المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: الأدلة المثبتة لصفة الكلام - العقيدة السلفية فى كلام رب البرية وكشف أباطيل المبتدعة الردية

[عبد الله الجديع]

فهرس الكتاب

- ‌مدخل

- ‌مقدمة الطبعة الثانية

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌التنبيه على مسائل يحتاج إليها قبل الشروع في المقصود

- ‌ المسألة الأولى:

- ‌ المسألة الثانية:

- ‌ المسألة الثالثة:

- ‌ المسألة الرابعة:

- ‌ المسألة الخامسة:

- ‌مجمل خطة تأليف الكتاب

- ‌الباب الأول: العقيدة السلفية في كلام رب البرية

- ‌الفصل الأول: بيان حقيقة الكلام

- ‌المبحث الأول: حقيقة الكلام

- ‌المبحث الثاني: حقيقة المتكلم

- ‌المبحث الثالث: أنواع الكلام

- ‌ الأول: الخبر:

- ‌ والثاني: الإنشاء:

- ‌الفصل الثاني: عقيدة السلف في إثبات الصفات

- ‌قاعدة جلية في الاعتقاد

- ‌الفصل الثالث: شرح اعتقاد السلف فى كلام الله تعالى

- ‌المبحث الأول: جملة اعتقاد أهل السنة في كلام الله تعالى

- ‌المبحث الثاني: الأدلة المثبتة لصفة الكلام

- ‌المبحث الثالث: التكليم في الدنيا

- ‌المبحث الرابع: التكليم في الآخرة

- ‌المبحث الخامس: كلام الله تعالى غير مخلوق

- ‌المبحث السادس: الوقف في القرآن

- ‌المبحث السابع: كلام الله تعالى بحرف وصوت

- ‌المبحث الثامن: كلام الله تعالى بمشيئته واختياره

- ‌المبحث التاسع: تفاضل كلام الله تعالى

- ‌المبحث العاشر: كلام الله تعالى منزل منه ، منه بدأ وإليه يعود

- ‌الباب الثاني: توضيح مسألة اللفظ بالقرآن ورفع ما وقع بسببها من الاشكال

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول: تفسير الألفاظ المجملة التي وقع بسببها الاشكال

- ‌المبحث الأول: بيان هل اللفظ هو الملفوظ؟ أم غيره

- ‌المبحث الثاني: تبيين المراد بقوله تعالى {إنه لقول رسول كريم}

- ‌الفصل الثاني: مسألة اللفظ وموقف أهل السنة

- ‌المبحث الأول: جملة اختلاف الناس في مسألة اللفظ

- ‌المبحث الثاني: اللفظية النافية جهمية

- ‌المبحث الثالث: إقامة الحجة على بطلان اعتقاد اللفظية النافية

- ‌المبحث الرابع: بيان غلط اللفظية النافية على الامامين أحمد والبخاري

- ‌المبحث الخامس: اللفظية المثبتة مبتدعة

- ‌الباب الثالثعقائد الطوائف المبتدعة في كلام الله تعالى وكشف أباطيلهاوفيه تمهيد وثلاثة

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأولذكر جملة أقوال طوائف أهل البدع

- ‌ أولا: المتفلسفة وبعض غلاة الصوفية:

- ‌ ثانيا: الجهمية من المعتزلة وغيرهم:

- ‌ ثالثا: الكلابية:

- ‌ رابعا: الأشعرية:

- ‌ خامسا: السالمية ومن وافقهم من أهل الكلام والحديث:

- ‌ سادسا: الكرامية:

- ‌الفصل الثانيكشف تلبيس الجهمية المعتزلة في كلام الله تعالى وحكم السلف والأئمة فيهم

- ‌المبحث الأول: ذكر شبه المعتزلة ونقضها

- ‌المبحث الثاني: ذكر ما حرفت المعتزلة من معاني التنزيل لابطال صفة الكلام

- ‌المبحث الثالث: المعتزلة فى الميدان

- ‌الفصل الثالثكشف تلبيس الأشعريةفي إثبات صفة الكلام لله تعالى

- ‌المبحث الأول: تعريف الكلام عند الأشعرية

- ‌المبحث الثاني: إبطال كون كلام الله تعالى معنى مجرداً

- ‌المبحث الثالث: القرآن العربي عند الأشعرية

- ‌المبحث الرابع: أسماء الله تعالى عند الأشعرية

- ‌المبحث الخامس: وجه التوافق بين قولي المعتزلة والأشعرية في القرآن

- ‌المبحث السادس: الأشعرية وأهل السنة في مسألة القرآن

- ‌خاتمة

الفصل: ‌المبحث الثاني: الأدلة المثبتة لصفة الكلام

7 -

وقال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا} [الكهف: 109].

8 -

وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَهُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام: 115].

9 -

وقال جلَّ وعلا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ} [الفتح: 15].

10 -

وقال تعالى: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75].

11 -

وقال تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6].

والأيات في ذلك كثيرةٌ جدًا.

• من أدلة السنة:

1 -

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"احتجّ آدمُ وموسى، فقالَ له موسى: يا آدم، أنتَ أبونا، خَيَّبْتَنا وأخرَجْتَنا من الجنَّة، قال له آدم: يا موسى، اصطفاكَ الله بكلامِهِ، وخَطَّ لكَ [التوراةَ] بيدهِ، أتلومُني على أمْرٍ قدَّرهُ الله عليَّ قبلَ أن يخلقَني بأربعينَ سنةً؟ فحَجَّ آدمُ موسى، فحَجَّ آدمُ موسى -ثلاثًا-"(1).

(1) حديث صحح.

أخرجاه في "الصحيحين" وغيرهما من طرق كثيرة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قد جمعتها في جزء فبلغت ثلاث عشرة طريقًا.

وكذا وقفتُ عليه من حديث عمر بن الخطاب، وأبي سعيد الخدري، وجندب =

ص: 84

2 -

حديث جابر بن عبد الله قال:

كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْرضُ نفسَه على الناس بالموقفِ فيقول:

"هلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُني إلى قومِهِ؟ فإنَّ قريشًا قدْ مَنعوني أن أبلِّغَ كلامَ رَبِّي عز وجل" الحديث (2).

3 -

حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"فضلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفَضْلِ الله على سائرِ خلقِه"(3).

= ابن عبد الله البجلي، وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهم، وجميعها مخرّجة في الجزء المشار إليه.

(2)

حديث صحيح.

أخرجه أحمد 3/ 390 وأبو داود (4734) والترمذي رقم (2925) وابن ماجة رقم (201) والدارمي رقم (3357) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" 2/ 175 - والبخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (86، 205) وعثمان الدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (284) والحاكم 2/ 612 - 613 وأبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم (217) واللالكائي في "السنة" رقم (554، 555) والبيهقي في "الاعتقاد" ص: 100 و"الأسماء والصفات" ص: 187 و"دلائل النبوة" 2/ 413 وإسماعيل بن الفضل الأصبهاني في "الحجة" ق 48/ أ - ب من طرق عن إسرائيل: حدثنا عثمان ابن المغيرة عن سالم بن أبي الجعد عن جابر به.

قلت: وإسناده صحيح، وصححه الترمذي والحاكم وأقرَّه الذهبي.

وتابع إسرائيلَ شريكٌ القاضي.

أخرجه إسماعيل بن الفضل ق 61/ ب.

وإسناده جيدٌ في المتابعاتِ.

(3)

حديث حسن. =

ص: 85

4 -

حديث أبي أمامةَ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:

يا نبيَّ الله، أنبيَّاً كانَ آدمُ؟ قالَ:"نَعَمْ، مُكَلَّمًا".

قَالَ: كم بينَه وبينَ نُوحٍ؟ قالَ:

"عَشرةُ قُرون"(4).

= أخرجه عثمان الدارميُّ في "الرَّدِّ على الجَهْميَّة" رقم (287، 340) واللالكائي رقم (557) من طريقين، الأولى عند الدارمي: محمد بن سَواء، والثانية عند اللالكائي: عبد الوهاب بن عطاء، كلاهما عن سعيد بن أبي عَروبةَ عن أشعث الخُدّاني عن شَهر بن حوشَب عن أبي هريرة به.

قلت: وهذا سند حسن، وعبد الوهاب قديم السماع من سعيد، وصرَّح بسماعهِ منه.

ورواه عَمرو بن حمدان عن سعيد، وكذا يونس بن واقد عنه، وذكرا قتادة بدلَ أشعث ولا يبعد أن يكون من تخليط سعيد، ورواية عبد الوهاب أثبثُ.

ورواه عُمَر الأبَحُّ عن سعيد فزاد فيه تخليطًا، والأبَحُّ هذا قال البخاري:"منكر الحديث".

ورواه حمادُ بن سلمة عن أشعث عن شهر به مرسلًا، ورواية سعيد أصحٌّ.

وللحديث شاهد من حديث أبى سعيد الخدري مرفوعًا: "

وفضلُ كَلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقهِ".

أخرجه الترمذي رقم (2926) والدارمي رقم (3359) وآخرون من حديث محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهَمْداني عن عَمْرو بن قيس عن عطية -هو العوفي- عن أبي سعيد الخدري به.

قلت: وإسناده صالح في الشاهد.

(4)

حديث صحيح.

أخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (299) وابن حبان رقم (2085 - =

ص: 86

5 -

حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إنَّ الله كَتَبَ كتابًا قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ بألفَي عام، فأنزلَ منه آيتين ختمَ بِهما سورةَ البقرةِ، فلا تقْرآنِ في "دارٍ ثلاثَ ليالٍ فيقرَبُها شَيْطانٌ" (5).

= موارد) والطبراني في "الكبير" 8/ 139 - 140 و"الأوسط" رقم (405) والحاكم 2/ 262 والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 206 وابن عساكر 2/ 325/ ب من طريق الربيع بن نافع ثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلّام أنَّه سمعَ أبا سلاّم يقول: حدثني أبو أمامة به.

قلت: وهذا سند صحيح.

قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم".

وأقرّه الذهبي، وابن كثير في "البداية والنهاية" 1/ 101.

وقال الهيثمي في "المجمع" 1/ 196 و 8/ 210: "رجاله رجال الصحيح" زاد في الموضع الثاني: "غير أحمد بن خُليد الحلبي وهو ثقة".

قلت: هو شيخ الطبراني في الحديث، وهو متابَع أيضًا.

(5)

حديث صحيح.

أخرجه أحمد 4/ 274 والترمذي رقم (2882) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (967) والدارمي رقم (2290) وابن حبان رقم (1726 - موارد) والحاكم 1/ 562 أو البيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 231 - 232 من طرق عن حماد بن سلمة قال: حدثنا الأشعث بن عبد الرحمن عن أبي قِلابة عن أبي الأشعث الصَّنْعاني عن النعمان بن بشير به.

قلت: وهذا سند صحيح، ورجاله ثقات.

وأبو الأشعث الصنعاني اسمه شَراحيل بن آدَة.

قال الترمذي: "حديث حسن غريب".

وقال الحاكم: "صحيح الإسناد" وأقرّه الذهبي. =

ص: 87

6 -

حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال:

احتُبسَ علينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ غداةٍ عن صَلاةِ الصُّبْحِ، حتَّى كِدْنا نَتراءى قَرْنَ الشَّمسِ، فخَرَجَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَريعًا، فَثوَّبَ بالصَّلَاةِ، وصلَّى وتجوَّز في صَلاتِهِ، فلمّا سلَّمَ قال:

"كَما أنتمْ على مَصافِّكمْ".

ثمَّ أقبلَ إلينا فقال:

= قلتُ: لكن الكوثريَّ الزائغَ قال فى تعليقه على "الأسماء والصفات" في شأن الأشعث وأبي قِلابة: "تكلَّم به النسائي -يعني الأشعث- وأبو قلابة مدلس".

قلتُ: الأشعث الذي تكلَّم فيه النسائي هو ابن عبد الرحمن اليامي، غير هذا، وهذا ابن عبد الرحمن الجَرْمي، كما صرّح به في رواية الترمذي وغيره، وقد قال أحمد:"ما به بأس" وقال ابن معين: "ثقة" وذكره ابن حبان في "الثقات".

وأمَّا أبو قلابة -واسمه عبد الله بن زيد- فإنَّه ثقة يُرسل كثيراً، وأخطأ مَنْ وَصَفَه بالتدليس. وإنما أراد الكوثريُّ إبطالَ دلالة هذا الحديث على خِلاف مذهبه في كلام الله تعالى، وهي شِنْشِنَةٌ عهدناها منه.

تنبيه: وقع عند الترمذي: "أبو الأشعث الجَرْمي" وإنَّما هو الصَّنعاني، قال المزِّي:"وقع في رواية الترمذي: عن أبي الأشعث الجَرْمي، وهو وهم، وإنما هو الصنعاني، واسمه شراحيل".

والحديث رواه رَيْحان بن سعيد عن عبّاد بن منصور عن أيُّوبَ عن أبي قِلابة عن أبي صالح الحارثى عن النعمان بن بشير به.

أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (966) والطبراني في "الصغير" رقم (147).

قلتُ: وهذا إسناد ضعيف، لا يُقابِلُ الإِسنادَ الأوَّلَ قوّةً، فإنَّ روايةَ ريحان عن عباد عن أيُّوب عن أبي قلابة ضعيفة.

ص: 88

"إنِّي سأحدِّثكُم ما حَبَسَني عنكم الغَداةَ:

إنِّي قمتُ من اللَّيلِ، فصلَّيتُ ما قُدِّرَ لي، فنَعَسْتُ في صَلاتي حتى [استثقَلتُ](6) فإذا بربّي عز وجل في أحسنِ صورةٍ، فقال: يا مُحَمَّد، أتدري فيمَ يختصمُ المَلأ الأعلى؟ قلتُ: لا أدري يا ربِّ، قال: يا محمَّدُ، فيمَ يَختصِمُ الملأ الأعلى، قلت: لا أدري يا ربِّ، فرأيتُهُ وضعَ كَفَّه بين كَتِفَيّ، حتى وَجَدْتُ بَرْدَ أنامِلِهِ بينَ صَدْري، فتجلَّى لي كلُّ شَيءٍ، وعَرَفْتُ، فقال: يا محمَّدُ، فيمَ يختصِمُ الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفّاراتِ، قال: وما الكفّاراتُ؟ قلتُ: نَقْلُ الأقْدامِ إلى الجُمُعاتِ، وجُلوسٌ في المساجِدِ بعد الصلاةِ، وإسباغُ الوضوءِ عِنْدَ الكريهاتِ، قال: وما الدَّرَجاتُ؟ قلت: إطعامُ الطعام، ولِينُ الكلام، والصلاةُ والناسُ نيام، قال: سَلْ، قلتُ: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ فِعلَ الخَيْراتِ، وتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وحُبَّ المَساكينِ، وأنْ تَغْفِرَ لي، وتَرْحَمَني، وإذا أردتَ فتنةً في قومٍ فتوَفَّني غيرَ مفتونٍ، وأَسألُكَ حُبَّكَ، وحُبَّ من يُحِبُّكَ، وحُبَّ عَمَلٍ يقرّبُني إلى حُبِّكَ".

وقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"إنَّها حقٌّ فادْرسُوها وتَعَلَّمُوها"(7).

(6) وقع في "مسند الإِمام أحمد": "

استيقظت

" وهي مختلّة، وما أثبته هو الصواب وهو في بقية مصادر التخريج كما أوردته على الصواب.

(7)

حديث صحيح.

أخرجه أحمد 5/ 243 والترمذي رقم (3235) وابن خُزيمة في "التوحيد" ص: 218 - 219 وغيرهم من طريق جَهْضَم بن عبد الله اليمامي ثنا يحيى -يعني ابن =

ص: 89

• من الأثر:

1 -

عن نِيار بن مُكْرَم -وكانَتْ له صحبةٌ- أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه خاطَرَ قَوْمًا مِنْ أهْلِ مكَّةَ على أنَّ الرُّومَ تغلِبُ فارسَ، فغلَبَت الرُّومُ، فنزلَتْ {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 1 - 2] فأتى قُريْشًا، فقرأها علَيهم، فقالوا: كلامُكَ هذا؟ أم كَلامُ صاحِبك؟ قال: "ليسَ بِكَلامي، ولا كَلامِ صاحِبي، ولكنَّه كَلامُ الله عز وجل".

وفي لفظٍ: "الله عز وجل أنزلَ هذا"(8).

= أبي كثير - ثنا زيد -يعني ابن أبي سَلّام- عن أبي سلَّام أنه حدّثه عبدُ الرحمن بن عائش الحضرمي عن مالك بن يَخامِر أنَّ معاذ بن جبل قال: فذكره.

زيد بن أبي سلّام هو زيد بن سلّام بن أبي سلّام نُسِبَ إلى جده.

قلتُ: وإسناده صحيح.

قال الترمذي: "حديث حسن صحيح، سألتُ محمد بن إسماعيل -يعني البخاري- عن هذا الحديث؟ فقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ

".

قلت: وأورِدَ على إسنادِ الحديث اختلافٌ، غير ضارّ في ثُبوتهِ، ولَه شاهد عن جَماعةٍ من الصحابة، تفصيلها في غير هذا الموضع.

(8)

أثر صحيح، وله حكم الرفع.

أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ص: 166 - 167 وعبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (116)"البيهقي في "الاعتقاد" ص: 102 و"الأسماء والصفات" ص: 239 وإسماعل بن الفضل في "الحجة" ق 61/أ - ب من طريق سُريْج بن النُّعمان حدثني عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه عن عُروة بن الزبير عن نيار بن مُكْرَم به.

قلت: وإسناده جيد.

وهو عند الترمذي رقم (3194) من غير موضع الشاهد، وصححّه.

ص: 90

2 -

وعن عائشةَ رضي الله عنها قالَتْ -في قصَّةِ الإِفكِ-:

"والله ما كنتُ أظنُّ أنَّ الله يُنْزِلُ بَراءتي وَحْيًا يُتْلى، ولَشأني في نفسِي كانَ أحْقَرَ منْ أنْ يتكلَّمَ الله فِيَّ بأمْرٍ يُتلى

" (9).

3 -

وعن فَرْوَةَ بن نَوْفَل الأشْجَعيّ قالَ:

كُنْتُ جارًا لخبّابٍ، فخرجْنا يومًا من المسجدِ، وهو آخِذٌ بيَدي، فقال:

"يا هَناهُ، تقَرَّبْ إلى الله ما استطعتَ، فإنَّكَ لن تقرَّبَ إلَيهِ بشَيءٍ أحَبَّ إليه من كَلامِهِ -يعني القرآن-"(10).

(9) متفق عليه.

(10)

أثر صحيح.

أخرجه أحمد في "الزهد" ص: 35 وأبو بكر بن أبي شيبة 10/ 510 - 511 وعبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (111، 112، 113) والدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (310) والآجري في "الشريعة" ص: 77 والحاكم 2/ 441 واللالكائي رقم (558) والبيهقي في "الاعتقاد" ص: 103 - 104 و"الأسماء والصفات" ص: 241 من طرق عن منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن فَرْوة بن نوفل الأشجعيّ به.

قلت: وإسناده صحيح.

قال الحاكم: "صحيح الإِسناد" وأقرّه الذهبي.

وقال البيهقي: "هذا إسناد صحيح".

قلت: خَبَّاب، هو ابن الأرَتّ، صحابيٌّ معروفٌ.

وقوله: "يا هَنَاه": أي: يا هذا، وهي مختصَّة بالنداء، وقد قيل: إنها تكون للأبله أو لتنبيه الغافل.

ص: 91

4 -

عن نافع (هو مولى ابن عمر) قال:

خطَبَ الحَجَّاجُ (هو الثَّقفيُّ) فقال: إنَّ ابن الزُّبَيْر (هو عبد الله) يُبدِّلَ كَلامَ الله تعالى، قال: فقال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما:

"كَذَبَ الحَجَّاجُ، إنَّ ابنَ الزُّبَيْر لا يُبَدِّلُ كلامَ الله تعالى، ولا يَسْتطيعُ ذلكَ"(11).

5 -

عن أبي عبد الرحمن السُّلَميّ (تابعيٌّ ثِقَةٌ إمامٌ) قال:

"فَضْلُ القرآنِ على سائِرِ الكَلَامِ كَفَضْلِ الرَّبِّ على خَلْقِهِ، وذلكَ أنَّهُ مِنْهُ"(12).

6 -

وعن قَتادةَ (بن دِعامَة السَّدُوسيّ، ثِقَةٌ عالمٌ من خِيَار أصْحاب أنَس) قال:

{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ

} [البقرة: 26]

(11) أثر صحيح.

أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 244 بسند صحيح.

(12)

أثر جيد الإِسناد.

أخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (341) واللالكائي في "السنة" رقم (556) والببهقي في "الاعتقاد" ص: 101 و"الأسماء والصفات" ص: 237 من طرق عن إسحاق بن سليمان قال: ثنا الجَرَّاحُ بن الضَّحَّاك الكِنْدي عن علقمة بن مَرْثَد عن أبي عبد الرَّحمن به عقبَ روايتهِ لحديث عثمان رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: "خيركم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمه".

وهذا الحديث في "الصحيح" دونَ قول أبي عبد الرَّحمن.

قلتُ: وإسناده جيدٌ.

ص: 92

قالَ: "أي: يعلَمونَ أنَّهُ كلامُ الرَّحمن"(13).

والخبَرُ عن رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابهِ المَرْضِيِّينَ رضي الله عنهم، وأتباعِهم رحمهم الله في ذلك لا يَدْخلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وفيما أوْرَدْناهُ من ذلك كافٍ لمَنْ طلبَ الحقَّ وأرادَهُ.

• من المعقول:

وأما دَلالةُ المَعقول على إثباتِ صفةِ الكلام لله تعالى فمنْ وَجْهَيْنِ:

الوجه الأول:

إنَّ الكلامَ صفةُ كمالٍ، وضِدَّها صفةُ نَقْصٍ، وهي: البكَم والخَرَس، وهذه الصِّفةُ إنْ وُجِدَتْ في المخلوقِ العاجزِ الضَّعيفِ كانتْ نقْصًا بيّنًا، فكيفَ يصلحُ إثباتُها لِمَن لَه الكمالُ المطلقُ سبحانه؟ وكيفَ يصحُّ ذلكَ وهو واهبُ الكمالِ للكاملينَ؟ أفيصحُّ أن يهبَ عبدَه ما هو عاجزٌ عن الاتّصافِ به من صِفاتِ الكَمال؟

إنَّ لله تعالى المثلَ الأعلى، والكمالَ من جَميعِ وجوههِ، وهو السَّلامُ المَلِكُ القُدُّوسُ المُتعالي عن المَعايب والنّقائص، فحيثُ نَفَيْنا عنه كلَّ عَيْبٍ ونَقْص فهو إذًا المتّصف بكَمال ضِدِّ ذلك، فلمَّا كانَ ضِدُّ الكلام نقْصًا نزَّهْناه عنه وأثبتنا لَه كَمالَ ضدِّهِ، ألا وهو الكلامُ الذي لا نظيرَ له، كسائرِ صفاتهِ.

(13) أثر صحيح.

أخرجه الدارمي أبو محمد في "السنن" رقم (3355) وابن جرير في "تفسيره" 1/ 180. وإسناده صحيح.

ص: 93

ولقَدْ جاءَ القرآنُ العظيمُ بتقرير هذا المعقولِ أحسن تقرير، فقال تعالى في العِجْل الَّذي اتَّخَذه قومُ موسى إلهًا يعبدونَهُ من دون الله:{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} [الأعراف: 148] وقال تعالى: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا} [طه: 89] فعابَ العِجْلَ بكونهِ قَدْ سُلِبَ صِفَةَ الكلام، فدلَّ على أنَّ سَلبَها صفةُ نَقْصٍ لا تَليقُ بالإِله المعبودِ، وما كانَ ليَعِيبَ إلهَهُم الباطلَ، بما هو عَيْب فيه، تعالى وتقدّس.

وقال سُبحانَهُ في حكايةِ قَوْلِ إبراهيمَ عليه السلام لقَومِهِ حين حَطَّمَ أصنامَهم: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 63] فكانَ جوابُهُمُ الإِقرارَ بسَلْبِ لهذه الصِّفَةِ عن آلهتهم، والاعتراف بأنَّ ذلكَ نقصٌ فيها {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} [الأنبياء: 64 - 65] فكانَتْ هذه حُجَّةَ إبراهيمَ عليهم لإِظهار فَسادِ دينِهم {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء: 66، 67].

فَدَلَّت الآياتُ على أنَّ سَلْبَ صِفَةِ الكَلَامِ صِفَةُ نَقْصٍ فيمَنْ سُلِبَتْ عنه، فكانَ من حُجَّةِ إبراهيمَ عَلَيهم: أنَّ آلهتَهم لَا تتكَلَّم، فلو لم يَكن ضدُّ هذه الصِّفةِ لازِمًا لربّه تعالى، لم يكُنْ له في إلزامهِ إيّاهم حجْةٌ عليهم، لمُساواةِ إلهِهِ لآلِهَتِهِم في سَلْبِ لهذه الصِّفَةِ، ولصَحَّ لقومِهِ أنْ يقولوا لَه: ما وصفتَ به آلهتنَا منَ النَّقْصِ هو صفةٌ لإلهكَ أيضًا، فتبطلُ بذلك حُجَّتُهُ، ولكن لمَّا كانَ الله تعالى مَوْصوفًا بصفةِ الكلامِ لمْ يكن لهم أنْ يعْتَرضوا

ص: 94

عليه بمِثْلِ ما اعترضَ عليهم.

والوجه الثاني:

إنَّ العبادَ لا غِنى لهم عن إرسال الرُّسُلِ، وإنزالِ الكُتُب، لأنَّ أحوالَ الدُّنيا والآخرةِ لا تَستقيمُ لهم إلّا بذلكَ، بَلْ إنَّ الحكمةَ من خَلقِهم تنتفي بدونِ ذلكَ، ويَعيشُ الناسُ في الدُّنيا عيشَ البَهائِم بغيرِ تَكليفٍ، فلا أمرٌ ولا نَهْيٌ.

فلمَّا كانوا لا غنى لهم عن ذلك أرسَلَ الله تعالى الرُّسُلَ وأنزَلَ عليهم الكتبَ، إذ لو تركَهُمْ لعقولهم لضلّوا، وليس للرَّسول معنى إلَّا تبليغ الرِّسالة، والرِّسالةُ إنَّما هي وحيُ الله الذي يوحيهِ إلى رسلِهِ، ووَحْيُهُ إنَّما هو كلامه تعالى، ومنه كتبه المُنْزَلَةُ الهاديةُ.

فبانَ بما شَرَحْنَاه ثبوتُ صفةِ الكلامِ لله تعالى، على رَغْمِ أنوفِ الجَهْمِيَّةِ الكُفَّار، ولله الحمدُ والمنَّة.

ص: 95