المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الحادي والستون: أديان العرب - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١١

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الحادي عشر

- ‌الفصل الحادي والستون: أديان العرب

- ‌الفصل الثاني والستون: التوحيد والشرك

- ‌مدخل

- ‌ظهور الشرك:

- ‌عبادة الكواكب:

- ‌الشفاعة:

- ‌الأصنام:

- ‌عبادة الأصنام:

- ‌الأصنام:

- ‌الوثن:

- ‌الصلم:

- ‌هيأة الأصنام:

- ‌عبادة الأصنام:

- ‌الحلف بالأصنام والطواغيت:

- ‌الفصل الثالث والستون: أنبياء جاهليون

- ‌الفصل الرابع والستون: الله ومصير الإنسان

- ‌مدخل

- ‌الله الخالق:

- ‌الاعتقاد بإله واحد:

- ‌الجبر والاختيار:

- ‌الموت:

- ‌البعث:

- ‌البلية والحشر:

- ‌الفصل الخامس والستون: الروح والنفس والقول بالدهر

- ‌مدخل

- ‌الرجعة:

- ‌الزندقة:

- ‌القضاء والقدر:

- ‌القدرية:

- ‌الحظ:

- ‌الطبع والطبيعة:

- ‌الفصل السادس والستون: الألهة والتقرب إليها

- ‌مدخل

- ‌الآلهة:

- ‌صفات الآلهة:

- ‌الثواب والعقاب:

- ‌التطاول على الأرباب:

- ‌الفصل السابع والستون: التقرب إلى الآلهة

- ‌مدخل

- ‌القرابين:

- ‌الترجيب:

- ‌البحيرة والسائبة والوصيلة والحام:

- ‌حمى الآلهة:

- ‌الفصل الثامن والستون: رجال الدين

- ‌مدخل

- ‌التبرك برجال الدين:

- ‌تنفيذ الأحكام:

- ‌كسور رجال الدين

- ‌الفصل التاسع والستون: الأصنام

- ‌مدخل

- ‌اللات:

- ‌العزى:

- ‌مناة:

- ‌هبل:

- ‌أصنام قوم نوح:

- ‌ود:

- ‌سواع:

- ‌يغوث:

- ‌يعوق:

- ‌نسر:

- ‌عميأنس:

- ‌إساف ونائلة:

- ‌رضى:

- ‌مناف:

- ‌ذو الخلصة:

- ‌سعد:

- ‌ذو الكفين:

- ‌ذو الشرى:

- ‌الأقيصر:

- ‌نهم:

- ‌عائم:

- ‌سعير:

- ‌الفلس:

- ‌أصنام أخرى:

- ‌المحرق:

- ‌الشمس:

- ‌الفصل السبعون: أصنام الكتابات

- ‌مدخل

- ‌الآلهة التي ورد ذكرها في النصوص:

- ‌الفصل الحادي والسبعون: شعائر الدين

- ‌مدخل

- ‌الصوم:

- ‌التحنث:

- ‌الاختتان:

- ‌الحلال والحرام:

- ‌الفصل الثاني والسبعون: الحج والعمرة

- ‌مدخل

- ‌الحمس والطلس والحلة:

- ‌التلبية:

- ‌التجارة في الحج:

- ‌العمرة:

- ‌الأعياد:

- ‌الفصل الثالث والسبعون: بيوت العبادة

- ‌مدخل

- ‌الاستفسار عن المغيبات:

- ‌تكليم الأصنام:

- ‌أشكال المعابد:

- ‌السقاية:

- ‌المذابح:

- ‌المحارق:

- ‌البخور والمباخر:

- ‌سدنة الآلهة:

- ‌فهرس الجزء الحادي عشر:

الفصل: ‌الفصل الحادي والستون: أديان العرب

‌المجلد الحادي عشر

‌الفصل الحادي والستون: أديان العرب

الفصل الحادي والستون: أديان العرب

والعرب قبل الإسلام مثل سائر الشعوب الأخرى تعبدوا لآلهة، وفكروا في وجود قوى عليا لها عليهم حكم وسلطان، فحاولوا كما حاول غيرهم التقرب منها واسترضاءها بمختلف الوسائل والطرق، ووضعوا لها أسماء وصفات، وخاطبوها بألسنتهم وبقلوبهم، سلكوا في ذلك جملة مسالك، هي ما نسميها في لغاتنا بالأديان.

وتقابل كلمة "دين" العربية لفظة Religion في الإنكليزية من أصل "لاتيني" هو Religere أو Religare. وآراء العلماء المعنيين بتأريخ الأديان وفلسفتها على اختلاف كبير جدًّا في وضع حد علمي مقبول بين الجميع لموضوع الدين، وربما لا يوجد موضوع في العالم اختلفت في تحديده الآراء كهذا الموضوع: موضوع ماهية الدين وتعريفه، حتى صار من المستحيل وضع إطار يتفق عليه لصورة يجمع على أنها تمثل الدين. والشيء الوحيد الذي يمكن أن يفعله كاتب، هو أن يكتب رأيه بوضوح فيما يعنيه من "الدين"، فإذا فعل ذلك، صار من المعروف ما قصد صاحبه منه1.

وقد عرف بعض العلماء الدين أنه إيمان بكائنات روحية تكون فوق الطبيعة والبشر، يكون لها أثر في حياة هذا الكون2. وعرفه آخرون أنه استمالة واسترضاء.

1 Sir James G. Frazer The Golden Bough، A Study in Magig and Religin، vol، I، p. 50، Abridged Edition، London، 1947.

2 E.B. Tylor، Primitive Culture، I، P. 424، Ency. Brita. Vol 19، p. 103.

ص: 5

لقوى هي فوق البشر، يؤمن أنها تدير وتدبر سير الطبيعة وسير حياة الإنسان1 وهو عند بعض آخر شعور وتفكير عند فرد أو جماعة بوجود كائن أو كائنات إلهيه، والصلة التي تكون بين هذا الفرد أو تلك الجماعة وبين الكائن أو الكائنات الإلهية2. وهو يطلق بهذا الاعتبار على الإسلام كما يطلق على اليهودية والنصرانية وعلى المجوسية وعلى غيرها من أديان سواء أكانت سماوية أم غير سماوية كما يصطلح على ذلك بعض العلماء.

وهناك تعريفات وحدود كثيرة أخرى للدين، نشأت من اختلاف أنظار الباحثين بالقياس إلى مفهوم الدين. فهناك مسائل كثيرة مختلف فيها: هل تدخل في نطاق حدود الدين أو لا كما أن مفهومه قد تغير عند الغربيين باختلاف العصور3.

وليس من السهل وضع حدود معينة لمعنى الدين، فإن وجهات نظر الأديان نفسها تختلف في هذا الباب. وللدين في نظر الشعوب البدائية مفهوم يختلف كل الاختلاف عن مفهوم الدين عند غيرهم، ومفهومه في نظر الأقوام المتقدمة يختلف باختلاف دينها وباختلاف وجهة نظرها إلى الحياة. وهناك أمور تدخل في حدود الدين عند بعض أهل الأديان، على حين أنها من الأمور الأخلاقية أو من أمور الدولة في نظر بعض آخر، ومن هنا تظهر الصعوبات في تعيين المسائل التي تعد من صلب الدين في نظر الجميع4.

وللدين مهما قيل في تعريفه، شعائر تظهر على أهله، فتميزهم عن أتباع الديانات الأخرى، كما في العبادات والمأكولات والمعابد واللغات وما شاكل ذلك5، ولهذه الأمور أثر بالطبع في النواحي الاجتماعية والثقافية؛ إذ تطبع أتباع الدين بطابع مميز خاص.

وقد زعم بعض المستشرقين أن لفظة "الدين" من أصل أعجمي، وأنها من

1 The Golden Bough، vol، I، p. 222، Abridged Edition، p. 50.

2 H. Schmidt، Philosophische Worterbuch، S. 551.

3 Hastings، Encyclopaedia of Religion And Ethics، vol. 10، p. 662، Art. Religion، Encyclopaedia of Social Sciences، vol. 13-14، p. 228، Ency، Brita، vol، 19، p. 103، Friess and Schneider، Religion in Various Cultures، New york، 1932.

4 Ency. Relig، vol. 10، p. 263، Ency. Of Social، vol. 13-14، p. 228.

5 Ency. Relig، vol، 10، p. 663.

ص: 6

الألفاظ المعربة، أصلها فارسي هو "دَيْنا" Daena1. وقد دخلت في العربية قبل الإسلام بمدة طويلة. وترد لفظة "دين" بمعنى الحشر في الإرمية والعبرانية كذلك. وهي "دينو" في الإرمية. وتقابل لفظة Daino الإرمية لفظة الديان في العربية. وهي بمعنى القاضي في هذه اللغة. وتعني لفظة "دين" القضاء في اللغة البابلية. و"ديان""ديو نو" Dayono، الحاكم والمجازي والقاضي لغة بني إرم2. وهي بهذا المعنى في العربية أيضًا3.

والدين في تعريف علماء اللغة: العادة والشأن. تقول العرب: ما زال ذلك ديني وديدني، أي عادتي. والدين بمعنى الطاعة والتعبد. وقد ورد في الحديث:"كان على دين قومه"، أي كان على ما بقي فيهم من إرث إبراهيم، من الحج والنكاح والميراث، وغير ذلك من أحكام الإيمان. وجاء:"كانت قريش ومن دان بدينهم، أي اتبعهم في دينهم ووافقهم عليه، واتخذ دينهم له دينًا وعبادة"4

ومن "دين" الديَّان بمعنى الحاكم القاضي والقهار. ومن ذلك مخاطبة "الأعشى الحرمازي" الرسول بقوله:

يا سيدَ الناسِ وديَّان العربِ

والديَّان: الله، ومِنْ أسماءِ الله5

وقد وردت هذه اللفظة في المعنى المفهوم منها في الإسلام في بيت شعر ينسب إلى أمية بن أبي الصلت، هو:

كُلُ دينٍَ يَومَ القيامَةَ عِندَ اللـ

ـَهِ إِلاّ دينٍ الحَنيفَةِ زورُ6

1Handworterbuch des Islams، S. 98، Gr mdrjss، der Iran. Philoso. I، I، S. 107، 270، I، 2، S. 26، 170، II، S. 644. Jmynboll، Handbuch des Islamischen Gesetzes، S. 40، 58. Schorter Ency. Of Islam، p. 78، Ency. I، p. 975، Zeltscher. Fur Assyr.، Bd.، XIV، S. 351

2 برصوم "ص60" غرائب اللغة "182".

3 اللسان "13/ 166 وما بعدها"، "دين".

4 اللسان "13/ 166 وما بعدها"، "دين" تاج العروس "9/ 208 وما بعدها"، "دين".

5 اللسان "13/ 166 وما بعدها"، "دين" تاج العروس "9/ 208" وما بعدها"، "دين".

6 الأغاني "4/ 122"، "دار الكتب المصرية".

ص: 7

غير أننا لا نستطيع أن نحكم بورودها في شعر أمية ما لم نثبت أن ذلك الشعر هو من شعره حقًّا، وأنه ليس بشعر إسلامي صنع ووضع على لسانه، فقد وضعت أشعار وقصائد على لسانه وعلى لسان غيره من الشعراء.

ووردت بهذا المعنى أيضًا في النصوص الثمودية. وردت في نص سجله رجل من قوم ثمود، توسل فيه إلى الإله "ود"، أن يحفظ له دينه، "أل هـ د ي ق. ي د"1، ووردت في نص آخر جاء فيه:"بدين ود أمت"2، أي "بدين ود أموت"، أو "على دين ود أموت". فاللفظة إذن من الألفاظ العربية الواردة في النصوص الثمودية، وقد يعثر عليها في نصوص جاهلية مدونة بلهجات عربية أخرى.

ويصنف بعض العلماء الأديان إلى صنفين: أديان بدائية Primitive Religions، وأديان عليا The Higher Religions، غير أن هذا التقسيم لا يستند إلى التسلسل الزماني، وإنما يقوم على أساس دراسة أحكام الدين وعقائده وعمق أفكاره. فالأديان التي تقوم على أفكار بدائية وعلى السحر Magic وعلى المبالغة في التقديس وتقديم القرابين Sacred، والتي تنحصر عبادتها بأفراد قرية أو قبيلة واحدة، وأمثال ذلك مما يشرحه علماء تأريخ الأديان وعلماء فلسفة الأديان، هي من أديان الصنف الأول. فإذا توسع مجال الدين وشمل قبائل عديدة، وتعمق في أحكامه وفي تشريعه وفلسفته، وصار الإله أو الآلهة إلهًا ذا سلطان واسع أو آلهة ذات سلطان واسع عد الدين من الأديان العليا3.

وأما تقسيم الأديان إلى أديان قبيلية Tribal Religions، و"أديان قومية" National Religions، وأديان مطلقة عامة "Absolute Religions""Universal Religions" فإنه، وإن كان تقسيمًا واضحًا ظاهرًا بالقياس إلى الطرق الأخرى لتقسيم الأديان، يرد عليه أنه تقسيم بني على أسس وحدود ليست لها أرض صلبة في جوهر الدين وأركانه، فهو بعيد عن المبادئ الأساسية التي تجب مراعاتها في تقسيم كل علم أو موضوع4. كذلك تجابه التقسيم الثلاثي إلى "أديان.

1 Grimme، S. 34، 40.

2 Mu 646/17، Grimme، 40.

3 Ency. BRITA، vol. 19. p. 107.

4 Ency. Brita. Vol. 19، p. 111.

ص: 8

الطبيعة" Nature Religion و"ديانة الشريعة" Geztzes Religion و"ديانة الخلاص" Erlosungs Religion عند بعض العلماء الألمان صعوبات كبيرة تجعل السير على أساسه في دراسة تطور الدين أمرًا عسيرًا شاقًّا1.

وتستند دراسات علماء تأريخ الأديان لتطور الأديان والأدوار التي مرت بها إلى دراسة أمور كثيرة، تأريخية ونفسية واجتماعية واقتصادية، ولهم في ذلك جملة طرق، منها طريقة الدراسات المقارنة The comparative Method، وهي تعتمد كما يتبين من اسمها على المقارنات بين الأديان، فتتناول جميع النواحي بالبحث، لتجد ما بينها من مطابقات ومفارقات. ومنها طرق البحث التأريخي والاجتماعي Historical and Sociological Methods وتستند إلى الدراسات التأريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والجغرافية والعوامل الأخرى، للناس وللمنطقة التي عاشوا فيها، وأثر كل هذه العوامل في نمو الأفكار الدينية وظهورها. وطرق عديدة أخرى تذكر في كتب تواريخ الأديان2.

وقد تقدمت دراسة تأريخ الأديان تقدمًا كبيرًا، ولا سيما بعد اتباع أساليب الطرق التجريبية والبحوث المقارنة والتحليل النفسي في هذه الدراسة. وظهر بحث جديد شائق طريف، هو "فلسفة الدين" The Philosophy of Religion أفاد كثيرًا في معرفة دراسة تطور الأديان ومبادئها الأساسية، كما ظهرت فروع أخرى كهذا الفرع لها صلة بدراسة الدين وتقدمه، كالفرع النفسي الذي يعتمد على الدراسات النفسية للدين، وهو فرع نستطيع أن نسميه بـ"علم النفس الديني" The psychology of Religion في الإنكليزية و Religionspsychologic في الألمانية3. وكالفرع الذي يعتمد على أساليب بحث الاجتماع وطرقه لدراسة الدين باعتبار أن الدين نفسه ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية4.

وهناك عوامل عديدة لها أثرها في تطور الأديان، وفي "تكييفها"، منها أثر "العوامل الطبغرافية" Topographic Factors. وأثر "المحيط" Climatic Factors

1 Philosophische Worterbuch، S. 552.

2 Ency. Relig، 10، P. 946.

3 Strattons، Psychology of he Religious Life، 1911، Ency. Brita، 19، p. 111 Schmidt، S. 554..

4 Schmidt، S. 554، J. Wach، Einfuhrung in die Religion، 1941.

ص: 9

وأثر الحالات النفسية في تكييف الدين، وفي تصور الناس لآلهتهم. ولهذا تصور اليونان مثلًا آلهتهم على شاكلتهم، تصوروها ذات أخلاق وصفات تشبه أخلاق البشر وصفاتهم، تتخاصم وتتصادق وتتباغض ويحسد بعضها بعضًا، تشرب الخمر وتحزن وتفرح، وتسرق أيضًا. ونجد في الـ"إيدا" Edda نفسية الشعوب الشمالية الأوروبية ممثلة في الأساطير التي تتحدث عن الآلهة والأبطال1.

ويظهر أثر العوامل المذكورة في الديانة الهندية القديمة، وهي من الديانات الآرية، وفي الديانة المجوسية، وهي من أهل السهول وديانات أهل الجبال، وبين ديانات الساميين الشماليين وديانات الساميين الجنوبيين، يظهر في الأساطير "Mythlogy" وفي تصور الآلهة وتقديمها وتأخيرها وما شابه ذلك من أمور2.

ولشكل المجتمع أثره كذلك في تطوير الدين وفي أحكامه. فمجتمع يقوم على الزراعة يختلف في تفكيره عن مجتمع يعيش على الصناعة أو على الرعي في بوادٍ واسعة، كذلك للسياسة ولأشكال المجتمعات السياسية دخل في تطور الأديان. وقد كان التعاون وثيقًا جدًّا في الأيام الماضية خاصة بين السلطات الزمنية وبين السلطان الدينية حتى كان الحكام الزمنيون كهانًا في كثير من الأوقات، كما حدث أن وقع اختلاف بين السلطتين أدى إلى حدوث تغيير في عقيدة الحكومة أو أكثرية الشعب.

وطالما أدى قهر مدينة أو قبيلة أو شعب إلى قهر آلهتها معها وموتها، وإلى عبادة آلهة القاهرين المتغلبين باعتبار أنها أقوى وأعظم شأنًا من آلهة المغلوبين التي لم تتمكن من حمايتهم من تعديات الغالبين. وقد تبقى تلك الآلهة فتندمج في آلهة المغيرين، فيزداد بذلك العدد، وتتعدد الآلهة، وتختلط الأساطير بعضها ببعض وتتداخل. ولهذه الناحية أهمية كبيرة في تحليل عناصر هذه الأساطير، ورَجْعها إلى منابعها الأولى. كذلك يكون للجوار وللصلات التأريخية والروابط الثقافية أثر في ديانات الشعوب وفي "تكييفها" للثقافة خاصة أثر بارز في هذا التوجيه.

غير أن للأديان كذلك أثرها في توجيه الأفراد والقبائل والشعوب، وفيما ينتج عن عمل الإنسان من مجتمعات وسياسة وثقافة واقتصاد3. فهذه نواحٍ يجب أن

1 Ency. Solial، 13-14، p. 232.

2 Ency. Solial، 13-14، p. 232.

3 Ency. Solial، 13-15، p. 234.

ص: 10

تلاحظ كلها في دراستنا لتأريخ الأديان. هذا ويجب ألا نتصور أن أديان العرب قبل الإسلام لم تتأثر بمؤثرات خارجية، فلم تأخذ من الأمم والشعوب التي اتصلت بها شيئًا جريًا على نظرية القائلين بعزلة العرب وبعدم اتصالهم بالخارج، وبأنهم بدو، لا علم لهم ولا رأي ولا دين. وهي نظرية نشأت عن عدم وقوف القائلين بها بأحوال العرب قبل الإسلام. وإذا وافق أولئك على أن اليهودية والنصرانية كانتا في جزيرة العرب قبل الإسلام كما نص على ذلك القرآن الكريم، وأن من العرب من كان على دين يهود، وأن منهم من كان على دين النصارى، فلن يستطيعوا إنكار ورود اليهودية والنصرانية إلى العرب من الخارج بعمل الهجرة والتبشير والاتصال بفلسطين والعراق. وسيوافقون أيضًا على أن الوثنيين قد تأثروا كذلك بوثنية غيرهم، كما نص على ذلك الأخباريون وأنهم أثروا في غيرهم أيضًا.

إن معارفنا عن أديان العرب قبل الإسلام مستمدة في الدرجة الأولى من النصوص الجاهلية بلهجاتها المتعددة من معينية وسبئية وحضرمية وأوسانية وقتبانية وثمودية ولحيانية وصفوية، وهي نصوص ليس من بينها نص واحد ويا للأسف في أمور دينية مباشرة، مثل نصوص صلوات أو أدعية دينية أو بحوث في العقائد وما شبه ذلك. غير أن هذه النصوص المذكورة، ومعظمها كما قلت سابقًا في أمور شخصية، حوت مع ذلك أسماء آلهة ذكرت بالمناسبة، وبفضلها عرفنا أسماء آلهة لم يصل خبرها إلى علم الأخباريين؛ لأن ذكرها كان قد انطمس وزال قبل الإسلام. ومن هذه النصوص استطعنا أن نستخرج آلهة القبائل العربية القديمة، وأن نرجعها إلى المواضع التي كانت تتعبد بها لها، وأن نعين العصور التي كان الناس فيها يتعبدون لها على وجه التقريب.

كذلك تعد الكتابات والنقوش المدونة ببعض اللغات الأعجمية كالآشورية والعبرانية واليونانية واللاتينية ولغة بنى إرم موردًا مفيدًا لمعرفة أديان العرب قبل الإسلام بعد النصوص العربية. فقد وعت أسماء أصنام قديمة نصت عليها، وبذلك ساعدتنا في الوقوف على عبادتها وعلى من تعبد لها من قبائل.

وأما أديان العرب قبيل الإسلام وعند ظهوره، فالقرآن الكريم هو مرجعنا في هذا الباب. ففيه ذكر لما كان عليه الناس ولا سيما أهل مكة ويثرب والحجاز من عبادات وآراء، وفيه أسماء بعض الأصنام الكبرى التي كانت تتعبد لها القبائل.

ص: 11

وفي تفسير القرآن الكريم تفصيل وشرح لما جاء موجزًا في الآيات البينات، ويضاف إلى ذلك ما ورد عن هذا الباب في الحديث.

وفي الشعر المنسوب إلى الشعراء الجاهليين إشارات إلى بعض عقائد الجاهليين، وإلى بعض الأصنام، تعرض لها شراح الدواوين بالمناسبات، وترد هذه الإشارات في القصص المروي عن أخبار الجاهلية وعن أنساب قبائلها وأيامها وأمثال ذلك وفي كتب الأدب واللغة والمعجمات، وهي تعيننا بالطبع على زيادة مادتنا في هذا الموضوع.

ويضاف إلى ذلك ما ورد في كتب السير والمغازي وفي كتب التواريخ من كتب خاصة مثل تأريخ مكة، ومن كتب عامة عن عبادات القوم قبل الوحي وفي أثناء الوحي وعن أمر الرسول بتحطيم الأصنام والأوثان. وقد ورد بهذه المناسبة أوصاف بعضها، وذكرت بعض المواضع التي كانت قائمة فيها، والقبائل التي كانت تتعبد لها، وما أُدير حول بعضها من قصص، أو ما قيل عنها في الجاهلية وفي تحطيمها من أقوال.

ومما يجب علينا ملاحظة، أن الشعر الجاهلي الذي أمدنا بفيض من معارف قيمة عن الجاهلية القريبة من الإسلام، لم يمدنا بشيء مهم عن الحياة الدينية عند الجاهليين، فكأنه أراد مجاراة من دخل في الإسلام في التنصل من أيام الجاهلية ومن التبرؤ منها، ومن غض النظر عن ذكر أصنام حرمها الإسلام. وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن رواة الشعر في الإسلام، قد أغفلوا أمر الشعر الجاهلي الذي مجد الأصنام والوثنية، وأهملوه، فلم يرووه، فمات، وأن بعضًا منهم قد هذب ذلك الشعر وشذبه، فحذف منه كل ما له علاقة بالأصنام والوثنية، ورفع منه أسماء الأصنام، وأحل محلها اسم الله، حيث يرد اسم الصنم. فما فيه اسم الله في الشعر الجاهلي، كان اسم صنم في الأصل.

وقد ألف بعض العلماء مؤلفات خاصة في الأصنام، وصل إلينا منها كتاب "الأصنام" لابن الكلبي1 أما المؤلفات الأخرى، فلم يصل إلينا منها إلا الاسم.

1 "كتاب الأصنام" بتحقيق المرحوم أحمد زكي باشا. القاهرة 1925م الطبعة الثانية، "مطبعة دار الكتب المصرية" وسيكون رمزه: الأصنام. وقد طبع الكتاب مرارًا، وترجم إلى الإنكليزية والألمانية وإلى لغات أخرى.

ص: 12

وممن ألف في هذا الموضوع أبو الحسن علي بن الحسين بن فضيل بن مروان1، والجاحظ2. وقد استفاد ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" من كتاب "الأصنام" لابن الكلبي، وأورد ما أخذه منه في الكتاب. أما النسخة التي اعتمد الحموي عليها، فكانت بخط عالم مشهور وبروايته هو الجوالقي3.

وقد تعرض ابن الكلبي لذكر الوثنية والأصنام في مؤلفاته الأخرى عرضًا، وأشار "ياقوت الحموي" في بعض المواضع إلى روايات أخرى لابن الكلبي عن الأصنام، ذاكرًا أنها ليست من كتاب "الأصنام". كما استقى من منبع آخر، هو محمد بن حبيب4.

وقد ألف أبو عبد الله الحسين بن محمد بن جعفر الخالع كتابًا في أديان العرب وآرائهم، اسمه "آراء العرب وأديانها" وقف عليه ابن أبي الحديد، وأشار إلى بعض هفوات رآها فيه5. وللجاحظ مؤلف اسمه "أديان العرب" استفاد منه أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني6.

وبالرغم من فضل من تقدم ممن ذكرت وممن لم أذكر، على دارس التأريخ الديني للجاهليين فإنهم عفا الله عنهم، لم يتعمقوا تعمقًا كافيًا في بحوثهم عن الوثنية، ولم يتحرشوا بها في الغالب، إلا بسبب اتصالهم بالإسلام، ثم إن في كثير مما ذكروه عن الوثنية طابع السذاجة وأسلوب الصنعة. وهو في أحوال الوثنية في الحجاز وعند القبائل التي ورد لها ذكر في حوادث الإسلام في أيام الرسول، في مثل قدوم وفود سادات القبائل على النبي، وأمر الرسول بتحطيم الأصنام ولهذا لا نجد للوثنية في بقية جزيرة العرب، مكانًا فيما كتبه أولئك العلماء.

1 "كتاب الأصنام وما كانت العرب والعجم تعبد من دون الله تبارك اسمه"، الفهرست "ص125""23"، "الرد على عبدة الأوثان" معجم الأدباء "1/ 132".

2 الأصنام "23"، وقد نقل منه "النويري" في كتابه نهاية الأرب "16/ 15"، "فهو ما نقله أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ رحمه الله في كتاب له سماه: كتاب الأصنام، قال فيه....".

3 الأصنام 24.

4 J. Wellhausen، Reste Arabischen Heidentums، Berlin، 1927، S. 12.

5 بلوغ الأرب "2/ 308".

6 Brockeimann، Suppl. I، S. 946.

ص: 13

عن الأصنام والأوثان أو الزندقة. ثم إن في الذي ذكروه وكتبوه تناقض محير، وتنافر عجيب، يجعلك تشعر، أن رواة تلك الأخبار، لم يكونوا يملكون يومئذ أدوات النقد لصقل ما سمعوه من أفواه الرواة، وما نقلوه عمن أدرك الجاهلية من أقوال، أو أنهم كانوا يعمدون إلى الوضع أحيانًا. لصنع أجوبة عن أسئلة وجهت إليهم في أمور لم يأتهم علم بها من قبل.

خذ ما ذكره "الطبري" في تفسيره عن اللات والعزى ومناة، تجده يروي أقوالًا ذكر سندها تتناقض فيما بينها بشأن هذه الأصنام، وبشأن بيوتها ومواضعها، مما يدل على أن رواة تلك الأخبار لم يكونوا على علم بأخبارها ولا وقوف على حقيقتها، بدليل أن كل واحد منهم ناقض غيره فيما قاله، وأن أحدهم يذكر خبًرا ثم يعود فيذكر ما يناقضه1. حدث كل ذلك في أمور كانت باقية إلى ما بعد فتح مكة، فكيف حالهم إذن في الأمور البعيدة نوعًا ما عن الإسلام.

ولا تتناول الموارد الإسلامية بعد، إلا الوثنية القريبة من الإسلام والوثنية التي كانت متفشية بين قبائل الحجاز في الغالب، وبين القبائل التي اعتمد عيها رواة الأخبار في جمع اللغة والأخبار لذلك لا نجد فيها ذكرًا للوثنية البعيدة عن الاسلام، فلم يرد فيها مثلًا أي شيء عن "المقه" إله سبأ الأكبر ولا عن بقية الآلهة العربية الجنوبية الكبيرة مثل "عثتر"، وعن دين العرب الجنوبيين وشعائرهم، ولا عن معبودات قبائل العربية الشرقية. أو قبائل العراق أو بلاد الشأم في الأزمنة البعيدة أو القريبة من الإسلام.

وأما أخبارها عن اليهودية والنصرانية، فقليلة جدًّا، قصتها وروتها لما لها من تماس وصلة بما جاء في القرآن الكريم، أو لما لها من علاقة بأيام الرسول. ولهذا صارت خرساء صامتة بالنسبة إلى أحوال أهل الكتاب في بقية أنحاء جزيرة العرب أو في العراق وفي بلاد الشأم. فلم تتحرش بهم إلا بقدر. وبسبب ذلك صارت معارفنا عنهم قليلة جدًّا. وقد كان في إمكان أهل الأخبار جمع معلومات واسعة عن النصرانية في العراق قبل الإسلام برجوعهم إلى رجال الدين النصاري الذين كانوا في الحيرة وفي مواضع أخرى من العراق، وهم رجال لهم علم واسع بهذه الأمور، لكن اختلافهم عنهم في الدين على ما يظهر، وانصرافهم إذ ذاك

1 تفسير الطبري "27/ 35 وما بعدها" تاج العروس "4/ 55""عزز".

ص: 14

عن رواية كل ما يتعلق بالأمور الجاهلية خلا ما يتعلق بالنواحي القبلية وبالنواحي الأدبية واللغوية، كانا من العوامل التي أدت إلى غض نظرهم عن البحث في هذه الأمور.

وبفضل إقرار الإسلام لبعض أحكام وشعائر الجاهليين، استطعنا الوقوف على جانب من أحكامهم وشرائعهم. فعرفنا بذلك بعض شعائر الحج من حج مكة، وبعض أحكامهم وآرائهم في الدين ووجهة نظرهم إلى الحلال والحرام، والتقرب إلى بيوت الأرباب وغير ذلك. وما كان في وسعنا الوقوف عليها لولا تعرض الإسلام لها بالإقرار والتثبيت، أو بالتحريم والنهي، فأشير إلى كل ذلك في القرآن الكريم وفي كتب التفسير وأسباب النزول والحديث.

وقد عُني المستشرقون بهذا الموضوع، فكتبوا بحوثًا فيه. ومن هؤلاء "ولهوزن" Wellhausen j. صاحب كتاب "بقايا الوثنية العربية" Arabischen Heidentums1 و"دتلف نيلسن" Ditlef Nielsen2 و"لودولف كريل" Ludolf Krehl وغيرهم3.

وقد اعتمد "ولهوزن" على ما نقله "ياقوت الحموي" من كتاب الأصنام ومن غيرهم، ذلك لأن كتاب الأصنام لم يكن مطبوعًا ولا معروفًا أيام ألف "ولهوزن" كتابه عن الوثنية العربية.

ويعد كتاب "ولهوزن" أوسع مؤلف في موضوعه كتبه المستشرقون عن الوثنية العربية. وقد كتب المستشرقون حديثًا جملة بحوث عن الأصنام العربية التي عثر عليها في الكتابات فات ذكرها في كتاب "ولهوزن" لأن أكثر النصوص الجاهلية لم تكن قد نشرت يومئذ، ولأن كثيرًا منها قد نشر حديثًا، فلم يكن في استطاعة "ولهوزن" بالطبع أن يبحث في شيء من التفصيل في الوثنية ببلاد العرب الجنوبية. لذلك كان أكثر ما جاء في كتاب "ولهوزن" مستمدًا من روايات

1 استعملت الطبعة الثانية، وقد طبعت ببرلين سنة 1927م.

2 Ditlef Nielsen، Die Altorabische Mondreligeon und die Mosaische Meberlieferung، Strassburg، 1904.

3 Ludolf Krehl، uber die Religion der Varislamishen Araber، Leipzig، 1863.

إذا أردت أسماء بعض المراجع عن هذا الموضوع، فارجع إلى:

D. G. Pfannmuller، Handbuch der Islam-Literatur، 1923.

ص: 15

الأخباريين. فمن الضروري إضافة هذه البحوث الجديدة إلى ما كتبه هو وأمثاله، لنحصل على صورة شاملة عن أديان العرب قبل الإسلام.

وتفيد الأعلام الجاهلية المركبة Theophorus Names المدونة في النصوص الجاهلية وفي الموارد الإسلامية فائدة كبيرة في معرفة الأصنام، وفي تكوين فكرة عنها. ففيها أسماء آلهة، وفيها بعض الصفات الإلهية التي كان يطلقها الناس على آلهتهم. ونجد هذه الأسماء المركبة عند بقية الشعوب السامية كذلك. ومن مقارنة هذه الأسماء بعضها ببعض، استخرج العلماء آلهة اشترك في عبادتها جمع الساميين1.

ونعني بـ Theophorus Names الأعلام المركبة من أسماء آلهة ومن كلمات أخرى مثل "عبد" و"عطية" و"امرئ" و"أوس" و"عائذ" و"جار" و"عوذ" و"وهب". ترد قبل اسم الإله أو بعده، فيتألف منها ومن أسماء الآلهة أسماء أعلام، مثل عبد الأسد، وعبد الله، وعبد سعد، وعبد العزى، وعبد محرق، وعبد ذي الشرى، وعبد يغوث، وعبد ود، وعبد قيس، وعبد شمس، وامرئ القيس، وأمثال ذلك من أعلام.

ومعظم هذه الأعلام المدونة في مؤلفات الإسلامين، أسماء أشخاص عاشوا في الجاهلية القريبة من الإسلام، حفظتها ووعتها ذاكرة الرواة، ومنها تناقلها أهل الأخبار. والغالب عليها الابتداء بكلمة "عبد" للرجال و"أمت" أي أمة للسناء، ترد قبل اسم الصنم. أما الأسماء المبتدأة بكلمات أخرى غير "عبد"، فمثل "أحمس الله" و"امرئ مناة"، و"امرئ القيس"، و"أنس الله" و"أوس الله"، و"تيم اللات"، و"خيليل"، و"زيد اللات"، و"زيد مناة" و"سعد اللات"، و"سعد مناة"، و"سعد ود" و"سعد العشيرة"، و"سكن اللات" و"سلم اللات" و"شراحيل" و"شرحيل" و"شرحبيل"، و"شكم اللات" و"شهميل"، و"شيع القوم"، و"عائذ الله" و"عمرو اللات" و"عوذ مناة" و"عينيل"، و"قسميل" و"مطرويل"، و"وهب اللات". وهي قليلة من حيث الاستعمال بالقياس إلى الأعلام المبتدأة بـ"عبد"2.

1 Dr. H. Brau، Die Altnordarabischen Kultischen Personennamen، in WZKM، Bd. 32، 1925، s. 31. ff. 85. ff. Reste، I، FF. Ency، Religi. I. p:659.

2 Reste، S. I

ص: 16

ويلاحظ على بعض الأعلام المركبة، مثل عمرو اللات، وعوف إيل، وجد اللات، وسعد مناة، وود إيل، أن الكلمات الأولى من هذه الأسماء تتأخر في أعلام أخرى؛ فتسبق بكلمة توضع قبلها فيتكون منها علم مركب جديد كما في الأسماء الآتية: عبد عمرو، وعبد عوف، وعبد جد، وعبد سعد، وعبد ود، وقد كانت متقدمة في الأعلام الأولى. أما في هذه الأعلام فصارت في المنزلة الثانية.

وهذه الأسماء التي حفظتها ذاكرة أهل الأخبار، تخالف أكثر الأعلام العربية والسامية القديمة المدونة في النصوص وفي مؤلفات اليونان والرومان والسريان وغيرهم من حيث الصيغ والتراكيب. فقد ابتدأت هذه الأعلام كما رأينا بكلمات تلتها أسماء الآلهة. أما الأعلام القديمة، فقد كانت على العكس تبدأ باسم الصنم، وبعده الألفاظ الأخرى، مثل:"الشرح""إيل شرح" و"اليفع""إيل يفع" و"الذرح""إيل ذرح" و"الكرب""إيل كرب" و"السمع""إيل سمع" و"اليثع""إيل يثع" وأمثال ذلك. أو تبدأ بكلمات ثم تليها أسماء الأصنام، إلا أنها ليست في حالة الإضافة، بل على صورة الإخبار والفاعلية، مثل "يذكر إيل" و"يثع إيل" و"يدع إيل" و"يشرح إيل" و"يسمع إيل" و"إيل""إل" هنا هو اسم الإله "إل""إيلو" المعروف عند جميع الساميين1.

وقد يوضع حرف الجر، وهو "اللام""لامد" في الاسم، ليدل على تعلق الاسم بالإله، مثل "لحي عثت" في النصوص العربية الجنوبية، وقد عثر على طائفة من هذه الأعلام في الكتابات الفينيقية والعبرانية2.

وقد تهمل الكلمة الثانية من الاسم المركب، ويقتصر على اللفظة الأولى، كما في:"أوس"، وزيد، ووهب، وتيم، وسعد، ونصر، وعائذ، وعبد، وأمثال ذلك من أعلام. فإنها اختصار لـ"أوس الله" و"زيد اللات" و"زيد مناة" و"وهب اللات" و"تيم اللات" و"سعد مناة".

1 Reste، S. I، Noldeke، uber den Gottesnamen El، in Monatsberichte der Koni Akademie der wissenschaft zu Berlin، 1880، S. 761، 1887، S. 1175.

2 Reste، S. 7، Noldeke، in Wiener Zeitshrift fur die Kunde des Morgenlandes، Bd. VI، S. 313.

ص: 17

و"سعد ود" و"سعد اللات" و"نصر اللات" و"عائذ الله" و"عبد ود"، وغير ذلك، وقد يحدث العكس، فتسقط الكلمة الأولى، وتبقى الكلمة الثانية التي هي اسم الإله ويصير هذا الاسم اسمًا لشخص أو لأسرة أو لقبيلة، مثل: مناف، وغنم، وشمس، وإساف، ونائلة، وزهرة، وقيس، وعطارد، وهبل، وجد، وأمثال ذلك. فإن هذه هي أسماء آلهة في الأصل، سبقت بكلمات مثل "عبد"، ثم أهملت هذه الكلمات الأولى، وبقيت أسماء الآلهة حية، ولكنها صارت أسماء لأشخاص وأسر وقبائل، تسبقها لفظة "بنو" في بعض الأحيان، لتدل على الانتماء إلى ذلك الاسم1. ولهذا الانتماء أهمية كبيرة في نظر الباحثين في فلسفة الأديان وتأريخها.

ويلاحظ أن بعض الأعلام المركبة المبتدأة بـ"عبد" مثلًا، لا تتكون كلمتها الثانية من اسم إله، إنما تكون اسم موضع أو اسم شخص أو اسم جماد، مثل: عبد حارثة، وعبد المطلب، وعبد أمية، وعبد الدار، وعبد الحارث، وعبد الحجر، وما شاكل ذلك. ولبعض العلماء تفاسير وتعليلات في العوامل التي أدت إلى هذه التسميات. منها أن بعض هذه الأسماء هو لآلهة قديمة، نسيت فظن أنها أسماء أشخاص: وأن بعضًا آخر منها هو أسماء أشخاص كانت لهم قدسية أو منزلة خاصة، فتبرك الناس بتسمية أولادهم عبيدًا لهم، وهو شيء يحدث حتى الآن؛ إذ نقول عبد المسيح، وعبد الرسول، وعبد علي، وعبد الأمير، وعبد الزهرة، وعبد محمد، وأن بعضًا آخر هو مسميات لمجتمعات، مثل: عبد أهله، وعبد العشيرة، وسعد العشيرة، أو أنه نسبة إلى طوطم أو جماد مقدس في نظر الناس2.

وقد قضى الاسلام على الأسماء الوثنية، كما قضى على كثير من معالم الجاهلية، فاستبدل من أسلم اسمه الجاهلي الذي له صلة بصنم أو بشرك باسم إسلامي، وبذلك زالت تلك التسميات. كما زالت أكثر التسميات اليهودية والنصرانية بدخول أصحابها في الإسلام. وهذا شيء مألوف في تأريخ الإنسان. فقد قضت اليهودية على الأسماء الوثنية القديمة، وعوضت عنها بأسماء يهودية ذات صلة بالتوراة. وقضت النصرانية على الأعلام الوثنية. أو طورتها لتكون ملائمة مع النصرانية، وهكذا

1 Reste، S. 7. ff.

2 Robertson، p. 42، Reste، S. 4.

ص: 18

حدث في الأديان الأخرى، بل وهذا ما يحدث اليوم في كثير من أنحاء العالم القلقة عند وقوع انقلابات سياسية، حيث تتناول الأسماء أيضًا بالتغيير والتبديل؛ لتناسب الوضع الجديد.

وقد ذكر أهل الأخبار أسماء عدد من الصحابة، كانت أسماؤهم ذات صلة بالأصنام. فلما أسلموا أبدلها الرسول بأسماء إسلامية. فقد كان اسم كاتب النبي "عبد الله بن أبي الأرقم بن أبي الأرقم""عبد يغوث" فلما أسلم، دعي "عبد الله"1 وكان اسم "عبد الله بن أصرم بن عمرو بن شعيثة" الهلالي، "عبد عوف بن أصرم"، فلما قدم على النبي، فقال من أنت؟ قال عبد عوف، قال النبي: أنت عبد الله، فأسلم2. ونجد غيرهما وقد أبدل الرسول أسماءهم، حتى صار من يسلم يبدل اسمه إن كان له صلة بصنم، حتى ماتت الأسماء الجاهلية التي هي من هذا القبيل.

والأساطير MYTHOS = Myth ونعني بها هنا الخرافات والأقاصيص المتعلقة بالآلهة Legend، هي مصدر مهم لمعرفة تطور الأديان وتطور فكرة الألوهية عند الشعوب. وهي قد تكون شعرًا، وقد تكون نثرًا، وفي كلتا الحالتين تكون مادة خصبة للباحثين.

ومعارفنا عن الأساطير العربية الدينية قليلة جدًّا. وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن العرب لم تكن لهم أساطير دينية عن آلهتهم، كما كان عند غيرهم من الأمم كاليونان والرومان والفرس وعند بقية الآريين، بل حتى عند بعض الشعوب السامية الأخرى مثل البابليين3. وفي رأيي أننا لا نستطيع أن نجزم في مثل هذه الأمور؛ لأن أحكامنا عن اليونان والرومان والبابليين إنما استنبطناها من نصوص ومؤلفات وصلت إلينا. أما العرب الجاهليون، فلم يصل إلينا منهم حتى الآن نص ما في هذا الموضوع، يمكننا من الحكم بعدم وجود الأساطير الدينية عند العرب الوثنيين.

ومشكلتنا أننا لا نملك كما قلت نصوصًا دينية جاهلية، ولا كتبًا كتبها يونان أو لاتين أو سريان أو غيرهم عن أساطير العرب في الجاهلية نستطيع استخراج.

1 الإصابة "2/ 265""رقم 4525".

2 الإصابة "2/ 267"، "رقم 4534".

3 Ency، Religi I،p 660.

ص: 19

حكم منها عن أساطير العرب. ولكن هذا الوضع لا يخولنا نفي وجود الأساطير عند العرب، بحجة بداوتهم وضيق أفقهم وبساطة تفكيرهم، كما أنه لا يخولنا أيضًا الحكم بوجود أساطير عندهم من طراز عالٍ كما نجده عند اليونان مثلًا. ويتبين من بعض روايات الأخباريين، وهي قليلة، أن العرب كانت لهم أساطير كالذي رووه من أن العيوق" عاق "الدبران" لما ساق إلى الثريا مهرًا، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا، فهو يتبعها أبدًا خاطبًا لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص1 وكالذي رووه عند "العَبُور" و"الغُمَيصاء" و"سُهَيْل". وقد كانت هذه النجوم مجتمعة، فانحدر سُهَيْل فصار يمانيًّا، وتبعته العَبُور فعبرت المجرة، وأقامت الغُمَيْصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت2. وكالذي رووه من أن "الزُّهرة" كانت امرأة حسناء، فصعدت إلى السماء ومسخت نجمًا، وأمثال ذلك من قصص يظهر أنه من بقايا قصص أطول قديم3.

وإذ لم تصل إلينا نصوص دينية جاهلية، صعب علينا تكوين فكرة صحيحة عن مفهوم الدين عند العرب، وعن كيفية عبادتهم لآلهتهم، وعن كيفية تصورهم للآلهة، خاصة عند العرب الذين عاشوا قبل الميلاد.

وقد تعنينا أسماء الآلهة والأعلام المركبة في تكوين وجهة نظر عن صفات آلهة الجاهليين. فكلمات مثل "ود" و"شرح" و"سعد" و"سمع"، أو تعابير مثل "ذت حمم""ذات حميم" و"ذت صنتم""ذات صنتم" و"ذت رحبن""ذات رحبن" و"ذت بعدن" ذات بعدن" "وذ قبضم" "ذو قبضم" وما شابه ذلك، لا بد أن تكون لها معانٍ خاصة تشير إلى صفات الآلهة التي قيلت لها، فتفيدنا في فهم عبادة الجاهليين وتفكيرهم في تلك الآلهة.

وإذا كانت بعض أسماء الآلهة أو صفاتها واضحة مفهومة تمكن الاستفادة منها في تكوين فكرة عن الآلهة، فإن هناك بعضًا آخر يحيط بمعناه الغموض، فلا نستطيع شرح معناه أو ترجمته إلى اللغات الأخرى. وليس من المعقول بالطبع عدم وجود مدلول أو مراد لأسماء هذه الآلهة عند من وضعها لها، ونسبها إليها، وإنما المعقول هو أن هذه المسميات نسيت بتقادم الزمن وبزوال دولتها وعظمتها

1 بلوغ الأرب "2/ 239".

2 بلوغ الأرب "2/ 239".

3 البلخي: البدء والتأريخ "3/ 14".

ص: 20

من الوجود، وضاعت معالمها، فلم يبق منها إلا الأسماء المجردة1. ولعل معانيها كانت غامضة حتى على من كان يتعبد لها، لاختفائها منذ زمن طويل، وعدم ورود نصوص مدونة على المتعبدين لها في هذه المعاني، وهذا شيء مألوف معروف.

وتختلف نظرة الإنسان إلى الخالق والخلق باختلاف تطوره ونمو عقله، ولهذا نجد فكرة "الله""الإله" التي تقابل كلمة Deus في اللاتينية وكلمة Theos في اليونانية وكلمة God في الإنكليزية، تختلف باختلاف مفاهيم الشعوب ودرجات تقدمها. فهي عند الشعوب البدائية القديمة والحديثة في شكل يختلف عن مفهومها عند الشعوب المتحضرة. كذلك اختلفت عند سكنة البوادي عند سكنة الجبال والهضاب، ويختلف مفهوم فكرة الله عند الشعوب السامية عنها عند الشعوب الآرية؛ لأسباب عديدة يذكرها علماء تأريخ الأديان2. بل يختلف هذا المفهوم في داخل الشعب الواحد، يختلف فيه باختلاف ثقافة الإنسان وتقدم مداركه العقلية، فتصور كل إنسان خالقه على قدر عقله ودرجة ثقافته، صوَّره وكأنه مرآة صافية لنفسه ولدرجة نمو عقله، ومن هنا قيل: إن الإنسان يصنع إلهه بنفسه، أي يصوره على نحو صورته ومبلغ تفكيره.

يقول "أكسينوفان" Xenophanes: "تصور الأحباش آلهتهم فطس الأنوف، سودًا. وتصور أهل "تراقية" Thracians آلهتم ذوي عيون زرق وشعر أحمر. وزعم اليونان أن تصورهم للآلهة هو التصور الصحيح. أما تصور الزنوج وأهل تراقية عن آلهتهم، فهو تصور فاسد باطل! ولو كان للماشية والخيل والسباع أيد تتمكن من الرسو والنحت، لرسمت الخيل آلهتها على صورة خيل، ولنحتت تماثيلها على صورتها، ولرسمت الماشية ونحتت آلهتها على صورتها وهيئتها، تمامًا كما يصور الإنسان وينحت آلهته على صورته وقدر إدراكه. كل صنف يتصور ويرى آلهته على صورته"3. وقد نسب اليونان إلى آلهتهم كل الصفات والأعمال الإنسانية المعروفة بين اليونانيين، فتصوروهم على هيئة بشر، لهم الفضائل، ولهم الرذائل، يتزوجون وينسلون ويحبون ويعشقون ويسرقون ويكرهون ويتخاصمون بينهم ويتاحسدون.

1 Handbuch، S. 189.

2 Ency. Religi، vol. 6، p. 243، W. Robertson Smith، Lectures on the Religion of the Semites، London، 1894، p. 5، Ency. Britd، 10، p. 480، Lyod.

3 Ency. Religi، 10، p. 113.

ص: 21

ويقومون بأقبح الأعمال كما يفعل الإنسان1

وهناك أشكال عديدة للعبادة، تمثل تعدد وجهات نظر الإنسان بالقياس إلى مفهوم الألوهية لديه. فهناك عبادة تسمى عبادة آباء القبائل، حيث أسبغ على أجداد القبائل ما يسبغ عادة على الآلهة من نعوت وصفات. وتجد هذه العبادة عند القبائل البدائية. وقد يكون هؤلاء الأجداد أجدادًا حقيقيين، وقد يكونون أشخاصًا خلفتهم الأساطير. ومهما يكن من شيء، فقد أُعطي هؤلاء صفات الربوبية ونعوتها، ونظر إليهم نظرة من فيه قوى خارقة ذات هيمنة على العالم والخلق. وقد اصطلح على تسمية هذه العبادة بـ All Fathers في الإنكليزية وبـ Verehrung des Stammesvaters وبـ Urvaters في الألمانية؛ لأنها تقوم على أساس عبادة الأجداد2.

وأله بعض الناس الظواهر الطبيعية؛ لتوهمهم أن فيها قوى Spirit روحية كامنة مؤثرة في العالم وفي حياة الإنسان مثل الشمس والقمر وبعض النجوم الظاهرة وقد كانت الشمس والقمر أول الأجرام السماوية التي لفتت أنظار البشر إليها، لما في الشمس من أثر بارز في الزرع والأرض وفي حياة الإنسان بصورة مطلقة كذلك للقمر أثره في نفس الإنسان بما يبعثه من نور يهدي الناس في الليل، ومن أثر كبير يؤثر في حس البشر فكانا في مقدمة الأجرام السماوية التي ألهها الإنسان، عبدهما مجردين في بادئ الأمر، أي دون أن يتصور فيهما ما يتصور من صفات ومن أمور غير محسوسة هي من وراء الطبيعة. فلما تقدم وزادت مداركه في أمور ما وراء الطبيعة، تصور لهما قوى غير مدركة، وروحًا، وقدرة، وصفات من الصفات التي تطلق على الآلهة. فخرجتا من صفتهما المادية البحتة ومن طبيعتهما المفهومة، وصارتا مظهرًا لقوى روحية لا يمكن ادراكها، إنما تدرك من أفعالها ومن أثرهما في هذا الكون.

وإذا كانت هذه العبادة قد اقتصرت على الظواهر الطبيعية البارزة المؤثرة،

1 Ency. Religi، 10، p. 113.

2 في الأصل Father ours وقد أطلق هويت howitt الاصطلاح All Father عليه،

Howitt، Native Tribes of S.E. Australia، London، 1904، Making of Religion London، 1898، Ency. Religi، vol 6، p. 243.

ص: 22

فإن هناك توسعًا في هذه العبادة تراه عند بعض الأقوام البدائية، يصل إلى حد تقديس الأحجار والأشجار والآبار والمياه وأمثال ذلك؛ إذ تصوروا وجود قوى روحية كامنة فيها، فعبدوها على أن لها أثرًا خطيرًا في حياتهم. ونجد في أساطير الشعوب البدائية أن الإنسان من نسل الحيوان ومن الأشجار أيضًا، كذلك تجد أمثلة عديدة من هذا القبيل في أساطير اليونان والرومان والساميين.

وهناك الشرك، وهو عبادة آلهة عديدة، كما أن هناك عقيدة التوحيد التي تدين بوجود إله واحد خالق لهذا الكون. وليس للشرك بالطبع عدد معين من الآلهة، فقد يكون بضعة آلهة، وقد يكون عشرات. والشرك هو الدين المعاكس لدين التوحيد، ويعرف باسم: Polytheism في الإنكليزية من كلمة Polys اليونانية ومعناها "كثير" و"تعدد"، ومن كلمة يونانية ثانية هي theos وتعني "الإله""الآلهة". ويختلف الشرك عن عقيدة الـ polydaemonism القائلة بوجود الأرواح والجن من حيث الطبيعة Nature، كما يختلف عن أديان التوحيد Monotheism من حيث القول بتعدد الآلهة، وعن القائلين بمبدإ "الحلول""Pantheism" من حيث حلول الإله في الخلق والخلق في الإله1.

وتطلق في العربية كلمة "إله" على الإله الواحد، وكلمة "آلهة" في حالة الجمع، أي في حالة القول بوجود آلهة عديدة. وتقابل كلمة "إله" كلمة "إيلوه" Eloh = Eloah في العبرانية الواردة في سفر "أيوب". ومنها كلمة "إيلوهيم" Elohim في حالة الجمع، أي آلهة المستعملة في العهد القديم بالقياس إلى آلهة الوثنيين2. وكلمة "إله" لا تعني على كل حال إلهًا معينًا على نحو ما تعنيه لفظة "الله" في العربية التي يراد بها الله الواحد الأحد ليس غير.

أما "الله"، وهي كلمة الجلالة، فهي "اسم علم" خاص به على رأي، وهي "علم مرتجل" في رأي آخر. وقد ذهب الرازي إلى أنه من أصل سرياني أو عبراني. أما أهل الكوفة فرأوا أنه من "ال إله"، أي من أداة التعريف.

1 Ency. Religi، vol. 10، p. 112.

2 Hastings، p. 299، Ency Religi، vol. 6. p. 248، Ency. Bibli، III، col. 33239 Hebrew Lexicon، 42، Ency، II، p. 464.

ص: 23

"أل" ومن كلمة "إله". وهناك آراء لغوية أخرى في أصل هذه اللفظة1.

ولم يعثر على لفظة "الله" في نصوص المسند، وإنما عثر في النصوص الصفوية على هذه الجملة:"ف هـ ل هـ" وتعني "فالله" أو "فيا الله" و"الهاء" الأولى هي أداة التعريف في اللهجة الصفوية. وقد وردت الجملة على صورة أخرى في بعض الكتابات الصفوية. وردت على هذا الشكل: "ف هـ ل ت"، أي "فالات""فيا الآت" أي في حالة التأنيث. وتقابل "اللات"، وهي صنم مؤنث معروف ذكر كذلك في القرآن الكريم2.

ويظن بعض المستشرقين أن "الله" هو اسم صنم كان بمكة، أو أنه "إله" أهل مكة، بدليل ما يفهم من القرآن الكريم في مخاطبته ومجادلته أهل مكة من إقرارهم بأن الله هو خالق هذا الكون3.

وترد في العربية كلمة أخرى من الكلمات المختصة بالخالق، "هي "رب" وجمعها "أرباب" وهي من الكلمات الجاهلية المذكورة بكثرة في القرآن الكريم، ولها معنى خاص في اللاهوت وفي الأدب العربي النصراني. وتقابل كلمة LORD في الإنكليزية. وكلمة "بعل"، و"أدون" في اللغات السامية الأخرى4. ويذكر علماء اللغة أن "الرب" هو الله، هو رب كل شيء، أي مالكه. وله الربوبية على جميع الخلق، لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك، ولا يقال الرب في غير الله، إلا بالإضافة.

وقد قال الجاهليون: "الرب" للملك. قال الحارث بن حلزة:

وَهُوَ الرَبُّ وَالشَهيدُ عَلى يَو

مِ الحَيارَينِ وَالبَلاءُ بَلاءُ5

ويظهر أن لفظة "الرب" و"رب" كانت بمعنى "سيد" ومالك عند

1 الطبري: تفسير "1/ 40"، اللسان "17/ 358"، الكشاف "ص8" تفسير الرازي "1/ 84 وما بعدها، البيضاوي "1/ 4" طبعة "Fleisher" المفردات، للأصفهاني "ص19 وما بعدها". Ency، II، p 464

2 Ency، Religi vol. 6. p 248

3 Ency. Religi، Vol. 6p 248

4 Ency، Religi. Vol. 6، p 248، Ency، III p 1088

5 اللسان "1/ 399"، "ديب".

ص: 24

الجاهليين، ولم تكن تعني العلمية عندهم. أي ألوهية خاصة بالله، وهي تؤدي معنى "بعل" عندهم أيضًا. فكانوا يطلقونها على الإله والآلهة وعلى الإنسان باعتباره سيدًا ومالكًا. أما هذا التخصص الذي يذكره علماء اللغة، فقد حدث في الإسلام من الاستعمال الوارد في القرآن الكريم.

و"رب" البيت"، الله، وكذلك: "رب هذا البيت"1. و"رب الدار"، أي مالكها، وكل من ملك شيئًا، فهو ربه. وبهذا المعنى "هو رب الأرباب" أما الربة" فعنوا بها الصخرة التي كانت تعبدها ثقيف بالطائف. وكان لهم بيت يسمونه "الربة" و"بيت الربة"، يضاهي "بيت الله" بمكة. فلما أسلموا هدمه المغيره". و"الربة": كعبة كانت بنجران، لمذحج وبني الحارث بن كعب يعظمها الناس2.

وأما "بعل" فمعناها مالك وصاحب ورب في اللهجات السامية. فترد بعل الموضع الفلاني، أي صاحب ذلك الموضع وربه. ومؤنث الكلمة هو "بعلت". وترد كلمة "بعل" بمعنى زوج في العربية، وقد وردت بهذا المعنى في مواضع من القرآن الكريم3، وأما الزوجة، فهي "بعلت""بعلة" أي في حالة التأنيث4.

ولما كانت لفظة بعل تعني الرب والصاحب، صار اسم الموضع يرد بعد "بعل"، فيقال:"بعل صور"، و"بعل لبنان"، و"بعل غمدان"، أي رب المواضع المذكورة وصاحبها وسيدها. أما إذا وردت اللفظة مستقلة دون ذكر اسم الموضع المنسوب إليها بعدها، فتعني عندئذ رب وإله، أي رب الجماعة المتعبدة المؤمنة به5.

وقد ورد في القرآن الكريم في صدد الكلام عن إلياس Elijah {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ، أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ} 6. وقد ذهب الطبري في تفسير "بعل" في هذه الآية إلى أن بعلًا.

1 {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ} قريش، الآية 3.

2 اللسان "1/ 399 وما بعدها""ريب".

3 البقرة: الآية 228، هود: الآية 75، النور، الآية 31.

4 Ency، I، P، 610 Robertson، p 94.

5 Robertson p. 94.

6 الصافات، الآية 122 وما بعدها

ص: 25

تعني ربًّا في لغة أهل اليمن، أو أن المراد ببعل صنم1.

ومن رأي "روبرتسن سمث" Robertson Smith أن العرب اقتبسوا المعنى الديني لبعل من الأقوام السامية المجاورة لهم مثل سكان "طور سيناء" أو موضع آخر، أخذوه من تلك الأقوام التي عرفت باشتغالها بالزراعة، ولا سيما زراعة النخيل، وأن هذا المعنى دخل إليهم بدخول زراعة النخيل إلى بلاد العرب، وأنه استعمل عند العرب المزارعين. أما البدو والرعاة، فإنهم لم يستخدموا تلك اللفظة بالمعنى المذكور2. وهو رأي يخالف رأي بعض المستشرقين من أمثال "نولدكه" Noldeke و"ولهوزن" Wellhousen الذين يرون أن عبادة "بعل" هي عبادة سامية قديمة كانت معروفة عند قدماء العرب منذ أقدم العهود3.

ويرى بعض المستشرقين أن لفظة "بعل" أطلقت خاصة على الأرض التي لا تعتمد في زراعتها على الأمطار أو على وسائل الري الفنية، بل على المياه الجوفية وعلى الرطوبة في التربة، فينبت فيها خير أنواع النخيل والأثمار، فهي تمثل الخصب والنماء، والظاهر أن الساميين كانوا يخصصون أرضهم بالآلهة، لتمن عليهم بالبركة واليمن، فتكون في حمى ذلك الإله "بعل الموضع الفلاني" صارت جملة "بعل سميم""بعل سمن""بعل سمين" تعني "رب السماء"، ويعني بذلك المطر الذي هو أهم واسطة من وسائط الإسقاء والخصب والنماء في جزيرة العرب وفي البلاد التي يسكنها الساميون4. ورأى مستشرقون آخرون أن جملة "أرض بعل" تعني الأرض التي تُسقى بالأمطار5.

وذكر العلماء أن لفظة "الآل" بمعنى الربوبية، واسم الله تعالى. وأن كل اسم آخره "أل" أو "إيل" فمضاف إلى الله تعالى، ومنه "جبرائيل" و"ميكائيل" وذكر أن "أبا بكر""لما سمع سجع "مسيلمة"، قال: هذا كلام لم يخرج من آل ولا بر، أي لم يصدر عن ربوبيه6. وقد ذهب

1 تفسير الطبري "23/ 53"، Ency، I، p. 610.

2 Robertson، p. 97.

3 Noldeke، in ZDMG. BD. 40، 1886، S 174، Reste، s، 146، Handbuch، I، s، 240.

4 Robertson، p. 97. Ency، Religi، I، p، 664.

5 Reste، s 146.

6 تاج العروس "7/ 211 وما بعدها"، "أل".

ص: 26

بعض علماء اللغة إلى أن اللفظة "إيل" من المعربات. عربت عن العبرانية، وهي فيها اسم الله1. وهي من الألفاظ التي ترد في اللغات السامية، ولا يعرف معناها على وجه مضبوط، ويظن أنها بمعنى "القادر" و"العزيز" والقهار، والقوي، والحاكم. وترد في الشعر وفي أسماء الأعلام في الغالب. وقلما نجدها ترد في النثر2.

وقد وردت في نصوص المسند وفي نصوص أخرى ألفاظ كثيرة مثل "ود" و"سمع" أي "سميع" و"حكم" أي "حكيم"، و"حلم" أي حليم" و"علم" أي "عالم" و"عليم"، و"رحم" أي "رحيم"، و"رحمنن" أي "الرحمن"، وأمثال ذلك. ذكرت على صورة أسماء آلهة. لكنها في الواقع صفاتها لا أسماؤها. ذكرت في مقام ذكر أسماء الآلهة، كما يقول المسلم في دعائه ربه يا سميع ويا حكيم ويا رحيم. وهي صفات وردت في القرآن الكريم.

وعلى من يريد الوقوف على رأي الجاهليين في طبائع آلهتهم وفي تعيين صفاتها، حصر هذه الصفات وضبطها، وتعيين مدلولها، وهي صفات تدل على معانٍ خلقية مجردة. وسنتمكن بذلك من الوقوف على نظرة الجاهليين إلى آلهتهم، ومن تعيين وتثبيت عددها إذ سيظهر لنا من هذه الدراسة أن أكثر تلك الأسماء ليست أسماء آلهة، وإنما هي صفات لها، وأن الكلمات التي لا يشك في كونها أسماء صحيحة قليلة جدًّا، ربما لا يتجاوز عددها الثلاثة، هي الثالوث. ومن يدري؟ فقد تكون في النتيجة اسمًا لإله واحد، وعندئذ يمكن أن نتوصل إلى نتيجة علمية بالقياس إلى عقيدة الشرك أو التوحيد عند العرب الجاهليين.

ويجد الإنسان اليوم سذاجة مضحكة في بعض العقائد الدينية التي كانت عند الشعوب القديمة، ويستصعب تصور اعتقاد الناس بها، وهو ينسى أن هذه العقائد أو بعضها على الأقل، لا تزال معروفة بين بعض قبائل إفريقية وأستراليا وأماكن أخرى في العالم، وأن العقل الإنساني في تطور مستمر، وأن هناك بشرًا يؤمنون بعقائد ورثوها عن آبائهم لا تقل غرابة عن غرابة بعض المعتقدات التي نؤاخذ.

1 تاج العروس "7/ 218"، "إيل".

2 "Hastings p. 299 "God.

ص: 27

بها قدماء البشر، مع أنهم من الشعوب المتقدمة في الحضارة وفي المدينة، ومن القرن الذي نفتخر بتسميته بقرن العقوق على الأمم، والهروب منها إلى بيوت أخرى، تكون بعيدة عنها، سانحة في هذا الفضاء.

وقد يصعب على الإنسان اليوم تصور وجود فائدة أو ضرر من أشياء جامدة لا يمكن قطعًا أن تضر أو تنفع، ولكن القدماء تصوروه مع ذلك واعتقدوه. فقدسوا الأحجار والأشجار والحيوانات، وقدسوا الأرواح والأموات من الآباء والأجداد والقديسين، وتعبدوا لها. ولهذه العبادات أسماء علمية خاصة اصطلح على تسميتها العلماء.

والدين هو إيمان وعمل: إيمان بوجود قوى هي فوق طاقة البشر، لها تأثير في حياته وفي مقدراته، وعمل في أداء طقوس معينة تعين شكلها الأديان للتقرب إلى الآلهة ولاسترضائها. والإيمان هو قبل العمل بالطبع، فلا بد للقيام بالشعائر، أو بأداء العمل، من وجود إيمان عند الشخص أو الأشخاص بوجود إله أو آلهة. حتى يقوم بعمل ديني1 فالعمل تابع للإيمان، ونتيجة من نتائجه، وهو شعاره ومظهره. وهو أبرز عند الأقوام البدائية من الإيمان لدرجة عقليتها ومجال تفكيرها الضيق. ومن العمل: الرقص، والأفراح الدينية، والسحر، والقرابين، والحج، والصلوات2.

وقد أقر الإسلام أشياء من أمور الدين كان يمارسها الجاهليون في جاهليتهم؛ لأنها لا تتعارض مع مبادئ الإسلام. ودراسة أمثال هذه الأشياء توضح لنا نواحي خافية علينا في الزمن الحاضر من الحياة الدينية عند الجاهليين، لذلك أرى من الضروري تتبع هذه الأشياء لتدوين تأريخ صحيح للدين عند الجاهليين. وأرى من الضروري كذلك تتبع الأساطير والعادات الموروثة التي لها صلة وعلاقة بالدين الجاهلي بين الأعراب والحضر في كل أصقاع جزيرة العرب، ولا سيما القرى العربية النائية عن العمران المنعزلة عن الأعاجم، فإن معظم هذه الأساطير والتقاليد هي من بقايا الوثنية العربية القديمة، بقيت جذورها ثابتة راسخة في الأفئدة حتى اليوم.

1 The Golen Bough، p. 50، Abridged Edition.

2 Ency. Brita، vol. 19، p. 108.

ص: 28

ولا بد أيضًا لدراسة الدين عند الجاهليين دراسة صحيحة من الرجوع إلى أصول الأشياء، وأعني بأصول الأشياء هنا ديانة الساميين الأولى بشكلها البدائي القديم. فمن تلك الشجرة تفرعت أديان الشعوب السامية، وفي ذلك الدين نجد الأصول والأسس التي بنيت عليها الديانات الفروع.

أما كيف نتمكن من الرجوع إلى الأصل ومن معرفة ديانة الساميين القديمة، فموضوع ليس بالسهل اليسير، ونحن وإن كنا نملك بعض المؤلفات والبحوث عن أديان الساميين لا نستطيع أن نجرؤ فنقول إن البحث قد نضج فيه، وإن القوم قد استوفوه من أطرافه وأكملوه، بل إن كثيًرا مما تطرق إليه العلماء هو موضع جدل واختلاف، ولن يمكن التوصل إلى نتائج مقبولة معقولة إلا إذا تمكن الباحثون من الحصول على وثائق جديدة تكشف النقاب عن أديان قدماء الساميين.

وللتوصل إلى تكوين رأي عن أديان الساميين القديمة لا بد من دراسة النصوص الدينية السامية كلها، ودراسة كل ما له صلة بالدين عند الساميين، ومقارنة الأديان السامية بعضها ببعض ومراجعة الأصول اللغوية للمصطلحات الدينية عند جميع الشعوب السامية للتوصل منها إلى الأسس العميقة المدفونة التي أقيم عليها بنيان ديانة الساميين. ثم لا بد أيضًا من دراسة المؤثرات الخارجية التي أثرت في الساميين من عوامل طبيعية ومن عوامل أخرى غير طبيعية ومن الأثر الثقافي الذي كان لغير الساميين في الساميين.

ويتبين من دراسة الأساطير السامية وجود شكل من أشكال التوحيد Henoteism عند القبائل السامية البدائية، يمثل في اعتقاد القبيلة بوجود إله لها واحد أعلى، غير أن هذا لا يعني نفي اعتقادها بتعدد الآلهة. فإننا نرى أن تلك القبائل كانت تعتقد، في الوقت نفسه، بالأرواح كأنها كائنات حية ذات أثر وسلطان في مصير هذا الكون. وفي ضمنه الإنسان، وبآلهة مساعدة للإله الكبير1.

والديانات السامية، وإن كانت في الأصل من ديانة قديمة، قد تطورت وتغيرت بعوامل عديدة من العوامل التي تؤثر في كل المجتمعات البشرية فتحدث فيها انقلابًا في التفكير وفي طراز الحياة. ومن هذه العوامل المؤثرات الخارجية والمحيط الجديد. وسنجد أن ديانة العرب الجنوبيين، وإن كانت في الأصل من تلك الديانة السامية

1 Ency، Religi، II، p. 283.

ص: 29

الأصلية فيها مثل "أل""إيل" وأمثال ذلك، قد غيرت في ديانتها، وبدلت في تصوراتها للآلهة، حتى صارت في بعض معتقداتها على نقيض مع معتقدات الساميين الشماليين.

وفي الدين معبود يعبد هو الله، أو جملة آلهة، أو قوى خارقة تلعب في مقدرات الإنسان وعبدة يتعبدون له أو لها فهم عباده او عبادها و"العبادة" الطاعة، وأداء الواجبات المفروضة على الإنسان تجاه الله1، أو الآلهة.

والرأي المعروف بين الناس حتى الطبقة المتعلمة منهم، أن العرب الجاهليين كانوا على جانب عظيم من الانحطاط الديني قبل الإسلام، وأن تفكيرهم في ذلك تفكير منحط لا يتجاوز تفكير القبائل البدائية وهو رأي خاطئ، يفنده القرآن الكريم، وإذا كان ما يقوله صحيحًا بالقياس إلى السواد والأعراب، فإنه لا يصح أن يكون حكمًا عامًّا على الكل، ولا سيما على المتحضرين وعلى من كان لهم اتصال بالعالم الخارجي.

وتأريخ أديان العرب قبل الإسلام، فصل مهم جدًّا من فصول تأريخ العرب عامة قبل الإسلام وبعدها، بدونه لا يمكن فهم عقلية القوم الذين نزل الوحي بينهم وطريقة معرفة تفكيرهم ووجهة نظرهم إلى الخالق والكون ثم الأسباب التي دعت إلى نزول الوحي وظهور الإسلام، وبدون دراسة أديان الجاهليين ومقالاتهم في الخالق والخلق، لا نتمكن أبدًا من فهم رسالة الإسلام فهمًا صحيحًا. بل إن هذا الدراسة أيضًا فصل مهم جدًّا لفهم كثير من الأمور الواردة في التوراة والإنجيل إذ كان العرب قومًا من هذه الأقوام التي كانت لها صلات قديمة بأرض الوحي التي نزل بها الكتاب المقدس بعهديه، وعضو فعال في هذه المجموعة المسماة بالشعوب السامية. ما نعثر عليه من جديد في الناحية الدينية يكشف عن غوامض عديدة من غوامض العهدين، فجدير بالعلماء وبنا إذن الانصراف إلى البحث والاستقصاء للعثور على المصطلحات المفقودة من هذا الفعل.

وسنرى في الفصول القادمة أسماء رجال كان لهم شأن وخطر في الحياة الدينية للجاهليين، وقد زعم أهل الأخبار أن بعضًا منهم كان من الأنبياء الذين جاءوا إلى قومهم برسالة. وأن بعضًا آخر. كان من المصلحين الهادين، من أصحاب

1 تاج العروس "2/ 410 وما بعدها ".

ص: 30

العقول النيرة التي هزأت بالأوثان وبديانات قومهم. وإن رجالًا منهم كانوا على الحنيفة، يريدون بها ديانة التوحيد، وإن آخرين بشروا بالوثنية، وأشاعوها بين العرب، لما كان لهم من مكانة ونفوذ. وإن رجالًا من الجاهليين كانوا على ملة اليهودية ودين المسيح. وإن قومًا من أهل الجاهلية كانوا على عبادة "الله" و"الرحمن"، وكل المذكورين كانوا ممن مهد الجادة إذن لظهور الإسلام.

وقد أدى ظهور الإسلام إلى ظهور مصطلحات جديدة وموت مصطلحات قديمة، وصارت هذه المصطلحات من علائم الوثنية. ولا بد لنا للوقوف على صورة أوضح للحياة الدينية عند الجاهليين من وجوب دراسة الألفاظ الجاهلية ذات المعاني الدينية بجمعها وتبويبها وتثبيت معانيها، فبهذه الدراسة نستطيع الوقوف على مبلغ تغلغل الحياة الدينية في نفوس الجاهليين، ومعرفة مدى تعمقهم في الدين وفهمهم له.

ومن الدراسات التي يجب أن تنال منا الرعاية والعناية لمعرفة الحياة الدينية وتطورها عند الجاهليين معرفة صحيحة، دراسة المصطلحات الدينية بحسب اللهجات العربية، وأماكن تلك اللهجات، وأسماء الأصنام أو الأوثان، ومعتقدات سكان تلك الأرضين في هذه الأيام، فإن دراسة مثل هذه تفيدنا فائدة كبيرة في معرفة أسس الحياة الدينية عند الجاهليين، وفي معرفة اختلاف العرب أو اتفاقهم في العقائد وفي الأمور الدينية، ومعرفة العوامل والأسباب التي أدت إلى ذلك، ثم معرفة المؤثرات الخارجية في الحياة الدينية للجاهليين. وبتثبيت هذه وأمثالها وبمقارنتها بأسماء أصنام الأقوام المجاورة وآلهتهم ومصطلحاتهم، نستطيع فهم كثير من الأمور الغامضة من الحياة الدينية عند العرب وعند تلك الأقوام، وفهم الاحتكاك العقلي والصلات الروحية التي كانت بين تلك الشعوب قبل الإسلام.

إن الأخباريين عفا الله عنهم، لم يعنوا بتنسيق هذا الذي توصلوا إليه ورووه لنا من آراء الجاهليين في الدين. فرووا روايات مختلفة متناقضة أو مقتضبة اقتضابًا مخلًّا وجاءوا بأمور تثبت أن أولئك الأخباريين لم يكونوا على مستوًى عالٍ من النقد والتعمق في دراسة الأخبار، وأنهم كانوا يروون أخبارهم بالمعنى المفهوم من الأخبار، يأخذون ما يقال لهم فيروونه على نحو ما سمعوه وإن كان فيما يروونه ما يخالف المنطق والفهم السليم. والاستسلام للروايات داء يذهب بالفائدة منها، ويعود على المؤرخ بأفدح الأضرار. ولهذا نجد أنفسنا في موضوع أديان العرب.

ص: 31

قبل الإسلام في زوبعة عاتية وعاصفة مليئة بالرمال نتخبط فيها للحصول على مخرج نخرج منه، وليس لنا إلا الأمل بالخروج من هذه العاصفة العاتية المتعبة في وقت ما.

وهذا الذي أورده أهل الأخبار عن أهل الجاهلية على ما فيه من تناقض وتضارب واقتضاب، هو كما رأينا مادتنا الوحيدة عن الحياة الدينية عند عرب الجاهلية قبيل الاسلام وعند ظهوره، ولا سيما بالنسبة إلى عرب الحجاز وعرب الشأم والعراق وهناك روايات لم نستفد منها حتى الآن؛ لصعوبة التوصل إليها، لا لكونها في بطون المخطوطات، ولهذا يصعب الحصول عليها. فإن الكثير منها قد طبع، وهو في متناول الأيدي، إنما صعوبتها في كونها في كتب مطبوعة طبعًا على الطريقة القديمة بلا نظام ولا ترتيب ولا تبويب فني ولا فهرست لما في الكتاب المطبوع من مواد ومن أسماء أشخاص أو أصنام أو أوثان أو ما شابه ذلك. وليس أمام المؤرخ في هذه الحالة إلا أن يقرأ تلك الكتب من بسملتها حتى منتهاها؛ ليحصل منها في النهاية على كلمة أو كلمتين أو خبر أو أخبار، ولكن كيف يتمكن المؤرخ من قراءة كتب ضخمة كتفسير الطبري وكتب التفاسير الأخرى وشروح الحديث وكتب التواريخ والطبقات وبقية الكتب إذا كان الكتاب يتألف من أكثر من عشرة أجزاء، وهي كلها بلا فهرست للأعلام ولا لما في الكتاب من فوائد ومواد. لا يتمكن المؤرخ بالطبع من قراءة كل هذه الموارد المذكورة مع تساوي عمره بسائر أعمار الناس، ولو مد الله في عمره وصيره إنسانًا آخر ذا عمر طويل من أعمار الأناس الذين أرخهم "السجستاني" في كتاب المعمرين، لتمكن من الإحاطة ببعض تلك الموارد على الأقل. غير أن عمر المؤرخ ويا للأسف مثل أعمار سائر الناس، قصير محدود، فليس في إمكانه الإحاطة بما ورد في هذه الكتب الواسعة المجهولة، على ظهورها في عالم الوجود ووجودها في خزانة كتب المؤرخ وفي يد أي شخص يريد الحصول عليها؛ لأن الموضوع ليس موضوع وجود كتاب مطبوع أو مخطوط، إنما هو اكتشاف ما في المطبوع أو المخطوط من آراء وأخبار وأعلام.

ما دام الوضع على هذا الحال وما دامت أكثر كتبنا غير مفهرسة ولا منسقة، فليس في استطاعة المؤرخ أن يأتي بشيء كثير يشفي غليل من يريد المزيد من

ص: 32

المعرفة عن الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام. هذا أمر يؤسف له بالطبع كثيرًا وسيأتي بعدنا من يضيفون إلى هذا العلم البسيط الذي توصلنا إليه علمًا كثيًرا ثم يتوصل من بعدهم إلى أكثر من ذلك ولا شك. ومن يدري؟ فلعلهم يتوصلون إلى كتابات جاهلية تغنيهم عن كل هذا الذي أخذناه من موارد إسلامية كتبت بعد الجاهلية بعشرات السنين. وليس لنا، وسنكون بالطبع من الماضين، إلا أن ندعو لمن يأتي بعدنا بالتوفيق والنجاح التام.

ص: 33

‌الفصل السبعون: أصنام الكتابات

‌مدخل

ص: 33