الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: إبطال كون كلام الله تعالى معنى مجرداً
اتَّفَقوا على كَوْن الكَلام الثابتِ صفةً لله تعالى هو الكلامَ النَّفسيَّ، وهو معنًى واحدٌ، وبعضُهم قال: هو عدَّةُ مَعانٍ، وهو الأمرُ، وهو النَّهي، وهو الخبرُ، إنْ عُبِّرَ عنه بالعَربية كانَ قرآناً، أو بالعِبْرانية كان توراةً، أو بالسِّريانية كان إنجيلًا.
قال أبوبكر الباقلاني: "الكلامُ القَديمُ القائمُ بالنَّفْس شَيْءٌ واحدٌ لا يَخْتَلفُ ولا يتغيَّرُ"(21).
وقال الباجوريّ:"وكلامه تعالى صفةٌ واحدةٌ لا تَعَدُّدَ فيها، لكن لها أقسامٌ اعتباريةٌ" ثمًّ ذكَرَ أنها الأمرُ والنهيُ والخبرُ والوعدُ والوعيدُ (22).
وهذه عندَهم أقسامٌ للكلام بالنَّظر إلى ما يُعبِّر عن الكلام، أمَّا في الحقيقة فإنَّهم يعدّونها صفاتٍ للكلام، لا أنواعًا وأقساماً، لأنه واحدٌ لا يتجزّأ ولا ينقسم.
(21)"الإِنصاف" ص: 107.
(22)
شرح "الجوهرة" المسماة بـ "تحفة المريد" ص: 72.
وقال البيهقيُّ -وهو منهم-:"وكلام الله تعالى واحدٌ، لا يختلِفُ باختلافِ العِبارات، فبأيّ لسان قُرِىءَ كان قد قرىء كلام الله تعالى، إلَاّ أنَّه إنَّما يُسمَّى توراةً إذا قُرِىءَ بالعِبْرانية، وإنَّما يسمَّى إنجيلاً إذا قُرىءَ بالسّريانية، وإنَّما يسمَّى قرآناً إذا قرىءَ بالعَربية، على اللُّغات السَّبع التي أذِنَ صاحبُ الشَّرْع في قراءتهِ عليهنَّ، لنزوله على لسانِ جبريل عليه الصلاة والسلام على تلك اللُّغاتِ دون غيرِهن، ولما في نظمهِ من الإِعجاز"(23).
وممَّا يؤكِّدُ أنَّ عينَ التوراةِ والإِنجيل -عندهم- هما عَيْنُ القرآن لو كانا بالعَربية، قوله:"وإنَّما يجوزُ في هذه الشَّريعةِ قراءةُ ما سُمِّيَ قرآناً دون ما سُمِّيَ توراةً وإنجيلاً، لأنَّ الله تعالى كذَّبَ أهلَ التوراةِ والإِنجيل الذين كانوا على عَهْدِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وأخبرَ عن خِيانَتهم وتحريفِهم الكلامَ عن مواضعهِ، ووضْعِهم الكتابَ، ثمَّ يقولونَ: هذا مِنْ عند الله، وما هُوَ من عِنْدِ الله، ويقولونَ على الله الكَذِبَ وهم يعلَمونَ، فلا يأمَنُ المسلمُ إذا قَرأ شيئاً من كتُبهم أنْ يكونَ ذلك مِنْ وضْعِ اليَهود والنَّصارى"(24).
تأمَّل كيفَ جعلَ التَّوراةَ والإِنجيلَ قبلَ التَّحريف عينَ القُرآنِ، وأنَّ الجميعَ كلامٌ واحدٌ، واللّغاتِ إنَّما هي عبارةً عن هذا الواحدِ.
وهذه بدعةٌ شَنيعةٌ، وضَلالة فَظيعةٌ، أدخلَها ابنُ كُلاّب على الناس بعدَ أن كانوا عنها في غَفْلَة.
(23)"الأسماء والصفات" ص: 270.
(24)
"شعب الإِيمان" 1/ 131 - طبع الهند-.
وجمهورُ العُقلاء من أهل السُّنَّة وأهل البِدْعة، اتَّفقوا على فَسادِ هذا القولِ، وأنَّ فسادَهُ معلومٌ بالضَّرورةِ، وذلك من وجوه متعدّدةٍ:
الأوَّل: أنَّ نفسَ قائليهِ لم يتصوَّروا ماهيَّتَه، وعجَزوا عن بيانهِ بتعريفٍ مُنْضَبطٍ.
قال شيخُ الإِسلام:"الكلامُ القَديمُ النَّفْسانيُّ الذي أثبتُّموه لم تُثْبِتوا ما هو؟ بل ولا تصوَّرْتُموهُ، وإثباتُ الشَّيْءِ فَرْعُ تصوّرِهِ، فمَن لم يتصوَّرْ ما يُثْبتُهُ كيفَ يجوزُ أنْ يثبتَه؟ ولهذا كانَ أبو سعيد بن كُلاّب -رأسُ هذه الطائفة وإمامُها في هذه المسألة- لا يذكُرُ في بيانِها شيئاً يُعْقَل، بل يقولُ: هو معنى يُناقِضُ السُّكوتَ والخَرَسَ، والسُّكوتُ والخرَسُ إنَّما يُتَصَوَّران إذا تُصُوِّرَ الكلامُ، فالسَّاكتُ هو السَّاكتُ عن الكلام، الأخرسُ هو العاجزُ عنه، أو الذي حصَلَتْ له آفةٌ في مَحَلِّ النُّطْقِ تَمْنَعُه عن الكلام، وحينئذ فلا يُعرَفُ السَّاكتُ والأخرَسُ حتى يُعرَفَ الكلامُ، ولا يُعرَفُ الكلامُ حتى يُعرَفَ السَّاكتُ والأخرَسُ، فتبيَّنَ أنَّهم لم يتصوَّروا ما قالوهُ، ولم يُثْبِتوهُ"(25).
قلتُ: وقَدْ أفْحَشَ القومُ فذَكَروا فيما يَسْتحيلُ في حقّهِ تعالى الخَرَسُ والبَكَمُ، وقالوا: هو ضدُّ الكلام، لكنَّ قولَهم بالنَّفْسيّ ألْجَأهم إلى القَوْلِ بأنَّ المُستحيلَ في حَقِّه تعالى هو الخَرس النفسيّ (26)،وهذا معناهُ أنَّ الأَخرَسَ الذي قامَت في نفسهِ المَعاني وعَجَزَ عن التَّعْبير عَنْها بلسانِهِ يصِحُّ وصفُهُ بالمتكلِّمِ، كما حَكاهُ الحافظُ أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ رحمه الله فيما ذكرناهُ عنه آنفاً.
(25)"مجموع الفتاوى" 6/ 296.
(26)
كما في "كفاية العوام وشرحها" ص: 121 وغيرها من كتبهم.
ويْلَكُم! أوَ يُصَدِّقُ هذا صِبيانُ الكَتاتيب؟!
والثاني: نعلَمُ جميعاً أنَّ الأخرسَ -الذي هو متكلَّمٌ في نظرِكم معشرَ الأشعرية- إنَّما مَنَعَتْهُ آفةٌ في لسانهِ عن التعبير عَمَّا في نفسهِ، فعجزَ عن البيان، فهو يُفْهِم ما قامَ في نفسهِ من المَعاني لغيره، فيعبّرُ عنها ذلك الغيرُ، وأنتم قلْتُم في ربْكُم ذلكَ: إنَّه يُفْهِمُ المعنى القائمَ بنفسهِ مَن شاءَ من عبادهِ، كما أفهَمه لجبريل عليه السلام، فعبَّر جبريلُ عمَّا في نفسِهِ تعالى.
أيُّ إفْكٍ هذا الذي جئتم به أيَّها المُعَطِّلَة، وأيّ نَقْصٍ جوَّزتُموه على ربكم؟ شبَّهْتُموهُ بالأخْرَس، فأيّ فرْقٍ بينه وبين الآلهةِ التي لا تُرْجِعُ إلى عابديها قولاً؟
سبحانَكَ هذا بهتانٌ عَظيمٌ.
والمتكلِّمُ بالألفاظ والمَعاني أكْمَلُ مِمَّن يقومُ المعنى في نفسهِ وهو لا يَقدِرُ على التَّعبير عنه -وهذا إنْ وُجدَ في المخلوق الضَّعيف كانَ نَقْصاً بيّناً- فجبريلُ إذاً يكونُ أكمَلَ من ربْكم، لأنه فَهِمَ المعنى وأمكَنَه التعبيرُ عنه.
تعالى الله عن قوِلكم علوّاً كبيراً.
والثالث: كَوْن الأمْر هو النَّهيَ، والنَّهي هو الخبَرَ، مِمَّا لا يعقلُهُ عاقلٌ، وهي على قولكم: معنى واحد، ولا يعقلُ عاقلٌ أنَّ القرآن العربيَّ
لو تُرْجِمَ إلى العِبْرانية كان هو التَّوْراة، والتَّوراة لو عُرِّبَت كانت هي القرآن، وهي على قوِلكُم معنى واحد.
وعلى هذا الْتَزَمْتُم أنْ تكونَ آيةُ الدَّيْن هي آية الكُرْسّي، و {تَبَّتْ يَدَا
أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} هي {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ} والعلُم هو القدرة، وسائر الصفات كذلك، بلْ ربَّما جرَّكُم ذلك إلى ما هو أشدّ من ذلك وأدْهى.
قالَ لهم جُمهورُ العُقَلاء: إذا جَوّزْتُم أنْ تكونَ حقيقةُ الخَبَر هي حقيقةَ الأمر، وحقيقةُ النَّهي عن كلّ مَنْهيّ عنه، والأمْرِ بكلّ مأمورٍ به، هو حقيقةَ الخَبَر عن كلّ مُخْبَرٍ عنه، فجَوِّزوا أن تكونَ حقيقةُ العِلْم هي حقيقةَ القُدْرة، وحقيقةُ القدرةِ هي حقيقةَ الإِرادة (27).
قال شيخُ الإِسلام:"فاعْتَرَف حذّاقُهم بأَنَّ هذا لازِمٌ لهم لا مَحيدَ لهم عنه"(28).
وقال في موضعٍ آخر:"فاعترف أئمَّةُ هذا القَوْل بأنَّ هذا الإِلزام ليس لهم عنه جَوابٌ عقليٌّ"(29).
قال:"وَلَزِمَهم إمكانُ أن تكونَ حقيقةُ الذَّات هي حقيقةَ الصِّفات، وحقيقةُ الوُجود الواجبِ هي حقيقة الوُجود المُمْكِن، والتزمَ ذلك طائفةٌ منهم، فقالوا: الوجودُ واحدٌ، وعَيْنُ الوُجودِ الواجب القَديم الخالِق هو عَيْنُ الوُجود المُمْكِن المَخلوق المُحْدَث، وهذا أصلُ القائلين بوَحْدَة الوُجود، كابن عَربيّ الطائيّ، وابن سَبْعين، وأتباعهما"(30)
قلتُ: وممَّا يُفْسِدُ عليهم بِدْعَتهم في اعتقادِهم أنَّ كلامَ الله معنى
(27) انظر: "مجموع الفتاوى" 6/ 522 - 523، 9/ 283، 12/ 122، 166.
(28)
"مجموع الفتاوى" 9/ 283.
(29)
"مجموع الفتاوى" 12/ 122.
(30)
"مجموع الفتاوى" 9/ 283 - 284.
واحدٌ، حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت قريشٌ لليهودِ: أعْطونا شيئاً نسألٌ عنه هذا الرَّجلَ؟ فقالوا: سَلوهُ عَن الرُّوح، فسألوه؟ فنزلَتْ:{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإِسراء: 85]، قالوا: أوتينا عِلْماً كثيراً، أوتينا التوراةَ، ومَن أوتي التَّوراةَ فقد أوتيَ خَيْراً كثيراً، قال: فأنزلَ الله عز وجل: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ} إلى آخر الآية، [الِإسراء: 109] (31).
فدلَّ الحديثُ على كَوْنِ التَّوراة بعض كلام الله لا كلَّ كلامهِ، وبعضَ عِلْم الله لا كلَّ عِلْمِهِ، وأوتي نبينُّا صلى الله عليه وسلم من العِلْم ما ليسَ في التوراةِ، ذلك لأنَّ كلماتِهِ تعالى لا تَتَناهى.
وهذا لا يَجْري على قواعدِ الأشعرية وأصولِهم، لأنَّ معنى التوراة والقرآن معنى واحدٌ، والاختلافَ إنَّما هو في اللّغة.
والرابع: تُقرّونَ -معشرَ الأشعرية- بأنَّ موسى سَمِعَ كلامَ الله، وإنْ كنتم تختلفون في معنى السَّماع، فهل سَمِعَ موسى جميعَ المعنى أم بعضَه؟
(31) حديث صحيح.
أخرجه أحمد رقم (2309) والترمذي رقم (3140) والنَّسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" 5/ 133 - وابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (595) والحاكم 2/ 531 من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس به.
قال الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب".
وقال الحاكم "حديث صحيح الإِسناد" وأقرَّة الذهبي.
قلت: وهو كذلك.
إنْ قُلْتُم: سَمِعَ جميعَ المعنى فقد قُلْتُم الكُفْرَ، إذ ادّعيتُم إحاطَة موسى بعلْمِ الله وكلامِهِ الذي لا نِهاية له، والله تعالى يقول:{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255].
وإنْ قُلْتُم: سَمعَ بعضَه، فقَدْ نقَضْتُم أصلَكُم، لأنَّ الكَلامَ عندَكم لا يتبعّض.
وهذا ممَّا ألزَمهم به جمهورُ العُقلاء (32).
وقد رأيتُ في هذا الإِلزام مناظرةٌ لطيفةً جَرَت بين الحافظ الإِمامِ أبي نَصْرٍ السَّجْزي وبعضِ الأشعرية، يحسُنُ سياقُها لِما تضمَّنَت من الفائدة.
قال فيها الحافظ أبو نَصْرٍ:"
…
فقلتُ لمُخاطبي الأشعريّ، قد عَلِمْنا جميعاً أنَّ حقيقةَ السَّماع لكلام الله مِنه على أصْلِكُم مُحالٌ، وليس ههنا مَن تتَّقيه وتَخشى تَشنيعَه، وإنَّما مذهَبُكَ أنَّ الله يُفْهِمُ مَنْ شاءَ كلامَه بلَطيفةٍ منه، حتى يَصيرَ عالماً مُتيقِّناً بأنَّ الذي فَهِمَه كلامُ الله، والذي أريدُ أنْ ألْزِمَكَ واردٌ على الفَهْم ورودَه على السَّماع، فدَعِ التَّمْويهَ، ودَعِ المُصانَعَة، ما تقولُ في موسى عليه السلام حيثُ كلَّمه الله؟ أفَهِمَ كلامَ الله مُطْلقاً أم مقيَّداً؟
فتَلَكأ قليلاً، ثمَّ قال: ما تُريد بهذا؟
فقلتُ: دَعْ إرادَتي، وأجِبْ بِما عندك.
فأبى، وقال: ما تُريد بهذا؟
فقلتُ: أريدُ أنَّكَ إنْ قلت: إنَّه عليه السلام فَهِمَ كلامَ الله مُطلقاً،
(32) انظر:"مجموع الفتاوى" 9/ 283 و 12/ 49 - 50.
اقتضى أن لا يكونَ لله كلامٌ من الأزَل إلى الأبَد، إلَاّ وقد فَهِمَه موسى، وهذا يَؤول إلى الكُفْر، فإنَّ الله تعالى يقول:{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} ولو جازَ ذلك لصارَ مَن فَهِمَ كلامَ الله عالِماً باَلغَيْبِ وبِما في نَفْسِ الله تعالى، وقدْ نفى الله تعالى ذلك بما أخبرَ به عن عيسى عليه السلام أنَّه يقولُ:{تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا في نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب} [المائدة: 116].
وإذا لَمْ يَجُزْ إطلاقُهُ، وألْجِئْتَ إلى أنْ تقولَ: أفهَمَهُ الله ما شاءَ مِن كلامهِ، دخَلْتَ في التَّبعيض الذي هَرَبْتَ منه، وكفَّرْتَ من قالَ به، ويكونُ مخالفُكَ أسعدَ منك، لأنَّه قالَ بما اقتضاهُ النَّصُّ الواردُ مِنْ قِبَلِ الله عز وجل، ومِنْ قِبَلِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وأنتَ أبَيْتَ أن تَقْبَلَ ذلك، وادَّعَيْتَ أنَّ الواجبَ المَصيرُ إلى حُكْم العَقْل في هذا الباب، وقد ردَّك العقلُ إلى مُوافَقة النَّصِّ خاسِئاً.
فقال: هذا يَحْتاجُ إلى تأمُّلٍ، وقطَعَ الكلامَ" (33).
والخامس: المعنى المجرّد لا يُسْمع باتّفاق العُقلاء.
قال شيخُ الإِسلام: "والمَعنى المجرّد لا يُسْمَع، ومَن قال: إنَّه يُسْمَع، فهو مُكابِر"(34).
وموسى عليه السلام سَمعَ كلامَ الله، وكذلكَ سَمِعَ نداءَه، والنداءُ
(33)"درء تعارض العقل والنقل" 2/ 90 - 92 عن أبي نصر به.
(34)
"مجموع الفتاوى" 12/ 130 وانظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي 10/ 294.
لا يكونُ إلَاّ صَوْتاً مسموعاً، قالَ شيخُ الإِسلام:"ولا يُعْقَلُ في لغة العرَبِ لفظُ النِّداء بغير صَوْتٍ مَسْموع، لا حَقيقةً ولا مَجازاً"(35) وهذا قرّرناه في الباب الأوَّل.
ولكنَّ جُمهورَ الأشعرية أبَوُا التسليمَ لكونِ موسى سَمِعَ كلامَ الله على الحقيقةِ، فقالوا: إنْما سَمِعَ العبارةَ عن كلام الله.
قال أبو بكر بن فَوْرَك -أحَدٌ رؤوسهم-: "وَمعنى تكليم الله عز وجل خلقَه: إفهامُه إيَّاهم كلامَه على ما يُريد، إمَّا بإسماع عبارةٍ تدلُّ على مرادِه، أو بابتداء فَهْمٍ يخلُقُه في قلبهِ يفهَمُ به ما يُريد أنْ يفهَمه به، وكلُّ ذلك سائغٌ جائزٌ، وهو معنى ما يُكلِّمُ الله تعالى به العبدَ عند المحاسَبةِ"(36).
وربَّما أطلقَ بعضُهم أنَّ موسى عليه السلام سَمِعَ كلامَ الله، وسكتَ، وهذا يُصِرُّ على أمْرٍ عَظيم، ليُمَوِّهَ ويُلَبِّسَ على الناسِ الجاهلين بمَذْهَبِهم.
وربَّما صرَّحَ بعضُهم بأنه لا يُسْمَع بحالٍ، إنَّما يُسْمَع المَعنى، كما يقولُه الباقلاّني (37)،وهذا مُكابَرةٌ ظاهرةٌ، وعَجَباً لمَن يدّعي الغوصَ في المعقولِ والتَّبحُّرَ فيه وهو يأتي بمثلِ هذه الجَهْليَّات!
والسادس: لقد فرَّقَ الله تعالى بين مَراتب التكليم لرُسُله، فقال:
(35)"مجموع الفتاوى" 12/ 130.
(36)
"مشكل الحديث" ص: 93 وانظر: ص: 170 و"مقالات الإِسلاميين" 2/ 233 وكتاب "التوحيد" للماتريدي ص:59 و"فتح الباري" 13/ 455.
(37)
"درء التعارض" 2/ 114 وانظر: "مجموع الفتاوى" 12/ 403.
فإذا كانَ معنًى واحداً فلا فَرْقَ إذاً بينَ تكليم الله لموسى وإيحائهِ لغَيْرهِ، ولا بَيْنَ التكليم من وَراء حِجابٍ والتكليم إيحاءً، لأنَّ إفهامَ المعنى المجرّد يَشتركُ فيه جميعُ الأنبياءِ عليهم السلام، ففي عدّ ذلك جميعاً معنًى واحداً رَدٌّ للقرآن (38).
والسابع: في قولهم: إنَّه معنى، إبطالُ دين المُسلمينَ في أنَّ هذا القرآن العربيّ بألفاظهِ ومَعانيهِ كلامُ الله تعالى على الحَقيقة، وهم يُصَرِّحونَ بهذا فيقولون: القرآن العربيُّ عِبارَة عن كَلام الله ودالٌّ عليه، وليسَ هو كلام الله على الحقيقة، لأنَّ كلامه تعالى غيرُ بائن منه، وهذا القرآن بائنٌ منه، كذا قالوا، وسيأتي بيان ذلك.
فهذه الجُمْلَة من وُجوه النَّقْض كافية لِلّبيب لِإبطال هذا المُعْتَقد الفاسِدِ المُناقض للمَعقول والمَنقول، وإجماع العُقَلاء قَبْل ابن كُلاّب.
قالَ شيخ الإِسلام: "والفُضَلاء من أصحاب الأشْعَري يَعترفونَ بضَعْفِ لَوازم هذا القول مع نَصْرِهم لكَثير مِنْ أقوالهِ الضَّعيفة"(39).
وقد نَشَأ عن هذا الأصْلِ الفاسدِ بدعَتان شَنيعتان:
• البدعه الأولى: كلام الله ليس بحرف ولا صوت:
حين ذهبَ الأشعريةُ إلى كَوْنِ الكَلام معنًى مجرّداً، إنَّما فَرّوا مِن
(38) انظر: "مجموع الفتاوى" 12/ 50.
(39)
"درء تعارض العقل والنقل" 4/ 115.
وصْفِهِ بالحَرْفِ والصَّوْتِ، لأنَّ الحروفَ والأصوات لا تكونُ إلَاّ مخلوقةً عندهم، فنزّهوا كلامَ الله تعالى أنْ يكونَ بحَرْفٍ أو صَوْتٍ -بزَعْمهم- فقالوا: هو الكلام النَّفسي، والحُروف إنَّما خُلِقَت للدَّلالة عليه، والصَّوْتُ خُلِقَ للإِعلام والإِفْهام.
قال مُحقّقُهم الباقلاّني: "ويَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ الله تعالى لا يَتَّصفُ كلامُه القديمُ بالحُروف والأصْواتِ، ولا شَيْءٍ من صفاتِ الخَلْق"(40).
وقال ابن فَوْرَك: "وكلامُ الباري ليسَ بحُروفٍ، وإنَّما هو معنى موجودٌ قائمُ بذاتهِ، يُسمَعُ وتُفْهَمُ مَعانيه به، والحُروف تكونُ أدلَّةً عليه، كما تكونُ الكتابةُ أماراتِ الكَلام ودَلالاتٍ عليه، وكما نَعْقِلُ مُتكلِّماً لا مخارجَ له ولا أدوَات، كذلك نَعقِلُ له كلاماً ليسَ بحُروفٍ ولا أصْواتٍ"(41).
وقال الغَزَّالىُّ -ولا يَخْفى قَدْرُهُ فيهم- في شَرْح صفَةِ الكَلام: "وأنَّه متكلَّمٌ، آمِرٌ، ناهٍ، واعدٌ، متوعِّدٌ، بكلامٍ أزليّ قَديم، قائمٍ بذاتهِ، لا يشبَه كلامَ الخَلْق، فليسَ بصَوْتٍ يحدُثُ من انسلالِ هَواء، واصْطِكاك أجْرام، ولا بِحَرْفٍ يَنْقَطِعُ بِإطباقِ شَفَةٍ، أو تَحْرِيكِ لسانٍ"(42).
وقال صاحبُ"كفاية العَوامّ": "الكلامُ: وهي صِفَةُ قَديمةُ، قائمةُ بذاتهِ تعالى، ليسَتْ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، منزَّهةٌ عن التقدُّمِ والتأخّرِ
(40)"الإِنصاف" ص: 99.
(41)
"شعب الإِيمان" 1/ 124 وكانت كلمة (نعقل) في الموضعين: (يعقل) ورأيتُ الأصحَّ ما أثبتُّه.
(42)
نقله ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص: 302 عن "قواعد العقائد" لأبي حامد الغزالي.
والإِعرابِ والبناءِ، بخِلاف كلامِ الحَوادث" (43).
ونحو هذا قول صاحب "شرح الجوهرة"(44).
وهم يُرجِعونَ القولَ بتنزيهِ كَوْنِ كَلام الله حَرْفاً وصَوْتاً إلى وجوهٍ حَسِبوها من المَعقول، مبنيَّةٍ على أصُول الجَهْميَّة، هي عندَهم عَلَاماتُ الحَدَثِ والخَلْق للحَرْف والصَّوْت، فأرادوا تنزيهَ الرَّبّ تعالى عن مُشابَهةِ صفةِ الخَلْق، فألْجَاهم ذلكَ إلى مُوافَقَةِ الجَهْميَّة في حقيقةِ مقالَتِهم.
وأهمُّ تلك الوُجوه:
الأوَّل: أنَّ الحروفَ متعاقبةٌ مُتَواليةٌ، يَسبِقُ بعضُها بَعْضاً، ويَلي بعضُها بَعْضاً (45).
والثاني: أنَّها لا تكونُ إلَاّ بمَخارجَ من لسانٍ وشَفَتَيْنِ وحَلْقٍ وجَوْفٍ (46).
قال البَيْهقيُّ -وهو مَعَهم على جَلالته في الفِقْهِ والحَديث-: "إنْ كانَ المتكلّمُ ذا مخارج سُمِعَ كلامُه ذا حُروفٍ وأصْواتٍ، وإنْ كانَ المتكلّمُ غيرَ ذي مَخارج سُمِعَ كلامُه غَيْرَ ذي حُروفٍ وأصْواتٍ، والباري جلَّ ثناؤُه ليسَ بذي مَخارج، وكلامُهُ ليسَ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، فإذا فَهِمْناه ثمَّ تَلَوْناهُ، تَلَوْناهُ
(43)"كفاية العوام" ص: 102.
(44)
"شرح الجوهرة" ص: 71.
(45)
"مشكل الحديث" لابن فورك ص: 202 و"الإنصاف"للباقلاني ص: 99.
(46)
"الإِنصاف" ص: 79، 103.
بحُروفٍ وأصْواتٍ" (47).
والثالث: أنَّ الحُروفَ والأصْواتَ من صفةِ قِراءَة القارىء، لا مِن صفةِ كلامِ الباري.
والدَّليلُ عليه حديثُ أمّ سلمة في صفةِ قراءَةِ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم:
…
يقطع قراءَته آيةً آيةً، ولو شاءَ العادُّ أنْ يَعُدَّها أحْصاها (48).
فالعَدُّ والحَصْرُ إنَّما يقَعُ لِما هو مخلوقٌ، لا لِصِفَة الخالقِ.
والرابع: أنَّها متناهيةً مَحْدودةٌ، لها بدايَةٌ ونهايَةٌ، وأوَّلٌ وآخرٌ، وكلام الله القَديم ليسَ كذلك، كما قال تعالى:{قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] وجمْعُ الكلمات هُنا ليسَ للتعدُّدِ والتَّكثير وإنَّما هو للتَّعظيم.
والخامس: أنَّ هذه الحروفَ واحدةٌ بالوَضْعِ، فالألِفُ هو الألفُ، والسَّينُ هو السّينُ، فالحُروف التي يُعبَّر بها عن كلام الله هي نفسُ الحُروفِ التي يتكلَّم بها الخَلْقُ، فإن قُلْنا: إنَّها غيرُ مخلوقة، قلْنا بقِدَمِ جَميع كلام الخَلْق.
والسادس: أنَّ الصَّوْتَ يستحيلُ بقاؤُهُ كما يستحيلُ بَقاءُ الحَرَكَة، وما امتنَعَ بقاؤُه امتنع قِدَمُ عينهِ.
هذه الوجوه أهمُّ ما تعلَّقت به الكُلاّبيةُ والأشعريَّةُ والماتُريديةُ لإِبطالِ
(47)"الأسماء والصفات" ص: 272 - 273.
(48)
حديث أم سلمة هذا حديث صحيح، خرجته في كتابي في "البسملة" لكني لم أقف على قولها: ولو شاء العادّ
…
إلخ.
كَوْنِ كلام الله بحَرْفٍ وصَوْتٍ، فردّوا بذلك الكتابَ والسُّنَّةَ واعتقادَ السَّلَفِ والأئمَّةِ، وخَرَقوا إجماعَ العُقَلاءِ من أهْل السُّنَّة وغيرِهم، فحينَ ألْزَمَتْهُم المعتزلةُ بأنَّ الاتّفاقَ حاصِلٌ على أنَّ الكلامَ حرفٌ وصوتٌ، ويدخلُهُ التَّعاقبُ والتأليفُ، وذلك لا يوجَد في الشاهدِ إلَاّ بحركةٍ وسُكونٍ، ولا بدَّ أنْ يكون ذا أبعاضٍ وأجزاءٍ، وقالوا: هذه الصفةُ لا يَجوز أن تكونَ صفةً لذات الله تعالى، فضاقَ السَّبيلُ بالأشعريَّة عند هذا الإِلزام، فالتزموهُ، للجَهْل بالسُّنَن، والتسليم لمجرَّدِ العَقْل، الذي لو فُرِّغَ من الأهواءِ والظُّنون، وحَكَمَهُ الإِخلاصُ والتثبُّتُ والاتّباعُ، لَوَقَفَ بهم على ساحِل النَّجاةِ، ولكنَّهم جَعلوهُ الحكم على ما جاء به الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم، فأرْداهم وأبْعَدَهم.
وجميعُ ما مَوّهوا به اعتراضٌ على الحَقّ المُتَواتر بالظُّنونِ العَقْليةِ التي مَبْناها على القياسِ على المَخلوق، فإنَّ القَوْمَ يُكْثِرونَ من عَيْبِ المعتزلةِ بهذه البدعةِ، التي هي تشبيهٌ في الأصْل أفضى إلى التَّعْطيلِ، وهي قياسُ الغائبِ على الشاهدِ، ويُشنّعونَ عليهم بذلكَ، معَ أنَّهم سلّموا لهم هنا ظنونَهم وأهواءَهم التي حَسِبوها عَقْلياتٍ، وهي في الحقيقة جَهْليات، لِما تضمَّنت من الشَّناعةِ والقَوْل على الله بغير علمٍ، وقياسِ الخالق على المَخلوق، فأبْطَلوا حقيقة كَوْنِ الكلامِ بحروفٍ وأصواتٍ، وآلَ بهم الحالُ إلى إنكار أن تكونَ هذه صفةَ كلام الله تعالى، وخالَفوا بهذا اعتقاد السَّلَفِ، وخَرَجوا عن منْهَج أهْلِ السُّنَّة.
وهذه أجْوبةٌ موجَزَةٌ عن هذه الشُّبُهاتِ، تُبِينُ عن جَهْلِ القَوْم بحقائق التَّوحيد:
أما الأول:
فكون التَّعاقب والتَّوالي في كلام الله دليلاً على الحدَثِ إيرادٌ عقليٌّ فاسدٌ، تَبِعوا فيه المعتزلةَ الجَهمية، وأولئك لم يُثْبِتوهُ عن أصلٍ معصوم، وإنَّما هوَ الرْأيُ الفاسِدُ، وقد بَيَّنْتُ بطلانَه في مَعْرِض الرَّدِّ على شبُهاتِ المعتزلة.
وأما الثاني:
فكونُ الحُروفِ والأصواتِ لا تكونُ إلا بمَخارجَ فمن أفْسَدِ اعتراضاتِهم، وذلك من وجوه:
الأوَّل: أنَّه قياسٌ للربّ تعالى على المَخلوق، فإنَّهم تصوَّروا كلامَ المخلوق بأنَّه لا يكونُ إلَاّ بمَخارج، فقالوا مثلَه في ربِّهم، وهذا نَقْصٌ لقاعدةِ أهل السُّنَّة في التَّنزيه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} .
والثاني: يلزَمُهم قَوْلُ المعتزلة في سائر الصِّفات، فإنَّهم يُثْبتون العِلْمَ والسَّمْعَ والبصر ونحوَ ذلك من الصِّفات لله تعالى، والمخلوق يتَّصِفُ بها أيضاً، وهي لا تكونُ منه إلَاّ بآلةٍ، فالعلمُ لا يحصَلُ إلَاّ بقَلْبٍ، والبَصَر لا يكونُ إلَاّ بحَدَقَةٍ، والسَّمْعُ لا يقَع إلَاّ من انْخِراقٍ، وقَدْ ألزَمَتْهم المعتزلةُ بهذا، فأجابوا: بأنَّ هذا مِنْ قياس الغائب على الشَّاهدِ، وهو باطلٌ، والله تعالى ليسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ، فهَلَاّ قالوا مثلَ هذا في صفةِ الكلام، وأنَّها بحَرْفٍ وصَوْتٍ، لا يشبهُ كلامُهُ كلامَ خَلْقِهِ، ولا صَوْتُهُ أصْواتِهم؟
والثالث: أنَّ الله تعالى أنْطَقَ بعضَ مخلوقاتِهِ بغير مَخارج، قال تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ
شَيْءٍ} [فصلت: 21]، وسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تسبيحَ الحَصى، ممَّا هو معروفٌ مَشهورٌ، فبطل ما قعّدوه من كَوْنِ الكلام بحَرْفٍ وصَوْتٍ لا يكونُ إلَاّ بمَخارجَ، وثَبَثَ أنَّه معقولٌ.
وأما الثالث:
فكونُ الحروفِ صفةَ قِراءَة القارىءِ مكابَرَةٌ للحسِّ والعَقْلِ، فإنَّ القراءة تُطْلَقُ في الغالبِ على المَصْدَر، وقَدْ يُرادُ بها المَفعولُ -كما فصّلتُه في الباب الثاني- والأشعرية يُفَرِّقونَ بين القراءَةِ والمَقروءِ مطلقاً، فالقراءةُ فِعْلُ القارىءِ، والمَقروءُ المفعولُ، وهذا يوافِقُهم في إطلاقه بعضُ أهْل السُّنَّة كالبُخاريِّ رحمةُ اللهُ، ولكنَّ مرادَهُم غيرُ مُرادِهِ، وتفسيرَهُم غيرُ تفسيرِهِ، فإنَّه رحمه الله كانَ لقَوْلِه قُوَّةٌ مِن جهةِ اللغةِ، وعلماءُ السُّنَّةِ كالإِمامِ أحمدَ وغيرِه أنكَروا الإِطلاقَ لِدَفْعِ الإِيهامِ والإِشكالِ الذي تُمَوِّهُ به الجَهميةُ، والبُخاريُّ فَصَلَ بين القراءَةِ والمقرَوءِ، فخصَّ القراءةَ بفِعْل القارىءِ وهو حركَةُ شَفَتَيْهِ وصوتُهُ بالقرآنِ، والمَقروءَ: الذي تتحرّكُ به الشَّفَتانِ، وتَنْطِقُ به الألسنةُ، وتُصَوِّتُ به الحَناجرُ، الذي هو القرآنُ العربيُّ المؤلّفُ من الحروفِ والمعاني، والذي هو كلامُ الله على الحقيقةِ، وما أرادَه البخاريُّ من المعنى حقٌّ وصَوابٌ، وقد ذكرتُهُ عنه في الباب الثاني، وبَّينْتُ غلَطَ اللفظيَّةِ الأشعريَّةِ عليه فيهِ.
والأشعرية عندَهم القِراءةُ والتّلاوةُ هي فِعْلُ القارىءِ والتّالي، ويقولون: الحروفُ داخلةٌ في تلاوة التّالي وقراءةِ القارىءِ، وهي غيرُ المتلوِّ المَقروءِ (49).
(49) انظر: "مجموع الفتاوي" 7/ 655 و 12/ 374.
فجَعلوا الحُروفَ من صفةِ القراءة لا من صفةِ المَقروء، لأنَّ المقروءَ عندَهم قائمٌ بذاتِ الله، وهو الكلامُ النفسيُّ، والقراءةُ عبارةٌ عنه، وهي هذه الحُروفُ العربيَّةُ التي تَنْطِقُ بها الألسنةُ، وتحفَظُها القلوبُ، وتخطّها الأيدي في المَصاحف.
وهذا من أبعَد شيءٍ عن الحسّ السَّليم، فإنَّ العربَ وكلَّ أحدٍ لا يعرفُ الحروفَ إلَاّ من صفةِ الكلام، لا من صفَةِ المتكلِّم، وفِعْلُ المُتكلِّم إنَّما هو النُّطْقُ بها ورَفْعُ صوتهِ أو خفْضُه، وكتابَتُها، وحفظُها، ونحو ذلك مِمَّا هو فِعْلُ نفسهِ، وهذهِ المَعاني هي التي توصَف بالحُسْنِ والقُبْح، ويترتَّبُ عليها الثَّوابُ أو العقابُ.
أمَّا الحُروفُ التي قرأ بها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وبلَّغَها أمَّتَه فهي وحيُ الله وتنزيلُهُ وكلامُهُ الذي نزَلَ به جبريلُ من عندِه تعالى، ولقد نَزَلَ بها جبريلُ من عندِ الله تعالى على سَبْعَةِ أحْرُف تَخفيفاً على الأمة وتيسيراً، وكلّ ذلك كلامُهُ عز وجل على الحقيقةِ.
ولقد حاول بعضُ مَن يوصَفُ بالتَّحقيق من رؤوس الأشعريَّة الإِكثارَ من الاستدلالِ من الكتاب والسُّنَّة على الفَرْق بين التَّلاوةِ والمَتْلوّ، ولكنَّها جَميعاً على مذهَبِ البُخاري رحمه الله الذي ذكَرْناه عنه، أمَّا على تفسير الأشعريةِ أنْفُسِهم في عَدِّ الحُروفِ العربيَّةِ من صفةِ القراءة لا من صفةِ المَقروء، فلَم يَقْدروا على الإِتيانِ بحُجَّةٍ واحدةٍ عليه يُعَوَّلُ عليها، سوى أصلِهم الفاسدِ الذي أبْطَلْناه فيما سمَّوْهُ بـ (الكلام النفسيّ).
وحديثُ أمّ سلمَةَ الذي ذكَروهُ حجْةٌ عليهم، فإنَّ النُّطْقَ بالحروفِ هنا غيرُ الحُروفِ، فقِراءةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم التي تَحْكِيها أمُّ سلَمة هنا هي نطقُهُ
بالحُروف وأداؤُه لَها، وهو فِعْلُهُ عليه السلام، وهو مخلوقٌ، أمَّا الحروفُ التي نَطَقَ بها وأدّاها، والتي لو شاءَ العَادُّ أن يَعُدَّها أحصاها، لوُضوح أدائهِ لها وبَيانهِ، فهي حُروفُ كلام الله العربيّ المُنْزَلِ من عندهِ، وهي غيرُ مخلوقةٍ، وهذا الفَصْلُ بين الحُروفِ والنُّطقِ بها بيّنٌ لا يَخفى.
ولكنَّ القومَ ضاقوا ذَرْعاً بقَوْلِ أمِّ سَلَمَة: "ولَو شاءَ العادُّ أنْ يَعُدَّها أحصاها" فصاروا بين أمْرَين:
إمَّا أنْ يُثْبِتوا أنَّ الذي تَلاهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مِن كلام الله الذي هو صفتُهُ، فيُبْطلوا أصلَهم، لأنَّ كلامَ الله عندَهم لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ وليس هو آياتٍ وسوراً.
وإمَّا أنْ يقولوا: الحروفُ صفةُ قراءةِ القارىءِ، ورَأوْا هذه أوفقَ لمذهبِهم، فكابَروا وقالوا: هي صفةٌ لقراءةِ القارىءِ، لا صِفَةٌ لكلام البارىء.
وأمَّا وَصْفُ كلام الله بالصَّوْتِ، فلقد عَمُوا عن فِقْههِ، وضلَّوا عن معرفتهِ، فحَسِبوا أنَّ قولَ أهل السُّنَّة بإثباتِ كلام الله تعالى بصَوْتٍ إثباتُ أنَّ أصواتَ التالينَ هي صفةُ كلام الله -كما طَعَنوا فيه على أهْلِ السُّنَّة، ونبزوهم بالألقاب لأجلِهِ- وحاوَلوا لأجْلِ هذا الفَهْم السَّقيم أنْ يستدلّوا بأدلَّةِ إضافةِ الصَّوْتِ إلى القارىءِ، وجَعْلِهِ مِن فِعْلِهِ، وأهلُ السُّنَّةِ والأثمَّةُ لا يُخالفونَ في هذا المعنى، فإنَّ أصواتَ القرّاءِ بالقرآنِ مِنْ أفعالِهم، وهي مضافةٌ إليهم، وأفعالُهم مخلوقةٌ وقدْ شَرَحْتُ اعتقادَ أهل السُّنًّة في ذلك في أواخر الباب الثاني بما هذا حاصلُه.
والسَّلَفُ والأئمَّةُ لا يقولونَ: إنَّ أصواتَ القرَّاءِ صفةٌ لكلامِ الله، ومَن قالَ ذلك ونقلَهُ عنهم فقد أبطَلَ في المَقال.
ولكنَّ الصَّوْتَ الذي هو صفةٌ لكَلام الله تعالى هو الذي سَمِعَه موسى حين ناداه ربُّه وكلَّمَه، وسَمِعَهُ جبريلُ عليه السلام حينَ يُوحى إليه بالوَحْي، ويَسْمَعُه العبادُ يومَ القيامةِ، وهو الذي أثْبَتْناهُ في اعتقادِ السَّلَفِ في الباب الأوَّل من هذا الكتاب.
وقَدْ فَهِمَ بعضُ الأشعرية هذا المعنى الأخيرَ -الذي هو اعتقادُ السَّلف والأئمَّةِ- فرَأوْا أنَّه ليسَ على أصْلِهم في كَوْن كلام الله معنًى مُجَرداً، فنفَوْهُ، وقالوا: كلام الله لا يكون بصَوْتٍ، وأبْطَلوا بذلكَ دلائلَ الكتابِ والسُّنَّةِ والمَعقول الصَّريح على صِحَّةِ هذا المعنى، على ما ذَكَرْناه آنفاً في تفسيرهم لسَماع موسى عليه السلام كلامَ الله.
ولا داعيَ هنا لسَرْدِ دلائل الكتاب والسُّنَّة والعَقْل الصَّريح على إثباتِ كَوْن كلام الله تعالى حُروفاً، وأنَّه يتكلَّمُ بصَوْتٍ، اكتفاءً بما سقناه لذلك في الباب الأوَّل.
وأما الرابع:
فكَوْنُ الحُروف متناهيةٌ محدودةٌ لها بدايةٌ ونِهايةٌ وأوَّلٌ وآخِرٌ يُوردونَه على مَعْنَيين:
الأوَّل: على عَدَد الحُروفِ العربية التي هي حروف المُعْجَم.
والثاني: على الكَلام العربيّ الذي بين دَفَّتَي المُصْحَف المبدوءِ بالفاتِحةِ والمَخْتومِ بالناس.
قالوا: وجميعُ هذا مَحْصورٌ مَحدودٌ، وهذه علامَةُ الحَدَث.
قُلْنا: كَلَاّ، بَلْ كِلَا الإِيرادَيْن باطلان.
أمَّا الأوَّل فإنَّه لم يقُلْ أحد: إنَّ كلامَ الله تعالى حُروفٌ مُجَرَّدةٌ: أ، بَ، تَ
…
وإنَّما هو كلامٌ مؤلَّفٌ منها، وهو أكثر من أن يُحْصَرَ أو يُحَدّ، كما لا يَخفى.
فإنِ اعترضَ معترضٌ بالحُروف التي في أوائل بعض السُّوَر، مثل {الم} فجَوابه: أنَّ هذه لا تُنْطَقُ حروفاً، وإنَّما تُنْطقُ أسَماءً، فتقول:(ألف، لام، ميم) وهذا كلامٌ مُؤلَّفٌ، وقد نَبَّهْتُ على هذا في الباب الأوَّل، وأزلْتُ عنه اللَّبْسَ بفضْلِ الله.
وأمَّا الثاني فهو مبنيٌّ على بدعَةِ الأشعريةِ الثانية الناتجةِ عن أصلِهم الفاسدِ في الكَلام، وهي عَدَمُ تعلّق كلامهِ تعالى بمَشيئتهِ واختيارهِ، لأنَّه عندَهم لا يَنْقَسِمُ ولا يَتَجَزَّأ ولا يتبعَّضُ، وهو خِلافُ اعتقادِ أهْل السُّنَّة من السَّلَف والأئمَّةِ، فإنَّه عندَهم متعلِّقٌ بمشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّمُ إذا شاءَ بما شاءَ، والقرآنُ -مَثلًا- المُفْتَتَحُ بالفاتحةِ والمختَتَمُ بالناس بعضُ كلامهِ الذي لا يتَناهى، لا كُلُّ كلامهِ.
وسيأتي قريباً ذكرُ بدعتهم هذه ونقْضُها.
وأما الخامس:
فمِثْلُ ما سَبَقَ في الفَساد والبُطلان أو أشدّ، وذلكَ أنَّ القومَ يُطلقونَ القولَ بخَلْق حُروف المُعْجَم، فلمَّا رأوْا كلامَ الله العربيَّ مؤلَّفاً منها قالوا: لا يكونُ إلَاّ مخلوقاً، لأنَّ الحُروفَ مخلوقةٌ.
وهذا الإِطلاقُ ليسَ لدَيْهم عليه حُجَّةٌ، ومثلُهُ يَحْتاج إلى توقيفٍ، والدَّعْوى المجرَّدةٌ لا يُعَوَّلُ عليها في مَواطِن النّزاع، فكيفَ يقومُ على أساسِها الاعتقاد؟
والفَيْصَلُ في هذه القضيةِ هوَ: أنَّ الكلامَ إنَّما يُضافُ لمَنْ قالَهُ مُنْشِئاً مُبْتَدِئاً، فكلامُ الله تعالى مُضافٌ إليه، وهو صِفَتُهُ، فهو غيرُ مخلوقٍ، لأنَّ صفاتهِ تعالى غيرُ مخلوقةٍ، وكلامُ المخلوق الذي يُنْشئُه من نفسهِ ويبتَديهِ مُضاف إليه، وهو مَخلوقٌ، لأنَّ الصفةَ تابعةٌ للمَوصوفِ، فحينَ كانت للخالق كانَتْ غيرَ مخلوقةٍ، وحين كانَت للمخلوق كانَتْ مخلوقةً، فإذا قالَ قائل:(محمَّدٌ رسولُ الله) فهذا كلامٌ، تكلَّمَ به الله تعالى، ويتكلَّمُ به المخلوق من نفسهِ لا يُريدُ به القرآنَ، ففي الحالة الأولي غيرُ مخلوق، لأنَّه أرادَ به كلامَ الله، وفي الحالة الثانية مخلوقٌ، لأنَّه أرادَ كلامَ نفسهِ.
يوضِّحُه صفةُ العِلْم، فعِلْم المخلوق الذي يكتسبُهُ -سِوى وَحْي الله وتَنزيلهِ- مخلوقٌ، وهو معلومٌ لله تعالى، حَواهُ علمُ الله تعالى وأحاطَ به، فباعتبارِ إضافتهِ للمخلوق فهو مخلوقٌ، وباعتبار إضافتهِ للخالق فغيرُ مخلوق، والله تعالى ليسَ كمثلهِ شئٌ في ذاتهِ، وصفاتهِ، وأسمائِهِ، فليس ككلامِهِ كلامٌ، ولا كصَوتهِ صوتٌ، ولا كفِعْلِهِ فعْلٌ.
قال شيخ الإِسلام: "وأصلُ هذا أنَّ ما يوصَفُ الله به ويوصَفُ به العبادُ، يوصَفُ الله به على ما يليقُ به، ويوصَفُ به العبادُ بما يَليقُ بهم من ذلك، مثلُ الحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرةِ والسَّمعِ والبَصرِ والكلامِ، فإنَّ الله له حَياةٌ وعلمٌ وقدرةٌ وسَمْعٌ وبصَرٌ وكلامٌ، فكلامُهُ يشتَملُ على حروفٍ، وهو يتكلَّمُ بصَوْتِ نفسهِ، والعَبْدَ لَهُ حياةٌ وعلمٌ وقدرةٌ وسمعٌ وبصرٌ وكلامٌ، وكلامُ
العبد يشتَمِلُ على حروفٍ، وهو يتكلَّمُ بصَوْتِ نفسهِ.
فهذه الصفاتُ لها ثلاثُ اعتبارات:
تارةً تُعْتَبر مضافةً إلى الربّ.
وتارةً تُعْتَبر مضافةً إلى العبد.
وتارةً تُعْتَبر مطلقةً لا تخْتَصُّ بالربّ ولا بالعَبْدِ.
فإذا قال العبدُ: حياةُ الله، وعلمُ الله، وقدرةُ الله، وكلامُ الله، ونحو ذلك، فهذا كلُّه غيرُ مخلوقٍ، ولا يُماثِلُ صفاتِ المَخلوقين.
وإذا قال: علمُ العبدِ، وقدرةُ العبدِ، وكلامُ العبدِ، فهذا كلُّه مخلوقٌ، ولا يُماثِلُ صفاتِ الرَّبِّ. وإذا قال: العلمُ، والقدرةُ، والكلامُ، فهذا مُجْمَلٌ مطلَقٌ لا يقالُ عليه كلهِ: إنَّه مخلوقٌ، ولا إنَّه غيرُ مخلوق، بل ما اتَّصفَ به الربُّ من ذلك فهو غيرُ مخلوقٍ، وما اتَّصفَ به العبدُ من ذلك فهو مخلوقٌ، فالصفة تتبَعُ الموصوفَ، فإنْ كانَ الموصوفُ هو الخالق فصفاتُهُ غيرُ مَخلوقةٍ، وإن كان الموصوفُ، هو العبدَ المخلوقَ فصفاتُهُ مخلوقةٌ" (50).
وقد سبقَ إيرادُنا لقول الإِمام أحمد في ذلك، حين سألَه الحافظُ أحمد بن الحسَن التّرمذيُّ، قال: قلتُ لأحمد بن حنبل: إنَّ الناسَ قد وَقَعوا في أمْرِ القرآن، فكيف أقولُ؟ قال:"ألَيسَ أنْتَ مخلوقاً؟ " قلتُ: نعَمْ، قال:"فكلامُكَ منكَ مخلوقٌ؟ " قلتُ: نعَمْ، قال: "أوَ لَيسَ القرآنُ من كلام
(50)"مجموع الفتاوي" 12/ 65 - 66.
الله؟ " قلتُ: نَعَمْ. قالَ: "وكلامُ الله؟ " قلتُ: نَعَمْ، قالَ: "فيكونُ من الله شَيْءٌ مخلوق؟! " (51).
قلتُ: وهذا الفَرْق بَيِّنٌ لا يَخفى.
وأما السادس:
فهو قياسٌ ظاهرٌ لصفَةِ الخالق على صفةِ المَخلوق، وتكييفٌ لها، وهو مُنْتقِضٌ بالقاعدةِ السُّنّيةِ السَّلَفية:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} .
فهذه الأجوبةُ المُدْحِضَةُ لجُمْلَة هذه التَّشكيكاتِ والتَّلبيساتِ التي أوردَها الأشعريةُ وموافقوهُم، وهي تُنْبِيكَ عن شدَّةِ تَناقُض القَوْم.
ولهم في تفصيل ذلكَ من التَّناقض شَيْءٌ كثيرٌ، ولكن مَرْجِعُ ذلك أجمَع إلى ما بَيَّنْتُهُ.
• البدعة الثانية: أن الله تعالي لا يتكلم بمشيئته واختياره:
شَرَحْتُ في اعتقادِ السَّلَف الأئمَّة من أهْل السُّنَّة اعتقادَهم في أنَّ الله تعالى يتكلَّمُ بمشيئتهِ واختيارهِ، أي متى شاءَ تكلَّم، ومتى شاءَ لم يتكلَّم، يتكلَّمُ بكلامٍ بعدَ كلام، فهو متكلِّمٌ أزَلاً وأبَداً، تكلَّمَ قبلَ خَلْقِ الخَلْق، وبعدَ خَلقِهم، وكلَّمَ من شاءَ مِن ملائكتهِ ورُسُلهِ في الدنيا، ويُكلِّمُ من شاءَ من عبادهِ في الآخرةِ، وصفةُ الكلامِ ثابتةٌ له أزلاً وأبَداً، وكلُّ ذلك واقعٌ على الحَقيقة لا على المَجاز.
(51) رواه اللَاّلكائي في "السنَّة" رقم (451) بسند صحيح.
وذلكَ أنَّ الله تعالى له صفاتُ الكَمالِ، وكلُّ صفةِ كَمال لا نقْصَ فيه فالله يتَّصفُ بها، والكلامُ صفةُ كَمال، فإنَّ مَن يتكلَّم أكْمَلُ مِمَّنْ لا يتكلَّم، والذي يتكلَّمُ بمَشيئتهِ وقُدْرَتهِ أكمَلُ مِمَّنْ لا يتكلَّم بمشيئتهِ وقدرتهِ، وهو إمَّا أنْ يكونَ قادِراً على الكلام أو غير قادرٍ، فإنْ لم يكن قادراً فهو الأخرَسُ، وإنْ كان قادراً ولم يتكلَّم مُطْلقاً إلَاّ إذا مُكِّنَ أو استُنْطِقَ فهو لا يتكلَّم بمشيئتهِ واختياره، وليست هذه ولا تلكَ صِفةً لله (52).
وهذا الاعتقادُ لا تُقِرُّ به الأشعريةُ، لأنَّ ما تعلَّقَ عندَهم بالمشيئةِ والاختيارِ مخلوقٌ، والله تعالى لا يَقومُ به شَيْءٌ يتعلَّقُ بمشيئتهِ وقدرتهِ.
وهذا مِمَّا نتَجَ عن أصلِهم الفاسدِ في كونِ كلام الله تعالى معنًى أزليّاً واحداً، ومِمَّا وافقوا فيه الجَهْميَّةَ.
قال شيخ الإِسلام: "وهؤلاء وافَقوا الجهميةَ والمعتزلةَ في أصْلِ قَوْلِهم: إنَّه متكلّمٌ بكلام لا يَقومُ بنفسهِ ومشيئتهِ وقدرتهِ، وإنَّه لا تقومُ به الأمورُ الاختياريةُ، وإنَّه لم يَسْتَوِ على عرشهِ بعدَ أنْ خلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، ولا يأتي يومَ القِيامَةِ، ولمْ يُنادِ موسى حينَ ناداهُ، ولا تُغْضِبُهُ المَعاصي، ولا تُرْضيه الطاعاتُ، ولا تُفْرِحهُ توبةُ التائبين"(53).
قلتُ: لأنَّ الله عندَهم لا يوصَف بالرِّضا والغضَب والفَرَح، ولا بالإِتيانِ والمَجيءِ، ولا بالاستواءِ على العَرْش بعدَ خَلْق السَّماواتِ والأرْضِ، وهو خِلافُ ما نطَقَ به الكتابُ العزيزُ من أنَّه كان بعدَ خَلْقِ
(52) انظر: "مجموع الفتاوى" 6/ 294 - 295.
(53)
"مجموع الفتاوي" 12/ 594.
السَّماواتِ والأرض.
وهذا المعنى الذي ذكرناهُ عن الأشعرية من عَدَم تعلُّقِ كلامهِ تعالى بمشيئتهِ وقُدْرتهِ، لم يتصوّروهُ هم أنفُسُهم، ولم يَقْدروا على تفسيرهِ بتفسير مَعقولٍ واضحٍ، إلَاّ على معنى إبطال حقيقةِ الكلام.
وهذا كلامُ بَعْضِ مُحَقِّقيهم يُفْصِحُ لك عن حقيقةِ اعتقادِهم:
قال ابن فَوْرَك: "كلامُ الله تعالى أزليٌّ قديمٌ، سابقٌ لجُمْلة الحوادثِ، وإنَّما أسمَعَ وأفهَمَ لمنْ أرادَ من خلْقه على ما أرادَ في الأوقاتِ والأزمنةِ، لا أنَّ [عينَ] كلامهِ يتعلَّق وجودُه بمُدَّةٍ وزَمانٍ"(54).
وقال: "نقولُ: إنَّ الله لم يَزَلْ مُتكلِّماً، ولا يَزالُ متكلِّماً، وأنَّه قدْ أحاطَ كلامُه بجَميع مَعاني الأمْرِ والنَّهْي والخَبَر والاستخبارِ، وأنَّ العباراتِ عنه والدَّلالاتِ كثيرةٌ تتجدَّدُ وتتزايَدُ، ولا يَزيدُ بتزايدِ العِباراتِ كما أنَّ الدَّلالاتِ على الله عزَّ ذكرُهُ تتجدَّدُ وتتزايَدُ، ولا يقتَضي تجدُّدَ المَدلولِ وتَزايدَهُ، فإذا حصَّلتَ هذا الأصْلَ عَلِمْتَ حقيقةَ ما نقول"(55).
وقال: "إنَّ كلامَ الله لم يَزَلْ ولا يزالُ موجوداً، فإنَّه يُفْهِمُ خلقَه معانيَ كلامِهِ أوَّلاً فأوَّلاً، وشَيْئاً فشَيْئاً، وأنَّ الذي يتجدَّدُ الإِسماعُ والإِفهامُ دونَ المسموعِ المَفهومِ"(56).
وقال حَوْلَ ماَ وَرَدَ من تكليم الله لعباده يوم القيامةِ: "والصَّحيحُ أنْ
(54)"مشكل الحديث" ص: 133 - 134.
(55)
"مشكل الحديث" ص: 204.
(56)
"مشكل الحديث" ص: 232.
يقال: إنَّ كلام الله لم يَزلْ ولا يَزالُ، وإنَّهُ مُسْمِعٌ مَنْ يشاءُ من خَلْقهِ، ومُفْهِمٌ مَنْ أرادَ منهم إفهامَه في الوقتِ الذي يُريدُ أنْ يُسْمِعَهُ ويُفْهِمَهُ ما يُريدُ من ذلك، مِنْ غير تَجديدِ قولٍ ولا كَلامٍ، وإذا قيلَ في ألفاظِ هذه الأخبارِ: يقولُ الله، ويتكلَّمُ الله، فليس المُرادُ به تجديدَ القولِ والكلام، وإنَّما المرادُ تجديد الإِسماعِ والإِفْهامِ للقَوْلِ الذي لم يَزَلْ" (57).
وصرَّح بإنكار قوْلِ من يقولُ: إنَّ الله يتكلَّم مرَّةً بعدَ أخرى، وعلَّل ذلك بقوله:"لأنَّ ذلكَ يوجبُ حَدَثَ الكَلام"(58).
وقال الباجوريُّ في تكليم الله لموسى: "وليسَ المُرادُ أنَّه تعالى يبتديءُ كلاماً ثُمَّ يَسْكُتُ، لأنَّه لم يَزَلْ مُتَكلِّماً أزلاً وأبداً"(59).
قلتُ: وفي هذا الكلام عِدَّة أمور:
الأوَّل: أنَّ صفةَ الكلام الثابتةَ لله تعالى هي المعنى القَديم، لا أوَّلَ لها ولا آخر.
والثاني: أنَّ الذي يُوحى للرُّسُل، وغيرِهم مِمَّا يتعلَّقُ بالأزْمِنةِ والأمكنةِ هو العِباراتُ عن هذا الكَلام، والدَّلالاتُ عليه، وهيَ مخلوقةٌ، كالذي سَمِعَ موسى حين أتى الشجرَةَ.
والثالث: أنَّ قولَ الله لِما يُريدُ تكوينَه (كُنْ) وما يُوحِي إلى رُسُلِهِ من الكلام المُعَبَّر عنه بعباراتٍ كالقُرآن والتَّوراة والإِنجيل، كُلُّ ذلك معنى ثابتٌ
(57)"مشكل الحديث" ص: 235، وانظر ص:233.
(58)
"مشكل الحديث" ص: 232 - 233.
(59)
"شرح الجوهرة" ص: 74.
في الأزَل، ولا يزالُ، وإنَّما تكونُ الأشياءُ في الأوقات التي شاءَ الله فيها كَوْنَها، لا أنَّهُ يتجدَّدُ قولُه لما يُريدُ تكوينَه (كُنْ) ويُنْزِلُ على رسُلهِ العباراتِ عن كلامهِ، وهي المتجدِّدةُ الموصوفةُ بالابتداءِ والانتهاءِ والتَّقدُّم والتأخّرِ كالتَّوراة والإِنجيلِ والقُرآن، أمَّا الكلامُ القديمُ فثابتٌ لا يتَجَدَّدُ.
وجُمْلةُ هذه الأمورِ هي ما يُعَبَّر عنه بأنَّ كلامَ الله غيرُ متعلِّقٍ بمَشيئتهِ واختياره.
ولَمْ يَعْقِل القومُ أنَّ هذه صفةُ نَقْصٍ وعَجْز، لا تَليقُ بالمَخلوق الضَّعيف فكيف جَعَلوها لائقةً بربّهم تعالى وهو القدّوسُ السَّلامُ؟
وإنَّ مِمَّا اضْطَربوا فيه بسَبَب هذه البدعةِ الأمْرُ والنَّهيُ، فقال: الأمرُ والنَّهيُ وصْفان للكلام، والله لم يَزَلْ آمِراً ناهياً، ولا يَزالُ آمِراً ناهياً، كما أنَّه لا يَزالُ متكلِّماً، وهذا يَقْتضي القولَ بجواز خِطاب المَعْدومِ، بمعنى أنَّ الله خاطبَ العبادَ بالأمْرِ والنَّهي أزَلاً قبلَ خَلْقِ الخَلْق، أمْراً ونَهْياً لا أوَّلَ له، فافترقوا إزاءَ هذا فريقين:
الأوَّل: قالوا بجَوازِ خطابِ المَعْدومِ، فكلامُ الله لم يَزَلْ أمْراً ونَهْياً للمكلَّفينَ الذينَ خُلِقوا بعدَ ذلكَ، بشَرْط أنْ يَفْعَلوا ما أمِروا به بعدَ الوُجودِ والبلوغ ووفورِ العقلِ (60).
والثاني: قالوا بعدَمِ جَوازِ خِطابِ المَعدوم قبْل خَلْق الخَلْق، فهؤلاء منهم لا يَصِفون الله بكونهِ آمِراً ناهياً، وإنَّما يقولونَ: صارَ كلامُهُ أمْراً ونَهْياً
(60)"أصول الدين" لعبد القاهر ص: 108.
عند توجّهِ اللُّزومِ على المكلَّف (61).
وكلا المَذْهَبَيْن فاسدانِ.
أمَّا الأوَّل فبما نَقَضْناه عليهم في قولهم: كلامُ الله معنى مجردٌ، وإقامةِ الأدلَّةِ على أنَّ كلامَه تعالى متعلقٌ بمَشيئتهِ واختيارهِ، يتكلَّمُ بأمْرِه ونَهْيهِ وخَبرهِ تعالى إذا شاءَ، ومتى شاءَ.
وأمَّا الثاني فمُقْتضاه القوْلُ بأنَّ كلام الله مخلوقٌ جميعاً، لأنَّه لا يُعْرَفُ الكلام إلَاّ ما كان خبَراً أو إنشاءً، وعندَ هؤلاء ما لا يسْبقُ الحَوادث فهو حادثٌ، والخبَرُ والإِنشاءُ لم يكونا إلَاّ بعْدَ وجودِ المُكلَّف، فالمكلَّفُ سابقُ الوجودِ للأمْرِ والنَّهْي والخَبَر، فهي مخلوقةٌ على أصلِهِم، وهَل كلام الله إلَاّ الأمْرُ والنَّهْيُ والخَبَر؟
وهذا القولُ مُقْتضٍ أن يكونَ معنى كلام الله مخلوقاً أيضاً لا ألفاظُهُ فحَسْب، وبهذا يبطلُ دينُ الأشعريةِ في إثباتِ صفةِ الكلام، فليسَ ثمَّ معنى قديمٌ، وهم أنفُسُهم لم يكونوا يتصوَّرون معنًى قَديماً هو الأمْرُ والنَّهْيُ والخَبَرُ، فكيفَ يُمْكِنُهم تَصَوَّرُ كلامٍ هو معنى لَيسَ بأمْرٍ ولا نَهْيٍ ولا خَبَرٍ؟
فمُحَصَّلُ ما ذكرنا أنَّ الأشعرية مُضْطربونَ كلَّ الاضطراب في إثباتِ مَذْهَبهم، وسبَبُ فلكَ عَجْزُهم عن تصوَّرهِ وإدراكهِ، وإلَّا فكيفَ يُمْكِنُ وقوعُ الكلام من مَوصوف به من غير أن يكون بقُدْرَتهِ ومشيئتهِ؟
وهم يُنَزّهونَ الله تعالى عن الخَرَس والسُّكوتِ، ومعنى هذا على
(61)"أصول الدين" ص: 108 و"الإِرشاد" لأبي المعالي الجويني ص: 119 - 120.
التَّحقيق أنَّه متكلمٌ بالحُروف والأصْواتِ، لأنَّ الخَرَسَ عَدَمُ القدرةِ على الكلام، والسُّكوتَ عَدَمُ النُّطْق بالكَلام، لكنَّ القومَ فَرُّوا مِن هذه الحقيقةِ التي لا يَعْقِلُ العاقِلُ سواها إلى خُرافةٍ لا يَسْتسيغُها الصِّبيان، فضْلاً عن العُقَلاء العارفينَ، فقالوا: الخرَسُ والسُّكوتُ نفْسيان، فالذي يُنزَّهُ الله عنهُ عندَهم هو الخَرَسُ النَّفْسيُّ والسُّكوتُ النَّفسيُّ، أرأيتَ كلاماً أشبَه بالسَّفْسَطَةِ من هذا؟!
فتأمَّلْ رحِمَك الله اعتقادَ السَّلَفِ والأئمَّةِ، وانظر بيانَه وظهورَه وقوَّةَ حُجَّتهِ ودليلهِ، وقارِنْه بهذه السَّفاهات الأشعريةِ وغيرها يَجْلُ لك الحقُّ وينْقطِعُ عنكَ الشَّكُّ والرَّيْبُ، فإنَّ اعتقادَ السَّلَف لا يَرِدُ عليه بفضْلِ الله شيءٌ من أقوال أهل البدع، وقد كفيناكه في الباب الأول ولله الحمد.
وأمَّا ما حاوَل أهلُ البِدَع أن يموّهو به فهو دليلُ حَيْرَتِهم، وهو حُجَّةٌ عليهم لو عَقَلوهُ -كما قَدْ رأيتَ- ولو أنَّهم تَرَكوا الكلامَ المذمومَ وأقْبَلوا على الوَحْي المَعصوم لسَلِمَ لهم دينُهم.