الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وألفاظُ الأئمَّةِ في ذلك لا ندخل تحتَ الحصر، ولكنَّ أهلَ البدع -خاصَّة من المنتسبين إلى الأئمة الفقهاء في الفروع- يتأوّلونَ كلامَ الأئمة في ذمّ الكلام على أنَّهم يُريدونَ الكلامَ الذي يناقض الكتابَ والسُّنَّة!!
سبحان الله! وهل في علم الجَدل والكلام إلَّا ما يناقضٍ الكتابَ والسُّنَّة؟! ولو لم يكن هناك دليلٌ إلَاّ الإحداث؛ لكفى به مناقضةً للكتاب والسنة.
وأيضاً؛ فلو كان موافقاً للكتاب والسنة، وقد دلَّ عليه الدليلُ السَّمْعيُّ؛ فلَسْنا نُدْخِلُه في عِلْم الكلام.
وهذه الطريقة كانت طريقةَ السَّلَف، فإنَّهم وقَعَت مِن كثير منهم مناظرات لأهل البدع واحتجاجاتٌ عليهم، لكنْ بدَلائِل الكتاب والسُّنَّة، لم يخرجوا إلى شيْءٍ من البِدَع شأْنَ المُرادينَ بالذَّمِّ من أهل الكلام، ولم يكن السَّلَف يَعْرفونَ الكلامَ إلَّا محدَثات الأمور التي لم يَرِدْ في شيء منها نصُّ كتابٍ ولا سُنَّةٍ، خلافاً لكم أيُّها المبتدعة من أتباع الأشعري والماتُريدي، ممَّن تتظاهرون بالانتساب للأئمة؛ فإنَّ كلامَكُمْ ليس من قَبيل مناظرات السَّلَف، وإنَّما هو من قبيل جَدَل المعتزلةِ وأصحاب البدع، وكتبكُم شاهدةٌ على ذلك، وخروجُكم عن طريقة السَّلَف في غالب مسائل الاعتقاد وأصوله من أكبر الأدلَّة على وقوعِكم في الكلام المذموم، ولكنْ هذه حَيْدَةٌ أردتم التلبيسَ بها على الناس، لئلًا يُقال: إنكم خالفتم السَّلَفَ حيث نَهوا عن علم الكلامِ وذمَّوه.
•
المسألة الثالثة:
طريقة السَّلَف في العقائد والأحكام أحسَنُ الطُّرق، وهي الوسَط،
وهي الأعلَمُ والأحكَمُ والأسلَمُ، وليسَ فيها شيءٌ من البدع. ووجهه تَوضيح هذا المعنى كثيرةٌ؛ فمن ذلك:
- أنهم عاصَروا التشريع وعايَشوه، فعلِموا مواقعَ التنزيل، وورودَ الأدلّة على الوقائع والأحوال.
- وأنَّ خِطابَ الشارع متوجّهٌ إليهم في الأصْلِ وهم المُرادونَ به قبلَ غيرهم.
- وهم أهل الفَصاحة والبَيان، والوَحْيُ جاء بلسانِهم، ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوضّح لهم ما يُشْكِلُ عليهم بلغتهم.
- والنُّصوص في الكتاب والسُّنَّة الدَّالَّةُ على فضْلِهم وعُلوّ قَدْرِهم قد تواتَرت، وهذه المنزلةُ لم يَنالوها إلَّا بما لهم مِنَ السَّبق في سُبل الخير.
- وقد جَعَلَ الله تعالى لهم الإِمامةَ في الدْين لمَنْ بَعْدَهم، وأثنى على مَن تَبِعهم وسلَكَ سَبيلَهم، وإنَّما نالَ التَّابعُ الفَضلَ لِفَضْلِ المَتْبوع؛ كما قالَ تَعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].
- يؤكّده خُلوُّ زمانِهم من البدَع والأهواءِ والجَدَلِ والمِراء، وإقبالُهم على العِلْم، ولا يَرتاب المسلمُ العارفُ في أنَّ التوفيقَ للمُقبل على ما فيه رضي ربّه وطاعتُه والإعراضُ عَمَّا يُفْسِدُ القلب من البدَع والأهواء مضمونٌ.
إلى غير ذلك من الوجهه الدَّالَّة على استقامةِ طريقتهم، وكونهم أسلمَ الأمَّة اعتقاداً، وأعلَمَها بالله ودينه، وأحكَمَها منهجاً.
وهذا يُفسِدُ قول بَعْض متنقّصي السَّلَف والجاهلينَ بأقدارِهم: "طريقةُ السَّلَف أسْلَمُ، وطريقةُ الخَلَف أعْلَمُ وأحكمُ".
ولا يَخفى ما تَضَمَّنَت هذه المَقالةُ من الباطل عندَ العارفِ بعَقيدتِهِ ودينِهِ من أهل الإِسلامِ؛ إذ هي مبنيَةٌ على تفضيل الخَلَف -والمُرادُ بهم عندَ صاحب المَقالة: الَّذين امتازوا بمَعْرِفَتهم بالجَدَل وعلْم الكلام وكانَ لهم فيه قَدَمُ السَّبْق- على أخيار هذه الأمَّةِ، على السَّلف الكِرام: أصحاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والتَّابعين لهم بإحسانٍ، الَّذين لم يشتغلوا بالجَدلِ الباطلِ، ولا بالكلام المَذموم، وآمَنوا بما جاءَ عن الله على مُراد الله، وما جاءَ عن رَسول الله صلى الله عليه وسلم على مُراد رسولِهِ صلى الله عليه وسلم، الذين وقَفوا عن عِلم حين وقَفوا، وتكلَّموا بعِلْمٍ حين تكلَّموا، والَّذين لم يَعْرِف اللهَ تعالى أحدٌ معرِفَتَهم بعدَ رُسُلِهِ وأنبيائِهِ.
ولستُ أدري كيف يخفى فَسادُ المَقالَةِ على أحَدٍ تذوَّقَ طعمَ العِلْم، أو كانَ عنده ذرّةٌ من وَرَعٍ، وإني لستُ أرى لهذا القائلِ شَبَهاً إلَاّ بالرافضةِ؛ إلَاّ أنَّهُ لمَّا كَانَ أشعريّاً -اعتادَ على طريقةِ أصْحابهِ التقيّة في كِثير من المَسائل- زَيَّنَ مقالَتَه بوَصْفِ طريقة السَّلَف بالسَّلَامةِ، وغفلَ المسكينُ حبث وصفَ الخَلَفَ بالعلم والحكمة أنَّه شبّه السلفَ بالصُّمِّ البُكْمِ الذين لا يَعقلون؛ لأنَّهم على تفسير هذا المُبطل كانوا عاجزين عن نيل العلم والحكمةِ التي حصَّلَها هو وأشباهُهُ، فكانوا يحمِلون القرآنَ والسُّنَنَ ولا يدرون ما فيها؛ لأنَّهم لم يقدروا على التأويل، ولم يتورَّطوا في التعطيل، وهذا المُبْطل وأشباهُهُ خاضوا البحر الذي وقفَ عنده السَّلَفُ، فعَلِمُوا من الأسرارِ والحكمةِ ما لم يَدْرِهِ السَّلَفُ؛ فبهذا كانوا الأعلمَ والأحكمَ!