن بلفظٍ، أو غيرِ ذلك، يُريد به مخلوق، فهو جَهميّ" وأبيَنُ منه قولُه: "مَن قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوق، يريد به القرآنَ، فهو كافرٌ"(33) فاحتَرَز بقوله: "يريدُ به القرآنَ" عن تكفير مَن قال: "لفظي بالقرآن مخلوقٌ"

ويُريدُ بهِ حركتَهُ وصوتَه به، لا نفسَ الكلام الملفوظِ المقروءِ، مع أنَّ إطلاقَ هذا اللفظِ فيه إيهامُ القَوْلِ بخَلْقِ الملفوظِ الذي هو كلامُ الله، فوجَب

(32)"عقيدة السلف" فقرة (16).

(33)

رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 266 و"الاعتقاد" ص: 110 عن عبد الله، وإسناده صحيح.

ص: 234

الكَفُّ عنه كلّيةً لأجلِ ذلك.

وقد غَلِطَ أقوامٌ على الإِمام أحمد في هذه المسألة، فقالوا عليه ما لَم يقُلْ، وافتَرَوْا عليه القولَ بخَلْقِ القرآنِ العربيّ المنظومِ من الحروفِ العربية الذي نزلَ به جبريلُ على نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وقد خصَّصْتُ مبحثاً في هذا الفصل لتبرئتهِ ممَّا نُسِبَ إليهِ، وإقامَةِ الحُجَجِ القَواطِع من النقولِ الصحيحةِ عنه على بطلانِ هذه النسبة إليهِ.

وقَدْ وافقَ الإِمامَ أحمدَ غيرُه من أئمَّةِ السُّنَّة في زمانه وبعدَه، في إنكار بدعةِ اللفظيةِ النافيةِ، فمنهم:

1 -

إسحاق بن إبراهيم بن راهُوَيْه الإِمام العَلَم.

قال أبو داود السِّجِسْتانيّ: سمعتُ إسحاق بن إبراهيم سُئلَ عن اللفظية؟ فبدَّعَهم (34).

2 -

أبو جعفر أحمد بن صالح المِصْريّ الحافظ.

قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن صالح ذكَرَ اللفظيَّةَ فقالَ: "هؤلاء أصحابُ بِدْعَةٍ، ويدخُلُ عليهم أكثرُ من البدعةِ"(35).

3 -

أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهْريّ الفَقيه القاضي.

أتاه قومٌ فسألوهُ: إنَّ قِبَلنا ببغدادَ رجُلاً يقولُ: لفْظُهُ بالقرآن مخلوقٌ؟

فقال: "يا أهلَ العراقِ، ما يأتينا منكم هَناه، ما يَنْبَغي أن نتلقى

(34)"المسائل" لأبي داود ص: 271.

(35)

"المسائل" لأبي داود ص: 271.

ص: 235

وجوهَكُم إلَاّ بالسُّيوفِ، هذا كلامٌ نَبَطِىٌّ خَبيثٌ" (36).

4، 5 - أبو زُرْعَةَ عُبيد الله بن عبد الكريم، وأبو حاتِم محمد بن إدريس الرازيان إماما الجَرْح والتعديل:

قالا: "مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْمي، أو القرآن بلفظي مخلوقٌ، فهو جَهْمي"(37).

6 -

حرب بن إسماعيلَ الكَرْمانيّ (فقيهٌ ثَبْتٌ، من خِيارِ تلاميذ أحمدَ).

قال: "إنَّ الحَقَّ والصَّوابَ الواضحَ المستقيمَ الذي أدرَكْنا عليه أهل العلْم أنَّ مَنْ زعَمَ أنَّ ألفاظَنا بالقرآنِ وتلاوَتنا، مخلوقةً، فهو جَهْميٌّ مُبْتدعٌ خَبيثٌ"(38).

وساقَ الإِمامُ أبو القاسِم هِبَةُ الله بن الحَسَنِ اللَّالكائيّ أكثَرَ من خمسينَ نَفْساً متقاربي الطبقةِ، فيهم جَمْعٌ من الأئمَّة المُقتدى بهم (39) أنهم

(36) رواه ابن أبي حاتم -كما في "السنَّة" لابن الطبري 2/ 357 - بسند جيد عنه.

(37)

رواه ابن الطبري في "السنَّة" 1/ 179 بسند صحيح عنهما.

(38)

ذكره ابن أبي حاتم عنه -كما في "السنة" لابن الطبري 2/ 353.

(39)

قال شيخ الإِسلام: "وهذا محفوظٌ عن الإِمام أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي مصعب الزهري، وأبي ثور، وأبي الوليد الجارودي، ومحمد بن بشّار، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدَني، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، ومحمد بن أسلمَ الطوسيّ، وعددٍ كثيرٍ لا يُحصيهم إلَاّ الله من أئمة الإِسلام وهُداته"(مجموع الفتاوى: 12/ 421). =

ص: 236

قالوا: من قالَ لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو بمنزلةِ من قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، وقالوا: هذه مقالَتُنا، ودينُنا الذي نَدِينُ الله به (40).

ثمَّ ساق نصوصَ بعض الأئمَّةِ، ثمَّ قالَ:

"فرجَعَ كلامُ لهؤلاءِ الأئمَّةِ رضي الله عنهم في أنَّ القرآنَ مَسموعٌ من الله على الحقيقةِ، وحينَ يقرأهُ القارىءُ فلا يكونُ من لفظِ القارىءِ القرآنُ ككَلام الآدَميينَ حينَ يَلْفِظُ بهِ فيكون مخلوقاً، وكلامُ الله لا يَشْبَهُ كلامَهم لأنه غيرُ مخلوقٍ، فكذلك يُخالفُهُ في القِراءةِ"(41).

قلتُ: وقد رُوي إنكارُ اعتقادِ اللفظية عن إمام السُّنَّةِ محمد بن إدريس الشافعيّ، لكنْ بإسنادٍ فيه نَظَرٌ، ولا أحسَبُ ذلك كان إلَاّ في طبقةِ تلامذتهِ، كالإِمام أحمد وأقرانِهِ من الأئمَّة، فأنكروهُ وشدَّدوا فيه.

ولِذا قال الإِمام محمَّد بن جَرير الطبريُّ: "وأمَّا القولُ في ألفاظِ العباد بالقرآنِ، فلا أثرَ نَعْلَمُهُ عن صَحابِيّ مَضى، ولا عَن تابعيّ قَفا، إلَاّ عَمَّن في قولِه الشِّفا والغَناءُ، وفي اتّباعِهِ الرُّشْدُ والهُدى، ومَنْ يقومُ لَدَيْنا مقامَ الأئمَّة الأولى، أبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن حَنبل".

= وذكر ذلك الإِمام قِوام السُّنْة إسماعيل بن الفضل عن جَمْع كبير من الأئمة ابتداءً بأحمد بن حنبل وانتهاءً بأبي عبد الله بن مَنْدَه، وقال عقب ذلك:

"فمذهبهم ومذهب أهل السنَّة جميعاً أنَّ القرآن كلام الله آيةً آيةً، وكلمةً كلمةً، وحرفاً حرفاً، في جميع أحواله، حيث قُرِىء، وكُتِبَ، وسُمِعَ" (الحجة: ق 92/ ب - 93/ أ.

(40)

كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة" 2/ 349 - 351.

(41)

"السنَّة" 2/ 353 - 354.

ص: 237

ثمُّ ساقَ قولَه الذي ذكرتُهُ آنفاً برقم (7) وقولًا آخر بمَعناه، ثمَّ قال:

"ولا قوْلَ عندَنا في ذلك يجوزُ أن نقولَه غيرُ قولِه، إذْ لَمْ يكن لنا إمامٌ نأتمُّ به سِواه، وفيه الكفايةُ والمَقْنَعُ، وهو الإِمامُ المتَّبَعُ"(42).

قلتُ: وقد سُقْتُ من نُصوصِهِ ما فيه الكفايَةُ والهِدَايَةُ لِذَوي البَصائر.

قال الحافظُ أبو بكرٍ الآجُرّيُّ: "احذَروا رحمكم الله تعالى هؤلاء الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، هذا عندَ أحمدَ بن حنبل ومَنْ كانَ على طريقته منكَرٌ عظيمٌ، وقائلُ هذا مبتدِعُ، يُجْتَنَبُ، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُجالَسُ، ويُحَذَّرُ منه الناسُ"(43).

وقالَ شيخ الإِسلام: "أنْكَرَ بدْعَةَ اللفظيةِ الذينَ يقولونَ: إنَّ تلاوةَ القرآنِ وقراءَتَه واللفظَ به مَخلوقٌ، أئمّةُ زمانِهم، جَعَلوهُم من الجهميةِ، وبيّنوا أنَّ قولَهم يقتضي القولَ بخَلْقِ القرآنِ، وفي كثير من كلامِهم تكفيرُهُمْ"(44).

• • • • •

(42) رواه ابن الطبري 1/ 185، 2/ 355 بسند صحيح عنه، وهو في "صريح السنَّة" له رقم (30 - 33).

(43)

"الشريعة" ص: 89.

(44)

"مجموع الفتاوى" 12/ 421.

ص: 238