الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الخامس: كلام الله تعالى غير مخلوق
كلامُ الله تعالى صفةٌ من صفاتهِ غيرُ مَخلوقٍ كسائر صِفاتِه، سَواء كان القرآن العربيَّ، أوِ التَّوراةَ العِبربَّةَ، أو غيرَ ذلك من كلامِهِ تعالى، ممَّا وقَعَ من كلامِهِ، وممَّا لَم يقع بَعْدُ.
ولَقَدْ كانَ السَّلفُ في صَدْرِ الإِسلام في غِنًى عن إطلاقِ لفظِ (غير مخلوق) لأنَّه كانَ من المُسَلَّمِ عندهم أنَّ كلامَ الله صفةٌ مِن صفاتِهِ، وصفاتُهُ غيرُ مَخلوقةٍ، حتى ظَهَرت الجَهميةُ، فنفَتْ صفةَ الكلامِ عن الله تعالى، لكنْ لمَّا كانَ فذا القولُ منكَراً شَنيعاً، تَنفرُ منه قلوبُ الناسِ، وتقشَعِرُّ منه جلودُهم، ويرفُضُهُ إيمانُهُمْ، أبدَلوهُ بقَوْلِهم: كلامُ الله مَخْلوقٌ، فتظاهَروا بإثباتِ الكلامِ، وأبطلُوهُ بقولهم: مخلوقٌ.
فلمَّا كانَ حقيقةُ قَوْلِهم إبطالَ صفةِ الكلامِ وتَعطيلَها قابَلهم السَّلَفُ برفْضِ هذهِ البدعةِ وإنكارِها، والتَّشديدِ عليهم في ذلكَ، بل وتكفيرهم، لأنَّ حقيقةَ قولهم الكفرُ، لِما تضمَّنَ من تكذيبِ القرآنِ، وإثبات النَّقْصِ للرَّحمنِ، فقالَ السَّلَفُ حينئذٍ:(كلامُ الله -كالقرآن وغيره- غيرُ مخلوقٍ).
ولقَدْ كانَتْ لهذه العقيدةُ مبنيَّةً على أسُسٍ متينةٍ وقَواعدَ عظيمةٍ من
الكتابِ والسُّنَّةِ، والمَعقولِ الصَّريحِ، ونُصوصِ السَّلَفِ وكَلامِهم، خِلافًا لما يحسَبُه الجاهلونَ.
وإنِّي ذاكرٌ لكَ من ذلكَ ما فَتَحَ الله تعالى به لئلَاّ تضِلَّ السَّبيلَ، ولتَتَّقيَ ما أحدثَهُ الناسُ من القالِ والقيلِ:
• من أدلة الكتاب:
1 -
والاحتجاجُ بهذه الآيةِ من وَجْهَيْنِ:
الأول: أنَّه تعالى فرَّقَ بين الخَلْقِ والأمْرِ، وهما صِفَتان من صِفاتِهِ، أضافَهما إلى نفسهِ، أمَّا الخَلْقُ فَفِعْلُهُ، وأمَّا الأَمرُ فقولُهُ، والأصْلُ في المُتعاطفين التَّغايُرُ إلَاّ إذا قامَتِ القرينةُ على عَدم إرادَة ذَلكَ، وهنا قد قامتِ القرائنُ على توكيدِ الفَرْقِ بَيْنَهُما، ومنها الوجهُ الآتي.
والثاني: أنَّ الخَلْقَ إنَّما يكونُ بالأمْرِ، كَما قال تعالى:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].
فقوله تعالى: {كُنْ} هو أمْرُهُ، فلو كانَ مَخْلوقاً لاحتاجَ خلقُهُ إلى أمْرٍ، والأمْرُ إلى أمرٍ، إلى ما لا نِهاية، وهذا باطلٌ.
وقد احَتجَّ الإمامُ أحمدُ رحمه الله على الجَهْمِيَّة المُعْتزلةِ بهذه الآية.
قال رحمه الله: "قلتُ: قال الله: {ألَا لَهُ الْخَلْقُ والأمْرُ} ففرَّقَ بين
الخَلْقِ والأمْرِ" (38).
وقال لهم: "قال الله: {أتَى أَمْرُ اللهِ
…
} [النحل: 1] فأمْرُهُ كلامُه واستطاعَتُهُ ليسَ بمخلوقٍ، فلا تَضْرِبوا كِتابَ الله بعضَهُ بِبعضٍ" (39).
وقالَ فيما كتَبَهُ للمتوكِّل حينَ سألَهُ عن مَسألةِ القرآنِ: "وقَدْ قالَ الله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ
…
} [التوبة: 6]، وقَالَ:{أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} ، فَأخبَرَ بالخَلْقِ، ثُمَّ قَالَ:{وَالأمْرُ} ، فأخبرَ أنَّ الأمرَ غَيْرُ مَخلوقٍ (40).
وقد سبَقَ الإِمامَ أحمد إلى هذا الاحتجاج شيخُه الإمامُ سفيانُ بن عُيَيْنَةَ الهِلاليُّ الحافظُ الثِّقَةُ الحُجَّةُ، فقالَ رحمه الله:
"ما يَقولُ هذا الدُّوَيْبَّةُ؟ " -يعني بشرًا المَريسِيّ-.
قالوا: يا أبا محمَّدٍ، يزعُمُ أنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ، فقالَ:
"كَذَبَ، قال الله عز وجل: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ} فالخَلْقُ خَلْقُ الله تبارك وتعالى، والأمْرُ القرآنُ"(41).
قال الحافظُ هبةُ الله ابنُ الطَّبَريّ عقبَ هذا: "وكذلكَ قالَ أحمدُ بن حنبل ونُعَيْمُ بن حمَّادٍ، ومحمَّدُ بن يحيى الذُّهْليُّ، وعَبْدُ السَّلام بن عاصمٍ
(38) رواه حنبل في "المحنة" ص: 53 عن أحمد.
(39)
رواه حنبل في "المحنة" ص: 54 عنه.
(40)
رواه صالح ابنه في "المحنة" روايتة ص: 120 - 121.
(41)
رواه الآجري في "الشريعة" ص: 80 وابن الطبري في "السنة" رقم (358) والخطيب في "تاريخ بغداد" 9/ 88 - 89 بسند جيد عنه.
الرازيُّ، وأحمدُ بن سِنانٍ الواسطيُّ، وأبو حاتِمٍ الرازيُّ".
2 -
وقالَ تعالى: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ} [الرحمن: 1 - 3].
ففرَّقَ تعالى بينَ عِلمهِ وخَلْقِهِ، فالقرآنُ عِلْمُهُ، والإنسانُ خلقُهُ، وعِلْمُهُ تعالى غيرُ مَخلوقٍ.
قالَ تعالى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [البقرة: 140].
وقالَ تعالى: {
…
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إنَّكَ إذاً لَمِنَ الظَّالمِينَ} [البقرة: 145].
وقالَ تعالى: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ} [الرعد: 37].
فسمَّى الله تعالى القرآنَ عِلْماً، إذْ هو الذي جاءَه مِنْ رَبِّهِ؟ وهو الذي عَلَّمهُ الله تعالى إيَّاه صلى الله عليه وسلم، وعِلْمُهُ تعالى غيرُ مَخلوقٍ، إذ لو كانَ مخلوقًا لاتَّصَفَ تعالى بِضدِّهِ قبلَ الخَلْقِ، تعالى الله عن ذلك وتنزَّه وتقدَّس.
وبهذا احتجَّ الإِمامُ أحمدُ رحمه الله على الجَهْميةِ فيما كتبَهُ للمتوكِّل في مسألة القرآنِ.
قالَ رحمه الله: "قالَ عز وجل: {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}، فَأخبرَ تَعالى أنَّ القرآنَ مِنْ عِلْمِهِ" ثمَّ احتجَّ بالآياتِ الثلاثِ المذكوراتِ، ثمَّ قال: "فالقرآنُ من علم الله تعالى، وفي هذه الآيات دليلٌ على أنَّ الذي جاءَه صلى الله عليه وسلم هو القرآنُ، لقولِهِ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ
أهْوَاءَهْمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ} " (42).
وقالَ رحمه الله في حكايةِ مُناظرتِهِ للجَهْميةِ في مَجْلس المُعتصِم: "قالَ لي عبدُ الرَّحمن القزّازُ (43): كانَ اللهُ ولا قرآنَ، قلتُ له: فكانَ الله ولا عِلْم! فأمْسَكَ، ولَوْ زعَمَ أنَّ اللهَ كانَ ولا عِلْم لكفَرَ باللهِ"(44).
وقيلَ له رحمه الله: قومٌ يقولونَ: إذا قال الرَّجُلُ: كلامُ الله ليسَ بمخلوقٍ، يقولون: مَنْ إمامُكَ في هذا؟ ومِنْ أيْنَ قلتَ: ليس بمخلوقٍ؟ قال:
"الحجَّة قولُ الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ}، فما جاءَه غيرُ القرآن".
قال: "القرآنُ من عِلْمِ الله، وعلمُ الله ليسَ بمخلوقٍ، والقُرْآنُ كلامُ الله ليسَ بمخلوقٍ، ومثلُ هذا في القرآنِ كثيرٌ"(45).
وقالَ رحمه الله: "القُرآنُ علمٌ مِنْ عِلمِ الله، فمَنْ زعَمَ أنَّ عِلمَ الله مخلوقٌ فهو كافرٌ"(46).
3 -
وقالَ تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً} [الكهف: 109].
(42) رواه صالح في "المحنة" ص: 121 وعبد الله في "السنة" رقم (107) عن أبيهما به.
(43)
أحدُ مناظِري الإِمام بحضرة المعتصم.
(44)
رواه حنبل في "المحنة" ص: 45 عنه.
(45)
رواه صالح في "المحنة" ص: 69 عنه.
(46)
رواه ابن هانئ في "المسائل" 2/ 153، 154عنه.
وقالَ تعالى: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [لقمان: 27].
فأخبرَ تعالى -وقولُهُ الحَقُّ- أنَّ كَلِماتِهِ غيرُ مُتَناهِيَةٍ، فَلو أنَّ البحارَ التي خَلَقَ الله كانتْ مِدادًا تُكْتَبُ به، والشَّجَرَ الذي خلقَ الله أقلاماً تُخَطٌ بِهِ، لَنَفِدَ مِدادُ البُحورِ، وَلَفَنِيَت الأقْلَامُ، ولم تَفْنَ كَلِماتُ الله.
وإنَّمَا في هذه الإبانةُ عن عَظَمَةِ كَلَامِهِ تعالى، وأنَّه وَصْفُهُ وَعِلْمُهُ، وهذا لا يُقاسُ بالكلامِ المَخلوقِ الفاني، إذ لَوْ كان مخلوقًا لَفَنِيَ من قبلِ أنْ يَفنى بَحْرٌ من البُحورِ، ولكنَّ الله تعالى إنَّما كتَبَ الفناءَ على المَخلوقِ لا عَلَى نفسِهِ وصفَتِهِ.
4 -
أسماءُ الله تعالى في القُرآنِ، كـ (الله، الرحمن، الرحيم، السميع، العليم، العفور، الكريم
…
) وغيرها من أسمائِهِ الحُسْنى، وهي من كلامِهِ، إذ هو الذي سَمَّى بها نفسَه، بألفاظِها وَمَعانِيها.
وقد ساوى الله تعالى بين تَسبيحِ نَفْسِهِ وتَسبيحِ أسمائِهِ، فقال تعالى:{وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42]، وقال:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، وقال:{فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74، 96 والحاقة: 52].
وساوى تعالى بين دُعائِهِ بنفسهِ ودُعائِهِ بأسمائِهِ، فقال:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] وقال: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] وقال: {وَلِلهِ الأسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].
وكذلك ساوى تعالى بين ذِكْرِهِ بنفسهِ وذِكْرِهِ بأسمائِهِ، فقالَ:{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} [الأعراف: 205] وقالَ: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 25].
وهذا التَّسبيحُ والدُّعاءُ والذِّكْرُ إنْ كانَ يَقَعُ لمَخلوقٍ كان كُفْراً بالله.
فإنْ قيلَ: إنَّ كلامَه تعالى مَخلوقٌ، كانتْ أسماؤُهُ داخِلةً في ذلكَ، ومَنْ زعَمَ ذلك فقَدْ كَفَرَ لِما ذكرنا، ولأنَّ معنى ذلكَ أنَّ الله تعالى لم تكن لَه الأسماءُ الحُسنى قبل خَلْقِ كلامهِ، ولَكانَ الحالفُ باسْم من أسمائِهِ مُشْرِكاً لأنه حلَفَ بمَخلوقٍ، والمَخلوقُ غيرُ الخالقِ، وقد قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَن حَلَفَ بغير الله فقد أشركَ"(47).
وبهذه الحُجَّةِ احتجَّ جماعةٌ من السَّلفِ والأئمَّةِ على كَوْنِ القرآنِ غيرَ مخلوقٍ، منهم:
1) الإِمام الحُجَّة سُفيان بن سَعيد الثوريّ.
قال: "مَنْ قالَ: إنَّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ} مخلوقٌ، فهو
(47) حديث صحيح.
أخرجه أحمد رقم (4904، 6072) وأبو داود رقم (3251) والترمذي رقم (1535) وابن حِبّان رقم (1177 - موارد) والحاكم 1/ 18 و 4/ 297 وآخرون من حديث عبد الله بن عمر به.
قلت: وإسناده صحيح، وقد حسّنه الترمذي، وصححه الحاكم وأقرَّه الذهبي. وقد شرحت ذلك في موضع آخر.
كافِر" (48).
2) ناصرُ السُّنَّة أبو عبد الله محمَّد بن إدريسَ الشَّافعي.
قال: "مَنْ حَلَفَ باسمٍ مِن أسماءِ الله فحنَثَ فعليه الكفَّارة، لأنَّ اسمَ الله غيرُ مَخلوقٍ، ومن حلَفَ بالكعبةِ، أو بالصَّفا والمَرْوةِ، فليسَ عليه الكفَّارةُ، لأنَّهُ مَخلوقٌ، وذاكَ غيرُ مَخْلوقٍ"(49).
3) إمامُ أهل السُّنَّة أحمدُ بن حَنبل.
قال: "مَنْ قالَ: القرآن مخلوق فهو عندنا كافرٌ، لأنَّ القُرآن من عِلْمِ الله عز وجل، وفيه أسماءُ الله عز وجل"(50).
وقالَ: "وأسماءُ الله في القُرْآنِ، والقُرْآنُ من عِلْمِ الله، فمَنْ زَعَمَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ فهو كافرٌ، ومن زعَمَ أنَّ أسْمَاءَ الله مخلوقةٌ فقدْ كَفَرَ"(51).
وذَكَرَ لَه رَجُلٌ أنَّ رَجُلاً قالَ: إنَّ أسماءَ الله مخلوقةٌ، والقرآنُ مخلوقٌ، فقال أحمدُ:"كُفْرٌ بَيِّنٌ"(52).
وقالَ: "أسْماءُ الله في القرآنِ، والقرآنُ من عِلْم الله، وعِلْمُ الله ليس بمخلوقٍ، والقرآنُ كلامُ الله ليسَ بمخلوقٍ على كلِّ وجهٍ، وعلى كلِّ
(48) أخرجه عبد الله في "السنة" رقم (13) وسنده جيد.
(49)
أخرجه ابن أبي حاتم في "آداب الشافعي" ص: 193 وأبو نعيم 9/ 113 والبيهقي في "السنن" 10/ 28 و"الأسماء والصفات" ص: 255 - 256 و"المناقب" 1/ 405 بإسناد صحيح.
(50)
رواه ابنه عبد الله في "السنة" رقم (1).
(51)
رواه ابنه صالح في "المحنة" ص: 52، 66 - 67.
(52)
رواه أبو داود في "المسائل" ص: 262 عنه.
جهةٍ، وعلى أيِّ حالٍ" (53).
وكما أنَّه تعالى لا يوصَف بصفةٍ مخلوقةٍ، فلا يسمَّى باسم مَخلوقٍ.
5 -
أخبرَ تعالى عن تَنزيلهِ منه وإضافتهِ إليهِ، كما قالَ:{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 2]، وقالَ:{وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 114]، وقال:{قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ} [النحل: 102]، ولَم يُضِف شيئًا ممَّا أنزلَه إلى نفسِه غير كلامِهِ (54)، ممَّا دَلَّ على الاختصاصِ بمَعنى، فليسَ هو كإنزالِ المَطَر والحديد وغير ذلك، فإنَّ هذه الأشياءَ أخبرَ عن إنزالِها، لكنَّه لم يُضِفْها إلى نفسِهِ، بخِلافِ كلامِهِ تعالى، والكلامُ صِفَةٌ، والصِّقَةُ إنَّمَا تُضافُ إلى مَن اتَّصَفَ بها لا إلى غيرهِ، فلو كانت مخلوقةً لفارقت الخالقَ، ولم تصلحْ وَصْفاً له، لأنَّه تعالى غَنِيُّ عن خَلقِهِ، لا يَتَّصفُ بشيءٍ منه.
• منه أدلة السنة:
1 -
حديث خَوْلَةَ بنت حَكيم السُّلميَّة قالَتْ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أعوذُ بِكَلِماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ، لم يَضُرَّهُ شَيْءٌ حتَّى يرتَحِلَ مِنْ مَنْزِلهِ ذلكَ"(55).
(53) رواه ابنه صالح في "المحنة" ص: 69.
(54)
انظر: "مجموع الفتاوى": 12/ 247، 297.
(55)
حديثٌ صحيح.
أخرجه أحمد 6/ 377، 409 ومسلم 4/ 2080 والترمذي رقم (3437) =
وحديثُ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قالَ: جاء رجلٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رَسُولَ الله، ما لَقِيتُ مِنْ عَقْربٍ لَدَغَتْني البارحةَ، قال:
"أما لَو قُلْتَ حين أمْسَيْتَ: أعوذ بكلماتِ الله التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ لم تَضُرَّكَ"(56).
وفي سياق آخرَ عنه قال: قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
"مَنْ قالَ إذَا أمْسى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أعوذُ بكَلِمَاتِ الله التَّامَّاتِ من شَرِّ ما خَلَقَ، لَمْ تَضُرَّهُ حُمَةٌ تلكَ اللَّيْلة".
قال: فكان أهلُنا قد تعلَّمُوها، فكانوا يقولونَها، فلُدِغَتْ جاريةٌ منهم، فلم تَجِدْ لها وَجَعاً (57).
= والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (560، 561) وابن ماجة رقم (3547) من حديث سعد بن أبي وقاص عن خولة به.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب".
وأورِدَ على إسناده اختلافٌ لا يضرُّ، وبسطه في غير هذا الموضع.
(56)
حديث صحيح.
أخرجه مالك 2/ 951 وأحمد 2/ 375 ومسلم 4/ 2081 والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (585 - 589، 591 - 592) وابن ماجة رقم (3518) من طريق أبي صالح السمَّان عن أبي هريرة به.
وأوردَ أيضًا عليه اختلافٌ في إسنادهِ، ولا يضرُّ، وبسطه في غير هذا الموضع.
(57)
حديث صحيح.
أخرجه أحمد 2/ 290 والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (590) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة به مرفوعاً، وهو لفظ من ألفاظ حديثه المُخرَّج آنفاً في التعليق السابق.
قلت: وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح.
وحَديثُ عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم كانَ يُعَوِّذُ حَسَنًا وحُسَيْنًا، يقولُ:
"أعيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ الله التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيطانٍ وهامَّةٍ، ومِنْ كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ".
وكانَ يقولُ:
"كانَ إبْراهيمُ أبي يُعَوِّذُ بهما إسْماعيلَ وإسحاقَ"(58).
فأثبتَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بما ذكَرْناهُ عنه شرعيَّةَ الاستعاذةِ بكلماتِ الله، فلو كانَتْ كلماتُهُ مخلوقةً لكانت الاستعاذةُ بها شِرْكًا، لأنَّها استعاذةٌ بمَخلوقٍ، ومن المعلوم أنَّ الاستعاذةَ بغير الله تعالى وأسمائِهِ وصفاتِهِ شِرْكٌ، فكيفَ يَصِحُّ أن يُعلِّمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّتَه ما هو شركٌ ظاهرٌ، وهو الذي جاءهم بالتَّوحيدِ الخالصِ؟
فدلَّ هذا على أنَّ كلماتِ الله تعالى غيرُ مخلوقةٍ.
وقالَ نُعَيْمُ بن حمَّاد (شيخُ البخاري، ومن أئمَّة السُّنَّة): "لا يُستعاذُ بالمَخلوقِ، ولا بكلامِ العباد والجنِّ والإِنسِ والملائكةِ".
وقال البخاري عَقِبهُ: "وفي هذا دَليلٌ أنَّ كلامَ الله غيرُ مخلوقٍ، وأنَّ
(58) حديث صحيح.
أخرجه أحمد رقم (2112، 2434) والبخاري 6/ 408 وأبو داود رقم (4737) والترمذي رقم (2060) والنسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (1006، 1007) وابن ماجة رقم (3525) من طريق منصور بن المعتمر عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
سواه خَلْقٌ" (59). ثمَّ احتجَّ البخاريُّ لذلك بما ذكرنا.
واعترضَ بعضُ أهل البدَعِ على هذه الحُجَّة بقوله صلى الله عليه وسلم: "اللَّهمَّ أعوذُ بِرِضاكَ من سَخَطِكَ، وبمُعافاتِك من عُقوبَتِك
…
" الحديث (60)، فقالوا:
(59)"خلق أفعال العباد" ص: 143.
(60)
حديث صحيح.
مرويٌّ من حديث عائشة وعلي، رضي الله عنهما.
أما حديث عائشة، فأخرجه أحمد 6/ 58، 201 ومسلم رقم (486) وأبو داود رقم (879) والنسائي 1/ 102 و 2/ 210 وابن ماجة رقم (3841) من طريق عُبَيْد الله ابن عمر عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت: فَقَدْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش، فالتمسْتُهُ، فوقَعتْ يَدِي على بطنِ قَدَمَيْه وهو في المسجد، وهما منصوبتان (زاد في بعض الطرق: وهو ساجد) وهو يقولُ: "اللَّهمَّ أعوذُ برضاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبمعافاتك من عقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، لا أحصي ثناءً عليك، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِك".
وأخرجه مالك 1/ 214 والترمذي رقم (3493) والنسائي 2/ 222 عن يحيى ابن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عائشة بنحوه.
قلت: وهذا سند منقطع، محمد بن إبراهيم لم يسمَع من عائشةَ، وقد حسَّن الترمذي هذه الطريق لمجيء الحديث من غير هذا الوجه عن عائشة.
وللحديث طريق ثالثة.
أخرجها النسائي 8/ 283 - 284 من حديث مسروق بن الأجدع عن عائشة به نحوه.
قلت: لكن إسناده ضعيف، لحال العلاء بن هلال أحد رجال الإِسناد فإنَّه منكر الحديث جداً.
أما حديث علي رضي الله عنه.
فأخرجه أحمد رقم (751، 957) وأبو داود رقم (1427) والترمذي رقم =
فاستعاذَ النبي صلى الله عليه وسلم بالرِّضا والمُعافاة وهما مَخلوقان.
والجوابُ: أن هذا الاعتراضَ من فاسدِ الفهْم الذي أدخلَه عليهم الشيطانُ -لعنه الله- وذلك أنَّهم حَسِبوا أنَّ الرِّضا والمعافاةَ من خَلْقه تعالى، جَرْياً على سُنَّتِهِم في أنَّ الله تعالى لا يقوم به اختيارٌ ولا مَشيئة، والرِّضا والمعافاةُ إنَّما يتعلَّقان بالمشيئةِ، وكلُّ ما تعلَّقَ بالمشيئة فهو مخلوقٌ.
وهذا الأصل الفاسِدُ جرَّهم إلى الوقوع في تعطيل جميعِ الصفاتِ الاختيارية، كالرِّضا، والغَضبِ، والرَّحْمةِ، والرَّأفةِ، والحُبِّ، والبُغْضِ، والإِنْعام، والانتقامِ، وغيرِها مَما يتعلَّقُ بمشيئتهِ تعالى واختيارهِ.
والحَقُّ الأبلجُ الذي يبهَرُ أبصارَ أهلِ البِدَع أنَّه تعالى تقومُ به الصِّفاتُ الاختياريةُ، كما سيأتي تقريره بأبسط من هَذا.
= (3566) والنسائي 3/ 248 - 249 وابن ماجة رقم (1179) من طرق عن حماد بن سلمة عن هشام بن عمرو عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عليّ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ في آخر وترِه:
"اللَّهم إنِّي أعُوذُ برضاكَ من سَخَطِكَ، وأعُوذُ بمعافاتِكَ من عقوبتِكَ، وأعوذُ بكَ منكَ، لا أحصي ثناءٌ عليك، أنتَ كما أثنيْتَ على نفسِكَ".
قال الترمذي: "حديث حسنٌ غريبٌ من حديث عليّ، لا نعرفه إلاّ من هذا
الوجه، من حديث حماد بن سلمة".
قلت: إسناده صحيح، وهشام هذا هو الفَزاري معروف برواية هذا الحديث،
وهو ثقة.
وقد رواه عن عليّ أيضاً إبراهيم بن عبد الله بن عَبْدٍ القاري.
أخرجه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (891، 892).
وإسناده منقطع، إبراهيم عن علي مرسل.
والاستعاذة بالرِّضا والمُعافاةِ، استعاذةٌ بصفته تعالى، إذ رضاهُ تعالى صفتهُ التي يرضى بها عمَّنْ شاءَ من عبادهِ، ومعافاتُهُ صفَتُهُ التي يُعافي بها من شاءَ من عبادِهِ، والمَخلوق إنَّما هو العافيةُ الموجودةُ في الناس، والتي كانت بمعافاتِهِ تبارك وتعالى، فتأمَّل هذا رحِمَكَ الله ترشَد إن شاءَ الله.
2 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"فَضْلُ كلامِ الله على سائرِ الكلامِ كفَضْلِ الله على سائرِ خلقِهِ"(61).
تضمَّن هذا الحديث إثباتَ عقيدةِ السَّلَفِ (القرآن كلام الله غيرُ مخلوق) وذلك من وجهين:
الأوَّل: التفريق بين كلام الله وما سِواه من الكلام، والكلامُ إما كلامُ الله الذي هو صفته، أو الكلامُ المخلوق الذي يقَعُ من خلقِهِ، فأضافَ ما كانَ صفةً لله إلى الله، وعمَّمَ ما سِواهُ، ليشمَلَ كلَّ كلام سوى ما أضافه إلى الله، ولو كان الجميعُ مَخْلوقاً لمَا كانت هناك حاجة إلى التفريق.
والثاني: جعلَ الفَرْقَ بينَ كلام الله وكلام غيره كالفَرْقِ بينَ ذاتِ الله وذاتِ غيره، فجعلَ كلامَه مساوياً لذاتِهِ، وكَلَامَ المخلوقِ مساوياً لذات المخلوقِ، ولو كان كلامُهُ مخلوقاً لم يساوِه بذاتِهِ، فإنَّ الله تعالى ليسَ يُساويه شيءٌ غيرُ صفاتِهِ وأسمائِهِ.
وقد احتجَّ بهذا الإِمام عثمان بن سعيد الدَّارِمِيُّ في "الردِّ على
(61) حديث حسن.
سبق تخريجه ص 85 - 86.
الجهمية" فقال بعدَما ذكَر الأحاديثَ في هذا المعنى:
"ففي هذه الأحاديث بيانُ أنَّ القرآنَ غير مخلوقٍ، لأنَّه ليس شيءٌ من المخلوقينَ من التفاوت في فَضْلِ ما بينهما كما بين الله وبينَ خلقِهِ في الفَضْلِ، لأنَّ فَضْلَ ما بين المخلوقين يُسْتَدْرَك، ولا يُسْتدركُ فَضْلُ الله على خلقِهِ، ولا يُحْصِيهِ أحَدٌ، وكذلك فَضْلُ كلامهِ على كلام المخلوقين، ولو كانَ مخلوقاً لم يكن فضْلُ ما بينَه وبين سائر الكلام كفضْلِ الله على خلقهِ، ولا كَعُشْرِ عُشْرِ جُزءٍ من ألفِ ألفِ جُزْءٍ، ولا قريباً فافْهَموه، فإنَّه ليسَ كمثله شيءٌ، فليسَ كَكَلامِهِ كلامٌ، ولن يُؤْتى بمثلِهِ أبداً"(62).
• من المعقول الصريح:
وذلك من وجهين:
الأول: أنَّ كلامَ الله إنْ كانَ مخلوقاً، فلا يخلو من أحَدِ حالَيْن:
الأولى: أنْ يكونَ مخلوقاً قائماً بذاتِ الله.
والثانية: أنْ يكونَ منفصلاً عن الله بائناً عنه.
وكلا الحالين باطلٌ، بل كفرٌ شنيعٌ.
أمّا الأولى فيَلزَمُ منها أن يقوم المخلوقُ بالخالقِ، وهو باطلٌ في قولِ أهلِ السُّنَّةِ، وعامَّةِ أهلِ البِدَعِ، فإنَّ الله تعالى مُستغنٍ عن خلقهِ من جميع الوجوهِ.
وأمّا الثانية فيلزَمُ تعطيلُ صفَةِ الكلام للباري تعالى، إذْ أنَّ الصفةَ إنَّما
(62)"الرد على الجهمية" ص: 162 - 163.
تقومُ بالمَوصوف -كما سبق تقريرةُ- لا تقومُ بسِواه، فإنْ قامَتْ بغير الموصوف كانت وصفاً لمن قامتْ به، وهذا معناه أنَّ الرَّبَّ تعالى غيرُ متكلّمٍ، وهو كفرٌ بَيِّنٌ، كما بَيَّنا الدلالةَ عليه.
والثاني: علمتَ أنَّ الصفةَ لا تقومُ بنفسِها، فإن كانتْ صفةً للخالق قامت به، وإن كانتْ صفةً للمخلوقِ قامتْ به ولا بدَّ، فالحركةُ، والسُّكونُ، والقيامُ، والقعودُ، والقدرةُ، والإِرادةُ، والعلمُ، والحياةُ، وغيرُها من الصِّفاتِ، إن أضيفت لشيءٍ كانت وصفاً لهُ، وهي تابعةٌ لمن قامَتْ به، فهذه صفاتٌ تُضاف للمخلوقِ، فهي صفات له حيث أضيفتْ له، ومنها ما يُضافُ إلى الخالق، كالقُدْرةِ والإِرادةِ والعلمِ والحياةِ وغيرِ ذلك، فهي صفاتٌ له حيثُ أضيفت له، وحيثُ أضيفت للمخلوقِ فهي مخلوقةٌ، وحيثُ أضيفت للخالقِ فهي غير مخلوقةٍ.
فصفةُ الكلامٍ كغيرها من الصِّفاتِ، لا بدَّ أن تقومَ بمَحَلٍّ، فإذا قامت بمَحَلٍّ كانت صفةً لذلك المَحَلِّ، لا صفةً لغيرهِ، فإنْ هى أضيفت إلى الخالق تعالى فهيَ صفتُهُ، وإنْ أضيفتْ إلى غيرِهِ فهي صفةٌ لذلك الغيرِ، وصفةُ الخالقِ غير مخلوقةٍ كنفسهِ، وصفةُ المخلوقِ مخلوقةٌ كنفسهِ.
فلمَّا أضافَ الله لنفسه كلاماً، ووصَفَ نفسَهُ به، كان كلامُهُ غيرَ مخلوقٍ، لأنَّه تابعٌ لنفسِهِ، ونفسُهُ تعالى غيرُ مخلوقةٍ، والكلامُ في الصِّفات فَرْعٌ عن الكلامِ في الذاتِ.
فإنْ قيلَ: هو مخلوقٌ، قُلْنَا: إذاً يتنزَّةُ الله عن الاتّصافِ بمخلوقٍ، وأنتم تنزهونه تعالى بزَعْمِكُمْ عن قيام الحوادث به، فحيثُ نزّهتم ربَّكم تعالى عن ذلك فإنَّه يلزمُكُم أن لا تضيفوا إليه كلاماً، وبهذا تكذّبون السَّمْعَ
والعقل الشاهِدَيْنِ على أنَّ لله تعالى صفةَ الكلام، كما قدْ بيَّناه فيما مضى.
لكنَّهم أبَوُا الإِقرار بأنَّ كلامَ الله تعالى غيرُ مخلوقٍ بأدهى ممَّا سبَقَ من الباطل، فقالوا: نُثْبِتُ أنَّ الله متكلمٌ بكلامٍ قائمٍ في غيرهِ، فكلَّم الله تعالى موسى بكلامٍ مَخَلوقٍ قائِمٍ بالشَّجَرة، لا بهِ تعالى، فنحن نزَّهناه عن قيام الحوادث بهِ.
قُلْنا: جعلتُمُ الكلامَ إذاً صفةً للمَحَلِّ الذي قامَ به، وهو على قولِكم الشَّجَرةُ، فكانت الشجرةُ بهذا هي القائلةُ لمُوسى:{يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} ، فانتفى حينئذ الفرقُ بين قولِ الشَّجرةِ وقول فرعونَ اللَّعين:{أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} ؛ لأنَّ كلامَ الشجرةِ صفَتُها لا صفةُ الله، وكلامَ فرعونَ صفتُهُ، وكلٌّ ادَّعى الربوبيَّة، فلم يكن موسى إذاً محِقّاً في إنكارهِ قولَ فرعونَ وقبولهِ قولَ الشجرةِ.
سُبحان الله! كم تجُرُّ البدعُ على أهلِها من المَحاذير؟
تأمَّل رحِمَكَ الله لهذا الكُفْرَ الصُّراح، الَّذي أوقعَ أهلَه فيه الابتداعُ المُشِينُ، وعدَمُ الرِّضا والتَّسليم لحَقائق التَّنزيلِ، واستبدالُ الوحي الشريفِ بزُبالاتِ الأذْهانِ التي تُصَرِّفها الأهواءُ كيف شاءَت.
ولقد كانتْ هذه الحجَّةُ العَقْليَّة ممَّا احتَجَّ به الإِمامُ أحمدُ رحمه الله على الجَهْميةِ المعتزلةِ حين ناظرَهم بحضْرَة المعتصِم، قال رحمه الله:
"وهذه قصَّةُ موسى، قال الله في كتابهِ حكاهُ عن نفسهِ:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى} فأثبتَ الله الكلامَ لموسى كرامةً منه لموسى، ثمَّ قالَ بعدَ كلامهِ له {تَكْلِيمًا} تأكيداً للكلامِ، قالَ الله تعالى: يَا مُوسَى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنَا} وَتُنْكرونَ هذا، فتكونُ هذه الياءُ تَرِدُ على غير الله، ويكونُ مخلوقٌ يدَّعِي الرُّبوبية؟! ألَا هو الله عز وجل" (63).
وكذا احتجَّ بهذه الحُجَّة من أئمَّة السَّلَفِ الثِّقةُ المأمونُ أبو أيوب سليمانُ بن داودَ الهاشميُّ، فقال:
"مَنْ قالَ: القرآن مخلوقٌ فهو كافرٌ، وإن كانَ القرآنُ مخلوقاً كما زعمها فَلِمَ صارَ فرعونُ أولى بأنْ يُخَلَّدَ في النَّارِ، إذْ قالَ: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى}، وزعَموا أنَّ هذا مخلوقٌ، والذي قال: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي}، هذا أيضاً قد ادّعى ما ادّعى فرعونُ، فَلِمَ صارَ فرعونُ أولي بأن يُخَلَّدَ في النَّارِ من هذا، وكلاهُما مخلوقٌ؟ ".
قال البُخاريُّ رحمه الله: فأخْبِرَ بذلكَ أبو عُبَيْد فاستحسَنه وأعجَبه (64).
قلتُ: وأبو عُبَيد هو القاسم بن سلَاّم لغويُّ أهلِ الحديث.
• من كلام أئمه السلف في إثبات هذه العقيدة:
1 -
عمرو بن في دينار (من خيار أئمَّةِ التَّابعينَ):
قال: "أدركتُ أصحابَ النَّبي صلى الله عليه وسلم فَمَن دونَهم منذ سبعينَ سنة، يقولون: الله الخالقُ، وما سِواه مخلوق، والقرآن كلام الله، منه خَرجَ وإليه يعودُ"(65).
(63) رواه حنبل في "المحنة" ص: 52 عنه.
(64)
"خلق أفعال العباد" رقم (59) عن سليمان به.
(65)
أثر صحيح الإسناد. =
قال إسحاقُ بن راهوَيْهِ:
"وقد أدْرَكَ عَمْرُو بن دينارٍ أجلّةَ أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، من البَدْريينَ، والمُهاجِرينَ، والأنصار، مثل: جابر بن عبد الله، وأبي سعيدٍ الخُدْري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن الزبير، وأجلّة التابعين، وعلى هذا مضى صدرُ هذه الأمَّةِ"(66).
2 -
جَعفر بن محمَّد بن عليّ بن الحُسَين المَعروف بـ "الصادق"(إمامٌ ثقَةٌ سُنِّيٌّ):
قال معاويةُ بن عمَّارٍ الدُّهْنِيُّ: قلْتُ لجَعْفر -يعني ابنَ محمد- إنَّهم يسألون عن القرآنِ: مخلوقٌ هو؟ قال:
"ليس بخالِقٍ ولا مَخلوقٍ، ولكنَّه كلامُ الله"(67).
= أخرجه الدارمي في " الردّ على الجهمية" رقم (344) و"النقض على المريسي" ص: 116 والبيهقي في "السنن" 10/ 205 وإسناده صحيح. وانظر تعليقي على "اختصاص القرآن" لضياء الدير المقدسي، تعليق رقم (50).
(66)
قول إسحاق هذا زاده البيهقي في "السنن" 10/ 205 و"الأسماء والصفات" ص: 245 عقب قول عمرو بن دينار، وسنده صحيح.
(67)
أثر صحيح الإِسناد.
أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (109) والدارمي في "الرد على الجهمية" رقم (345) و"النقض على المريسي" ص: 116 وعبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (132 - 134) وأبو داود في "المسائل" ص: 265 والآجري في "الشريعة" ص: 77 البيهقي في "الأسماء" ص: 246 - 247 و"الاعتقاد" ص: 107 من طريق معاوية به.
3 -
مالك بن أنس (إمام دار الهجرة):
قال عبد الله بن نافع: كان مالكٌ يقول: "كلَّم الله موسى صلى الله عليه وسلم " ويقول: "القرآنُ كلامُ الله" ويستفظِع قولَ من يقول: القرآن مخلوق (68).
4 -
سفيان بن عُيَيْنَة (إمامٌ حُجَّةٌ):
سئل عن القرآن؟ فقال: "كلامُ الله، وليس بمخلوقٍ"(69).
5 -
عبد الله بن المبارك (ذاكَ العَلَم):
قال: "القرآنُ كلامُ الله عز وجل، ليسَ بخالقٍ ولا مَخلوقٍ"(70).
6 -
أبو عبد الله الشَّافعيُّ الإِمامُ:
قالَ الرَّبيعُ بن سُلَيْمان صاحبهُ وتلميذُهُ حاكياً المناظرةَ التي جَرَتْ بينَهُ وبينَ حفْصٍ الفَرْدِ في القرآن:
فسألَ الشَّافعيَّ، فاحتجَّ عليه الشافعيُّ وطالَت فيه المُناظرةُ، فأقامَ الشَّافعيُّ الحُجَّةَ عليهِ بأنَّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وكفَّر حَفْصاً الفَرْدَ.
قال الرَّبِيعُ:
فلقيتُ حفْصاً الفَرْدَ في المَجْلسِ بَعْدُ، فقال: أرادَ الشَّافعيُّ
(68) رواه صالح بن أحمد في "المحنة" ص: 66 بسند صحيح عنه.
(69)
أخرجه أبو داود في "المسائل" ص: 265 بسند جيد عنه.
(70)
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (144) وسنده صحيح، وكذا رواه اللالكائي رقم (426).
قَتْلي (71).
7 -
وكيعُ بن الجَرَّاح (أحدُ كبارِ الحُفَّاظ):
قال: "القرآنُ كلامُ الله عز وجل ليسَ بالمَخلوقِ"(72).
8 -
يحيى بن سعيد القطَّان (رأسٌ في الحَديثِ وعِلَلِهِ):
قال الحافظُ أبو الوليد الطَّيالِسيُّ: قالَ لي يحيى بن سعيدٍ:
"كيف يصْنَعونَ بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}؟ كيف يَصْنَعونَ بهذه الآية: {إِنِّي أَنَا اللَّهُ}؟ يكونُ مخلوقاً؟ "(73).
9 -
يزيد بن هارون (من كبار أئمَّةِ الحَديثِ):
قال: "مَنْ قالَ: القرآنُ مخلوقٌ فهو كافرٌ"(74).
10 -
عبد الله بن إدريس (ثقَةٌ ثَبْتٌ):
قال: "القرآنُ كلامُ الله، ومنَ الله، وما كانَ مِنَ الله عز وجل فليسَ بمخلوقٍ"(75).
11 -
أبو الوليد الطَّيالِسي: هشامُ بن عبد الملك (ثِقَةٌ حافِظٌ):
(71) رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في "آداب الشافعي" ص: 194 - 195 وسنده صحيح.
(72)
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (151) بسند صحيح.
(73)
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (157) بسند صحيح.
وكذا أخرجه البخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (30) عن الطيالسي نحوه.
(74)
رواه أبو داود في "المسائل" ص: 268 بسند صحيح.
(75)
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (161) بسند صحيح.
قال: "القرآنُ كلامُ الله، وكلامُ الله ليسَ بمَخلوقٍ"(76).
12 -
سليمان بن حَرْبٍ (ثقَةٌ جَبَلٌ صاحبُ سُنَّة):
قال عباسُ بن عبد العظيم -وكان ثِقَةً- سمعتُ سُليمانَ بن حَرْبٍ قال:
"القرآنُ ليسَ بمَخلوقٍ".
فقلت له: إنَّكَ كنتَ لا تقولُ هذا، فما بَدا لكَ؟
قالَ: "استَخْرَجْتُهُ من كتاب الله عز وجل: {لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران: 77] فالكلام والنظرُ واحدٌ"(77).
13 -
الإِمام أحمدُ بن حَنبل إمام أهل السُّنَّة:
النَّقْلُ عنه في ذلك متواترٌ، والناقلونَ عنه لا يُحصيهم العدُّ، وكَفى ما كان منه في المِحْنَةِ مع الجهميةِ المعتزلةِ القائلين بخلقِ القرآن، وقد تقدَّم ذكرُ بعضِ النقلِ عنه، وسيأتي بعض ذلك متناثِراً.
وممَّا يَحْسُنُ ذكرُهُ هنا ما قالَه الإِمام أحمدُ جواباً لسؤالِ المتوكّلِ عن مسألة القرآنِ:
"وقد رُويَ عن غير واحدٍ ممَّن مَضى من سَلَفِنا رحمهم الله أنَّهم كانوا يقولون: القرآنُ كلام الله عز وجل، وليس بمخلوقٍ، وهو الذي أذْهَبُ إلَيهِ، ولسْتُ بصاحبِ كلامٍ، ولا أرى الكلامَ في شَيْءٍ من هذا، إلَاّ ما كانَ في
(76) رواه أبو داود في "المسائل" ص: 266 بسند صحيح.
(77)
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (169) عن عباس عنه به.
كتابِ الله عز وجل، أو في حديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو عن أصحابِهِ، أو عنِ التابعينَ، فأمَّا غير ذلك فإنَّ الكلامَ فيه غيرُ مَحْمودٍ" (78).
وقال حنبلٌ: سمعتُ أبا عبد الله يقولُ:
"لم يَزَل الله عز وجل متكلِّماً، والقرآنُ كلامُ الله عز وجل غيرُ مخلوقٍ، وعلى كلِّ جِهَةٍ، ولا يوصَفُ الله بشَيْءٍ أكثرَ ممَّا وصَفَ به نَفْسَهُ عز وجل "(79).
14 -
يحيى بن مَعين (إمامُ الجَرْحِ والتَّعديلِ) وأبو خيثمة زُهَيْر بن حَرْب (حافظٌ إمامٌ ناقِدٌ):
قالا: "القرآنُ كلام الله عز وجل، وهو غيرُ مَخْلوقٍ"(80).
15 -
أبو بكر بن أبي شَيْبَة (حافظٌ إمامٌ مُصَنِّفٌ):
قال له رجُلٌ من أصحابِهِ: القرآنُ كَلامُ الله وليسَ بمَخلوقٍ، فقال أبو بكر:
"مَنْ لَمْ يَقُلْ هذا فهو ضالٌّ مُضِلٌّ مُبْتَدِعٌ"(81)
16 -
عثمان بن أبي شَيْبَةَ (ثِقَةٌ حافِظٌ):
(78) رواه صالح في "المحنة" ص: 122 وعبد الله في "السنة" رقم (108) عن أبيهما.
(79)
رواه حنبل في "المحنة" ص: 68 وانظر ص: 74.
(80)
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (173) بسند صحيح، وانظر "تاريخ يحيى" رواية الدوري 3/ 335.
(81)
رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (162) عنه به.
قال: "القرآنُ كلامُ الله وليسَ بمَخلوقٍ"(82).
17 -
جماعةٌ من شُيوخ أبي داودَ السِّجِستاني صاحب "السُّنن":
قال أبو داود رحمه الله:
سمعتُ إسحاقَ بن إبراهيمَ بن راهُوَيهِ، وهَنَّادَ بن السَّريّ، وعبدَ الأعلي بنَ حمَّادٍ، وعُبيدَ الله بن عُمَر بنِ مَيسرةَ القواريريَّ، وحكِيم بن سيفٍ الرَّقيَّ، وأيوبَ بن محمَّدٍ، وسَوّارَ بنَ عبد الله، والرَّبيعَ بن سليمان -صاحبَ الشَّافعيّ- وعبدَ الوهّابِ بن الحَكَم، ومحمَّدَ بن الصَبّاح بنِ سُفيانَ، وعُثمانَ بن أبي شَيْبَة، ومحمَّدَ بنَ بَكّارِ بنِ الرَّيَّانِ، وأحمدَ بن جَوَّاس الحنَفيَّ، ووَهْبَ بن بَقِيَّةَ، ومَن لا أحْصيهم من عُلمائِنا، كلُّ هؤلاءِ سَمِعْتُهم يقولونَ:
"القُرْآنُ كلامُ الله ليسَ بمَخلوقٍ".
وبعضهُم [قال: "القرآنُ] غيرُ مخلوقٍ" (83).
قلتُ: وجميعُ هؤلاءِ الشيوخِ من أئمَّة الحديثِ، وكلُّهم ثِقاتٌ، سِوى حَكيم بن سَيْف فإنَّه صالحٌ لا بأس به.
18 -
عليُّ بن المديني (صَيْرفيّ الحَديثِ وأهلِهِ).
قال محمَّدُ بن عثمانَ بن أبي شَيْبة: سمعتُ عليَّ بن المَديني يقولُ
(82) رواه عبد الله بن أحمد في "السنة" رقم (163) عنه به.
(83)
"المسائل" لأبي داود ص: 266.
قبلَ أن يموتَ بشَهرين:
"القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قالَ: مخلوقٌ، فهو كافرٌ"(84).
19 -
أبو يعقوب البُويْطيِّ (تلميذُ الشافعي وخرّيجُهُ):
قال:"مَنْ قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، فهو كافرٌ"(85).
20 -
المُزَنيُّ: إسماعيل بن يحيى (إمامٌ فَقيهٌ، من أخَصّ أصحابِ الشافعي به):
قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قالَ: إنَّ القرآنَ مخلوقٌ، فهو كافرٌ"(86).
21 -
البخاريّ: محمَّد بن إسماعيل (إمامُ المحدّثين):
قال: "القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ"(87).
22 -
أبو حاتِمٍ وأبو زُرْعَة الرّازيانِ (عالمانِ حافظانِ، من كبارِ أئمَّةِ الحديثِ):
قال عبدُ الرَّحمن بن أبي حاتِم:
(84) أخرجه ابن الطبري في "السنة" رقم (453) والخطيب في "تاريخ بغداد" 11/ 472 بسند صحيح، وانظر "مسائل ابن أبي شيبة لابن المديني" نص:(113).
(85)
رواه أبو داود في "المسائل" ص: 268بسند صحيح عنه.
(86)
رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص: 252 بسند صحيح، ورواه هو وابن الطبري بإسنادين آخرين عنه.
(87)
"خلق أفعال العباد" ص: 37.
سألتُ أبي وأبا زُرْعةَ عن مَذاهبِ أهل السُّنَّة في أصولِ الدّينِ، وما أدركا عليه العلماءَ في جميع الأمصارِ، وما يَعْتَقِدان من ذلك؟
فقالا: "أدْرَكْنَا العُلَماءَ في جَميع الأمصار: حِجازاً، وعِراقاً، وشاماً، ويَمَناً، فكان من مذهبهم: الإِيمان قولٌ وعَمَلٌ يَزيدُ وينقصُ، والقرآنُ كلامُ الله غير مخلوقٍ بجميع جهاتِهِ"(88).
فهؤلاءِ بِضْعةٌ وثلاثونَ من الأئمَّةِ، قد سمِّيناهم، عامَّتهم ممَّن يُقْتَدى بهم، وجميعهم من أهلِ القُرونِ المُفَضَّلَة التي هي خيرُ القرون.
قال الإِمام أبو عثمانَ الصابونيُّ:
"ويشهَد أصحابُ الحديث، ويعتقدونَ: أنَّ القرآنَ كلام الله وكتابُه، وخِطابُه، ووحيُهُ، وتنزيلُهُ، غيرُ مخلوقٍ، ومَنْ قالَ بِخَلْقِهِ واعتقدَه فهو كافرٌ عندهم"(89).
ولو أرَدْنا استيعاب ما بلَغنا من أقوالهم في إثباتِ هذه العقيدةِ (القرآنُ كلامُ الله غيرُ مَخْلوقٍ) لاحتاجَ ذلك إلى تصنيفٍ مُستقلٍّ.
وقد ساقَ الإِمامُ أبو القاسِم هبةُ الله بن الحَسَن الطَّبريُّ اللَّالكائي في كتابه العَظيم (شرحِ أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) أو (كتاب السنة) القولَ بذلك عن خَمْسِ مِئَةٍ وخَمسينَ نَفْساً من علماءِ الأمَّةِ وسَلَفِها، كلُّهُم يقولونَ:"القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ومَن قال: مخلوقٌ، فهو كافرٌ".
قال رحمه الله:
(88) أخرجه ابن الطبري في "السنة" 1/ 176 بسند صحيح.
(89)
"رسالته في السُّنَّة" نص/6.
"فهؤلاء خَمْسُ مِئَةٍ وخمسونَ نَفْساً أو أكثر، من التَّابعينَ، وأتباع التَّابعينَ، والأئمةِ المَرْضييّنَ، سوى الصحابة الخيّرين، على اختلاف الأعصارِ، ومُضِيّ السّنين والأعوامِ، وفيهم نحوٌ من مِئة إمامٍ، ممَّن أخذَ الناسُ بقَوْلهم، وتَديَّنوا بمَذاهبهم، ولو اشتغلتُ بنقلِ قولِ المُحَدِّثينَ لبلَغتْ أسماؤهم ألوفاً كثيرةً"(90).
قلتُ: وفيما ذُكر كفايةٌ لإِثباتِ قوَّةِ هذه العقيدةِ، وأنَّها المَذْهبُ الحقُّ وحدَه، ومُجانَبَةِ مُخالفِهِ للحَقِّ البيّن الصَّريحِ الذي أطبقَ على اعتقادهِ سادةُ علماءِ الأمَّة، فهو إجماعُ أهلِ السُّنًّة الَّذي لا يقعُ فيهِ امتراءٌ، والله أعلم.
• • • • •
(90) كتاب "السنة" رقم (493).