الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعرفة عن الحالة الدينية عند العرب قبل الإسلام. هذا أمر يؤسف له بالطبع كثيرًا وسيأتي بعدنا من يضيفون إلى هذا العلم البسيط الذي توصلنا إليه علمًا كثيًرا ثم يتوصل من بعدهم إلى أكثر من ذلك ولا شك. ومن يدري؟ فلعلهم يتوصلون إلى كتابات جاهلية تغنيهم عن كل هذا الذي أخذناه من موارد إسلامية كتبت بعد الجاهلية بعشرات السنين. وليس لنا، وسنكون بالطبع من الماضين، إلا أن ندعو لمن يأتي بعدنا بالتوفيق والنجاح التام.
الفصل الثاني والستون: التوحيد والشرك
مدخل
…
الفصل الثاني والستون: التوحيد والشرك
كانت العرب في الجاهلية على أديان ومذاهب: كان منهم من آمن بالله، وآمن بالتوحيد، وكان منهم من آمن بالله، وتعبد الأصنام؛ إذ زعموا أنها تقربهم إليه. وكان منهم من تعبد للأصنام، زاعمين أنها تنفع وتضر، وأنها هي الضارة النافعة1. وكان منهم من دان باليهودية والنصرانية، ومنهم من دان بالمجوسية، ومنهم من توقف، فلم يعتقد بشيء، ومنهم من تزندق، ومنهم من آمن بتحكم الآلهة في الإنسان في هذه الحياة، وببطلان كل شيء بعد الموت، فلا حساب ولا نشر ولا كتاب، ولا كل شيء مما جاء في الإسلام عن يوم الدين.
ومذهب أهل الأخبار، أن العرب كانوا على دين واحد، هو دين إبراهيم، دين الحنيفية ودين التوحيد. الدين الذي بعث بأمر الله من جديد، فتجسد وتمثل في الإسلام. وكان العرب مثل غيرهم، قد ضلوا الطريق، وعموا عن الحق، وغووا بعبادتهم الأصنام. حببها لهم الشيطان، ومن اتبع هواه من العرب، وعلى رأسهم ناشر عبادة الأصنام في جزيرة العرب:"عمرو بن لحي".
وذهب "رينان" Renan إلى أن العرب هم مثل سائر الساميين الآخرين
1 أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي الكاتب، أيمان العرب في الجاهلية، "تحقيق محب الدين الخطيب"، "القاهرة 1382""ص12 وما بعدها".
موحدون بطبعهم، وأن ديانتهم هي من ديانات التوحيد. وهو رأي يخالفه فيه نفر من المستشرقين1.
وقد أقام "رينان" نظريته هذه في ظهور عقيدة التوحيد عند الساميين من دراسته للآلهة التي تعبد لها الساميون، ومن وجود أصل كلمة "أل""إيل" في لهجاتهم، فادعى أن الشعوب السامية كانت تتعبد لإله واحد هو "أل""إيل" الذي تحرف اسمه بين هذه اللهجات، فدعي بأسماء أبعدته عن الأصل، غير أن أصلها كلها هو إله واحد، هو الإله "أل""إيل"2.
و"التوحيد" الإيمان بإله واحد أحد لا شريك له، منفرد بذاته في عدم المثل والنظير. لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام3. ويقال للديانة التي تدين بالتوحيد: Monotheism في اللغات الأوروبية، من أصل يوناني هو Monos بمعنى "واحد"، و Theos بمعنى "إله"، لأنها تقول بوجود إله واحد4. ويتمثل القول في التوحيد في اليهودية وفي الإسلام.
والشرك في تفسير العلماء الإسلاميين، أن يجعل لله شريكًا في ربوبيته، غير الله مع عبادته، والإيمان بالله وبغيره، فصاروا بذلك مشركين5. ومن الشرك أن تعدل بالله غيره، فتجعله شريكًا له. ومن عدل به شيئًا من خلقه فهو مشرك؛ لأن الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا نديد6. ويقال له Polytheismus = Polytheism في اللغات الأوروبية. من أصل يوناني هو Polys، ومعناها كثرة وتعداد، و Theos بمعنى "إله" فيكون المعنى: القول بتعدد الآلهة، أي الشرك نقيض القول بالتوحيد Monotheismus. فالشرك هو الدين المعاكس لدين التوحيد. ويختلف عن عقيدة الـ POIYDOEMONISM القائلة بوجود الأرواح والجن من حيث الطبيعة Nature، وبوجود أثر لها في حياة الإنسان، كما يختلف.
1 Ency. Religi، vol. II، p. 383.
2 E. Renan، Histoire Generale et Systeme Compare des Langues Semitiques، Paris، 1855، vol. I، Chapt. I، P. 1. ff.
3 تاج العروس "2/ 526"، "وحد".
4 Ency. Religi. 10، p. 112.
5 تاج العروس "7/ 148"، "شرك".
6 اللسان "10/ 449" وما بعدها"، "شرك".
عن القائلين بمبدإ "الحلول" Pantheism من حيث حلول الإله في الخلق والخلق في الإله1.
وقد ذهب أهل الأخبار إلى أن العرب الأولى كانت على ملة إبراهيم، من الإيمان بإله واحد أحد، اعتقدت به، وحجت إلى بيته، وعظمت حرمه، وحرمة الأشهر الحر، بقيت على ذلك، ثم سلخ بهم على أن عبدوه ما استحبوا ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وابتعدوا عن دين آبائهم وأجدادهم، حتى أعادهم الإسلام إليه2.
ونظرية أن العرب جميعًا كانوا في الأصل موحدين، ثم حادوا بعد ذلك عن التوحيد فعبدوا الأوثان وأشركوا، نظرية يقول بها اليوم بعض العلماء مثل "ويليم شميد" Wilhelm Schmidt الذي درس أحوال القبائل البدائية وأنواع معتقداتها، فرأى أن عقائد هذه القبائل البدائية الوثنية ترجع بعد تحليلها وتشريحها ودرسها إلى عقيدة أساسية قائمة على الاعتقاد بوجود "القديم الكل" أو "الأب الأكبر". الذي هو في نظرها العلة والأساس. فهو إله واحد. وتوصل إلى أن هذه العقيدة هي عقيدة سبقت التوحيد، ثم ظهر من بعدها الشرك. وقد أطلق عليها في الألمانية مصطلح Urmonotheismus أي التوحيد القديم3.
ويأخذ بهذه النظرية علماء اللاهوت وبعض الفلاسفة، وفي الكتب السماوية تأييد لها أيضًا. فالشرك وعبادة الأصنام بحسب هذه النظرية، نكوص عن التوحيد، ساق إليه الانحطاط الذي طرأ على عقائد الإنسان فأبعده عن عبادة الله4.
إننا لا نستطيع أن نتحدث عن عقيدة التوحيد عند العرب قبل الإسلام استنادًا إلى ما لدينا من كتابات جاهلية؛ لعدم ورود شيء عن ذلك. فالنصوص التي وصلت إلينا، هي نصوص فيها أسماء أصنام، وليس فيها ما يفهم منه شيء عن التوحيد عند العرب قبل الميلاد وبعده، إلا ما ورد في النصوص العربية الجنوبية المتأخرة من عبادة الإله "ذ سموى""ذو سموى"، أي صاحب السماء، بمعنى إله السماء. وهي عبادة ظهرت متأخرة في اليمن بتأثير اليهودية والنصرانية.
1 Ency. Religi، Vol. 10. p 112.
2 النجيرمي، أيمان العرب "12 وما بعدها" الأصنام "ص6".
3 Schmidt، S 637. W. Schmidt، Der Ursprung der Gottesidee، 4، ed 1912
4 Ency. Religi، Vol. 7. p 113.
اللتين دخلتا اليمن ووجدتا لها أتباعًا هناك، بل حتى هذه العبادة لا نستطيع أن نتحدث عنها حديثًا يقينيًّا، فنقول إنها عبادة توحيد خالص تعتقد بوجود إله واحد على نحو ما يفهمه أهل القول بالتوحيد.
وقد ذكرت جملة "ذ سموى" في نص مع الإله "تالب ريمم""تالب ريام"، رب قبيلة "همدان" ويدل ذكر اسم هذا الإله مع اسم إله آخر على أن عقيدة التوحيد لم تكن قد تركزت بعد، وأنها كانت في بدء تكوينها، فلما اختمرت في رءوس القوم، ذكرت وحدها في النصوص المتأخرة، دون ذكر أسماء الأصنام الأخرى، مما يشير إلى حدوث هذا التطور في العقائد، وإلى ظهور عقيدة التوحيد والإيمان بإله السماء عند جماعة من العرب الجنوبيين، وقد أكملت هذه العقيدة بأن صار إله السماء رب السماء والأرض1.
ولم يكن "ذ سموي"، "ذ سمى إله "، "ذو السماء إله" أي "صاحب السماء" أو "إله السماء" أو "رب السماء" إله جماعة معينة أو إله قبيلة مخصوصة، بل هو إله ولدته عقيدة جديدة ظهرت في اليمن بعد الميلاد على ما يظن تدعو إلى عبادة إله واحد هو "رب السماء"، فهو إله واحد مقره السماء. ويرى بعض المستشرقين أن هذه العقيدة وهي نتيجة اتصال أهل اليمن باليهودية والنصرانية على أثر دخولهما العربية الجنوبية، فظهرت جماعة تأثرت بالديانتين تدعو إلى عبادة إله واحد هو "رب السماء"2.
وأما عبادة الرحمن" "رحمنن" فهي عبادة توحيد، ظهرت من جزيرة العرب فيما بعد الميلاد. وقد وردت كلمة "رحمنن"، أي "الرحمن"، في نص يهودي كذلك وفي كتابات "إبرهة"، وردت في نصوص عربية جنوبية أخرى وفي نصوص عثر عليها في أعالي الحجاز 3. وقد كان أهل مكة على علم بالرحمن، ولا شك، باتصالهم باليمن وباليهود. ولعلهم استخدموا الكلمة في
1 Handbuch، I، S. 102.
2 Handbuch، I، S. 104، Rivista، 1955، Fax. I، II، p. 109.
Le Museon، 1954، tome LXVII، p. 118.
3 Glaser 554، 406 = 410، Halevy 63، CIH، Pars 4، Tomus، I، Capt. I، 1ft. 6. p. 15 - 9، n، 537 - 543، p. 257 - 300، CIH، 6، 45، 537، 538، 539، 541، 542، 543، MM، Attsud.، 19، Rep. Epig.، 3904، 4069، 4109، Stambul، 7608، Asmara، I، Le Museon، Ltl، p. 51.
معنى الله. وإن ذكر علماء اللغة أو علماء التفسير أن اللفظة لم تكن معروفة عند أهل مكة في الجاهلية1.
وقد جاء في النص اليهودي المذكور: "الرحمن الذي في السماء وإسرائيل وإله إسرائيل رب يهود". وقد حمل هذا النص بعض الباحثين على القول بأن العرب الجنوبيين قد أخذوا هذه الكلمة وفكرتهم عن الله من اليهودية، وأن فكرت التوحيد هذه إنما ظهرت بتأثير اليهودية التي دخلت إلى اليمن. غير أن من الباحثين من رأى خلاف هذا الرأي. رأى أن افتتاح النص بذكر الرحمن، ثم إشارته بعد ذلك إلى إله يهود، ورود كلمة الرحمن" في نص آخر يعود إلى سنة "468" للميلاد2. كتبه صاحبه شكرًا للرحمن الذي ساعده في بناء بيته: كل هذه وأسباب أخرى، تناقض رأي القائلين بأن عقيدة الرحمن عقيدة اقتبست من اليهود3.
وقد ذكر بعض علماء اللغة أن "الرحمن" اسم من أسماء الله مذكور في الكتب الأول، وأن اللفظة عبرانية الأصل، وأما الرحيم" فعربية. وذكروا أن "الرحمن" اسم مخصص بالله، لا يجوز أن يسمى به غيره4. وقد أنشدوا للشنفرى أو لبعض الجاهلية الجهلاء.
ألا ضربت تلك الفتاة هجينها
…
ألا قضب الرحمن ربي يمينها
فيظهر من هذا البيت أن الشاعر كان يدين بعبادة الرحمن. ونجد مثل هذه العقيدة في قول سلامة بن جندل الطهوي:
1 Handbuch، I، S. 248، Halevy، Revue des Etudes Juives، 1891، Vol. 22، PP. 125-129، 281، 23، p. 304، Margoliouth، the Relations. P. 67.
2 CIS. 7.
3 Margoliouth، The Relation Between Arabs and Israelttes Prior to The Rise of Islam، P. 67.
4 تاج العروس "8/ 307"، "رحم"، القرطبي، الجامع لأحكام القرآن "1/ 106". تفسير الطبري "1/ 44"، تفسير ابن كثير "1/ 21".
5 تفسير الطبري "1/ 44"، وورد:
لقد لطمت تلك الفتاة هجينها
…
ألا بتر الرحمن ربي يمينها
الاشتقاق "ص37".
عجلتم علينا عجلتينا عليكم
…
وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق1
فإن ذلك يعني أن قومًا من الجاهليين كانوا يدينون بعبادة "الرحمن". ومما يؤيد هذا الرأي ما ورد من أن بعض أهل الجاهلية سموا أبناءهم عبد الرحمن، وذكروا أن "عامر بن عتوارة" سمى ابنه "عبد الرحمن"2.
وقد وردت لفظة "الرحمن" في شعر ينسب إلى "حاتم الطائي" هو:
كلوا اليوم من رزق الإله وأيسروا
…
وإن على الرحمن رزقكم غدًا
وحاتم من المتألهة، ويعده البعض من النصارى و"الرحمن" نعت من نعوت الله في النصرانية، من أصل "رحمونو" Rahmono3، فهل عبر شاعرنا بهذه اللفظة عن هذا المعنى النصراني؟
"وقد زعم بعضهم أن العرب لا تعرف الرحمن حتى رد الله عليهم ذلك بقوله: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} . ولهذا قال كفار قريش يوم الحديبية لما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لعلي: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم. رواه البخاري. وفي بعض الروايات: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة"4.
وذكر أن المشركين سمعوا النبي يدعو ربه، يا ربنا الله ويا ربنا الرحمن، فظنوا أنه يدعو إلهين، فقالوا: هذا يزعم أنه يدعو واحدًا، وهو يدعو مثنى مثنى. وأن أحدهم سمع الرسول يقول في سجوده، يا رحمن يا رحيم فقال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة دعا الرحمن الذي باليمامة. وكان باليمامة رجل يقال له الرحمن5.
1 تفسير الطبري "1/ 44"، "سلامة بن جندب الطهوي"،
عجلتم علينا إذ عجلنا عليكم
…
وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق.
تفسير ابن كثير "1/ 21"،
2 الاشتقاق "ص37".
3 غرائب اللغة "182".
4 تفسير ابن كثير "1/ 21".
5 تفسير الطبري "15/ 121"، سورة الإسراء، الآية 110، روح المعاني "15/ 176".
ولم يذكر أهل الأخبار شيئًا عن ذلك الشخص الذي زعموا أنه كان يُعرف بـ"رحمان اليمامة" لكنهم ذكروا أن "مسيلمة الكذاب"، كان يقال له رحمان اليمامة1. فهل عنوا بـ"رحمان اليمامة" مسيلمة نفسه، أم شخصًا آخر كان يدعو لعبادة "الرحمن" قبله؟
وورد أن قريشًا قالوا للرسول: "إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة، يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبدًا" فنزل فيهم قوله: {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} 2. وذكر بعض أهل الأخبار: كان مسيلمة بن حبيب الحنفي، قد تسمى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمرين، وذلك قبل أن يولد عبد الله أبو رسول الله3.
وورد في بعض أقوال علماء التفسير أن اليهود قالوا: "ما لنا لا نسمع في القرآن اسمًا هو في التوراة كثير. يعنون الرحمن، فنزلت الآية"4.
ويرى المستشرقون أن عبادة "الرحمن""رحمنن"، إنما ظهرت بين الجاهليين بتأثير دخول اليهودية والنصرانية بينهم5.
وقد ذكر "اليعقوبي" أن تلبية "قيس عيلان" كانت على هذا النحو: "لبيك اللهم لبيك، لبيك أنت الرحمن، أتتك قيس عيلان، راجلها والركبان"6 وأن تلبية عك والأشعرين، كانت:
نحج للرحمان بيتًا عجبًا
…
مستترًا مغببًا محجبًا7
وفي التلبيتين المذكورتين دلالة على اعتقاد القوم بإله واحد، هو الرحمن.
1 اللسان "12/ 231"، "رحم" تاج العروس "8/ 307"، "رحم".
2 سورة الرعد، الآية30، الروض الأنف "1/ 200" سيرة ابن هشام "1/ 200""حاشية على الروض" تفسير الطبري "13/ 101".
3 الروض الأنف "1/ 200".
4 القرطبي، الجامع "10/ 343".
5 G. Ryckmans، Inscriptions Sudarabes، I، No. 515، Le Museon، 66، 1953، p. 314، ryckmans 330، b، CIH 541، G. Ryckmans، in Le Museon، 59، 1946، p. 165، A. Jamme، La Religion Sud-arabe، Preislamiqeue، 275.
6 اليعقوبي "1/ 225".
7 اليعقوبي "1/ 226".
ولم ترد لفظة "الرحمن" إلا مفرده، فليس لها جمع؛ لأنها تعبير عن توحيد، وليس في التوحيد تعدد، فالتعدد شرك. على عكس لفظة "رب"، التي تؤدي معنى "إله"، وهي تعبير عن اعتقاد، لا اسم علم لإله، ولذلك وردت لفظة "أرباب" بمعنى آلهة تعبيرًا عن تعدد الآلهة، وهو الشرك. وقد كان الجاهليون يقولون: ربي وربك وربنا وأربابنا، كما يقولون إلهي وإلاهك وآلهتنا1.
وقد تكون كلمة "هـ رحم""هارحيم"، أي "الرحيم" الواردة في النصوص الصفوية2 وفي النصوص السبئية اسم إله3، وقد تكون صفة من صفات الآلهة على نحو ما تؤديه كلمة "الرحيم" من معنى في الإسلام.
وللعلماء آراء في ظهور عبادة الشرك. ورأي رجال الدين منهم، أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين، كانوا على التوحيد جميعًا، ثم ضلوا فعبدوا جملة آلهة وصاروا مشركين4. أما غيرهم من العلماء الذين يستندون إلى الملاحظات ودراسة أحوال القبائل البدائية وعلى فروع العلوم الأخرى المساعدة مثل علم النفس وعلم الاجتماع، فيرون أن عقيدة التوحيد ظهرت متأخرة بالنسبة إلى ظهور الوثنية والشرك ظهرت بعد أن توسعت مدارك الإنسان، فشعر أن ما كان يتصوره من وجود قوى روحانية عليا في الأشياء التي عبدها لم يكن سوى وهم وخداع، وصار يقتصد في الشرك، إلى أن اهتدى إلى عبادة إله واحد.
1
هناك ربك ما أعطاك من حسن
…
وحيثما يك أمر صالح فكن
شرح ديوان زهير "123".
2 Handbuch، I، S. 248، Vogue، Syrie Centrale، Inscriptions Semitlqyes، Paris، 1868-1877، p. 142، No. 402، Dussuad، Voyage Archeologique au Safa، Pareis، 1901، No. 258، Mission، p. 88، Les Arabes en Syrie، p. 152.
3 CIS، 4، 2، No. 40. p. 63، Grahmann، S. 246.
4 Ency. Religi، 10، p. 112.
ظهور الشرك:
هناك عدة عوامل دعت إلى ظهور الشرك، أي تعدد الآلهة، وأثرت في تعدد الآلهة. هناك عوامل طبيعية وعوامل رسية Characteristics، وعوامل
سياسة وعوامل تأريخية واجتماعية واقتصادية وعوامل أخرى، كل هذه أثرت في شكل الشرك وفي تعدد الآلهة وفي كيفية تصور الناس لآلهتهم. ولا يعني هذا أنها أثرت كلها مجتمعة وفي آن واحد، إنما يعني أن ظهور الشرك وشكله هو نتيجة عوامل متعددة وأسباب مختلفة أثرت في ظهوره وفي تكوين صورة الآلهة في نظر المؤمنين بها المتعبدين لها.
وإنا لنجد وجهة نظر الشعوب عن الآلهة أو الإله تختلف باختلاف ثقافتها ومستواها الاجتماعي، وللوضع السياسي دخل كبير في الشرك وفي عدد الآلهة وفي شكل الدين. لقد كان لكل قبيلة إله خاص بتلك القبيلة يحميها من الأعداء ومن المكاره، ويدافع عنها في الحروب والملمات، ويعطيها النصر. كما كان للقرى والمدن آلهتها الخاصة بها. فإذا تحالفت القبائل أو القرى أو المدن تحالفت آلهتها معها، وكونت حلفًا وصداقة متينة بينها. أما إذا تحاربت هذه القبائل أو القرى أو المدن، فيكون لهذه الحرب أثر كبير في مستقبل الآلهة وفي عددها. فقد ينصرف المغلوبون عن آلهتهم إلى عبادة آلهة أخرى؛ لأنها أصبحت ضعيفة لا قدرة لها على الدفاع عن عبدتها. وقد يتأثر الغالبون بعبادة المغلوبين الذين خضعوا لهم، فيضيفون آلهة المغلوبين إلى آلهتهم، فيزيد بذلك عدد الآلهة، ولا سيما إذا كان المغلوبون أصحاب ثقافة عالية، وكان لهم أدب وفن.
والعادة أن آلهة القبائل أو المدن الرئيسية تكون هي الآلهة الرئيسية للحلف أو في المملكة. ويكون إله القبيلة ذات النفوذ أو العاصمة عندئذ، هو إله الحكومة الكبير. أما الآلهة الأخرى، فتكون دونه في المنزلة، ولهذا يرد اسمها في الغالب بعد اسم الإله الكبير.
كذلك يجب ألا ننسى عامل الجوار والاتصال الثقافي في ظهور الشرك، فكثيرًا ما يؤدي هذا الاتصال إلى اقتباس آلهة المجاورين وإضافتها إلى مجموعة الآلهة عند ذلك الشعب، فيزيد بذلك عدد الآلهة أو ينقص فقد تطغى الآلهة الجديدة المقتبسة على الآلهة القديمة، ويقل شأن بعضها فيهمل، ثم يموت اسمها. وقد يحدث ذلك بطريق الحرب أيضًا، كما ذكرت، فيتغير العدد بذلك.
ولرجال الدين ولسادات القبائل وللأمراء وللملوك أثر في ظهور الشرك. كان في إمكانهم إقرار مستقبل الآلهة بإضافة آلهة جديدة على الآلهة القديمة، أو بإبعاد
إله أو آلهة عند عبادة قومهم، فيزيد أو ينقص بذلك عدد الآلهة. وقد كان سادات القبائل والوجوه يغيرون عبادة أتباعهم بإدخال عبادة إله جديد، يأخذونه من زيارتهم لبلد غريب، كأن يكون أحدهم قد أصيب بمرض وهو في ذلك البلد، فيشار عليه بالتعبد وبالتقرب لإله ذلك البلد أو لأحد آلهته، فيصادف أن يشفى، فيظن أنه شفي ببركة ذلك الإله وبقدرته وقوته، فيتقرب له ويتعبد له، فإذا أعاد حمل عبادته إلى أتباعه، فيعبد عندهم. ويضاف على آلهتهم، ويصير أحدهم وقد يطغى اسمه عليها، وذلك حسب درجة تعلق سيد القبيلة به، وحسب درجة ومكانة سيد القبيلة بين الناس. وتأريخ الجاهلية مليء بحوادث تبديل آلهة بسبب تبديل سادات القبائل ووجوه الناس لعقائدهم ولآلهتهم، فتدخل القبيلة كلها في العبادة الجديدة. وقد كان إسلام قبائل برمتها، بسبب دخول سيدها في الإسلام، فالناس تبع لساداتهم ولقادتهم، و"الناس على دين ملوكهم" كما هو معروف ومشهور في أقوال العرب.
ومعظم أسماء الآلهة صفات للآلهة لا اسم علم لها، فود ورضى والمقه وذات حميم وأمثالها، هي صفات في الأصل، مضى عليها الزمن، فاستعملت استعمال الأسماء الأعلام. وظن أنها آلهة قائمة بذاتها فلما جاء الباحثون وجمعوها حسبوها أسماء آلهة، فزاد بذلك عدد الآلهة، واعتبرت الأسماء الكثيرة من سيماء الإفراط في الشرك. بينما هي صفات لإله، أو آلهة لا يزيد عددها على ثلاثة، هي الثالوث الكواكبي المقدس الذي تعبدوا له.
ولا بد لنا من الإشارة إلى اصطلاح أطلقه "ماكس مولر" Max Miiler على مرحلة من العبادة هي بين بين، لا هي توحيد Monotheism ولا هي شرك Polytheism، بل هي مرحلة تعبد فيها الإنسان على رأي هذا الباحث إلى إله واحد هو إله القبيلة، مع الاعتقاد بوجود آلهة أخرى1. وهذا الاصطلاح هو henotheismus. وقد رأى "فلايدلر" Pfleidler أن الساميين لم يكونوا موحدين بطبعهم كما ذهب "رينان" إلى ذلك، بل كانوا يدينون بإله قومي، ومن هذه العقيدة ظهر التوحيد الخالص كما حدث عند الإسرائيليين2.
1 Max Muller، Varlesungen uber den Ursprung und die entwickiung der Religion، 1880، Schmidt، S. 261.
2 Ency. Religi، 10، p. 811، Pfleiler، Phflosophy of Religion، London، 1885-1888، III، p. 19.
وفي القرآن الكريم إشارات إلى أنواع من الشرك كان عليه الجاهليون، وفيه تعريف لمعنى الشرك، فالشرك في قوله تعالى:{أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ، وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} 1 عبادة الأصنام المصنوعة من الحجارة أو الخشب أو المعادن، أي مما لا روح له وقابل للكسر2. وفي بعض الآيات أن من أنواع الشرك القول بأن الجن هم شركاء لله3. ومن أنواعه أيضًا القول بأن الملائكة هم شركاء لله وبناته4. وفي آيات أخرى أن من الشرك اتخاذ آلهة أخرى مع الله5. والآلهة هنا شيء عام. فيه تأليه الكواكب وعبادة الأشياء غير المنظورة، أي غير المادية وعبادة الأصنام.
وفي القرآن الكريم جواب على فلسفة القوم وتعليلهم لعبادة الأصنام واتخاذهم "أولياء" من دون الله؛ إذ يقولون جوابًا عن الاعتراض الموجه إليهم في عبادة غير الله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 6 ويتبين من هذه الآية ومن آيات أخرى أن فريقًا من العرب كانوا يعتقدون بوجود الله، وأنه هو الذي خلق الخلق، وأن له السيطرة على تصرفات عباده وحركاتهم، ولكنهم عبدوا الأصنام وغيرها، واتخذوا الأولياء والشفعاء لتقربهم إلى الله زلفى7.
وفي كتاب الله مصطلحات لها علاقة بعبادة الشرك، منها "شركاء" جمع "شريك" وهو من اتخذه المشركون شريكًا مع الله8. و"أنداد" {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} 9 {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} 10. و"أولياء".
1 الأعراف، الآية 191 وما بعدها، يونس، الآية 189.
2 تفسير الجلالين "1/ 139" "طبعة المطبعة المليجية.
3 الأنعام، الآية 100، الجلالين "1/ 116".
4 سبأ، الآية 40 وما بعدها.
5 الأنبياء، الآية 24.
6 الزمر، الآية 3، الجلالين "2/ 133".
7 الزمر، الآية 3، الأنعام، الآية 148، النحل، الآية 35.
8 الأنعام، الآية 100، راجع "فتح الرحمن لطالب آيات القرآن""ص238".
حيث تجد المواضع الواردة في القرآن الكريم.
9 البقرة، الآية 165
10 إبراهيم، الآية 30.
و"ولي" و"وليًّا"1 و"شفعاء" و"شهداء"2. فهذه الكلمات وأمثالها تعبر عن عقائد الجاهليين قبيل الاسلام. وعن اعتقادهم في عبادة أشياء أخرى مع الله كانوا يرون أنها تستحق العبادة وأنها في مقابل الله في العرف الإسلامي، أو أنها شركاء في إدارة الكون أو أنها مساعدة لله.
والشرك في تفسير العلماء المسلمين، أن تعدل بالله غيره، فتجعله شريكًا له، فهو يشمل أشياء عديدة. منها عبادة الكواكب، أي عبادة القوى الطبيعية، وعبادة الجن والملائكة والأمور الخفية، وبمعنى آخر عبادة القوى الخفية، أو القوى الروحية، وعبادة الأمور المادية كالأصنام والأحجار، باعتبار أنها تشفع للإنسان عند الآلهة، وعبادة الإنسان والحيوان، إلى غير ذلك من عبادات.
ومن العبادات التي يجب أن يشار إليها عبادات اصطلح علماء الأديان على تسميتها بمسميات حديثة، تمثل عقائد قديمة، ولبعضها أتباع أحياء يرزقون. ولبعض منها آثار ومظاهر، دخلت في الأديان الباقية، وصبغت بصبغتها، وهي من بقايا العقائد الدينية البدائية التي رسخت في النفوس وفي القلوب حتى صار من الصعب على الإنسان أن يتخلص منها، فبقيت راسخة تحت مسميات جديدة. ومن تلك العقائد: الـ Shamanism و Tstemism، و Fetishism و Ancestor – worship و Animism وغيرها من مسميات سيرد الحديث عنها في هذا الكتاب3.
أما الـ"شمانية"، فقد أخذت من كلمة "شمن" ِ Shaman ومعناها كاهن أو طبيب "شمان"، أو من كلمة Shemen التي معناها صنم أو معبد، أو من أصل آخر. ويراد بها اليوم ديانة تعتقد بالشرك، أي تعدد الآلهة Polytheism أو بعبادة الأرواح Polydomonism مع عبادة الطبيعة Nature – worship لاعتقادها بوجود أرواح كامنة فيها. ويعتقد في هذا الدين أيضًا بوجود إله أعلى هو فوق جميع هذه الأرواح والقوى المؤلهة، وبتأثير السحر4.
1 راجع فهارس القرآن الكريم، مثل فتح الرحمن "ص480".
2 فتح الرحمن "ص240"."
3 A.A. Bowman، Studies in the Philosophy of Religion، London، 1938، p. 67.
4 Ency. Religi، II، p. 441.
ويستعين الـ"شمن"، وهو الكاهن أي رجل الدين، بالقوى الخارقة التي لديه والتي لا يملكها الرجل الاعتيادي في اعتقاد أبناء هذه العقيدة في الاتصال بالأرواح وبما وراء الطبيعة للتأثير فيها. ولدى هذا الكاهن أرواح مأمورة بين يديه للقيام بما يطلب منها القيام به. وهو يمارس أعمالًا سحرية للتأثير في الأرواح فللسحر في هذا الدين أهمية ومقام. ويقوم الـ"شمن" عند أكثر المتدينين بهذا الدين بأعمال الطبيب1.
وأما "الطوطمية"، فقد تحدثت عنها في الجزء الأول من هذا الكتاب2. وقد بينت عقيدتها في "الطوطم"، ورأي العلماء في كيفية ظهور المجتمع "الطوطمي"، وهو مجتمع يقوم على أساس الجماعة أو القبيلة، يرتبط أفراده برباط ديني مقدس، هو رباط "الطوطم"، رمز الجماعة.
وأما الـ Fetishism من أصل Factitus اللاتيني، بمعنى السحر، أي القوة المؤثرة الخفية Magic فللباحثين في تأريخ الأديان آراء متعددة في تعريفها وفي تثبيت حدودها3. والرأي الغالب الشائع بينهم أنها عبادة أو تقديس للأشياء المادية الجامدة التي لا حياة فيها لاعتقاد أصحابها بوجود قوة سحرية فيها، وقوى غير منظورة في تلك الأشياء تلازمها ملازمة مؤقتة أو دائمة ويحمل الـ Fetish "اليد" لجلب السعد إلى صاحبه. وهو في نظر "تيلور" Dr. Tylor بمثابة "إله البيت" وقوة فاعلة خفية تطرد الخبائث عن صاحبه، وتجلب الخير له. ولحدوث الأحلام ونشوئها في نظر الأقوام البدائية دخل كبير في رأي العلماء في ظهور هذه العقيدة4.
وأصحاب هذه العقيدة لا ينظرون على تلك الأشياء المادية على أنها نفسها ذات قوة فعالة خفية، وأنها الرمز أو الصورة للإله المنسوب ذلك الشيء اليه، بل هم يرون أن تلك الأشياء ليست سوى منازل أو مواضع لاستقرار تلك القوى المؤثرة التي يكون لها دخل في إسعاد الإنسان وهو يقدس الأشياء المادية كالحجارة
1 Ency. Religi، vol. 11، p. 441.
2 "ص518 وما بعدها".
3 Ency. Religi، vol. V، p. 894.
4 Ency. Brita، vol. 9. p. 202، Taylor، Primitive Culture، II، p. 143. Waitny، Anthropologie er naturvolker، II، S. 174.
مهما كانت صغيرة أو كبيرة، مهندمة ومصقولة صقلتها يد الإنسان، ومستها أو لم تمسها يد، بل كانت على نحو ما وجدها في شكلها الطبيعي؛ لأنه حينما يتقرب إلى تلك الحجارة، لا يتقرب إليها نفسها، بل يتقرب إلى الروح التي تحل فيها. فالروح هي المعبودة، لا الحجر الذي تحل الروح فيه، وليس الحجر أو المواد الأخرى إلا بيتًا أو فندقًا تنزل الروح فيه.
أما عبادة الأسلاف Ancestor Worship فهي فرع من أهم فروع الدين في نظر بعض العلماء، بل هي الأساس الذي قام عليه الدين في نظر آخرين، ولا سيما عند "سبنسر" H. Spencer1. وأما الأسباب التي دعت البشر إلى هذه العبادة، فهي الحب والتقدير للأبطال والرؤساء والأمل في استمرار دفاعهم عنهم وحمايتهم للجماعة التي تنتمي إليها كما كانت تفعل في حياتهم ورد أذى الأعداء الأموات منهم والأحياء. فتمجيد الأبطال والخوف منهم، هو الذي حمل البشر على عبادة الأسلاف على رأي. وهناك من رأى أن تمجيد الأبطال والإشادة بذكرهم، هو الذي أوجد هذه العبادة، ومنهم من نسبها إلى الخوف منهم حسب2.
وسواء أكان منشأ هذه العبادة الحب والتقدير أو الخوف أو كلاهما، فإن أساس هذه العقيدة هو الإيمان ببقاء الروح، روح الميت، وإن بإمكان هذه الروح نفع الأحياء أو إلحاق الأذى بهم. ورؤية الأحياء وسماع توسلاتهم ودعواتهم لها فالميت وإن كان قد دفن في قبره وغيب بين التراب، إلا أنه يسمع ويعي فروحه حية وبإمكانه النفع والضر. وهذه العقيدة هي التي حملت بعض الشعوب على مخاطبة الأرواح من فجوات مخصوصة في الأرض ومن مواضع أخرى لاستشارتها في بعض الأمور التي تهمها، وللتحدث معها في مسائل خطيرة كتقديم مشورة أو أخذ رأي أو استفسار عن اسم قاتل أو سارق ولهذه الغاية اتخذت مواضع مقدسة oracle يتقرب فيها إلى الأرواح وللاستفسار منها فكان في اليونان مثلًا موضع شهير عرف باسم Thesprotia، وموضع آخر عرف باسم Phigalia في "أركاديا" Arcadia3. وكان في إيطاليا موضع للتنبوء يقع على بحيرة.
1 Ency. Relig، I، pp. 425، 427.
2 Jovons، Intrudction to History of Religion. P. 54.
3 Herodothus، V، 92، Pausanus، III، 17، 8، 9.
"أفيرنوس" Avernus1 وكانت العادة في هذا الموضع أن يتقرب الراغبون في استشارة الأرواح إلى الموضع المقدس بتقديم ضحية، وعندئذ ينام السائل في الموضع المقدس، فتظهر له الروح في المنام، فتحدثه بما يحتاج إليه2.
ولعبادة السلف علاقة بعبادة الأصنام Idolatry ويلاحظ أن عبادة السلف تقود أتباعها في بعض الأحيان إلى الاعتقاد بأن قبيلتهم تنتمي إلى صلب جد واحد، أصله حيوان في رأي الأكثرين، أو من النجوم في بعض الأحيان. وهذا ما يجعل هذه العقيدة قريبة من "الطوطمية"3.
ولهذا العبادة أثر كبير في نظام أصحابها الاجتماعي؛ إذ هي تربط الأجيال الحاضرة بالأجيال الماضية بروابط متينة، وتؤلف من أصحاب هذا المذهب وحدة قوية، كما أن لها أثرًا مهمًّا في الأسرة، فهي في الواقع عبادة تخص الأسرة قبل كل شيء4.
ومعارفنا عن عبادة السلف عند الجاهليين قليلة، ويمكن أن نستنتج من أمر النبي بتسوية القبور ونهيه عن اتخاذها مساجد ومواضع للصلاة أن الجاهليين كانوا يعبدون أرواح أصحاب هذه القبور ويتقربون إليها. ولعل في عبارة "قبر ونفس" أو "نفس وقبر" الواردة في بعض النصوص الجاهلية ما يؤيد هذا الرأي، فإن النفس هي الروح.
ومن آثار عبادة السلف عند العلماء حلق الرأس وإحداث جروح في الجسد واحتفالات دفن الموتى ولبس المسوح والعناية بالقبور والصلاة عليها أو إقامة شعائر دينية فوقها أو علامات خاصة بالميت أو الموتى للتقديس5. ونحن إذا استعرضنا روايات الأخباريين نجد آثار هذه العبادة معروفة بين الجاهليين.
وقد أشار أهل الأخبار إلى قبور اتخذت مزارات، كانت لرجال دين ولسادات قبائل يقسم الناس بها، ويلوذون بصاحب القبر ويحتمون به، كالذي كان من
1 Ency. Religi، I، p. 428.
2 Ency. Religi، vo. I، p. 430، Crooke، Popular Religion، I، 179، Wilken، Het Animisme vj de Volken Indischen Archipel، 1884-1885، I، 74 ff.
3 Ency. Religi، I، p. 536. Taylor، Primitive Cultures، II، p. 193.
4 Ency. Religi، I، p. 432.
5 Hastings، p. 300، Ency. Religi، 7، p. 325، Ancestor-Worship.
أمر ضريح "تميم بن مر"، جد "تميم"، وكالذي ذكروه من أمر اللات" من أنه كان رجلًا في الأصل، اتخذ قبره معبدًا ثم تحول الرجل إلى صنم، ونجد في كتب الحديث نهيًا عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها. وقد أشارت إلى اتخاذ اليهود والنصارى قبور سادتهم وأوليائهم مساجد، تقربوا اليها، لذلك نُهي أهل الإسلام من التشبه بهم في تعظيم القبور1، كما نهي عن تكليل القبور وتجصيصها، والتكليل رفع القبر وجعله كالكلة، وهي الصوامع والقباب التي تُبنى على القبور2.
وأما الـ Animusm فهو اعتقاد بوجود أرواح مؤثرة في الطبيعة كلها Nature ولذلك يؤله كثيرًا من المظاهر الطبيعية المرئية وغير المرئية منها، لاعتقاده بوجود قوى هي فوق الطبيعة، منها ما يكون في جسم، وهو "النفس" Saul، ومنها ما لا يكون في الأجسام وهو "الروح" Spirit3.
ويمكن تقسيم هذه العبادة إلى ثلاث أصناف: عبادة النفس، نفس الإنسان أو الحيوان وخاصة منها عبادة الأموات Nacrolatry، وعبادة الأرواح spiritism وعبادة الأرواح التي تحل في المظاهر الطبيعية، إما بصورة مؤقتة وإما بصورة دائمة naturism4.
والآراء في هذه المعتقدات لا تزال في مراحلها الأولى، وهي موضع جدل بين العلماء؛ لأنها قائمة على أساس الملاحظات والتجارب التي حصلوا عليها من دراساتهم لأحوال المجتمعات البدائية لهنود أمريكا ولقبائل إفريقية وأسترالية، ولا يمكن بالطبع حدوث اتفاق في الدراسات الاستقصائية المبنية على المشاهدات والملاحظات، وإذا كانت هذه الدرسات غير مستقرة وغير نهائية حتى الآن، فقد صعب بالطبع تطبيقها على معتقدات العرب قل الإسلام، وزاد في هذه الصعوبة قلة معلوماتنا في هذه الأمور. وليس من الممكن في نظري أن نتوصل إلى نتائج علمية غير قابلة للأخذ والرد في هذه الموضوعات في الزمن الحاضر، بل ولا في المستقبل.
1 صحيح مسلم "2/ 66"، "باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيهان والنهي عن اتخاذ القبور مساجد".
2 اللسان "11/ 595"، "كلل".
3 Schmidt، s. 24.
4 Ency religi، I، p، 535.
القريب، ما لم يحدث ما ليس في الحسبان، من العثور على نصوص دينية تكشف لنا عن عقائد الجاهليين.
ونستطيع أن نقول إجمالًا إن من الجاهليين من كان يدين بعبادة الأرواح على اختلاف طرقها، ويؤمن بأثرها. وللعلماء من مفسرين ولغويين وغيرهم تفاسير عديدة للروح، تفيدنا كثيرًا في معرفة آراء الجاهليين عنها، كما أن للأخباريين قصصًا عنها وعن استقلالها وانفصالها عن الجسد بعد الموت واتصالها بالقبر وغير ذلك، يمكن أن تكون موضوع دراسة قيمة لمن يريد التبسط في دراسة هذه الأمور.
عبادة الكواكب:
وقد رأى بعض العلماء أن عبادة أهل الجاهلية هي عبادة كواكب في الأصل. وأن أسماء الأصنام والآلهة، وإن تعددت وكثرت، إلا أنها ترجع كلها إلى ثالوث سماوي، هو: الشمس والقمر والزهرة. وهو رمز لعائلة صغيرة، تتألف من أب هو القمر، ومن أم هي الشمس، ومن ابن هو الزهرة. وذهبوا إلى أن أكثر أسماء الآلهة، هي في الواقع نعوت لها، وهي من قبيل ما يقال له الأسماء الحسنى لله في الإسلام.
وقد لفت الجرمان السماويان: الشمس والقمر، نظر الإنسان إليهما بصورة خاصة، لما أدرك فيهما من أثر في الإنسان وفي طباعه وسحنه وعمله، وفي الجو الذي يعيش فيه، وفي حياة زرعه وحيوانه، وفي تكوين ليله ونهاره والفصول التي تمر عليه. فتوصل بعقله يوم ذاك إلى أنه نفسه، وكل ما يحيط به، من فعل هذين الجرمين ومن أثر أجرام أخرى أقل شأنًا منهما عليه. فنسب إليهما نموه وتكوينه وبرأه وسقمه، وحياة زرعه وماشيته، ورسخ في عقله أنه إن تقرب وتعبد لهما، ولبقية الأجرام، فإنه سيرضيها، وستغدق عليه بالنعم والسعادة والمال والبركة في البنين، فصار من ثم عابد كوكب.
ونجد في حكاية كيفية اهتداء "إبراهيم" إلى عبادة إله واحد، الواردة في سورة الأنعام، تفسيرًا لسبب تعبد الإنسان للأجرام السماوية. {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي
إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 1. فقد لفت ذلك ذلك الكوكب نظر إبراهيم، وبهره بحسن منظره وبلونه الزاهي الحالب، فتعبد له، واتخذه ربًّا، فلما أفل، ورأى كوكبًا آخر أكبر حجمًا وأجمل منظرًا منه، تركه، وتعبد للكوكب الآخر، وهو القمر. فلما أفل، ورأى الشمس بازغة، وهي أكبر حجمًا وأظهر أثرًا وأبين عملًا في حياة الإنسان وفي حياة زرعه وحيوانه وجوه ومحيطه، ترك القمر وتعبد للشمس، فيكون قد تعبد لثلاثة كواكب، قبل أن يهتدي إلى التوحيد، هي القمر والشمس، والمشترى أو الزهرة على ما جاء في أقوال المفسرين2.
ويشير القرآن الكريم في موضع آخر إلى عبادة الجاهليين للأجرام السماوية، ولا سيما الشمس والقمر، ففيه " {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} 3.
وهذه الأجرام السماوية الثلاثة هي الأجرام البارزة الظاهرة التي بهرت نظر الإنسان، ولا سيما الشمس والقمر. والزهرة، وإن كانت غير بارزة بروز الشمس والقمر، غير أنها ظاهرة واضحة مؤثرة بالقياس إلى بقية الأجرام ذات مظهر جذاب، ولون باهر خلاب، وقد يكون هذا المظهر الجميل الأخاذ هو الذي جعلها ابنًا للشمس والقمر في أساطير العرب الجنوبيين.
واعتبر الجاهليون القمر أبًا في هذا الثالوث، وصار هو الإله المقدم فيه، وكبير الآلهة. وصارت له منزلة خاصة في ديانة العرب الجنوبيين. وهذا ما حدا ببعض المستشرقين إلى إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين على سبيل
1 الأنعام، الآية 75 وما بعدها.
2 تفسير الطبري "7/ 158 وما بعدها" تفسير القرطبي، الجامع "7/ 25".
3 فصلت، الآية 37.
التغليب1، وعلى الذهاب إلى أن هذا المركز الذي يحتله القمر في ديانة العربية الجنوبية لا نجده في أديان الساميين الشماليين، مما يصح أن نجعله من الفروق المهمة التي تميز الساميين الجنوبيين عن الساميين الشماليين2.
ويرجع أولئك المستشرقون هذا التباين الظاهر بين عبادة الساميين الجنوبيين وعبادة الساميين الشماليين وتقديم القمر على الشمس عند العرب الجنوبيين إلى الاختلاف في طبيعة الأقاليم وإلى التباين في الثقافة، ففي العربية الجنوبية يكون القمر هاديًا للناس ومهدئًا للأعصاب، وسميرًا لرجال القوافل من التجار وأصحاب الأعمال في الليالي اللطيفة المقمرة، بعد حر شديد تبعثه أشعة الشمس المحرقة، فتشل الحركة في النهار، وتجعل من الصعب على الناس الاشتغال فيه، وتميت من يتعرض لأشعتها الوهاجة في عز الصيف القايظ. إنها ذات حميم حقًّا، فلا عجب إذا ما دعيت بـ"ذت حمم"، "ذات حميم"، "ذات الحميم" عند العرب الجنوبيين، ولذلك لا يستغرب إذا قدمه العرب الجنوبيون في عبادتهم على الشمس، وفضلوه عليها. وإذا كانت الشمس مصدرًا لنمو النباتات نموًّا سريعًا في شمال جزيرة العرب، فإن أشعة الشمس الوهاجة المحرقة تقف نمو أكثر المزروعات في صيف العربية الجنوبية، وتسبب جفافها واختفاء الورد والزهر في هذا الموسم، فلا بد أن يكون لهذه الظاهرة أثر في العقلية التي كونت تلك الأساطير3.
ويرى "هومل" أن ديانات جميع الساميين الغربيين والعرب الجنوبيين هي ديانة عبادة القمر أي أن القمر فيها مقدم على الشمس، وهو عكس ما نجده في ديانة البابليين. ويعلل ذلك ببقاء الساميين الغربيين بدوًا مدة طويلة بالقياس إلى البابليين. ويلاحظ أيضًا أن الشمس هي أنثى، وأما القمر فهو ذكر عند الساميين الغربيين، وهو بعكس ما نجده عند البابليين4.
والاسم الشائع للقمر بين الساميين، هو: ورخ، و"سن""سين"، وشهر. وشهر خاصة هو الاسم الشائع المستعمل للقمر في الكتابات الجاهلية التي
1 D. Nielsen، Die Altarabische Mondreligion.
2 Handbuch I، S. 213.
3 Handbuch. I، S. 213، Die Altarbische Mondreligion، s. 49، Die Sabatsche Gott Ilmukah، S. I.
4 Hommel، Grundriss، I، S. 85.
عثر عليها في العربية الجنوبية وفي النصوص التي عثر عليها في الحبشة، وفي الأقسام الشمالية الغربية من جزيرة العرب. ويلاحظ أن الصور التي ترمز إلى القمر مما عثر عليه في تلك النصوص هي متشابهة تقريبًا، ومتقاربة في الشكل، مما يدل على أن الأسطورة الدينية التي كانت في مخيل عبدة القمر عنه كانت متشابهة ومتقاربة ومن أصل واحد. أما كلمة "قمر"، فلم ترد حتى الآن في النصوص الجاهلية التي وصلت إلينا، وهذا مما حمل بعض المستشرقين على القول بأن هذه التسمية متأخرة1.
ويلاحظ أن النصوص العربية الجنوبية لا تسمى القمر باسمه دائمًا في النصوص، وإنما نشير إليه بكناه وصفاته في الغالب. ويظهر أن ذلك من باب التأدب والتجمل أمام رب الأرباب. ونجد هذا التأدب في مقام الأرباب عند جميع البشر، فلا يخاطب الإنسان ربه كما يخاطب غيره من الإنس، أي باسمه المعتاد؛ لأنه الرب والإله، وهو فوق الإنسان. وهو إذا خاطبه باسمه، فإنما يفعل ذلك على سبيل التودد والتقرب والتحبب إلى الرب، فهو نوع من أدب التقرب إلى الآلهة
…
ولما كان القمر هو الأب، خاطبه المؤمنون به بـ"ودم أبم"، وبـ"أبم ودم"، أي "ود أب"، و"أب ود"، ولا غرابة في ذلك. فإذا كان القمر أبًا للآلهة، فلِمَ لا يكون إذن أبًا للإنسان عبده، وهو في حاجة شديدة إليه، حاجة العبد إلى سيده والولد إلى والده؟
ودعوه أيضًا بـ"عم"، ولِمَ لا؟ أليس العم في مقام الأب؟ ثم إن العرب لا تزال تخاطب الكبير بـ"عم" دلالة على تقديره واحترامه، فليس بغريب إن نادى المؤمنون إلههم القمر: يا عم! ليرحمهم وليبارك فيهم، إن في هذا النداء تقربًا وتواضعًا وإشعارًا بضعف السائل تجاه المخاطب2.
والأب عند العرب كل من كان سببًا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره. ويقوم العم عندهم مقام الأب، ولذلك سمي مع الأب الأبوين3
وقد عثر على أخشاب وأحجار حفرت عليها أسماء ود، أو جمل "ودم
1 Handbuch، I، S. 214
2 Handbuch، I، S، 214.
3 المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني "ص4 وما بعدها" مادة أبا في كتاب الألف.
أبم"، أو "أبم ودم"، وذلك فوق أبواب المباني؛ لتكون في حمايته وللتبرك باسمه وللتيمن به، كما وجدت كلمة "ود" محفورة على أشياء ذات ثقوب، تعلق على عنق الأطفال لتكون تميمة وتعويذة يتبرك بها. فعلوا ذلك كما يفعل الناس في الزمن الحاضر في التبرك بأسماء الآلهة والتيمن بها لمنحها الحب والبركة والخيرات.
ونعت القمر بـ"كهلن"، أي "الكهل" في نصوص المسند، وفي نصوص عثر عليها في الأقسام الشمالية من العربية الغربية. وتعني لفظة "كهلن"، القدير والمقتدر والعزيز1. وهي من نعوت هذا الإله.
ونعت بنعوت أخرى، مثل "حكم"، أي "حكيم" و"حاكم" و"صدق" أي "صديق" و"صادق" و"علم"، أي "عليم" و"عالم" و"علام"، وبنعوت أخرى عديدة من هذا القبيل، وهي من نوع "الأسماء الحسنى" لله عند المسلمين. ترينا الإله إلهًا قديرًا قويًّا عالمًا حاميًا مساعدًا لأبنائه المؤمنين به. يحبهم حب الأب الشفيق لأبنائه الأعزاء.
والإله "القمر"، هو الإله "المقه" عند السبئيين. وهو إله سبأ الكبير. وهو "عم" عند القتبانيين. كما سأتحدث عن ذلك في أصنام الكتابات، وهو ود عند المعينين و"سن""سين"، عند الحضارمة.
واتخذ الثور من الحيوانات رمزًا للقمر، ولذلك عد الثور من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الآلهة. ونجد هذه الصورة مرسومة في النصوص اللحيانية والثمودية وعند غير العرب من الشعوب السامية. وقد نص على اسمه في الكتابات؛ إذ قيل له "ثور"2.
وقد ذكر "الآلوسي"، أن عبدة "القمر""اتخذوا له صنمًا على شكل عجل، وبيد الصنم جوهرة يعبدونه ويسجدون له ويصومون له أيامًا معلومة في كل شهر، ثم يأتون إليه بالطعام والشراب والفرح والسرور. فإذا فرغوا من الأكل أخذوا في الرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه"3 ولم يشر إلى اسم الجاهليين الذي فعلوا ذلك. فلعله قصد عبدة القمر بصورة عامة من العرب وغيرهم
1 Halevy 237، Chrestoma. 91، 97، Grundriss، I، S. 136، Giaser، 284.
2 Glaser 1546، Wiener Museum 5. Handbuch، I، S. 214.
3 بلوغ الأرب "2/ 216".
وذهب بعض الباحثين إلى احتمال كون "الحية" تمثل الإله القمر، وهي تمثل الروح أيضًا عند بعض آخر1.
والشمس، هي من أول الأجرام السماوية التي لفتت إليها أنظار البشر بتأثيرها في الإنسان وفي الزرع والنماء. وهذا التأثير البارز جعل البشر يتصور في الشمس قدرة خارقة وقوة غير منظورة كامنة فيها، فعبدها وألهها، وشاد لها المعابد، وقدم لها القرابين. وهي عبادة فيها تطور كبير ورقي في التفكير إذا قيست بالعبادات البدائية التي كان يؤديها الإنسان للأحجار والنباتات والأرواح.
وقد تعبد العرب للشمس في مواضع مختلفة في جزيرة العرب. وترجع عبادتها إلى ما قبل الميلاد، في زمن لا نستطيع تحديده، لعدم وجود نصوص لدينا يمكن أن تكشف لنا عن وقت ظهور عبادة الشمس عند العرب. وعبدها أقوام آخرون من غير العرب من الساميين، مثل البابليين والكنعانيين والعبرانيين. وقد أشير في مواضع عديدة من العهد القديم إلى عبادة الشمس بين العبرانيين. وجعل الموت عقوبة لمن يعبد الشمس. ومع ذلك، عبدت في مدن يهوذا. وقد اتخذت جملة مواضع لعبادة الشمس فيها عرفت بـ"بيت شمس" Beth Shemesh2.
والشمس، أنثى في العربية، فهي إلهة، أما في كتابات تذمر فهي مذكرة، ولذلك فهي إله ذكر عند التدمريين. ويرى "ولهوزن" Wellhousen أن ذلك حدث بمؤثرات خارجية3. وكانت عبادة الشمس شائعة بين التدمريين وورد في الكتابات التي عثر عليها في "حوران" أسماء أشخاص مركبة من شمس وكلمة أخرى، ويدل على ذلك شيوع عبادتها عند أهل تلك المنطقة. وذكر "سترابو" أن Helios أي الشمس، هي الإله الأكبر عند النبط. ولكن الكتابات النبطية لا تؤيد هذا الرأي. والإله الأكبر فيها هو "اللات" فلعل "سترابو" قصد بـHelios اللات. وإذا كان هذا صحيحًا، فتكون اللات هي الشمس.
والشمس من الأصنام التي تسمى بها عدد من الأشخاص، فعرفوا بـ"عبد شمس" وقد ذكر الأخباريون أن أول من تسمى به سبأ الأكبر؛ لأنه أول من عبد
1 Arabien، S. 269.
2 Hastings، p. 880، Die Araber، III، S. 125، ff.
3 Reste، S. 60 Waddington 2569، 2587، Vogue، Paly، 2، 8، 19، 75، 116، 125، Reste، s. 60.
الشمس، فدعي بـ"عبد شمس"1. وقد ذكر أن بني تميم تعبدت له. وكان له بيت، وكانت تعبده بنو أد كلها: ضبة، وتميم، وعدي، وعطل، وثور، وكان سدلته من بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن حروة بن أسيد بن عمرو بن تميم، فكسره هند بن أبي أهالة وصفوان بن أسيد بن الحلاحل بن أوس بن مخاشن2.
وذكر أن "عبد شمس"، اسم أُضيف إلى شمس السماء؛ لأنهم كانوا يعبدونها. والنسبة "عبشمي"3.
وكانت العرب تسمي الشمس "الإلهة" تعظيمًا لها، كما يظهر ذلك من هذا الشعر:
تروحنا من اللعباء قسرًا
…
فأعجلنا الإلاهة أن تؤوبا
على مثل ابن مية فانعياه
…
تشق نواعم البشر الجيوبا4
ويقال لها "لاهة" بغير ألف ولام.
وعرفت الشمس بـ"ذُكاء"5 عند الجاهليين. وقد تصور أهل الجاهلية الصبح ابنًا للشمس تارة، وتصوروه تارة حاجبًا لها. فقيل حاجب الشمس. وقيل يقال للصبح ابن ذكاء لأنه من ضوئها6.
وكانوا يستقبلون الشمس ضحى. ذكر "الأسقع" الليثي أنه خرج إلى والده، فوجده جالسًا مستقبل الشمس ضحى7. وإذا تذكرنا ما أورده أهل الأخبار عن
1 منتخبات "ص57".
2 المحبر "316".
3 تاج العروس "4/ 172"، "شمس".
4 ينسب هذا الشعر لمية بنت أم عتبة بن الحارث، وقيل لبنت عبد الحارث اليربوعي وقيل: لنائحة عتيبة بن الحارث، وقيل لأم البنين بنت عتيبة بن الحارث، تاج العروس "9/ 374"، اللسان "17/ 630"، تاج العروس "9/ 510"، "لاه""تروحنا من اللعباء قصرا"، ابن الأجدابي الأزمنة والأنواء "79".
5 بالضم.
6 تاج العروس "10/ 137"، "ذكو".
7 الإصابة "1/ 51" رقم "121".
صلاة الضحى، وهي صلاة كانت تعرفها قريش، ولم تنكرها، أمكننا الربط بين استقبال الشمس ضحى وبين هذه الصلاة.
وقد لاحظ بعض السياح أن آثار عبادة الشمس والقمر لا تزال كامنة في نفوس بعض الناس والقبائل، حيث تتجلى في تقدير هذين الكوكبين وفي تأنيب من يتطاول عليهما بالشتم أو بكلام مسيء وفي تعظيمها من بين سائر الكواكب تعظيمًا يشير إلى أنه من بقايا الوثنية القديمة على الرغم من إسلام أولئك المعظمين1.
ويلي الشمس والقمر "الزهرة"، وهي ذكر في النصوص العربية الجنوبية، ويسمى "عثتر". وهو بمثابة "الابن" للشمس والقمر، وهذا الثالوث الكوكبي يدل، في رأي الباحثين في أديان العرب الجنوبيين، على أن عبادة العربية الجنوبية هي عبادة نجوم. وهو يمثل في نظرهم عائلة إلهية مكونة من ثلاثة أرباب، هي: الأب وهو القمر، والابن وهو الزُّهرة، والأم وهي الشمس.
وإذ كان القمر هو الأب وكبير الآلهة الثلاثة، صار اسمه في طليعة من يذكر اسمه من الآلهة في النصوص، وصارت له كنى ونعوت كثيرة لا تجاريها في الكثرة نعوت الآلهة الأخرى، وبه تسمى أشخاص كثيرون. وهذا ما حدا ببعض المستشرقين على إطلاق ديانة القمر على ديانة العرب الجنوبيين على سبيل التغليب. وهذا المركز الذي يحتله القمر في ديانة العرب الجنوبية، لا نجده في أديان الساميين الشماليين عن الساميين الجنوبيين2. كما يصح اعتبار تذكير "الزهرة" "عثتر" عند العرب الجنوبيين، من جملة الفروق التي نراها بين ديانة سكان العربية الجنوبية وديانات الساكنين في شمال العرب الجنوبية، فإن "الزهرة" هي أنثى عندهم.
وعبد بعض أهل الجاهلية أجرامًا سماوية أخرى، وتقربوا إليها بالنذور والصلوات. ففي كتب الأخباريين أن طائفة من تميم عبدت "الدبران"، وأن "العيوق" في زعمهم "عانق الدبران لما ساق إلى الثريا مهرًا، وهي نجوم صغار نحو عشرين نجمًا، فهو يتبعها أبدًا خاطبًا لها، ولذلك سموا هذه النجوم القلاص"3.
1 Handbuch، I، S. 199، 201، W. Gifford Palgrave، Narrative of A Year's Jorney through Central and Eastern Arabia، London، 1866، 250، A. Grahmann، Arabien، S. 81.
2 Handbusch، I، s. 213.
3 بلوغ الأرب "2/ 239"، ابن الأجدابي، الأزمنة والأنواء "71".
وفي كتبهم أيضًا أن بعض قبائل لخم وخزاعة وحمير وقريش عبدوا "الشعرى العبور" وأن أول من سن ذلك لهم، وأدخل تلك العبادة إليهم "أبو كبشة". وهو "جزء بن غالب بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي"، أو "وجز بن غالب"، وهو من خزاعة ثم من بني غبشان، أحد أجداد النبي من قبل أمهاته. خالف قريشًا في عبادة الأصنام وعبد الشعرى العبور. وكان "وجز" يقول: إن الشعرى تقطع السماء عرضًا، فلا أرى في السماء شيئًا، شمسًا ولا قمرًا ولا نجمًا، يقطع السماء عرضًا. والعرب تسمي الشعرى العبور؛ لأنها تعبر السماء عرضًا، ووجز هو أبو كبشة الذي كانت قريش تنسب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إليه، والعرب تظن أن أحدًا لا يعمل شيئًا إلا بعرق ينزعه شبهه، فلما خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، دين قريش، قالت قريش: نزعه أبو كبشة؛ لأن أبا كبشة خالف الناس في عبادة الشعرى. وكانوا ينسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه. وكان أبو كبشة سيدًا في خزاعة، لم يعيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم به من تقصير كان فيه، ولكنهم أرادوا أن يشبهوه بخلاف أبي كبشة، فيقولون:"خالف كما خالف أبو كبشة"1. وذكر "القرطبي" أن أول من عبد الشعرى" أبو كبشة أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمهاته، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي، صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة، حين دعا إلى الله وخالف أديانهم، وقالوا: ما لقينا من ابن أبي كبشة! وقال أبو سفيان يوم الفتح، وقد وقف في بعض المضايق وعساكر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تمر عليه: لقد أمِرَ أمر ابن أبي كبشة"2. وكان "الحارث"، وهو "غبشان بن عمرو بن بؤي بن ملكان"، ويكنى أبا كبشة، ممن يعبد الشعرى2.
و"الشعرى" Sirius هي المقصودة في الآية: {وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى} 4. كان ناس في الجاهلية يعبدون هذا النجم الذي يقال له الشعرى. وهو النجم
1 الزبيري: كتاب نسب قريش "261 وما بعدها" تاج العروس "4/ 342"، "كبش".
2 تفسير القرطبي "17/ 119" تفسير الطبرسي "27/ 183"، "9/ 183""طبعة طهران" المحبر "129" ابن سعد طبقات "1/ 1/ ص31".
3 المحبر "129".
4 النجم، الآية 49.
الوقاد الذي يتبع الجوزاء، ويقال له المرزم1. وقد كان من لا يعبد الشعرى من العرب يعظمها ويعتقد تأثيرها في العالم2.
وذكر بعض العلماء أن "الشعرى" كوكب نير يقال له المرزم، وطلوعه في شدة الحر. وتقول العرب إذا طلعت الشعرى، جعل صاحب النحل يرى. وهما:"الشعريان": العبور، والشعرى الغميصاء. تزعم العرب أنهما أختا سهيل وعبدت طائفة من العرب الشعرى العبور. ويقال: إنها عبرت السماء عرضًا، ولم يعبرها عرضًا غيرها. وسميت الأخرى الغميصاء؛ لأن العرب قالت في حديثها: إنها بكت على أثر العبور حتى غمضت3.
والعرب تقول في خرافاتها: إن سهيلًا والشعرى كانا زوجين، فانحدر سهيل فصار يمانيًّا، فاتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة فسميت العبور، وأقامت الغميصاء فبكت لفقد سهيل حتى غمصت عيناه، فسميت غمصاء لأنها أخفى من الأخرى4.
ويذكرون أن بعض طيء عبدوا "الثريا"، وبعض قبائل ربيعة عبدوا "المرزم"، وأن "كنانة" عبدت القمر5 ويتبين من بعض الأعلام المركبة، مثل: عبد الثريا، وعبد نجم، أن الثريا ونجمًا، كانا صنمين معبودين في الجاهلية6. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن "النجم" المذكور في سورة "النجم":{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} : الثريا8 "والعرب تسمى الثريا نجمًا"9. وقال بعض آخر: "إن النجم ههنا الزهرة؛ لأن قومًا من العرب كانوا يعبدونها"10.
1 تفسير الطبري "27/ 45 وما بعدها" تاج العروس "4/ 341"، "جوز"، القرطبي، الجامع "17/ 119 وما بعدها".
2 تفسير القرطبي "17/ 119".
3 تاج العروس "3/ 305"، "شعر".
4 تفسير القرطبي "17/ 119 وما بعدها".
5 بلوغ الأرب "2/ 240"، تاج العروس "8/ 311"، "رزم".
6 Ency. Religi، I، P، 66.
7 سورة النجم، الآية 1.
8 تفسير الطبري "27/ 24".
9 تفسير القرطبي "17/ 82 وما بعدها".
10 المصدر نفسه.
وعبَدَ بعض الجاهليين "المريخ"، واتخذوه إلهًا، كما عبد غيرهم "سهيلًا" Canapus و"عطار" Markur و"الأسد" Lion و"زحل".
وقد ذكر أهل الأخبار، أن أهل الجاهلية يجعلون فعلًا للكواكب حادثًا عنه، فكانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وكانوا يجعلون لها أثرًا في الزرع وفي الإنسان فأبطل ذلك الإسلام، وجعله من أمور الجاهلية. جاء في الحديث:"ثلاث من أمور الجاهلية: الطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالأنواء"1.
ومن مظاهر الشرك المتجلي في التعبد للأمور الطبيعية الملموسة، عبادة الشجر، وهي عبادة شائعة معروفة عند الساميين. وقد أشار "ابن الكلبي" إلى نخلة "نجران" وهي نخلة عظيمة كان أهل البلد يتعبدون لها، "لها عيد في كل سنة. فإذا كان ذلك العيد علقوا عليها كل ثوب حسن وجدوه وحلي للنساء، فخرجوا إليها يومًا وعكفوا عليها يومًا". ومنها العزى وذات أنواط. يحدثنا أهل الأخبار عن ذات أنواط، فيقولون:"ذات أنواط: شجرة خضراء عظيمة، كانت الجاهلية تأتيها كل سنة تعظيمًا لها، فتعلق عليها أسلحتها وتذبح عندها، وكانت قريبة من مكة. وذكر أنهم كانوا إذا حجوا، يعبقون أرديتهم عليها، ويدخلون الحرم بغير أردية، تعظيمًا للبيت، ولذلك سميت "ذات أنواط"3. "وقد روي أن بعض الناس قال: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط"4.
ونستطيع أن نقول إن آثار عبادة الشجر لا تزال باقية عند الناس. تظهر في امتناع بعضهم وفي تهيبهم من قطع الشجر؛ لاعتقادهم أنهم إن فعلوا ذلك أصيبوا بنازلة تنزل بهم وبمكروه سيحيق بهم. ولذلك تركوا بعض الشجر كالسدر فلم يتعرضوا له بسوء5.
وتعبد بعض أهل الجاهلية لبعض الحيوانات. فقد ورد أن جماعة الشاعر "زيد الخيل"، وهم من طيء، كانوا يتعبدون لجمل أسود. فلما وفد وفدهم على
1 ابن الأجدابي، الأزمنة والأنواء "136".
2 البلدان "8/ 260"، "نجران".
3 البلدان "1/ 363"، "أنواط"، تاج العروس "5/ 236"، "فوط" الأزرقي "74 وما بعدها".
4 رسالة الغفران "140 وما بعدها".
5 Grahmann، s. 82.
الرسول، قال لهم:"ومن الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله عز وجل"1. وورد أن قومًا كانوا بالبحرين عرفوا بـ"الأسبذيين"، كانوا يعبدون الخيل2. ذكر أنهم قوم من المجوس، كانوا مسلحة لحصن المشقر من أرض البحرين3. فهم فرس. وأن بعض القبائل مثل "إياد"، كانت تتبرك بالناقة4.
1 الأغاني "16/ 47"، الإصابة "1/ 555"، "ورقم 2941".
2 البلاذري، فتوح "89"، "البحرين".
3 اللسان "3/ 493"، "سبذ".
4 الأغاني "15/ 93"، "في أخبار أبي داود الإيادي".
الشفاعة:
والشفاعة من أهم مظاهر الشرك عند الجاهليين. وأقصد بالشفاعة هنا، ما ورد في القرآن الكريم من تبرير أهل الجاهلية لتقربهم إلى الأصنام بأنهم ما يتعبدون لها إلا لتقربهم إلى الله:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 1. {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} 2. فهم يحاجون الرسول، ويدافعون عن التقرب إلى الأصنام، بقولهم: إنها تشفع عند الله، فهي شفيعة، فهم لا يعبدون الأصنام إذن، ولا يشركون بالخالق، وإنما هم يتقربون إليه بها. فهي الواسطة بينهم وبين الله3.
1 سورة يونس، الرقم 10، الآية 18.
2 الزمر، الآية 3
3 المفردات، للأصفهاني "264".
الأصنام:
ومن جملة ما كان يتوسط به الجاهليون لآلهتهم ليكونوا شفعاء لهم عندها، التماثيل المصنوعة من الفضة أو الذهب أو الحجارة الثمينة والخشب. ومن عادتهم أنهم كانوا يدونون ذلك على الحجارة، فيكتبون عدد التماثيل وأنواعها وأسماء الآلهة أو اسم الإله الذي قدمت له تلك الأشياء واسم الناذر، ويشار إلى السبب الداعي.
إلى ذلك، كأن يذكر بأن أصحابها توسلوا إلى الإله أو الآلهة المذكورة برجائهم الذي طلبوه، فأجيبت مطالبهم، ولذلك قدموا هذه النذور، فهي وفاء لدين استحق عليهم بسبب ذلك النذر وتلك الشفاعة.
ولا بد لنا من الإشارة هنا إلى أن الأصنام كانت تدافع عن قبائلها وتذب عنها وتحامي عنها في الحرب، كما يدافع سيد القبيلة عن قبيلته، وأن أبناء القبيلة أبناؤها وأولادها، ولذلك كانوا يقولون عنها "آب""أب" في كتاباتهم، ويكتبون عن أنفسهم "أبناء الصنم...." وفي الشعر الجاهلي أمثلة عديدة تشير إلى اعتقاد القوم باشتراك آلهتهم معهم في الحرب وفي انتصارهم لهم. ففي الحرب التي وقعت بين "بني أنعم" و"بني غطيف" بشأن الصنم "يغوث" يقول الشاعر:
وسار بنا يغوث إلى مراد
…
فناجزناهم قبل الصباح1
وطبيعي أن بعد أعداء القبيلة أعداء لصنم القبيلة، وأعداء الصنم أعداء للقبيلة، فأعداء الآلهة وأعداء القبيلة هم خصوم لا يمكن التفريق بينهم.
وفي معركة أُحد، وهي من المعارك الحربية المهمة التي جرت بين الإسلام والوثنية على مستقبل العرب الديني، نادى أبو سفيان بأعلى صوته:"اعل هبل! اعل هبل! "؛ ليبعث الحماسة في نفوس الوثنيين وليستغيث بصنمه في الدفاع عن أتباعه المؤمنين به. أما المسلمون، فاستنجدوا بالله، إذ ردوا عليه ردة قوية عالية:"الله أعلى وأجل" فقال أبو سفيان: "ألا لنا العزى ولا عزى لكم" فأجابه المسلمون: "الله مولانا ولا مولى لكم"2.
وفي الحروب يحارب كل إله عن قبيلته، ويجهد نفسه في الدفاع عنها في سبيل حصولها على النصر. ولهذا السبب كانت القبائل والجيوش تحمل أوثانها أو صور آلهتها أو رموزها الدينية المقدسة معها في الحروب. تتبرك بها وتستمد منها العون والنصر. ولما حارب الأعراب الملك "سنحاريب" ملك آشور، حملوا أصنامهم:"دبلت""دبلات" Diblat، و"دية" Daia = Daja
1 البلدان "8/ 511".
2 الطبري "2/ 526 ". "معركة أحد".
و"نوخيا" Nuhaia و"إبيريلو" Ebirillu و"عثر قرمية" Atar Kurumaia معهم لتدافع عنهم، ولتحارب معهم الآشوريين. ولكن الآشوريين غلبوهم وانتصروا عليهم وأخذوا غنائم وأسرى منهم، كان في جملتها هذه الأصنام المسكينة، التي وقعت في الأسر وبقيت في أسرها إلى أن توفي "سنحاريب" وتولى ابنه "أسرحدون" الحكم، فاسترضى الأعراب هذا الملك وجاءوا بهدايا كثيرة؛ رجاء استرضائه لإعادة أصنامهم إليهم، فرقَّ على حالهم وأعاد إليهم تلك الأصنام السيئة الحظ، التي كتب عليها أن تسجن، وتمكنت من استنشاق ريح الحرية من جديد1.
وسقطت أصنام الأعراب مرة أخرى في أسر الآشوريين، وذلك في أيام "أسرحدون"، فلما انضم "لبلي""ليل" Laili ملك "يادي""يادع""يدي""يدع" Jadi' = Jadi' إلى الثائرين على حكم هذا الملك، لحقت بهم الهزيمة، وسقطت أصنامه أسيرة في أيدي الآشوريين، وأخذت إلى "نينوى"، فلم يجد الملك "ليل""ليلي" أمامه من سبيل سوى الذهاب إلى عاصمة الملك لاسترضائه، حيث طلب العفو والصفح عما بدر منه، فقبل "أسرحدون" منه ذلك، وتآخى معه، وأعاد إليه أصنامه2.
وكان في جملة الأصنام التي شاء سوء طالعها الوقوع في أسر الآشوريين الصنم "أترسمين""أترسمائين""A – tar- sa- ma- a – a – in""Atarsamin". و"أتر" هو "عثتر"، فيكون المراد به "عثتر السماء" عثتر السماوات، ويدل ذلك على أنه إله السماء. وكان قد وقع أسيرًا في أيديهم أيام الملك "أسرحدون"، فلما توفي الملك وانتقل عرشه إلى ابنه "أشور بانبال"، جاء Uaite العربي إليه، وهو أحد سادات القبائل إلى الملك، وصالحه وأرضاه، فأعاد إليه أصنامه ومنها الصنم المذكور3.
وطالما كان يعرض حمل المحاربين أصنامهم معهم في الحروب إلى وقوع تلك الأصنام في الأسر، تقع كما يقع الإنسان في الأسر. بل يكون أسر الأصنام في نظرهم أشد وقعًا في نفوسهم من أسر الإنسان. إنها آلهة تدافع وتحامي، إنها
1 Musil، Deserta، p. 481، Reall، II، s. 265، Thompson، Prisms of Esarhaddon and of Ashurbanipal، p. 20.
2 Musil، deserta، p. 483، realb، I، S. 440. Rawlinson، the Five Great Monarchies of the Ancient Eastern World، vol II، p. 470-471.
3 Reall، I، 310، Schrader، KAT، S. 434، Streck، Vorderasiatische Bibliotheck، VIII S. 72.
آلهة القبيلة كلها، فأسرها معناه في عرفهم أسر القبيلة كلها، فأسر الآلهة شيء كبير بالنسبة إلى القبيلة. وقد أشرت إلى استيلاء الآشوريين على أصنام قبائل "عربي" التي حاربتهم، وإلى أخذها أسيرة إلى أرض آشور، وإلى مفاوضة الأعراب معهم على الصلح في مقابل إعادة تلك الأصنام إليهم. فلما أعيدت الأصنام إلى أصحابها، كتب الآشوريون عليها كتابة تخبر بوقوعها في الأسر، وبانتصار آلهة آشور عليها؛ لتكون نذيرًا للمؤمنين بها، يحذرهم من حرب ثانية توقع هذه الأصنام في أسد جديد.
وقد أشير إلى "خيل اللات" في مقابل "خيل محمد"، في شعر لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، إذ قال:
لعمرك إني يوم أحمل راية
…
لتغلب خيل الله خيل محمد1
ومن أمثلة العرب: "لا تفر حتى تفر القبة"، أو" لا نفر حتى تفر القبة"2. ويراد بالقبة: قبة الصنم، أي خيمة الصنم التي تحمل مع المحاربين وتضرب في ساحة القتال؛ ليطوف حولها المحاربون يستمدون منها العون والنصر. كما كانوا يستشيرون الأصنام عند القتال، ويأخذون برأيها فيما تأمر به.
وحمل الأصنام مع القبيلة في ترحالها وفي حروبها وغزواتها يستلزم بذل عناية خاصة بها للمحافظة عليها من الكسر ومن تعرضها لأي سوء كان. وعند نزول القبيلة في موضع ما توضع الأصنام في سمتها، وهي خيمة تقوم مقام المعبد الثابت عند أهل المدر. وتكون للخيمة بسبب ذلك قدسية خاصة، وللموضع الذي تثبت عليه حرمة ما دامت الخيمة فوقه، وقد كانت معابد القبائل المتنقلة كلها في الأصل على هذا الطراز. ولم يكن من السهل على أهل الوبر تغيير طراز هذا المعبد، واتخاذ معبد ثابت؛ لخروج ذلك على سنن الآباء والأجداد. ولذلك لم يرض العبرانيون عن المعبد الثابت الذي أقامه سليمان، لما فيه من نبذ للخيمة المقدسة التي كانت المعبد القديم لهم وهم في حالة تنقل من مكان إلى مكان.
واعتقاد القبائل أن أصنامها هي التي تجلب لها النصر والخسارة، كان يؤدي في بعض الأحيان إلى الإعراض عن الصنم المحبوب ونبذه، نتيجة لانهزام القبيلة،
1 الإصابة "4/ 90"، "رقم 538".
2 المشرق، السنة 1938م، "الجزء الأول"، ص11.
إذ يتبادر إلى ذهن تلك القبيلة أن تلك الهزيمة التي نزلت بها إنما كانت بسبب ضعف ربها واستكانته وعدم اقتداره في الدفاع عنها، ولذلك تقرر الاستغناء عنه والتوجه إلى رب قوي جديد. وقد يكون ذلك الرب هو رب القوية المنتصرة، أو رب قبيلة من القبائل التي عرفت بتفوقها في الحروب، فيكون التوفيق حليف ذلك الرب. وهكذا الأرباب في نظر قبائل تلك الأيام كالناس لها حظوظ، والحظ هو دائمًا في جانب القوي.
وكان على كهان صنم القبيلة المغلوبة إيجاد تفسير لعلة الهزيمة التي لحقت بعبدة ذلك الصنم، والبحث عن عذر يدافعون به عن الصنم، ويلقون اللوم فيه على أتباعه؛ لتبرئة ذمته وإبعاد المؤمنين به عن الشك في قدرته وعظمته. فكان من أعذارهم، أن الهزيمة عقاب من الإله أرسله إلى أتباعه لابتعادهم عن أوامره ونواهيه، ولعدم إطاعتهم أحكام دينه، ولمخالفتهم آراء رجال دينهم وكهانه. ولن تنقشع عنهم النكبة، ويكتب لهم النصر، إلا إذا تابوا وعملوا بأوامر الكهان وأرضوا الآلهة، وعملوا بها أوجبته شريعتهم عليهم. وهكذا يلوم الكهان الناس، دفاعًا عن آلهتهم التي خلقوها بأنفسهم، وحماية لمصالحهم القائمة على استغلال تلك المخترعات، التي نعتوها آلهة وأصنامًا.
ولما كانت الآلهة آلهة قبائل، كان نبذ الفرد لإلهه معناه نبذه لقبيلته وخروجه على إجماعها، فلا يسع شخصًا أن يغير عبادة إله القبيلة إلا إذا خرج على قبيلته وتعبد لإله آخر. فإن تغيير عبادة الأفراد لأصنامهم في نظر قدماء الساميين أمر إد، هو بمثابة تبديل الجنسية في العصر الحاضر. إن عبادة الأصنام عبادة موروثة يرثها الأبناء عن الآباء، وليست بشيء اختياري، فليس للرجل أن يختار الصنم الذي يريده بمحض مشيئته. إن الصنم دين وهو رمز للقبيلة، والمحامي المدافع عن شعبه، والرابطة التي تربط بين الأفراد، فالخروج عليه معناه خروج على إرادة الشعب وتفكيك لوحدته، وهو مما لا يسمح به وإلا تعرض الثائر للعقاب1.
نعم، كان في إمكان أصحاب الكلمة والسيادة والرئاسة تغيير أصنام القبيلة، أو تبديل دينها، كما سنرى فيما بعد. فهؤلاء هم سادة، والناس تبع لسادتهم،
1 Robertson، p. 37.f
وفي المثل: "الناس على دين ملوكهم" لقد أضاف سادة أصنامًا إلى قبائلهم، فعبدت وتمسك أتباعهم بعبادتها، وكأنهم قد تلقوا أوامرهم من السماء، ونبذت قبائل بعض أصنامها، بأمر من سادتها. ودخلت قبائل في الإسلام؛ لدخول سيدها فيه، ودخلت أخرى قبل ذلك في النصرانية، بتنصر سادتها، بكلمة أقنعت الرئيس، أو بعد محاورة، أو بإبلال من مرض قيل له إنه كان ببركة ذلك الدين، فدخل أتباعه في ذلك الدين من غير سؤال ولا جواب.
عبادة الأصنام:
ويتبين من غربلة روايات الأخباريين أن عبادة الأصنام كانت منتشرة انتشارًا واسعًا قبيل الإسلام، حتى كان أهل كل دار قد اتخذوا صنمًا في دارهم يعبدونه "فإذا أراد الرجل منهم سفرًا، تمسح به حين يركب، فكان ذلك آخر ما يصنع حين يتوجه إلى سفره، وإذا قدم من سفره تمسح به، فكان أول ما يبدأ به قبل أن يدخل على أهله"1 وقد كان أشق شيء في نظر قريش نبذ تلك الأصنام وتركها وعبادة إله واحد {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ، وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ، مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ} 2.
يقول ابن الكلبي: "واشتهرت العرب في عبادة الأصنام فمنهم من اتخذ بيتًا، ومنهم من اتخذ صنمًا. ومن لم يقدر عليه ولا على بناء البيت، نصب حجرًا أمام الحرم وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت.... فكان الرجل إذا سافر فنزلا منزلًا، أخذ أربعة أحجار، فنظر إلى أحسنها فاتخذه ربًّا، وجعل ثلاث أثافي لقدره. فإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلًا آخر، فعل مثل ذلك. فكانوا ينحرون ويذبحون عند كلها ويتقربون إليها"3. وروي أنه لم يكن حي.
1 ابن هشام "1/ 64""هامش الروض"، ابن هشام "1/ 84" الأصنام "32" خزانة الأدب "3/ 245".
2 سورة ص، الآية 4 وما بعدها.
3 الأصنام "33".
من أحياء العرب إلا وله صنم يعبده يسمونه: "أنثى بني فلان. ومنه قوله تعالى: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا} 1. والإناث كل شيء ليس فيه روح مثل الخشبة والحجارة"2. وقد كان المشركون يعبدون الأصنام "ويسمونها بالإناث من الأسماء كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك"3.
ولم يذكر "ابن الكلبي" العوامل التي دفعت بعبدة الأحجار إلى اختيار أربعة أحجار من بين عدد عديد من الأحجار، ثم اختيار حجر واحد من بين هذه الأحجار الأربعة المختارة. فهل أخذ هذا العدد من نظرية العناصر الأربعة التي وضعها الفيلسوف "إمبدوكلس" "Empedokles" "490-430 قبل الميلاد" نظرية أن الكون قد تكون من عناصر أربعة هي: النار، والماء، والهواء، والتراب، فكانوا يختارون لذلك أربعة أحجار، تمثل هذه القوى الأربع المكونة على رأي الناس في ذلك الوقت لأساس الكون، ثم يختارون حجرًا واحدًا من بينها يكون أحسنها وأجملها؛ ليكون رمزًا لها، وممثلًا للإله.
وقد كان من الجاهليين من يختار الأحجار الغربية فيتعبد لها. فإذا رأوا حجرًا أحسن وأعجب تركوا الحجارة القديمة وأخذوا الحجارة الجديدة. قال "ابن دريد": "الحارث بن قيس: وهو الذي كان إذا وجد حجرًا أحسن من حجر أخذه فعبده. وفيه نزلت: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} 4. فهذه هي عبادة الأحجار عند الجاهليين.
ولدينا أمثلة عديدة تفيد أن كثيرًا من الجاهليين كانوا يحتفظون في بيوتهم بأصنام يتقربون إليها كل يوم، ولا يعني ذلك بالطبع أن تلك الأصنام كانت أصنامًا كبيرة منحوتة نحتًا فنيًّا، بل كان أكثرها تماثيل صغيرة، وبعضها أحجارًا غير منسقة ولا منحوتة نحتًا جيدًا، وإنما هي أحجار تمثل الصنم الذي يتقرب إليه المرء. روي أن "أحمر بن سواء بن عدي السدوسي"، كان له صنم يعبده، فعمد إليه فألقاه في بئر، ثم جاء إلى الرسول فأسلم5.
1 النساء، الآية 117.
2 اللسان "122/ 349"، "صنم".
3 تفسير الطبري "5/ 179 وما بعدها"، روح المعاني "5/ 134".
4 الاشتقاق "76".
5 الإصابة "1/ 22".
وكان بين الجاهليين قوم كرهوا الأصنام وتأففوا منها، رأوا أنها لا تنفع ولا تضر ولا تشفع، فلم يتقربوا إليها، وقالوا بالتوحيد، ومن هؤلاء "مالك بن التيهان"، وهو من الأنصار ومن المسلمين الأولين الذين دخلوا في الإسلام من أهل "يثرب" و"أسعد بن زرارة".
وقد شك بعض المستشرقين في وجود أصنام عند العرب الجنوبيين2، ويظهر أن الذي حملهم على قول هذا القول، هو ما رأوه من تعبد العرب الجنوبيين لآلهة منظورة في السماء هي الكواكب الثلاثة المعروفة، فذهبوا إلى انتفاء الحاجة لذلك إلى عبادة أصنام ترمز إلى تلك الآلهة. وعندي أن في إصدار رأي في هذا الموضوع نوع من التسرع؛ لأننا لم نقم حتى اليوم بحفريات علمية عميقة في مواضع الآثار في العربية الجنوبية حتى نحكم حكمًا مثل هذا لا يمكن إصداره إلا بعد دراسات علمية عميقة لمواضع الآثار، فلربما تكشف دراسات المستقبل عن حل مثل هذه المشكلات. إن الإسلام قد هدم الأصنام وأمر بتحطيمها، فذهبت معالمها، إلا أنه من الممكن احتمال العثور على عدد منها، لا زال راقدًا تحت التربة؛ لأنه من الأصنام القديمة التي دفنت في التربة قبل الإسلام بسبب دمار حل بالموضع الذي عبد فيه، أو من الأصنام التي وصلت إليها أيدي الهدم، فطمرت في الأتربة، وعلى كلٍّ فالحكم في هذا الرأي هو كما ذكرت للمستقبل وحده، وعليه الاعتماد.
والرأي الذائع بين الأخباريين عن كيفية نشوء عبادة الأصنام قريب من رأي بعض العلماء المحدثين في هذا الموضوع. عندهم أن الناس لم يتعبدوا في القديم وفي بادئ بدء الأصنام، ولم يكونوا ينظرون إليها على أنها أصنام تعبد، إنما صوروها أو نحتوها لتكون صورة أو رمزًا تذكرهم أو يذكرهم بالإله أو الآلهة أو الأشخاص الصالحين. فلما مضى عهد طويل عليها، نسي الناس أصلها، ولم يعرفوا أمرها، فاتخذوها أصنامًا وعبدوها من دون الله. وتحملنا رواياتهم في بعض الأحيان على الاعتقاد أنهم كانوا يعتقدون بعقيدة المسخ، كالذي رووه عن الصنمين إساف ونائلة من أنهما "رجل وامرأة من جرهم، وأن إسافًا وقع عليها في الكعبة فمسخا"3، وبعقيدة التقمص كالذي رووه عن الصنم اللات من أنه كان إنسانًا
1 طبقات ابن سعد "3/ 448""صادر".
2 Arabien، s. 247.
3 الروض الأنف "1/ 64".
من ثقيف، فلما مات قال لهم عمرو بن لحي:"لم يمت، ولكن دخل في الصخرة ثم أمرهم بعبادتها وأن يبنوا عليها بنيانًا يسمى اللات"1 أو كالذي رووه عن الأصنام ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، من أن هؤلاء كانوا نفرًا من بني آدم صالحين، "وكان لهم أتباع يقتدون بهم. فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم فلما ماتوا ودب إليهم إبليس، فقال إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"2.
وهذه العقيدة هي التي خلقت للأخباريين جملة قصص عن وجود أرواح كامنة في تلك الأصنام، كانت تتحدث إلى الناس، وهي التي أوحت إليهم بذلك القصص الذي رووه بمناسبة أمر النبي بهدم الأصنام، من خروج جن من أجوافها حينما قام بهدمها المسلمون. وقد كان أولئك الجنة على وصفهم إناثًا، والغالب أنهن على هيأة زنجيات شمطاوات عجائز، وقد نثرن شعورهن3. وهي صور مرعبة ولا شك في نظر الناس، ومن عادة الناس منذ القديم أن يمثلوا الجنة على هيأة نساء طاعنات في السن مرعبات.
والخوف من هذه الأرواح أو الجنة التي كانت تقيم في أجواف الأصنام على رأي الجاهليين، حمل بعض من عهد إليهم تحطيم تلك الأصنام على التهيب من الإقدام على مثل ذلك العمل خشية ظهورها وفتكها بمن تجاسر عليها. وهذا الخوف هو الذي أوحى إليهم ولا شك برواية القصص المذكور.
ويمثل الصنم قوة عليا هي فوق الطبيعة، وقد يظن أنها كامنة فيه4. وتكون الأصنام على أشكال مختلفة، قد تكون على هيئة بشر، وقد تكون على هيئة حيوان أو أحجار أو أشكال أخرى. ولهذه الأصنام عند عابديها مدلولات وأساطير. وهي تصنع من مواد مختلفة، من الحجارة ومن الخشب ومن المعادن ومن أشياء أخرى بحسب درجة تفكير عبدتها وتأثرهم بالظواهر الطبيعية والمؤثرات التي تحيط
1 البلدان "7/ 310""اللات".
2 تفسير الطبري" 29/ 62".
3 البلدان "7/ 310""اللات".
4 Ency، Rellgi، 7p.112.
بهم. وقد تستخدم خُشُبٌ خاصة تؤخذ من أشجار ينظر إليها نظرة تقديس واحترام في عمل الأصنام منها. ويتوقف صنعها على المهارة التي يبديها الفنان في الصنع. ويحاول الفنان في العادة أن يعطيها شكلًا مؤثرًا علاقة بالأساطير القديمة وبالكائن الذي سيمثله الصنم. وقد يكون الصنم من حجارة طبيعية عبدها عن أجداده كأن يكون من حجارة البراكين، وقد يكون من النيازك عبدها لظنه بوجود قوة خارقة فيها.
ولعبادة الأصنام صلة وثيقة بتقديس الصور Images وكذلك بصور السحر Magical Images فكل هذه الأشكال الثلاثة هي في الواقع عبادة. ونعني هنا بتقديس الصور، الصور المقدسة التي تمثل أسطورة دينية أو رجالًا مقدسين كان لهم شأن في تطور العبادة، أو جاءوا بديانة، وأمثال ذلك فأحب المؤمنون بهم حفظ ذكراهم وعدم نسيانهم أو الابتعاد عنهم. وذلك بحفظ شيء يشير إليهم ويذكرهم بهم، وهذا الشيء قد يكون صورة مرسومة، وقد يكون صورة محفورة أو منحوتة أو مصنوعة على هيئة تمثال أو رمز يشير إلى ذلك المقدس1.
فالصور المرسومة إذن، هي نوع من العبادة أيضًا، ينظر إليها نظرة تقديس وإجلال.
ونجد في روايات أهل الأخبار عن منشإ عبادة الأصنام عند العرب ما يؤيد هذا الرأي فهناك رواية طريفة عن الصنم "سواع" تزعم أن سواعًا كان ابنًا لشيث، وأن يغوث كان ابنًا لسواع، وكذلك كان يعوق ونسر، كلما هلك الأول صورت صورته وعظمت لموضعه من الدين ولما عهدوا في دعائه من الإجابة فلم يزالوا هكذا حتى خلف الخلوف، وقالوا: ما عظم هؤلاء آباءنا إلا لأنها ترزق وتنفع وتضر، واتخذوها آلهة. وهناك رواية أخرى تزعم أن الأوثان التي كانت في قوم نوح، كانت في الأصل أشخاصًا صالحين من قوم نوح. فلما هلكوا، أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسونها أنصابًا، وسموها بأسمائها، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنوسخ العلم بها عبدت2.
1 Ency. Religi. Vol. 7، p. 110.
2 الروض الأنف "1/ 62"، تفسير الطبرسي "5/ 364".
وهناك روايات عن أصنام جعلتها أشخاصًا مسخوا حجرًا، فعبدوا أصنامًا، وصاروا شركاء لله، تعبد لها؛ لأنها في نظرهم تنفع وتضر.
ونجد في أخبار فتح مكة أن الرسول حينما دخل الكعبة رأى فيها صور الأنبياء والملائكة، فأمر بها فمحيت ورأى فيها ستين وثلاثمائة صنم مرصعة بالرصاص، وهبل أعظمها، وهو وجاه الكعبة على بابها، وإساف ونائلة حيث ينحرون ويذبحون، فامر بها فكسرت1.
أما هذه الصور، فقيل إنها صور الرسل والأنبياء، وبينها صورة "إبراهيم" وفي يده الأزلام يستقسم بها2.
1 ابن الأثير "2/ 105""فتح مكة" امتاع الأسماع "1/ 383 وما بعدها".
2 فترك عمر صورة إبراهيم عليه السلام، حتى محاها عليه السلام"، امتاع الأسماع "1/ 383" الروض الأنف "2/ 275 وما بعدها".
الأصنام:
والصنم في تعريف علماء اللغة هو ما اتخذ إلهًا من دون الله، وما كان له صورة كالتمثال "مثال"، وعمل من خشب، أو ذهب، أو فضة، أو نحاس، أو حديد، أو غيرها من جواهر الأرض. وقال بعضهم: الصنم جثة متخذة من فضة، أو نحاس، أو ذهب، أو خشب، أو حجارة، متقربين به إلى الله، فالشرط فيه أن يكون جثة: جثة إنسان أو حيوان. وقيل: الصنم الصورة بلا جثة1. وذكر أن الصنم ما كان من حجر أو غيره2. وعرف بعضهم الصنم بأنه ما كان له جسم أو صورة فإن لم يكن له جسم أو صورة، فهو وثن3. و"الصنمة"، الصورة التي تعبد4. وقد كان "المنطبق" صنمًا من نحاس أجوف يكلمون من جوفه5.
1 اللسان "15/ 241""17/ 333"، تاج العروس "8/ 371"، "9/ 358"، "صنم" القاموس "4/ 141، 274"، الاشتقاق "302"، الأصنام "53"، المفردات "289".
2 الروض الأنف "1/ 62".
3 اللسان "12/ 349"، "صنم"، "صادر".
4 اللسان "12/ 349". "صنم".
5 المحبر "318".
ووردت لفظة "صلم" في كتابات عثر عليها في أعالي الحجاز، اسم علم لإله ازدهرت عبادته بصورة خاصة بمدينة "تيماء" ويرجع بعض المستشرقين تأريخ ازدهار عبادة هذا الصنم إلى حوالي سنة "600" قبل الميلاد. وقد ورد اسمه علمًا لأشخاص في الكتابات اللحيانية. ورمز عنه برأس ثور في كتابات قوم ثمود1.
وقد وردت كلمة "أصنام"2 و"أصنامًا"3 و"الأصنام"4 و"أصنامكم"5 في القرآن الكريم، بحسب مواقع الكلمة في الجملة.
وذكر علماء اللغة أن كلمة "صنم" ليست عربية أصيلة، وإنما هي معربة وأصلها "شمن""شنم" ولكنهم لم يذكروا اسم اللغة التي عربت منها6. وترد اللفظة في اللهجات العربية الجنوبية وردت "صلمن" في نصوص المسند بمعنى "صنم" و"تمثال" و"مثال"7. ووردت في لهجات عربية أخرى. وهي "صلمو" Salmo في لغة بني أرم، ومعناها "صورة". من أصل "صلم" بمعنى "صور" وتقابل "صلم" في العبرانية8.
وقد ورد في قصص أهل الأخبار أن "بني حنيفة" تعبدوا لصنم من حيس، فعبدوه دهرًا طويلًا، ثم جاعوا فأكلوه، فقال الشعراء في ذلك شعرًا يعيرون به "بني حنيفة" لأكلهم ربهم زمن المجاعة9. وهو في رأيي من القصص الذي يضعه الخصوم في خصومهم للاستهزاء بهم.
1 Grimme، 23..
2 الأعراف، الآية 137.
3 الأنعام، الآية 74، الشعراء الآية 72
4 إبراهيم الآية 35
5 الأنبياء الآية 57.
6 القاموس "4/ 141"، اللسان "15/ 241" تاج العروس، "8/ 371" روح المعاني "13/ 210"، خزانة الأدب 3/ 244 وما بعدها".
7 "صلمن ذ صرفن وصلمنن ذ ذهبن" أي "تمثال من فضة، وتمثالان من ذهب"، راجع المختصر في علم اللغة العربية الجنوبية القديمة، لغويدي "19".
8 غرائب اللغة "193".
9 الأعلاق النفيسة "217".
الوثن:
وأما كلمة "وثن" فهي من الكلمات العربية القديمة الواردة في نصوص المسند. ويظهر من استعمال هذه الكلمة في النصوص مثل: "وليذبحن وثنن درا بخرفم ذبصم صححم أنثيم وذكرم"، أي "وليذبح للوثن مرة في السنة ذبحًا صحيحًا، أنثى أو ذكرًا"1. إن الوثن هو الذي يرمز إلى الإله، أي بمعنى الصنم في القرآن الكريم.
1 المختصر لغويدي "18".
الصلم:
ويظهر من استعمال كلمتي "صلمن""الصلم""صلم" و"وثنن""الوثن" أن هناك فرقًا بين الكلمتين في نصوص المسند، فإن كلمة "صلمن" تعني في الغالب تمثالًا يصنع من فضة، أو من ذهب، أو من نحاس، أو من حجر، أو من خشب، أو من أية مادة أخرى ويقدم إلى الآلهة لتوضع في معابدها تقربًا إليها؛ لاجابتها دعاء الداعين بشفائهم من مرض أو قضاء حاجة، أي أنها تقدم نذورًا. أما الوثن، فإنه الصنم في لهجتنا، أي الرمز الذي يرمز به إلى الإله، والذي يتقرب له الناس.
والوثن في رأي بعض العلماء لفظة مرادفة لصنم. وقال بعض آخر: "المعمول من الخشب أو الذهب والفضة أو غيرها من جواهر الأرض صنم، وإذا كان من حجارة، فهو وثن"1. وذكر بعض آخر أن الصنم ما كان له صورة جعلت تمثالًا، والوثن ما لا صورة له. "وقيل إن الوثن ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة ينحت ويعبد، والصنم صورة بلا جثة. وقيل: الصنم ما كان على صورة خلقة البشر، والوثن ما كان على غيرها". "وقال آخرون: ما كان له جسم أو صورة، فصنم، فإن لم يكن له جسم أو صورة، فهو وثن. وقيل: الصنم من حجارة أو غيرها، والوثن ما كان صورة مجسمة.
1 الأصنام "33""روزا"، تاج العروس "8/ 371""صنم"، "9/ 358"، "وثن" القاموس "4/ 141، 274"، اللسان "17/ 333" خزانة الأدب "3/ 244" وما بعدها، سبائك الذهب "101".
وقد يطلق الوثن على الصليب وعلى كل ما يشغل عن الله" وقال بعض آخر: "يقال لكل جسم من حجر أو غيره صنم، ولا يقال وثن إلا لما كان من غير صخرة كالنحاس ونحوه"1. وذكر بعض آخر:"أصل الأوثان عند العرب، كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس أو نحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها"2.
وذكر علماء اللغة أن "الودع" وثن3. ولم يذكروا شيئًا عنه غير ذلك. وقد أطلق "الأعشى" على الصليب "الوثن"؛ إذ قال:
تطوف العفاة بأبوابه
…
كطوف النصارى ببيت الوثن
"أراد بالوثن الصليب""قال عدي بن حاتم: قدمت على النبي، صلى الله عليه وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال لي: القِ هذا الوثن عنك، أراد به الصليب، كما سماه الأعشى وثنا"4.
فنحن إذن أمام آراء متباينة في معنى الصنم و"الوثن". منهم من جعل الصنم مرادفًا للوثن، أي في معنى واحد، ومنهم من فرق بينهما، ومنهم من جعل الصنم وثنًا والوثن صنمًا. والظاهر أن مرد هذا الاختلاف، هو اختلاف استعمال القبائل للكلمتين، فلما جمع علماء اللغة معانيهما، وقع لهم هذا التباين وحدث عندهم هذا الاختلاف في الرأي.
وترد في كتب الأدب واللغة لفظة "البعيم"5. اسم صنم، والتمثال من الخشب، وقيل الدمية من الصمغ6. والمثال الشبه، وما جعل مثالًا لغيره، والتمثال. وهو الشيء المصنوع مشبهًا بخلق وإذا قدرته على قدره. وذكر أنها الأصنام. وفي هذا المعنى وردت في القرآن الكريم: "ما هذه التماثيل؟ أي
1 الروض الأنف "1/ 62
2 اللسان "13/ 443""وثن"، "صادر".
3 اللسان "8/ 387"، "ودع".
4 اللسان "13/ 443"، "وثن".
5 البعيم، كأمير.
6 تاج العروس "8/ 203"، "البعيم"، الأصنام "108"، "تكملة""روزا".
الأصنام. وقوله تعالى: {مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} ، هي صور للأنبياء"1. وذكر التماثيل للأصنام، والصورة، والشيء المصنوع مشبهًا بخلق من خلق الله. أي إنسان أو حيوان أو نبات2. ويعبر عن التمثال والمثال بلفظة "أمثلن" في العربيات الجنوبية. وردت في النصوص لمناسبة تقديم أصحابها تماثيل على الآلهة لتوضع في معابدها وفاء لنذور نذروها لها3.
و"الدمية" الصورة المنقشة من الرخام، أو عام من كل شيء، أو الصورة عامة. والصنم، والأصنام دمى. ومن أيمان الجاهلية: لا والدمى، يريدون الأصنام4. وذكر أن "الدمية" ما كان من الصمغ5.
و"البد" الصنم الذي يعبد، فارسي معرب. عرب من "بت" بمعنى "صنم"6. وذكر أن "البد" بيت الصنم والتصاوير أيضًا7.
وقد اشتغل بعض أهالي مكة بصنع الأصنام فكان "عكرمة بن أبي جهل" ممن يعملها بمكة8. وكان الأعراب إذا جاءوا مكة أو المواضع الحضرية الأخرى اشتروا الأصنام منها للتعبد لها9.
1 تاج العروس "8/ 111"، "مثل"
2 تاج العروس "8/ 111"، "مثل".
3 Jamme 558 Mamb 201. Mahram p 24.
4 تاجر العروس "10/ 131"، "دمي".
5 الأصنام "108""تكملة".
6 تاج العروس "2/ 295""بدد" غرائب اللغة "218"
7 تاج العروس "2/ 295""بدد".
8 الأزرقي "1/ 77 وما بعدها".
9 الأزرقي "1/ 78".
هيأة الأصنام:
وقد وصف "ابن الكلبي"، وهو الراوية الرئيس والعالم الكبير بالأصنام هيئه بعض الأصنام، فذكر مثلًا أن الصنم "هبل" كان على صورة إنسان مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب1. فهو تمثال إنسان إذن نحت من حجر أحمر أو وردي، لا يستبعد أن يكون من عمل بلاد
1 الأصنام "27 وما بعدها" الأزرقي "1/ 68".
الشأم أو من عمل الفنانين اليونان، واستورد من هنا: فنصب في جوف الكعبة. استورده أحد سادة "مكة" وهو "عمرو بن لحي" على رواية أهل الأخبار، أو غيره، لما رأى فيه من حسن الصنعة ودقة النحت. فوضعه في موضعه. ولم يذكر أهل الأخبار سبب كسر اليد اليمنى للصنم، هل كان ذلك بسبب حادث، أو بسبب أسطوري. وأما "اللات" فصخرة بيضاء منقوشة1، في رواية أكثر الأخبار. وتمثال من حجر على رواية2. وأما العزى، فهناك رواية تذكر أنها كانت صنمًا، أي تمثالًا، ولكنها لم تعين صورته على نحو ما تحدثت عنها في الفصل الخاص بالأصنام. وأما "ود" فقد كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل3.
وأما سواع، فكان صنمًا على صورة امرأة ولا يستبعد أن يكون من بين الأصنام الباقية ما كان على صورة حيوان. فقد كان الصنم "نسر" يمثل النسر.
وأقصد بالأصنام في هذا المكان أصنام المعابد، أي الأصنام التي كان الناس يتقربون إليها بالتعبد والنذور. وأما الأصنام الصغيرة، وهي التماثيل التي كان يتعبد لها الناس في بيوتهم أو يحملونها معهم في أسفارهم أو يحملونها معهم حيث ذهبوا تبركًا بها فقد كانت كثيرة لا يخلو منها إنسان، وكانوا يتقربون بها إلى الأصنام الكبيرة. وقد عثر المنقبون على عدد كبير منها وهي متفاوتة في الحجم وفي الروعة ودقة الصنع والإتقان.
1 تفسير ابن كثير "4/ 253 وما بعدها".
2 تفسير أبي السعود "5/ 112".
3 الأصنام "56"، "35""روزا".
عبادة الأصنام:
ونظرية "ابن الكلبي" ومن لف لفه من الأخباريين أن نسل إسماعيل بن إبراهيم لما تكاثر بمكة حتى ضاقت بهم. وقعت بينهم الحروب والعداوات، فأخرج بعضهم بعضًا، فتفسحوا في البلاد التماسًا للمعاش وكان كلما ظعن من مكة ظاعن حمل معه حجرًا من حجارة الحرم؛ تعظيمًا للحرم وصبابة بمكة.
فحيثما حلّوا، وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمنًا منهم بها وصبابة بالحرم وحبًّا له. وهم بعد يعظمون الكعبة ومكة، ويحجون ويعتمرون، على إرث إبراهيم وإسماعيل.
"ثم سلخ بهم إلى أن عبدوا ما استحبوا، ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا إبراهيم وإسماعيل غيره، فعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم، وانتجثوا ما كان يعبد قوم نوح منها، على إرث ما بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد إبراهيم وإسماعيل يتنسكون بها: من تعظيم البيت، والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة ومزدلفة، وإهداء البدن، والإهلال بالحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس منه"1.
فكان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وبحر البحيرة، وحمى الحامية، عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي، وهو أبو خزاعة.
وكانت أم عمرو بن لحي، فهيرة بنت عامر عمرو بن الحارث بن عمرو الجرهمي، ويقال: قمعة بنت مضاض الجرهمي2.
وكان الحارث هو الذي يلي أمر الكعبة. فلما بلغ عمرو بن لحي، نازعه في الولاية، وقاتل جرهمًا ببني إسماعيل، فظفر بهم، وأجلاهم عن الكعبة، ونفاهم عن بلاد مكة، وتولى حجابة البيت بعدهم.
ثم إنه مرض مرضًا شديدًا، فقيل له: إن بالبلقاء من الشأم حمة إن أتيتها، برأت. فأتاها، فاستحم بها، فبرأ. ووجد أهلها يعبدون الأصنام، فقال ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو. فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا. فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة. ثم أخذ عمرو بن لحي في توزيع الأصنام على القبائل. وبذلك شاعت عبادة الأصنام بين الناس3.
1 الأصنام "ص6 وما بعدها"، ابن هشام "1/ 82"، الروض الأنف "1/ 61".
2 الأزرقي، أخبار مكة "1/ 46".
3 الأصنام "ص6 وما بعدها"، الاشتقاق "276"، البلدان "8/ 408 وما بعدها"، "ود"، مروج الذهب "2/ 227""ذكر البيوت المعظمة، والهياكل المشرفة"، سبائك الذهب "101"، الروض الأنف "1/ 64"، البلدان "4/ 652 وما بعدها""طهران 1935".
هذه رواية شهيرة معروفة بين الأخباريين عن منشإ عبادة الأصنام وانتشارها عند العرب. وفي رواية أخرى: "كان أول من اتخذ تلك الأصنام، من ولد إسماعيل وغيرهم من الناس، وسموها بأسمائها على ما بقي فيهم من ذكرها حين فارقوا دين إسماعيل، هذيل بن مدركة"1. فنسبت هذه الرواية اتخاذ الأصنام إلى هذيل.
وهناك روايات أخرى في هذا المعنى تتفق مع الرواية الأولى من حيث الجوهر ولا تختلف معها إلا في بعض التفاصيل، ففي رواية أن "عمرو بن لحي" حينما قدم "مآبًا" من أعمال البلقاء، وهي يومئذ بأيدي العماليق، ووجدهم يتعبدون للأصنام، سألهم أن يعطوه صنمًا منها ليسير به إلى أرض العرب ليعبدوه، فأعطوه الصنم هبل، فأخذه، وقدم به إلى مكة فنصبه. وأمر الناس بعبادته2. فعينت هذه الرواية القوم الذين ذهب إليهم "عمرو بن لحي"، والموضع الذي نزل به، وثبتت اسم الصنم الذي أخذه منهم. وهي زيادات لم نجدها في كتاب الأصنام غير أن تشابه عبارات هذه الرواية التي ذكرها "ابن هشام" مع رواية "ابن الكلبي" يدل على أن المنبع واحد، وإنما الخلاف هو في ذكر بعض الفروع، وفي اختصار بعض المواضع، والإطناب في مواضع أخرى.
وفي رواية أخرى عن "ابن الكلبي" كذلك، وهي في كتابه الأصنام، ترجع أيضًا عبادة الأصنام إلى عمرو بن لحي، غير أنها تروي الخبر في صيغة أخرى، فتقول:
"وكان عمرو بن لحي، وهو ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن الأزد، وهو أبو خزاعة. وأمه فهيرة بنت الحارث، ويقال إنها كانت بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، وكان كاهنًا. وكان قد غلب على مكة وأخرج منها جرهمًا، وتولى سدانتها.
1 الأصنام "ص9"، نسب عدنان وقحطان، للمبرد "22 وما بعدها" المختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء "1/ 94" ابن هشام "1/ 78"، "البابي"، البلدان "4/ 652""طهران" ابن خلدون "2/ 686"، مروج الذهب "2/ 56 وما بعدها""محمد محيي الدين عبد الحميد"، أبو الفداء "1/ 76".
2 ابن هشام "ص62"، حاشية على الروض الأنف، ابن هشام "1/ 82"، ديوان حسان "11.P"، "هرشفلد" ابن هشام "1/ 78 وما بعدها، 120".
وكان له رئي من الجن، وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجل بالمسير والظعن من ثمامة، بالسعد والسلام! قال: جير، ولا إقامة.
قال: ايت ضف جدة، تجد فيها أصنامًا معدة، فأوردها تهامة ولا تهاب، ثم ادع عبادتها قاطبة.
فأتى شط دجلة، فاستشارها، ثم حملها حتى ورد تهامة، وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة.
فأجابه عوف بن عذرة بن زيد اللآت بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلون بن عمران بن الحاف بن قضاعة، فدفع إليه ودًّا. فحمله إلى وادي القرى، فأقره بدومة الجندل. وسمى ابنه عبد ود. فهو أول من سُمي به، وهو أول من سُمي عبد ود، ثم سمعة العرب به بعد1.
فهذه الرواية هي على شاكلة الرواية الأولى في منشإ عبادة الأصنام بين العرب قبل الإسلام بحسب رأي الأخباريين بالطبع، سوى اختلافها عنها في المكان الذي أخذت الأصنام منه. فهنا "جدة" على ساحل البحر الأحمر، وهناك البلقاء من أعمال الشأم. والموضعان، وإن كان يختلفان موقعًا، يتفقان في شيء واحد هو وقوعهما على حد مقصود، يرده الأجانب منذ القديم للإتجار. فهل يعني هذا استيراد تلك الأصنام من الخارج، من بلاد الشأم أو من مصر، وأنها كانت من عمل أهل الشأم أو أهل مصر أو من عمل الروم أو الرومان؟ وتذكر رواية أخرى أن "عمرو بن لحي" إنما جاء بالصنم "هبل"، من "هيت" بالعراق حتى وضعه في الكعبة2.
وعمرو بن لحي هو على اختلاف الروايات أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي. فقأ عين عشرين بعيًرا، فصارت العادة أن يفقأ عين الفحل من الإبل إذا بلغت الإبل ألفًا. فإذا بلغت ألفين، فقئت العين الأخرى. وقد نسب إليه كلام طويل. وزُعم له عمر مديد، وقصص أخرجه من عالم الواقع إلى عالم القصص والأساطير، ورجع عصره إلى أيام "العماليق" وإلى أيام "سابور ذي الأكتاف". وذكر أن العرب.
1 الأصنام "ص54 وما بعدها".
2 الأزرقي "1/ 73 وما بعدها"، الروض الأنف "1/ 65".
جعلته "ربًّا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة؛ لأنه كان يطعم الناس ويكسو في الموسم، فربما نحر في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة"1، وذكروا أنه كان ملكًا على الحجاز، وكان كبير الذكر في أيامه، إلى غير ذلك من قصص يروونه عنه2.
وذكر "المسعودي" أن "عمرو بن لحي" حين خرج إلى الشأم ورأى قومًا يعبدون الأصنام، فأعطوه منها صنمًا فنصبه على الكعبة، وأكثر من الأصنام، وغلب على العرب عبادتها، انمحت الحنيفية منهم إلا لمامًا، ضج العقلاء في ذلك، فقال "شحنة بن خلف" "سحنة بن خلف الجرهمي":
يا عمرو إنك قد أحدثت آلهة
…
شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رب واحد أبدًا
…
فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفن بأن الله في مهلٍ
…
سيصطفي دونكم للبيت حجابا3
وكان "عمرو بن لحي" كاهنًا على ما يذكره أهل الأخبار4، وهو من "خزاعة"، التي انخزعت من اليمن. ثبت حكمه على مكة، بعد أن انتزع الحكم من جرهم، وغلب قومه عليها، فصاروا يطيعونه ويتبعون ما يضعه لهم. وقد نسبوا إليه وضع بقية الأصنام، مثل اللات وإساف ونائلة، فهو على رأي أهل الأخبار مؤسس هذه الأصنام التي بقيت إلى أيام النبي، والتي حطمت بأمره عام الفتح، وباستيلاء المسلمين على المواضع الأخرى.
وذكر أهل الأخبار أن "عمرو بن لحي" كان أول من غير تلبية "إبراهيم". وكانت: "لبيك لا شريك لك. لبيك"، فجعلها:"لبيك اللهم لبيك، إلا شريك هو لك، تملكه وما لك"، وقد كان "إبليس" قد ظهر له في صورة شيخ نجدي على بعير أصهب، فسايره ساعة، ثم لبى إبليس، فلبى "عمرو" تلبيته حتى خدعه. فلباها الناس على ذلك5.
1 الروض الأنف "1/ 62" البداية والنهاية "2/ 188".
2 المختصر في أخبار البشر، لأبي الفداء "1/ 94".
3 مروج الذهب "2/ 29 وما بعدها".
4 مروج الذهب "2/ 303".
5 الأزرقي "1/ 126 وما بعدها"، "1/ 26 وما بعدها"، ابن هشام "1/ 79 وما بعدها".
وقد قيل إنه بلغ بمكة وفي العرب من الشرف ما لم يبلغ عربي قبله ولا بعده في الجاهلية مبلغه1. ويظهر أنه كان من أصحاب الحول والسلطان والجاه، ولذلك ترك هذا الأثر في روايات أهل الأخبار. وإني أرى أنه لم يكن بعيد عهد عن الإسلام، وإلا لم حفظت ذاكرة أهل الأخبار أخبارها عنه. والظاهر أنه كان كاهنًا من الكهان، ورجلًا كبيًرا من رجال الدين.
وروي أن الرسول ذكر أن" عمر بن لحي بن قمعة" كان أول من غير دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة2.
ولست أظن أن الرواة قد أقحموا اسم "عمرو بن لحي" في قصة انتشار الأصنام في جزيرة العرب إقحامًا من غير أصل ولا أساس، فلا بد من أن تكون للرجل صلة ما بعبادة الأصنام عند الجاهليين، ولا بد أن يكون من الرجال الذين عاشوا في عهد غير بعيد عن الإسلام، لا قبل ذلك بكثير كما يدعي الأخباريون، فما كان خبره ليصل إليهم على هذا النحو لو كان زمانه بعيدًا عنهم البعد الذي تصوروه. وأنا لا أستبعد احتمال شراء "عمرو بن لحي" للأصنام من بلاد الشأم ومجيئه بها إلى الحجاز، ونصبه لها في الكعبة وفي مواضع أخرى، لما وجده من حسن صنعة التماثيل في تلك البلاد ومن جودة حجارتها، فاشترى عددًا منها؛ لتنصب في المحجات، فنسبت عبادة الأصنام إليه.
وزعموا أن "ابن أبي كبشة": "جزء بن غالب بن عامر بن الحارث بن غبشان الخزاعي"، كان ممن أدخل الشرك إلى العرب، وخالف دين التوحيد. لقد ذكروا أنه دعا إلى عبادة "الشعرى العبور"3.
وليست عبادة الأصنام والأوثان عبادة خاصة بالعرب، بل هي عبادة كانت معروفة عند غيرهم من الشعوب السامية، وعند غير الساميين، كما أنها لا تزال موجودة قائمة حتى الآن.
وكانت قريش تتعبد وتتقرب إلى أصنام قبائل أخرى. على شرط المثل، أي أن تتقرب تلك القبائل وتتعبد لأصنام قريش. فقد ذكر "السكري" أن قريشًا.
1 أخبار مكة "54".
2 الاستيعاب "1/ 120".
3 تاج العروس "4/ 341".
كانت تعبد صاحب كنانة، وبنو كنانة يعبدون صاحب قريش1. وقد تمكنت قريش بفضل هذه السياسة الحكيمة من جمع أصنام العرب وضمها في الكعبة، وهذا ما جعل القبائل تعظم هذا المجمع، وتحج إليه كل سنة مرة، في موسم الحج، بالإضافة إلى الأيام الأخرى من أيام السنة، حيث تقع فيها العمرة. فربحت من ذلك ربحًا معنويًّا وماديًّا، وصارت مكة سوقًا مستقرة ثابتة، يقصدها الناس في كل وقت.
1 المحبر "318".
الحلف بالأصنام والطواغيت:
ولعقيدتهم المذكورة في الأصنام، كانوا يحلفون بها وبالطواغيت. والظاهر أن هذه العادة بقيت في نفوسهم حتى في الإسلام. فقد ورد في الحديث:"أنه قال من حلف بغير الله، فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله"1، و"من حلف فقال في حلفه واللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله"، ومن قاله لصاحبه: تعالى أقامرك فليتصدق"2. وكانت ألسنتهم تسبقهم، لما اعتادته من زمن الجاهلية من الحلف بالأصنام3.
1 إرشاد الساري "9/ 377".
2 تفسير ابن كثير "4/ 253".
3 نفسير ابن كثير "4/ 253".
الفصل الثالث والستون: أنبياء جاهليون
ويظهر من أخبار أهل الأخبار أن الجاهليين لم يعدموا من الأنبياء، فقد ذكروا لهم أنبياء قالوا إنهم بشروا بالله وبدينه بين العرب الأولى، ومنهم "هود" نبي "عاد"، و"صالح" نبي قوم ثمود. وقد أشير إليهما في القرآن الكريم1. وزعموا أن رجلًا من بني "قطيعة بن عبس" كان نبيًّا كذلك، ولم يكن في بني إسماعيل نبي قبله. وهو الذي أطفأ الله به "نار الحرتين" وكانت ببلاد عبس. فإذا كان الليل فهي نار تسطع في السماء، وكانت طيء تنفش بها إبلها، وربما ندرت منها "العنق" أي قطعة فتأتي على كل شيء فتحرقه. وإذا كان النهار فإنما هي دخان يغور. فاحتفر "خالد" لها بئرًا، ثم أدخلها فيها، والناس ينظرون، ثم اقتحم فيها حتى غيبها. وذكروا أنه نجح في إخمادها، وكان الناس يقولون: هلك الرجل، فكذبهم، وخرج سالمًا. فلما حضرته الوفاة قال لقومه: إذ أنا مت ثم دفنتموني، فاحضروني بعد ثلاث، فإنكم ترون عيرًا أبتر يطوف بقبري، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني، فإني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فاجتمعوا لذلك في اليوم الثالث، فلما رأوا العير وذهبوا ينبشونه، اختلفوا، فصاروا فرقتين، وابنه عبد الله في الفرقة التي أبت أن تنبشه، وهو يقول: "لا أفعل! إني إذًا ادعى ابن المنبوش! فتركوه.
1 سورة هود، الآية 53، 60، 89، الشعراء، الآية 124، صالح، سورة الأعراف الآية 77، هود، الآية 62، 89، الشعراء، الآية 142.
قال "الحاحظ""والمتكلمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أن خالدًا هذا كان أعرابيًّا وبريًّا، من أهل "شرج" و"ناظرة". ولم يبعث الله نبيًّا من الأعراب ولا من الفدادين أهل الوبر، وهم أهل البادية. إنما يبعثهم من أهل القرى، وسكان المدن1.
ويظهر أنه عاش قبيل الإسلام، فقد ذكر أهل الأخبار أن ابنة له قدمت على النبي، فبسط لها رداءه وقال: هذه ابنة نبي ضيعه قومه، وذكروا أنها لما سمعت سورة:"قل هو الله أحد"، قالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة2 وزعموا أنه هو الذي دعا على العنقاء، فذهبت وانقطع نسلها3.
ثم نبي آخر اسمه "حنظلة بن صفوان"، كان نبيًّا بعثه الله إلى "أهل الرس"، فكذبوه وقتلوه، عاش في أيام "بختنصر" وقد نسب إلى حمير، وقيل إنه كان من أنبياء الفترة كذلك، وإنه هو الذي دعا على العنقاء، فانقطع نسلها4. وذكر بعض أهل الأخبار أن الله أرسل "حنظلة" إلى أهل عدن، فقتلوه5.
وذكر أهل الأخبار اسم نبي أرسل إلى أهل "حضور" اسمه "شعيب بن ذي مهدم" فقتلوه. فاستأصلهم "بخت نصر"، وقبره بـ"صنين" جبل باليمن6.
وذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة بن حبيب الحنفي"، كان ممن ادعى النبوة بمكة قبل الهجرة، وصنع أسجاعًا7. وكان قد طاف قبل التنبي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الأبلة، وسوق لقه، وسوق الأنبار، وسوق الحيرة وكان يلتمس تعلم الحيل والنيرجات، واختيارات النجوم والمتنبئين. وقد كان أحكم حيل السدنة.
1 الحيوان "4/ 476 وما بعدها".
2 الحيوان "4/ 477".
3 "ذاك نبي أضاعه قومه" بلوغ الأرب "2/ 278 وما بعدها"
4 اللسان "12/ 149""عنق" تاج العروس "1/ 410""عنق"
5 الروض الأنف "1/ 9.
6 الروض الأنف "1/ 9".
7 الحيوان "4/ 89""مسيلمة بن عثامة بن كبير بن حبيب بن الحرث، من بني حنيفة"، إرشاد الساري "6/ 434".
والحُواء وأصحاب الزجر والخط، ومذهب الكاهن والعياف والساحر، وصاحب الجن الذي يزعم أن معه تابعه1.
وقد أحكم من ذلك أمورًا. فمن ذلك، أنه صب على بيضة من خل قاطع، حتى لان قشرها، فأدخلها في قارورة ضيقة الرأس وتركها حتى جفت ويبست، وعادت إلى هيئتها الأولى، فأخرجها إلى "مجاعة بن مرارة بن سلمى الحنفي" اليمامي، وأهل بيته، وهم أعراب، وادعى بها أعجوبة وأنها جعلت له آية، فآمن به من في ذلك المجلس: مجاعة وغيره. ومن ذلك أنه كان قد حمل معه ريشًا في لون ريش أزواج حمام، وقد كان يراهن في منزل مجاعة مقاصيص. فالتفت، بعد أن أراهم الآية في البيض، إلى الحمام فقال لمجاعة: إلى كم تعذب خلق الله بالقص؟! ولو أراد الله للطير خلاف الطيران لما خلق لها أجنحة، وقد حرمت عليكم قص أجنحة الحمام! فقال له مجاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا الطير الذكر ساعة؟
قال مسيلمة: فإن أنا سألت الله ذلك، فانتبه له حتى يطير وأنتم ترونه، أتعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: نعم. قال: فإني أريد أن أناجي ربي، وللمناجاة خلوة، فانهضوا عني، وإن شئتم فادخلوني هذا البيت وادخلوه معى، حتى أخرجه إليكم الساعة وافي الجناحين يطير. وأنتم ترونه ولم يكن القوم سمعوا بتغريز الحمام، وكانوا بسطاء لا يعرفون حيل المحتالين، فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيأه فأدخل طرف كل ريشة مما كان معه في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع والقص. فلما غرز ريشه أخرجه، وأرسله أمامهم من يده فطار، واعتبروا عمله آية.
ثم إنه قال لهم: إن الملك ينزل إلي، والملائكة تطير وهي ذوات أجنحة، ولمجيء الملك زجل وخشخشة وقعقعة، فمن كان منكم ظاهرًا فليدخل منزله، فإن من تأمل اختطف بصره! ثم صنع راية من رايات الصبيان التي تعمل من الورق الصيني، ومن الكاغد، وتجعل لها الأذناب والأجنحة، وتعلق في صدورها الجلاجل، وترسل يوم الريح بالخيوط الطوال الصلاب. ثم أرسلها مع الريح، وهم لا يرون الخيوط، والليل لا يبين عن صورة الرق، وعن دقة الكاغد،
1 الحيوان "4/ 369 وما بعدها"، المعارف "405".
فتوهموا أن ذلك الملائكة: وتصارخوا، وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن! فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدفع عنه: فهو قوله:
ببيضة قارور وراية شادن
…
وتوصيل مقصوص من الطير جادف1
ونسب بعض أهل الأخبار "مسيلمة" على هذا النحو: "مسيلمة بن ثُمامة بن كبير بن حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هفان بن ذهل بن الدول بن حنيفة"2 و"مسيلمة الكذاب بن حبيب" ثمامة بن كبير، وجعله بعضهم "مسيلمة بن حبيب" وجعلوا كنيته "أبا ثمامة" وقيل "أبا هارون" و"أبو ثمالة"3 وذكروا أنه كان يسمى بـ"الرحمن" قبل مولد "عبد الله" والد رسول الله، "وكانت قريش حين سمعت: بسم الله الرحمن الرحيم، قال قائلهم: دق فوك، إنما تذكر مسيلمة رحمان اليمامة"4. وذكروا أنه دعا إلى الرحمن، أي إلى عبادة الرحمن. بينما عرف نفسه بـ"الرحمن"، فقيل له: "رحمان اليمامة"5. وأنه دعا إلى عبادته هذه قبل النبوة، وقد عرف أمره بمكة، فلما نزل الوحي على الرسول، قال أهل مكة إنما أخذ علمه من "رحمان" اليمامة6.
وقالوا له: "إنا قد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن، ولن نؤمن به أبدًا""فأنزل الله سبحانه: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي} . كان مسيلمة بن حبيب الحنفين ثم أحد بني الدول قد تسمى بالرحمن في الجاهلية، وكان من المعمرين. ذكر وثيمة بن موسى أن مسيلمة تسمى بالرحمن قبل أن يولد عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وسلم"7.
قال "الواحدي" في أسباب نزول الآية: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ
1 الحيوان "4/ 371 وما بعدها" المعارف "405".
2 الروض الأنف "2/ 340"، "وفد بني حنيفة"، امتاع الأسماع "1/ 506".
البلاذري، فتوح "97"، "اليمامة"
3 الاشتقاق "209" البلاذري: فتوح "100".
4 الروض الأنف "2/ 340"، اليعقوبي "1/ 120".
5 Shorter Ency، p. 416.
6 Shorter Ency، p. 416
7 الروض الأنف "1/ 200".
هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ} 1: "قال أهل التفسير: نزلت في صلح الحديبية، حين أرادوا كتاب الصلح. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم". فقال سهيل بن عمرو والمشركون: ما نعرف الرحمن، إلا صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. اكتب باسمك اللهم. وهكذا كانت الجاهلية يكتبون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية"2
وذكر المفسرون في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} 3، "أن مسيلمة كان يدعى الرحمن. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم، "اسجدوا للرحمن" قالوا: أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة بالسجود له"4. أو أنهم قالوا: "ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة. يعنون مسيلمة الكذاب"5.
ولا يعقل قول من قال إن مسيلمة كان يعرف بـ"الرحمن" قبل ولادة "عبد الله" والد الرسول. أما أنه كان أسن من الرسول فلا غرابة في ذلك، ولكني لا أرى أنه كان أكبر من الرسول بعشرات السنين. ومن الجائز أن يكون قد دعا إلى عبادة "الرحمن"، وهي عبادة كانت شائعة معروفة إذ ذاك، في اليمامة وفي غير اليمامة، فعرف بين قومه بـ"رحمن اليمامة"، وذلك قبل نزول الوحي على الرسول، فسمع أهل مكة بدعوته.
وورد في رواية أن "أبا جهل" سمع "رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في الحجر ويقول: "يا الله يا رحمن". فقال: كان محمد ينهانا عن عبادة الآلهة، وهو يدعو إلهين. فنزلت هذه الآية،:{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} 6.
وفي هذا الخبر إن صح، دلالة على أن أهل مكة كانوا قد سمعوا بعبادة "الرحمن" وأنهم سمعوا أن قومًا من الجاهليين دعوا إلى عبادته، وأن "أبا جهل" كان قد سمع قولهم، ولهذا أخذ على النبي قوله: يا الله يا رحمن. ولا يعقل ألا يكون لأهل مكة علم بعبادة "الرحمن" التي تحدثت عنها في موضع آخر، وقد كان
1 الرعد، الرقم 13، الآية 30.
2 أسباب النزول "205 وما بعدها" تفسير القرطبي "9/ 317 وما بعدها".
3 الفرقان، الآية 60.
4 تفسير الطبري "19/ 19" روح المعاني "19/ 36".
5 تفسير القرطبي "13/ 64".
6 تفسير القرطبي "9/ 318".
لهم اتصال باليمن وباليمامة وبمعظم أنحاء جزيرة العرب. وأرى أن "مسيلمة" كان قد دعا إلى عبادة الرحمن متاثرًا بدعوة المتعبدين له ممن كان قبله على ما يظهر، وهي عبادة إله اسمه "الرحمن" فعرف مسيلمة بـ"الرحمن" وبـ"رحمن اليمامة" وعبادة الرحمن ديانة متأثرة بفكرة التوحيد، وبوجود إله واحد هو "الرحمن" رب العالمين.
وقد أشير إلى موضع اسمه "وادي الرحمن" في الكتاب الذي أعطاه رسول الله لي "يزيد بن المحجل" الحارثي، ورد فيه:"إن لهم غرة ومساقيها ووادي الرحمن من بين غايتها"1. ولا أستبعد احتمال وجود صلة بين هذه التسمية وبين الرحمن الإله.
وقد وصف الرواة "مسيلمة" بأنه "كان قصيًرا شديد الصفرة أخنس الأنف أفطس"2.
ويظهر من غربلة ما ذكره أهل الأخبار عن "مسيلمة أنه كان أكبر عمرًا من الرسول. وأنه كان قد تكهن وتنبأ باليمامة ووجد له أتباعًا قبل نزول الوحي على النبي. وأن أهل مكة كانوا على علم برسالته. ويذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة" كان ابن مائة وخمسين سنة حين قتل3. وهو عمر قد بولغ فيه ولا شك؛ إذ لا يعقل أن يكون في هذه السن يوم قتل فقد كان فعالًا نشيطًا، نشاطًا لا يمكن أن يظهر إلا من رجل قوي فعال، هو دون المائة.
وكان "مسيلمة" يدعي أن معه رئيًّا في أول زمانه، ولذلك قال الشاعر حين وصفه.
ببيضة قارور وراية شادن
…
وخلة جني وتوصيل طائر4
وكان "مسيلمة" في جملة رجال "وفد حنيفة" الذي قصد الرسول، وفيهم "رحال بن عنفوة" لكنه -كما يقول الرواة- لم يذهب مع الوفد.
1 ابن سعد، طبقات "1/ 268""ذكر بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الرسل يكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام".
2 البلاذري، فتوح "100".
3 الروض الأنف "2/ 340" اليعقوبي "1/ 120".
4 الحيوان "6/ 205 وما بعدها".
إلى الرسول، بل بقي مع رحال الوفد يبصرها لهم. فلما قرروا العودة، بعد أن أسلموا وأعطاهم جوائزهم، قالوا:"يا رسول الله إنا خلفنا صاحبًا لنا في رحالنا يبصرها لنا، وفي ركابنا يحفظها علينا، فأمر له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بمثل ما أمر به لأصحابه وقال: ليس بشركم مكانًا لحفظه ركابكم ورحالكم، فقيل ذلك لمسيلمة، فقال: عرف أن الأمر إلي من بعده فلما عادوا إلى ديارهم، ادعى مسيلمة النبوة، وشهد "رحال بن عنفوة" "الرحال بن عنفوة"، أن رسول الله، أشركه في الأمر، فتبعه الناس1. وكان "الرحال" قد تعلم سورًا من القرآن، فنسب إلى "مسيلمة" بعض ما تعلم من القرآن، فكان من أقوى أسباب الفتنة على "بني حنيفة" قتله "زيد بن الخطاب"، يوم اليمامة2.
وذكر "الطبري"، أن "مسيلمة" كان يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح، "وكان معه نهار الرجال بن عنفوة" وكان قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ القرآن، وفقه في الدين، فبعثه معلمًا لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، وليشدد من أمر المسلمين، فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة، شهد له أنه سمع محمدًا، صلى الله عليه وسلم، يقول: إنه قد أشرك معه، فصدقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه، فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئًا إلا تابعه عليه، وكان ينتهي إلى أمره3. وكان الذي يؤذن له: عبد الله بن النواحة، وكان الذي يُقيم له "حجير بن عمير"، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال: صرح حجير، فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم، فعظم وقاره في أنفسهم4 فجعل "الطبري" اسم مساعد" "مسيلمة" "نهار الرجال بن عنفوة" لا "الرحال بن عنفوة" "رحال بن عنفوة".
1 ابن سعد، طبقات "1/ 316 وما بعدها""وفد حنيفة" الطبري "3/ 137 وما بعدها""قدوم وفد بني حنيفة ومعهم مسيلمة".
2 الروض الأنف "2/ 340".
3 الطبري "3/ 282 وما بعدها".
4 الطبري "3/ 283".
كما في الموارد الأخرى. لكنه عاد فدعاه "الرجال"1 تارة و"رحال بن عنفوة" تارة أخرى، حينما تكلم عنه وعن نهايته. وذلك في أيام "أبي بكر" أي في حوادث السنة الحادية عشرة2. وأظن أن مرد هذا الاختلاف لا يعود إلى "الطبري" نفسه، بل إلى النساخ وإلى الطبع.
وقد أورد "الطبري" رواية أخرى في كيفية قدوم "مسيلمة بن حبيب" على رسول الله. فذكر "أن بني حنيفة أتت بمسيلمة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تستره بالثياب، ورسول الله جالس في أصحابه، ومعه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات، فلما انتهى إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك! ". ولم يشر "الطبري" إلى أسماء من جاء معه من وفد "بني حنيفة" وقد ذكر بعد هذه الرواية الرواية السابقة التي ذكرتها، دون أن يشير إلى أسماء رجال الوفد3.
ثم قال بعد ذلك: "ثم انصرفوا عن رسول الله وجاءوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله، فلما انتهى إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب لهم، وقال: إني قد أشركت في الأمر معه، وقال لوفده: ألم يقل لكم رسول الله حيث ذكرتموني: أما أنه ليس بشركم مكانًا! ما ذلك إلا لما كان يعلم أني قد أشركت معه، ثم جعل يسجع السجعات، ويقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحُبلي، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشي. ووضع عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، ونحو ذلك"4.
ولا يتفق ما ذكره "الطبري" من وضع "مسيلمة" الصلاة عن أتباعه، مع ما أورده هو من اتخاذه مؤذنًا يؤذن بين الناس، ومن اتخاذه "مقيمًا" يقيم له الصلاة ثم مع ما ذكره غيره من أنه قلص الصلوات الخمسة فجعلها ثلاثة صلوات في اليوم5. ولا يوجد دليل على تحليله الزنا والخمر.
وذكر أن "مسيلمة"، بعد أن عاد إلى قومه كتب كتابًا إلى الرسول فيه:
1 الطبري "3/ 287".
2 الطبري "3/ 281–301"، "ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة".
3 الطبري "3/ 137" زاد المعاد "3/ 31 وما بعدها".
4 الطبري "3/ 138"، زاد المعاد "3/ 31".
5 Shorter Ency، p. 416.
"من مسيلمة رسول الله على محمد رسول الله، أما بعد، فإني قد أشركت معك في الأمر، وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا قومًا يعتدون" فكتب إليه رسول الله: "بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد، فالسلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء والعاقبة للمتقين" وقدم بكتاب مسيلمة رجلان فسألهما رسول الله عنه فصدقاه، فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما1.
وتذكر رواية أخرى أن مسيلمة قال للرسول يوم وفد عليه مع من وفد من رجال "حنيفة""إن شئت خلينا لك الأمر وبايعناك على أنه لنا بعدك. فقال له رسول الله، صلى الله عليه وسلم: لا ولا نعمة عين ولكن الله قاتلك".
وتذكر رواية أخرى أن "هوذة بن علي الحنفي" صاحب اليمامة، قد كتب إلى النبي، أن يجعل له الأمر من بعده على أن يسلم ويصير إليه فينصره، فقال رسول الله: لا ولا كرامة الله اكفنيه، فمات بعد قليل2.
وروي أن رسول الله، بعث "حبيب بن زيد بن عاصم" أحد "بني النجار" و"عبد الله بن وهب الأسلمي" إلى مسيلمة، فلم يعرض لعبد الله، وقطع يدي حبيب ورجليه3.
وذكر أن رسولي مسيلمة اللذين حملا كتابه إلى الرسول، كانا "ابن الفواحة" و"ابن أثال"، وأنهما قالا لرسول الله: نشهد أن مسيلمة رسول الله. فقال الرسول: لو كنت قاتلًا رسولًا لقتلتكما. فعادا إلى صاحبهما4.
وذكر "الطبري" أن مسيلمة" "ضرب حرمًا باليمامة، فنهى عنه، وأخذ الناس به، فكان محرمًا، فوقع في ذلك الحرم قُرى الأحاليف، أفخاذ من بني أسيد، كانت دارهم باليمامة فصار مكان دارهم في الحرم". فصاروا يغيرون على ثمار أهل اليمامة، ويتخذون الحرم دغلًا، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم، وإن لم ينذورا بهم فذلك ما يريدون. "فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم، فقال: أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم، ثم قال لهم:
1 امتاع الأسماع "1/ 508 وما بعدها" اليعقوبي"1/ 120".
2 البلاذري، فتوح "97""اليمامة".
3 البلاذري، فتوح "102".
4 زاد المعاد "3/ 32".
والليل الأطحم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم فقالوا: أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة، وعادوا للعدوى. فقال: أنتظر الذي يأتيني، فقال: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس: فقالوا: أما النخل مرطبة فقد جدوها، وأما الجدران يابسة فقد هدموها، فقال اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم"1.
وقد أورد أهل الأخبار كلامًا زعموا أن "مسيلمة" نظمه مضاهاة للقرآن. من ذلك قوله: "يا ضفدع نقي كما تنقين! نصفك في الماء ونصفك في الطين! لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين"2. "وكان فيما يقرأ لهم فيهم: إن بني تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن"3. "وكان يقول: والشاة وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تمجعون". "وكان يقول: يا ضفدع ابنة ضفدع، نقي ما تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين". "وكان يقول: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والباغي فناوئوه"4. وذكر بعض أهل الأخبار أن "أبا بكر" لما سأل وفدًا من "بني حنيفة" أرسله "خالد" إليه عما كان يقوله لهم: "قالوا: كان يقول يا ضفدع نقي نقي، لا الشارب تمنعين، ولا الماء تكدرين، لنا نصف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشًا قوم يعتدون"5.
ويظهر من أسلوب هذه الآيات المنسوبة إلى "مسيلمة" أنها محاكاة ومضاهاة للآيات الأولى من القرآن الكريم، الآيات التي نزلت بمكة في عهد الرسالة الأولى.
1 الطبري "3/ 283".
2 الحيوان "5/ 530.
2 الطبري "3/ 283" وما بعدها".
4 الطبري "3/ 283 وما بعدها".
5 الطبري "3/ 300".
وهي بذلك تختلف عن أسلوب الوحي المنزل بعد الهجرة بالمدينة1. ولم نجد فيما بقي من كتب أهل الأخبار ما يشير بشيء إلى "قرآن مسيلمة" أو إلى بقية أخرى منه.
هذا ولا بد لي من التنبيه إلى أننا لا نستطيع التأكيد بأن ما نسب إلى مسيلمة من كلام هو حق وصحيح. فمن الجائز أن يكون قد وضع عليه وضعًا. وقد رأينا كيف أنهم اختلفوا في رواية "يا ضفدع" اختلافًا بينًا في ضبط العبارات
وكان الناس يقصدون "مسيلمة" ليسمعوا منه، بعد أن اشتهر أمره. وقد تمكن من التأثير في بعضهم. وكان ممن قصده "المتشمس بن معاوية"، عم "الأحنف بن قيس" الشهير. فلما خرج من عنده قال عنه إنه كذاب2. وقال عنه "الأحنف" وقد رآه أيضًا، وقد سئل كيف هو؟ ما هو بنبي صادق، ولا بمتنبئ حاذق3.
وذكر أهل الأخبار أن مسيلمة كان صاحب "نيرجات" وتمويه واحتيال يدعي المعجزات والآيات، وأنه أول من أدخل البيضة في القارورة، وأول من وصل جناح الطائر المقصوص، وكان يدعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب لبنها. وقد جربه قوم، فوجدوا آياته "منكوسة. تفل في بئر قوم سألوه ذلك تبركًا، فملح ماؤها. ومسح رأس صبي فقرع قرعًا فاحشًا، ودعا لرجل في ابنين له بالبركة، فرجع إلى منزله، فوجد أحدهما قد سقط في البئر والآخر قد أكله الذئب. ومسح على عيني رجل استشفى بمسحه فابيضت عيناه"4، ومسح وجه "أبا بصير"، وهو صبي من "بني يشكر بن وائل" وكانوا أتوا به "مسيلمة" فعمي، فكني "أبا بصير"، وكان يروى عنه5. وأتته امرأة من بني حنيفة، تكنى بأم الهيثم، "فقالت: إن نخلنا لسحق وإن آبارنا لجرز، فادع الله لمائنا ولنخلنا، كما دعا محمد لأهل هزمان"، فدعا بسجل، ودعا لهم فيه، ثم تمضمض بفمه منه، ثم مجه فيه، فانطلقوا به حتى فرغوه في تلك.
1 Shorter Ency، p. 416.
2 المعارف "424".
3 أمالي المرتضى "1/ 292".
4 الروض الأنف "2/ 340".
5 المعارف "454".
الآبار، ثم سقوه نخلهم، فغارت مياه تلك الآبار، وخوى نخلهم، وقد ذكر "الطبري" هذه الملاحظة:"وإنما استبان ذلك بعد مهلكه"1.
وروى الطبري"، أخبارًا أخرى من هذا النوع، ذكر أن "نهارًا" قال له: برك على مولودي بني حنيفة، فقال له: وما التبريك؟ قال: كان أهل الحجاز إذا ولد فيهم المولود أتوا به محمدًا فحنكه ومسح رأسه، فلم يؤت مسيلمة بصبي فحنكه ومسح راسه إلا قرع ولثغ. وذكر أن "نهارًا" قال له: توضأ واعطِ وضوءك إلى أصحاب الحيطان، أي البساتين كما يفعل محمد، فأعطى أحدهم وضوءه، فسقى به حائطه، فيبست أشجاره، وصارت الأرض يبابًا لا ينبت مرعاها. وأعطى "مسيلمة" رجلًا سجلًا من ماء، وكانت أرضه سبخة، فأفرغه في بئره فغرقت أرضه، فما جف ثراها، ولا أدرك ثمرها. وأتته امرأة فاستجلبته إلى نخل لها يدعو لها فيها فجزت كبائسها يوم عقرباء كلها2.
وقد عرف "مسيلمة" بين أتباعه بـ"رسول الله" وكانوا يتعصبون له، ويؤمنون به إيمانًا شديدًا. وذكر أن "طلحة النميري" جاء إلى اليمامة، فقال "أين مسيلمة"قالوا: إنه رسول الله! فقال: لا، حتى أراه، فلما جاءه قال: أنت مسيلمة؟ قال: نعم. قال: من يأتيك؟ قال: رحمن. قال: أفي نور أو في ظلمة؟ فقال: في ظلمة، فقال: أشهد أنك لكذاب وأن محمدًا صادق، ولكن كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر" أو "أنه قال كذاب ربيعة أحب إلي من كذاب مضر" فقتل معه "يوم عقرباء"3.
ويظهر من بعض ملاحظات "الطبري" عن هذه الأخبار، أنها إنما ظهرت وقيلت بعد هلاك "مسيلمة" فقد قال في موضع:"وكانوا قد علموا واستبان لهم، ولكن الشقاء غلب عليهم"4، وقال في موضع آخر:"وإنما استبان ذلك بعد مهلكه"، و"استبان ذلك بعد مهلكه"5. ولهذه الملاحظات أهمية كبيرة بالطبع في تقييم صدق هذه الروايات وصحتها، فالعادة أن من يفشل ويهلك.
1 الطبري "3/ 284 وما بعدها".
2 الطبري "3/ 285 وما بعدها".
3 الطبري "3/ 286".
4 الطبري "3/ 286".
5 الطبري "3/ 285".
لا سيما إذا كان قد نال حظًّا من المكانة والجاه والاسم، يحمل عليه كثيرًا، ولا يتورع حتى أصحابه ومن كان يؤمن به من الدس عليه.
واتخذ "مسيلمة" مؤذنًا يؤذن له في أتباعه اسمه "حجير". "وكان أول ما أمر أن يذكر مسيلمة في الأذان، توقف. فقال له محكم بن الطفيل: صرح حجير، فذهبت مثلًا". وكان "محكم بن طفيل الحنفي" صاحب حربه ومدبر أمره، وكان أشرف منه في حنيفة"1. وذكر "الطبري" أن الذي كان يؤذن له "عبد الله بن النواحة"، وكان الذي يقيم له حُجير بن عمير، ويشهد له. وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال صرح حجير، فيزيد في صوته ويبالغ لتصديق نفسه2. وذكر أن مؤذنه "حجير"، كان إذا أذن يقول أشهد أن مسيلمة يزعم أنه رسول الله، فيقول مسيلمة له: أفصح حجير، فذهبت مثلًا3.
ورووا أنه تزوج "سجاح" التي تنبأت، وهي تميمة من" بني يربوع"، وكان يقال لها "صادر" وكان لها مؤذن، يقال له "زهير بن عمرو"، من "بني سليط بن يربوع"، ويقال إن "شبث بن ربعي" أذَّن لها4.
وذكروا أنها كانت كاهنة زمانها، تزعم أن رئيها ورئى سطيح واحد، ثم جعلت ذلك الرئي ملكًا حتى ادعت النبوة، فاختلفت مع "مسيلمة" وكذبته وجحدت نبوته، فلما اتصلت به وتزوجته، وهبت نفسها له. فقال لها فيما زعموا:
ألا قومي إلى المخدع
…
فقد هيى لك المضجع
فإن شئت سلقناك
…
وإن شئت على أربع
وإن شئت بثلثيه
…
وإن شئت به أجمع
فقالت بل به أجمع. فجرى المثل بلغمتها حتى قيل أغلم من سجاح5.
1 الروض الأنف "2/ 340 وما بعدها".
2 الطبري "3/ 283".
3 البلاذري، فتوح "100".
4 المعارف "405".
5 ثمار القلوب "315" وما بعدها".
وفيها قال قيس بن عاصم، وقيل عطارد بن حاجب بن زرارة:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها
…
وأصبحت أنبياء الله ذكرانا
يا لعنة الله والأقوام كلهم
…
على سجاح ومن بالإفك أغرانا
أعني مسيلمة الكذاب لا سقيت
…
أصداؤه ماء مزن حيثما كانا1
ولما قتل "مسيلمة" رثاه بعض شعراء بني حنيفة بقوله:
لهفي عليك أبا ثمامة
…
لهفي على ركني تهامة
كم آية لك فيهم
كالشمس تطلع من غمامة2
…
قتله "وحشي" قاتل حمزة3
وذكر أهل الأخبار أن "مسيلمة" كان قد تزوج "كبشة بنت الحارث بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس"4 كيسة بنت الحارث بن كريز بن حبيب بن عبد شمس"5، ثم تركها فخلف عليها""عبد الله بن عامر بن كريز"، فولدت له. ويظهر أنها لم تلد من "مسيلمة".
والذي يقرأ ما ذكره "الطبري" عن "مسيلمة" وعن صلة "نهار" به، يخرج بصورة تظهره شخصًا جاهلًا بليدًا، يحركه ويوجهه "نهار" حيث يريد، لا يفهم ولا يعقل، ولا يعرف كيف يتصرف، ولا يتخذ رأيًا حتى يشير عليه "نهار" به "فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئًا إلا تابعه عليه"6.
وهي صورة تخالف ما نقرؤه عنه في الموارد الأخرى. ولو كان "مسيلمة" على نحو ما صوره الطبري، لما التفت حوله "بنو حنيفة" ولما استماتوا في الدفاع عنه. ولما ضحى "الرحال بن عنفوة" و"محكم بن الطفيل" وغيرهما بأنفسهم
1 ثمار القلوب "315"، المعارف "405".
2 المعارف "405""كم آية لأبيهم" الحيوان 4/ 378".
3 رسائل الجاحظ "1/ 180" الطبري "3 / 294 وما بعدها"
4 كتاب نسب قريش "20".
5 الروض الأنف "2/ 198، 341"، "كيسة بنت الحارث بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس"، المحبر "440" امتاع الأسماع "247" كتاب نسب قريش "147".
6 الطبري "3/ 283".
في الدفاع عنه. حتى إن منهم من بقي مؤمنًا به حتى بعد مقتله، وتغلب المسلمين على اليمامة.
وقد كتب الجاحظ قصة مسيلمة وقصة "ابن النواحة" ولعله قصد به "عبد الله بن النواحة" مؤذنه، في كتابه المفقود حتى اليوم "فصل ما بين النبي والمتنبي" حيث ذكر جميع المتنبين1. وذكر "البلاذري" أن "مسيلمة"، كان قد أرسل كتابه الذي كان وجهه إلى الرسول والذي فيه "من مسيلمة رسول الله، إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشًا لا ينصفون، والسلام عليك. وكتب "عمرو بن الجارود الحنفي"، مع "عبادة بن الحارث" أحد بني عامر بن حنيفة، وهو "ابن النواحة" الذي قتله عبد الله بن مسعود بالكوفة2.
وكان "مسيلمة" قد أمر "عمرو بن الجارود الحنفي" بتدوين كتابه الذي وجهه إلى الرسول، فأمر الرسول كاتبه "أبي بن كعب" بالرد عليه. ومعنى هذا أن مسيلمة كان قد اتخذ له كتبه يكتبون له رسائله، على نحو ما كان لرسول الله.
وأنا لا أستبعد احتمال علم "مسيلمة" بالكتابة والقراءة. وإن لم ينص أهل الأخبار على ذلك. كما لا أستبعد احتمال التقائه باليهود وبالنصارى وأخذه منهم، فقد كان في اليمامة قوم من أهل الكتاب، ودعوته إلى عبادة إله هو "الرحمن"، تدل على تأثره بأتباع هذه الديانة وبأهل الكتاب.
هذا ولم أجد في الأخبار المتعلقة بمسيلمة خبرًا يفيد صراحة أن مسيلمة كان قد اعتنق الإسلام ودخل فيه. فالأخبار التي تتحدث عن مجيئه إلى يثرب لا تشير إلى ذلك، والأخبار الأخرى التي تتحدث عنه وهو في اليمامة لا تشير على قبوله الإسلام كذلك، بل نجد فيها كلها أنه ظل يرى نفسه نبيًّا مرسلًا من "الرحمن" وصاحب رسالة، لذلك فليس من الصواب أن نقول:"ردة مسيلمة"، أو "ارتداد مسيلمة"، أو نحو ذلك؛ لأنه لم يعتنق الإسلام ثم ارتد عنه، حتى ننعته بالمرتد.
1 الحيوان "4/ 378".
2 البلاذري، فتوح "97".
وكان "مجاعة بن مرارة" الذي نزل عليه مسيلمة" من رؤساء "بني حنيفة" وممن وفد على الرسول، فأعطاه النبي أرضًا باليمامة يقال لها "الغورة" وكتب له بذلك كتابًا. وذكر بعض أهل الأخبار أنه كان بليغًا حكيمًا وقد أسر "يوم اليمامة" فتوسط له بعض وجوه "بني حنيفة" لدى خالد أن يبقيه، فأرسله إلى "أبي بكر" فصفح عنه. وقد كان قد انجرف مع من انجرف فمال إلى "مسيلمة" وأيده، وحارب معه. وله شعر أشار فيه إلى مسيلمة1، ونعته فيه بـ"الكذاب". ولما وفد على "أبي بكر" أقطعه "الخضرمة"، ثم قدم على عمر، فأقطعه الرياء، ثم قدم على عثمان، فأقطعه قطيعة أخرى2.
وأما "الرحال بن عنفوة""رحال بن عنفوة" فهو "نهار الرجال بن عنفوة" الرجال بن عنفوة" في تأريخ الطبري3. وهو من وجوه "بني حنيفة" واسمه "نهار"، وكان في الوفد الذي جاء إلى الرسول، وقد اختلف إلى "أبي بن كعب" ليتعلم منه القرآن. وكان رئيس وفد "حنيفة" "سلمى بن حنظلة"4 وقد تعلم سورة البقرة وسورًا من القرآن5. وذكر أنه كان على غاية من الخشوع واللزوم لقراءة القرآن والخير، ثم انقلب على عقبيه وصار من أشد أعوان مسيلمة المقربين له، فشهد له أن الرسول أشركه معه في الأمر. وكان أحد وفد "بني حنيفة" إلى رسول الله، وفيهم "فرات بن حيان"6.
وأما "محكم بن طفيل بن سبيع" الحنفي، فقد كان من أشراف وسادات
1 قال مجاعة:
أترى خالدا يقتلنا اليو
…
م بذنب الأصيفر الكذاب
لم ندع ملة النبي ولا نحـ
…
ـن رجعنا فيها على الأعقاب
"الأصغر" الإصابة "3/ 342""رقم 7724" الحيوان "4/ 371""حاشية" المرزباني، معجم "472" الجاحظ، البيان "3/ 263""مجاعة بن مرارة بن سلمى بن زيد بن عبد بن ثعلبة بن يربوع بن الدول بن حنيفة"، كتاب الطبقات، لخليفة بن خياط "66، 289".
2 البلاذري، فتوح "103".
3 طبعة "دار المعارف" بتحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
4 ابن سعد، طبقات "1/ 316"، "وفد حنيفة" الروض الأنف "2/ 340".
5 البلاذري، فتوح "97".
6 الإصابة "10/ 521"، "رقم 2761".
"بني حنيفة". وهو أشرف من مسيلمة في حنيفة1. وكان من المقدمين عند مسيلمة. وقد عهد "مسيلمة" إليه قيادة إحدى المجنبتين في قتاله مع "خالد بن الوليد". وقد عرف بـ"محكم اليمامة" وقد قتل وهو يحارب المسلمين2. "قتله خالد بن الوليد يوم مسيلمة"3.
وأما فرات بن حيان بن ثعلبة بن عبد العزى بن حبيب" العجلي، فكان عينًا لأبي سفيان في حروبه، وكان ممن هجا الرسول، ثم أسلم ومدحه، وأقطعه الرسول أرضًا باليمامة، ثم سكن الكوفة وأقام بها. وكان في حرب الخندق عينًا للمشركين4.
وأما أثال بن النعمان الحنفي، فكان مع "فرات بن حيان" حين قدم المدينة وقد كلم الرسول. وذكر في رواية أنه كان مع ثمامة بن أثال في قتال مسيلمة في الردة5.
وكان "ثمامة بن أثال بن النعمان بن سلمة الحنفي"، من قدماء من أسلم من أهل اليمامة. فقد أرسل رسول الله خيلًا قبل نجد، فجاءت به، فربطوه بسارية من سواري المسجد بيثرب، فكلمه الرسول، ثم أمر فأطرق من رباطه، فدخل في الإسلام، وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: صبوت! قال: لا والله ولكن أسلمت مع محمد رسول الله ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي. ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئًا. فكتبوا إلى النبي: إنك تأمر بصلة الرحم، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم6. وكانت ميرة قريش من اليمامة ومنافعهم منها، وكانت ريف مكة. ولما ارتد أهل اليمامة، وصاروا مع مسيلمة، ثبت أثال على الإسلام فكان مقيمًا باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه، فلما عصوه وأصفقوا على اتباع مسيلمة، عزم على مفارقتهم، ففارقهم ولحق بالعلاء بن الحضرمي في مقاتلة.
1 الروض الأنف "2/ 341".
2 الطبري "3/ 290"، الاشتقاق "210" تاج العروس "8/ 254"، "حكم".
3 اللسان "12/ 142""حكم" تاج العروس "8/ 254"، "حكم".
4 الإصابة "3/ 195""رقم 6966".
5 الإصابة "1/ 33"، "رقم 35".
6 إرشاد الساري "6/ 432 وما بعدها".
المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم:"الحطم" فرآها عليه ناس من "بني قيس بن ثعلبة" فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه فقتلوه. وقد رووا له شعرًا في الرسول وفي الردة1. وكان له عم اسمه" عامر بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي" وقد كان مسلمًا2.
وجاء في رواية أن رسول الله لما بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي في رجب سنة تسع، فأسلم المنذر ورجع العلاء، فمر باليمامة، قال له ثمامة بن أثال: أنت رسول محمد؟ قال: نعم. قال: لا تصل إليه أبدًا، فقال له عمه: عامر بن سلمة بن عبيد بن ثعلبة الحنفي: ما لك وللرجل، فأسلم عامر، ووقع ثمامة بعد ذلك في الأسر3.
وكان "معمر بن كلاب الرماني"، جارًا لثمامة بن أثال، وهو ممن وعظ مسيلمة وبني حنيفة ونهاهم عن الردة، فلما عصوه تحول إلى المدينة فمنعه ثمامة حتى رده وشهد قتال اليمامة مع خالد4.
و"الحطم" المذكور، هو "الحطم بن هند" البكري، أحد "بني قيس بن ثعلبة"، قدم المدينة في رواية في عير له يحمل طعامًا فباعه، ثم دخل على النبي، فبايعه وأسلم، فلما قدم اليمامة، ارتد عن الاسلام، وخرج في عبر له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، وكان عظيم التجارة، وأراد المسلمون أن يتلقوه ويأخذوا ما معه، فمنعهم الرسول من ذلك لحرمة الشهر. وذكر أنه بعد أن قابل الرسول، وسمع منه مبادئ الإسلام. قال الحطم: في أمرك هذا غلظة، أرجع إلى قومي، فأذكر لهم ما ذكرت، فإن قبلوه أقبلت معهم، وإن أدبروا أدبرت معهم. قال له: ارجع. فلما رجع مر بسرح من سرح المدينة، فساقه فانطلق به5.
وذكر أن "الحطم" قتل في الجيار، من نواحي البحرين لما ارتدت بكر بن وائل6.
1 الإصابة "1/ 204"، "رقم 961"، الاستيعاب "1/ 205 وما بعدها"، "حاشية على الإصابة" تاج العروس "7/ 203"، "أثل".
2 الإصابة "2/ 241"، "رقم 4390".
3 الإصابة "2/ 241""رقم 4390".
4 الإصابة "3/ 475"، "8452".
5 تفسير الطبري" 6/ 38".
6 تاج العروس "3/ 116"، "جير".
هذا هو كل ما ورد إلى علمنا عن الأنبياء العرب في الجاهلية. وقد حصلنا عليه من المؤلفات الإسلامية. أما نصوص جاهلية، فيها شيء عن النبوة والأنبياء، فلم يصل إلينا منها أي شيء.
يقول "أبو العلاء المعري" عن ادعاء بعض الناس بالأمامة والنبوة في الإسلام: "ولم تكن العرب في الجاهلية تقدم على هذه العظائم، والأمور غير النظائم، بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء، وما سلف من كتب القدماء. إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي، وينظرون إلى من زعم ذلك بعين الغبي"1. فهو ينكر وجود نبوة وأنبياء عند الجاهليين للسبب المذكور. وهو يقصد ولا شك بها، النبوة على وفق المعنى المفهوم منها في الإسلام. أي أن تكون بوحي ينزل على النبي من الإسلام، وبكلام منزل يتلوه على الناس، يكون كلام الله لا كلام النبي.
1 رسالة الغفران "440"، "بنت الشاطئ".
الفصل الرابع والستون: الله ومصير الإنسان
مدخل
…
الفصل الرابع والستون: الله ومصير الإنسان
لا نعرف رأي الجاهليين في الخلق، وفي كيفية نشوء هذا الكون؛ إذ لم تصل إلينا نصوص جاهلية في هذا المعنى. ولا بد أن يكون لهم كما كان لغيرهم رأي في الخلق وفي نشوء الكون. فموضوع نشوء الكون وظهوره، من الموضوعات التي تثير رأي كل إنسان مهما كانت ثقافته وكان تفكيره.
وفي القرآن الكريم كلمات مثل "البارئ" و"المصور" و"الخلاق" و"خلقنا" و"خلقت" و"خلقناكم" و"خالق" وغيرها مما له علاقة بخلق الكون والإنسان وبقية المخلوقات، وفيه كيفية خلق الله للكون ومن فيه وكيفية خلق الإنسان ومن أي شيء خلق. ولكن هل كان يعرف جميع الجاهليين هذا المعنى المنزل في كلام الله، وهل نزلت هذه الآيات لإرشاد الناس إلى ذلك، أو أنها نزلت لتذكير القوم ولفت نظرهم إلى شيء يعلمونه ولكنهم كانوا ينسبونه لغير الله أو يتجاهلونه، إن كان ذلك على سبيل التذكير، فمعنى هذا أن لأهل الجاهلية رأيًا في كيفية الخلق، وإن كان ذلك على سبيل التعليم والإرشاد، فإنه يدل على أن من خوطب بتلك الآيات لم يكن له فقه وعلم بما خوطب به.
وفي القرآن الكريم آيات فيها خطاب للمشركين في بيان فساد رأيهم واعتقاداتهم، وفيها رد عليهم، منها نستطيع أن نحيط بعض الإحاطة بآرائهم في الوجود وفي البعث والحشر والحساب وغير ذلك من أمور تتعلق بدياناتهم. وهذه الآيات هي
الشواهد الوحيدة التي نملكها من آراء في ذلك العهد أما ما جاء في روايات الأخباريين وفي كتب التفسير والحديث والملل والنحل، ففيه بعض الشيء عن آراء الجاهليين القريبين من الإسلام، ولا سيما عرب مكة ويثرب عن تلك الأمور.
ويفهم من القرآن الكريم أن من الجاهليين من كان يعتقد أن للعالم خالقًا خلق الكون وسواه، وأن منهم من كان يعتقد بوجود إله واحد فهم موحدون، وأن منهم من أقر بوجود إله واحد غير أنه تعذر الوصول إليه بغير وسطاء وشفعاء فاعتقد بالأرواح وبالجن وعبد الأصنام لتكون واسطة تقربه إلى الله1.
أما كيف خلق الله الأرض والسماوات وكيف نشأ الكون، فذلك ما لم يتعرض له القرآن الكريم حكاية على لسان الجاهليين. ولذلك لا نعرف رأي أولئك القوم الذين عاصروا الرسول وعاشوا قبيل الإسلام في كيفية ظهور الوجود وخلق الكون.
ويفهم من بعض الأخباريين أن من الجاهليين من كان يرى أن خالقًا خلق الأفلاك، غير أنها تحركت أعظم حركة فدارت عليه وأحرقته؛ لأنه لم يقدر على ضبطها وإمساك حركتها، وأن منهم من كان يقول:"إن الأشياء ليس لها أول البتة، وإنما تخرج من القوة إلى الفعل. فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل، تكونت الأشياء مركباتها وبسائطها من ذاتها لا من شيء آخر. وقالوا إن العالم لم يزل ولا يزال ولا يتغير ولا يضمحل مع فعله. وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي فيه"2. وهذا كلام إن صح أنه من كلام الجاهليين ومن مقالاتهم، فإنه يدل على تعمق القوم في المقالات، وعلى أن لهم رأيًا وفلسفة في الدين، وأنهم لم يكونوا على الصورة التي يتخيلها معظمنا عنهم، وهي الصورة التي رسمها لهم أهل الأخبار في أثناء كلامهم العام عن الجاهليين.
1 بلوغ الأرب "2/ 194 وما بعدها".
2 بلوغ الأرب "2/ 220 وما بعدها".
الله الخالق:
ويظهر من القرآن الكريم، أن قريشًا كانوا يؤمنون بإله واحد خلق الكون، وهو رب السماوات والأرض. ففي سورة العنكبوت: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} 1. وفي هذه السورة نفسها سؤال آخر موجه إلى المشركين {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} 2. وفي سورة لقمان سؤال آخر موجه إلى أولئك المشركين، وجواب صادر منهم، هو هذا الجواب نفسه: إقرار بوجود خالق واحد خلق السماوات والأرض: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ} 3. وفي سورة الزخرف: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} 4. وفي سورة الزمر: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه} 5، وفي سورة الزخرف أيضًا:{وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} 6، وفي سورة العنكبوت {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} 7. وهناك آيات أخرى على هذا النحو، فيها أسئلة موجهة إلى المشركين عن خلق السماوات والأرض، وأجوبة على ألسنتهم فيها اعتراف بأن خالقها وصانعها هو الله.
وفي القرآن الكريم أيضًا أن قريشًا كانت تعتقد أن الله هو الذي ينزل المطر ويحيي الأرض بعد موتها8، وفيه أنهم كانوا يقسمون به9، وأنهم كانوا قد جعلوا له نصيبًا مما ذرأ من الحرث والأنعام10، وأنهم كانوا يقولون إن الله هو الذي شاء فجعلهم وآباءهم مشركين، وأنه لو لم يشأ لما أشركوا بعبادته أحدًا11، وأنهم كانوا يتضرعون إليه ويستغيثون به في الكوارث والملمات، وأنهم جعلوا له
1 سورة العنكبوت، الرقم 29، الآية 61.
2 العنكبوت، الآية 63.
3 سورة لقمان، الرقم 31، الآية 25.
4 الزخرف، الرقم 43، الآية 9.
5 الزمر، الرقم 39، الآية 38.
6 الزخرف، الرقم 43، الآية 87.
7 العنكبوت، الرقم 29، الآية 63.
8 العنكبوت، الآية 63.
9 الأنعام، الآية 109، النحل، الآية 38.
10 الأنعام، الآية 136.
11 الأنعام، الآية 148.
بناتًا وبنين وشركاء الجن1. فقريش إذن وفق هذه الآيات قوم، كانوا يؤمنون بإله عزيز عليهم، ومن آيات ذلك أنهم جعلوا له نصيبًا في أموالهم، مع أن المال من أعز الأشياء على الإنسان، لا سيما بالنسبة لتلك الأيام.
وفي تلبية الجاهليين المنصوص عليها في كتب أهل الأخبار اعتراف صريح واضح بوجود إله. كانوا يلبون بقولهم: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك. تملكه وما ملك، يعنون بالشريك الصنم، يريدون أن الصنم وما يملكه ويختص به من الآلات التي تكون عنده وحوله والنذور التي كانوا يتقربون بها إليه كلها ملك لله عز وجل"2 فذلك معنى قولهم: تملكه وما ملك. فهم يعترفون ويقرون بوجود الله، لكنهم يتقربون إليه بالأصنام. وهذا هو الشرك.
وفي دعاء العرب اعتراف بوجود "الله"، فقولهم:"رماه الله بما يقبض عصبه"، و"قمقم الله عصبه"، و"لا ترك الله له هاربًا ولا قاربًا"، و"شتت الله شعبه"، و"مسح الله فاه"، و"رماه الله بالذبحة"، و"رماه الله بالطسأة"، و"سقاه الله الذيغان"، و"جعل الله رزقه فوت فمه"، و"رماه في نيطه"، و"قطع الله به السبب"، و"قطع الله لهجته"، و"مد الله أثره"، و"جعل الله عليها راكبًا قليل الحداجة"، و"لا أهدى الله له عافية"، و"أثل الله ثلله"، و"حته الله حت البرمة"، و"رماه الله بالطلاطلة"، و"رماه الله بالقصمل"، و"ألزق الله به الحوبة"، و"لحاه الله كما يُلحى العود"، و"اقتثمه الله إليه"، و"ابتاضه الله"، إلى آخر ذلك من دعاء يدل على وجود إيمان بخالق هو الله3.
وفي الشعر المنسوب إلى الجاهليين اعتقاد بوجود الله، واتقاء منه، وتقرب إليه باحترام الجوار وقرى الضيف. هذا عمرو بن شأس يقول في شعره:
1 الأنعام، الآية 100.
2 اللسان "10/ 450"، "شرك".
3 راجع بقيته في ذيل الأمالي والنوادر "ص57 وما بعدها"، "عود إلى بحث دعاء العرب".
وَلَولا اِتقاءُ اللَهِ وَالعَهدُ قَد رَأى
…
مَنِيَّتَهُ مِنّي أَبوكِ اللَيالِيا1
فلولا اتقاء شأس الله، لفتك بخصمه، وجعله من الهالكين. وفي بعضه اعتراف بأن هذه الأرض الواسعة هي "بلاد الله"، أينما حللت فيها فهي أرضه وبلاده2. وهذه نظرة مهمة جدًّا عن رأي الجاهليين في الله وفي الأرض، إن صح أن هذا الشعر الوارد فيه حقًّا من شعر أهل الجاهلية.
و"الله" كما جاء في شعر زهير بن أبي سُلمى، عالم بكل شيء، عارف بالخفايا وبالأسرار، وبما ظهر من الأعمال وما بطن1.
فَلا تَكتُمُنَّ اللَهَ ما في نُفوسِكُم
…
لِيَخفى وَمَهما يُكتَمِ اللَهُ يَعلَم3
وهو عدو للأشقياء شديد عليهم، لا يرحم ظالمًا، وأمره بُلْغٌ به تشقى به الأشقياء4 وهو يثيب على الإحسان، ويجزي المحسن على جميل إحسانه5. وهو الذي يعصم من السيئات والعثرات6. وهو مقر بوجود يوم حساب يحاسب فيه الناس على ما قاموا به من أعمال، وقد ينتقم الله من الظالم في الدنيا قبل الآخرة، فلا مخلص له7.
1 الأغاني "10/ 62"، نسب عمرو بن شأس وأخباره في هذا الشعر وغيره.
بدا لي أن الله حق فزادني
…
إلى الحق تقوى الله ما قد بدا ليا
شرح ديوان زهير "287".
2
فسر في بلاد الله والتمس الغنى
…
تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
ديوان عروة "51".
3 شرح ديوان زهير "18".
4
فهداهم بالأسودين وأمر
…
الله بلغ يشقى به الأشقياء
اللسان "10/ 302"، "بلغ".
فهداهم بالأسودين وأمر
…
الله بلغ تشقى به الاشقياء
تاج العروس "6/ 4"، "بلغ".
5
رأى الله بالإحسان ما فعلا بكم
…
فأبلاهما خير البلاد الذي يبلو
شرح ديوان زهير "109".
6
ومن ضريبته التقوى ويعصمه
…
من سيئ العثرات الله والمرحم
شرح ديوان زهير "ص162".
7
فلا تكتمن الله ما في صدوركم
…
ليخفى ومهما يكتم الله يعلم
يؤخر فيودع في كتاب فيدخر
…
ليوم الحساب أو يعجل فينقم
شرح ديوان زهير، لثعلب "ص12" بلوغ الأرب "2/ 277 وما بعدها" شعراء النصرانية "القسم الرابع ص518"، جمهرة أشعار العرب "71".
والله "كريم" لا يكدر نعمة، إذا دُعي أجاب. وهذا هو رأي الأعشى في الرب، إذ يقول:
رَبّي كَريمٌ لا يُكَدِّرُ نِعمَةً
…
وَإِذا يُناشَدُ بِالمَهارِقِ أَنشَدا1
وقد ورد اسم الجلالة في أشعار كثير من الشعراء الجاهليين: ورد في شعر امرئ القيس وغيره، فامرؤ القيس يقول:"من الله" و"لله"2، و"تالله"3، و"قبح الله"4، و"والله"5، و"يمين الله" و"يمين الإله"6، و"الإله" هي "الله"، و"الحمد لله"7. ونرى العرب عامة تستعمل في كلامها:"لله دره"8، و"لا يبعد الله"9، و"لحى الله"10،
1 ديوان الأعشى، قصيدة 34 "ص151"، "تحقيق كاير".
2
فاليوم أشرب غير مستحقب
…
إثمًا من الله ولا واغل
لله زبدان أمسى قرقرا جلدا
…
وكان من جندك أصم منضودا
شرح ديوان امرئ القيس للسندوبي "ص63، 152"، وسيكون رمزه: سندوبي.
3
تالله قد علمت قيس إذا قذفت
…
ريح الشتاء بيوت الحي بالعنن
شرح ديوان زهير "121".
يا لهف هند إذ خطئن كاهلا
…
تا لله لا يذهب شيخي باطلا
سندوبي "154".
4
ألا قبح الله البراجم كلها
…
وجدع يربوعا وعفر دارها
سندوبي "180".
5
فقد أصبحوا والله أصفاهم به
…
أبر بميثاق وأوفى بجيران
والله لا يذهب شيخي باطلا
…
حتى أبير مالكًا وكاهنا
سندوبي "15، 189"، شرح ديوان زهير "24".
6
كلا يمين الإله يجمعنا
…
شيء وأخوالنا بنو جشما
سندوبي "181".
7
أري إبلي والحمد لله أصبحت
…
ثقالًا إذا ما استقبلتها صعودها
سندوبي "64".
8
كم شامت بي إن هلكـ
…
ـت وقائل: لله دره!
ديوان لبيد "ص2"، "تحقيق كارل بروكلمن".
9
وقولي ألا لا يعبد الله أربدا
…
وهدى به صدع الفؤاد المفجعا
ديوان لبيد "ص6".
10
لحى الله صعلوكًا إذا جن ليله
…
مصافي المشاش آلفا كل مجزر
ولله صعلوك صفيحة وجهه
…
كضوء شهاب القابس المتنور
ديوان عروة بن الورد "26، 53".
و"جزى الله"1، و"عمر الله"2، وأمثال ذلك مما يرد في أشعار الشعراء الجاهليين، يخرجنا تدوينه وحصره في هذا المكان عن حدود الموضوع.
وقد جاءت لفظة الجلالة في أيمان أخرى، في مثل:"لعمر الله"، و"ها لعمر الله" كالذي ورد في شعر زهير:
تَعَلَّمَن ها لَعَمرُ اللَهِ ذا قَسَمًا
…
فَاِقدِر بِذَرعِكَ وَاِنظُر أَينَ تَنسَلِكُ3
وورد "ها الله" و"والله" و"الله" و"نعم الله" و"أي والله لأفعلن"، و"ايم الله" و"ايمن الله" و"يعلم الله" و"علم الله" وأمثال ذلك4.
ومن أيمانهم الدالة على الاعتقاد بوجود خالق، قولهم:"لا وبارئ الخلق"، و"لا والذي يراني من حيث ما نظر" و"لا والذي نادى الحجيج له"، و"لا والذي يراني ولا أراه"، و"لا والذي كل الشعوب تدينه"، و"حرام الله لا آتيك"، و"يمين الله لا آتيك"، و"لا والذي جلد الإبل جلودها"، و"والذي وجهي زمم بيته"، و"لا والذي هو أقرب إليَّ من حبل الوريد"، و"لا ومقطع القطر"، و"لا وفالق الإصباح"، و" لا ومهب الرياح" و"لا ومنشر الأرواح"5، على غير ذلك من أيمان حلفوا بها، تدل على إيمان وعقيدة بوجود خالق، فحلفوا به.
ونجد في معلقة امرئ القيس قسمًا بالله حكي على لسان صاحبة صاحب المعلقة:
فَقالَت يَمينَ اللَهِ ما لَكَ حيلَةٌ
…
وَما إِن أَرى عَنكَ الغِوايَةَ تَنجَلي6
وترى في بيت لامرئ القيس وهو يذكر إقدامه على الشرب:
فَاليَومَ أُسقى غَيرَ مُستَحقِبٍ
…
إِثمًا مِنَ اللَهِ وَلا واغِلِ7
1
جزى الله خيرًا كما ذكر اسمه
…
أبا مالك إن ذلك الحي اصعدوا
ديوان عروة "ص50".
2
قعيدك عمر الله، هل تعلمينني
…
كريمًا إذا اسوَدَّ الأنامل أزهرا
ديوان عروة بن الورد "22"، Reste، s. 224
3 السنن الكبرى "10/ 26 وما بعدها"، المخصص "13/ 113".
4 المخصص "13/ 114 وما بعدها"
5 ذيل الأمالي "ص50 وما بعدها".
6 المعلقات العشر وأخبار شعرائها "62".
7 شعراء النصرانية "19".
فالرجل مؤمن بالله، وقد وفى بما عاهد الله عليه، وهو لا يخشى بعد ذلك إثمًا إذا شرب؛ لأنه وفى بنذره.
ونراه يذكر الله أيضًا في هذا البيت:
لله زبدان أمسى قرقرًا جلدًا
…
وكان من جندل أصم منضودا1
ثم نراه يشكر الله بجملة: "والحمد لله" في هذا البيت:
أرى إبلي والحمد لله أصبحت
…
ثقالًا إذا ما استقبلتها صعودها
ونراه يحث الناس على التمسك بحبل الله، فبالله يكون النجاح، ويحث الناس على عمل البر، والبر خير حقيبة الرجل:
وَاللَه أَنجَحُ ما طَلَبتُ بِهِ
…
وَالبِرُّ خَيرُ حَقيبَةِ الرَحلِ
ونفهم من هذه الأبيات ومن أبيات أخرى، أن امرأ القيس رجل مؤمن يعتقد بالله الواحد، مؤمن بالله الواحد، مؤمن بالثواب وبالعقاب، وأنه كان يخاف الله ويخشى الإثم والفسوق، ولا أدرى أينطبق هذا الذي نقوله على امرئ القيس الذي يتحدث عنه أهل الأخبار ويصفونه بأنه رجل عابس ميال إلى اللهو والشهوات رمى صنمه بسهم وأنبه لما جاء الجواب بخلاف ما كان يرغب فيه ويشتهيه. ثم لا أدرى إذا كان أسلوب هذا الشعر من أسلوب الشعر الجاهلي وطرازه؟ وإذا كان هذا الشعر صحيحًا، فلم أدخل رواته شاعره في الجاهليين الوثنيين ولم يدخلوه في عداد المؤمنين بالله من الأحناف؟
وإذا اعتقدنا بصحة الأبيات المنسوبة إلى عبيد بن الأبرص:
من يسأل الناس يحرموه
…
وسائل الله لا يخيب
بالله يدرك كل خير
…
والقول في بعضه تلغيب
والله ليس له شريك
…
علام ما أخفت القلوب
وقلنا مع القائلين إنها من شعر ذلك الشاعر حقًّا، وجب عده إذن في جملة
1 شعراء النصرانية "40".
الموحدين المؤمنين المسلمين، وإن عاش قبل الإسلام. فرجل يقول هذا القول، لا يمكن إلا أن يكون مسلمًا مؤمنًا بالله الواحد الأحد علام الغيوب والعارف بما في القلوب، ومن الممهدين للتوحيد بين العرب قبل الإسلام.
وقد أهمل بعض رواة هذه المعلقة البيت الآتي:
والله ليس له شريك
…
علام ما أخفت القلوب
وكأنهم فطنوا إلى أن من غير المعقول نسبته إلى رجل وثني، مهما كان رأيه في الأوثان والتوحيد، لا يمكن أن يستعمل هذه الألفاظ التي لم يستعملها العرب بهذا الشكل إلا في الإسلام.
وإلى عبيد نفسه ينسب الأخباريون قول هذا البيت:
حلفت بالله إن الله ذو نعم
…
لمن يشاء ذو عفو وتصفاح
ورجل يقول هذه الأبيات وأبياتًا أخرى من لونها، لا يمكن إلا أن يكون موحدًا مؤمنًا، من فصيلة المؤمنين بالله من الأحناف. وقد أراح "شيخو" نفسه وأراح الناس حين ذهب إلى أن عبيدًا وأمثاله من الشعراء الجاهليين كانوا نصارى وأن هذا التوحيد هو توحيد نصراني محض، وقف عليه عبيد في زيارته للحيرة مهد النصرانية في ذلك العهد، فاعتنقه، فهو على رأيه إذن شاعر نصراني، وشعره شعر نصراني لا يرد ولا يرفض.
ونجد "طفيل بن عوف" الغنوي يقسم بـ"الإله" في شعره. غير أن هناك رواية تضع "رضى" موضع "الإله" فيكون القسم به، ورضى اسم صنم كان لطيء1. وقد ذكر "الله"في مواضع أخرى من شعره، وقال إنه هو الذي يصلح الأمور، ويسد العجز والثُغر التي ليس في وسع الإنسان سدها2.
1
"فقال بصير يستبين رعالها
…
هم والإله من تخافين، فاذهبي
ويُروى، ولعلها رواية أبي عبيدة:
وقال بصير قد أبان رعالها
…
فهي ورضى من تخافين، فاذهبي
ورضى اسم صنم كان لطيء، ديوان طفيل بن عوف الغنوي "تحقيق ف. كرنكو"
"لندن 1927"، "ص12".
2
لعمري لقد خلى ابن جيدع ثلمة
…
فمن أين إن لم يرأب الله ترأب
ديوانه "ص19".
وإنه يجزي الناس على أعمالهم1
وفي معلقة "الحارث بن حلزة" اليشكري: "أمر الله بلغ تشقى به الأشقياء"2، وأن الله عالم بالأمور3.
ونجد "المتلمس"، يُقسم بالله في شعره، ويذكر الله في مثل جملة "أبي الله"4 للتعبير عن مشيئة الله وإرادته، وجملة "لله دري" في التعجب5 وجملة "تقوى الله"6، و"عاداك الله"7 وغيرها مما يدل على أنه كان يعتقد أن الله يعادي الأعداء ويحب المحبين.
ولكننا نجده في مواضع أخرى يقسم باللات وبالأنصاب، والمقصود بالأنصاب الأوثان مما يشعر أنه كان يؤمن بها، فكيف نوفق بين اعتقاده بالله واعتقاده باللات.
1
جزى الله عوفًا من موالي جنابة
…
ونكراء خيرًا كل جاد مودع
ديوانه "ص50".
جزى الله عنا جعفرًا حين أزلقت
…
بنا نعلنا في الواطئين فزلت
ديوانه "ص57".
2
فهداهم بالأسودين، وأمر الله
…
بلغ تشقى به الأشقياء
شرح القصائد العشر "468"، "البيت رقم 62" من المعلقة.
3
وفعلنا بهم كما علم الله
…
وما أن للخائنين دماء
البيت "رقم 75" من المعلقة، "ص475" من شرح القصائد العشر للتبريزي "محمد محيي الدين عبد الحميد".
4
يا آل بكر ألا لله احكموا
…
طال الله الثواء وثوب العجز ملبوس
ديوان المتلمس "ص169""طبعة فولرس"، جمهرة أشعار العرب "ص44، 206"، شعراء النصرانية" 332".
وقال:
وهل لي أم غيرها إن تركتها
…
أبى الله ألا أن أكون لها ابنا
شعراء النصرانية "338".
وقال:
أطردتني حذر الهجاء ولا
…
والله والأنصاب لا نثل
وذلك في رواية. وفي الروايات الشائعة "واللات" بدلًا من والله، ديوان المتلمس "171".
5
تفرق أهلي من مقيم وظاعن
…
فلله دري أي أهلي أتبع
ديوان المتلمس "ص187".
6
وأعلم علم حق غير ظن
…
وتقوى الله من خير العقاد
ديوان المتلمس "ص195"، شعراء النصرانية "343".
7
لا خاب من نفعك من رجالها
…
بلا وعادى الله من عاداكا
ديوان المتلمس "ص206"، شعراء النصرانية "348".
والأنصاب؟ وهل نعد هذا الشعر صادرًا من شاعر واحد؟ نعم، يجوز أن يكون قاله هو. قاله لأنه كان يعتقد بوجود إله، فهو يؤمن به ويقر بوجوده، غير أن قسمه باللات والأنصاب، هو من باب عقيدة الجاهليين المؤمنين بوجود إله، ولكنهم كانوا يتقربون إليه بالأصنام والأوثان والأنصاب. ويتوقف هذا التفسير بالطبع على إثبات أن هذا الشعر له حقًّا، وليس مفتعلًا، ولا مما أدخل الرواة عليه تغييرًا أو تبديلًا.
ونجد في شعر النابغة الجعدي، أبو ليلى عبد الله بن قيس، الشاعر المخضرم المتوفى سنة "65" للهجرة، قصيدة مطلعها:
والحمدُ للهِ لا شريك له
…
من لَم يَقُلها فنفسه ظلما
يلي هذا المطلع قصة نوح والسفينة، وهي سفينة مصنوعة من خشب الجوز والقار. وفي هذه القصيدة اعتراف بالتوحيد، وبوجود إله واحد لا شريك له، لا يحمد إلا هو، وهو شعر لا يمكن أن يكون إلا من شعر شاعر مسلم، إن صح أنه من شعره، فيجب أن يكون مما نظمه في الإسلام.
وينسب إلى "لبيد" اعتقاده أن الله يبسط الخير والشر على عباده، وأنه منتقم ممن يخالفه، معاقب له، كما عاقب "إرما" و"تبعا"، وقوم "لقمان بن عاد"، و"أبرهة" وذلك في أبيات أولها:
مَن يَبسُطِ اللَهُ عَلَيهِ إِصبَعا
…
بِالخَيرِ وَالشَرِّ بِأَيٍّ أولِعا
وهي رجز، يرى بعض العلماء أنها ليس من رجزه1.
ونجد معود الحكماء، وهو معاوية بن مالك بن جعفر، يذكر الله ويحمده، فيقول:"بحمد الله"، ويقول "عامر": أردت لكيما يعلم الله أنني"، ويقول: "خداش بن زهير": "وذكرته بالله بيني وبينه"2.
1 ديوان لبيد "337 وما بعدها".
2 شرح ديوان لبيد، "ص21"، "المقدمة"، "تحقيق الدكتور إحسان عباس"، قيل له معود الحكماء لقوله:
أعود مثلها الحكماء بعدي
…
إذا ما الحق في الأشياع نابا
تاج العروس "2/ 440"، "عود".
وذكر أهل الأخبار أن الجاهليين الوثنيين كانوا يفتتحون كتبهم بجملة "باسمك اللهم". ساروا في ذلك على هدى "أمية بن أبي الصلت" مبتدعها وموجدها، كما في رواية تنسب إلى ابن الكلبي. وذكر بعض آخر أن قريشًا كانت تستعمل هذه الجملة منذ عهد قبل الإسلام، وأنها بقيت تستعملها إلى ظهور الإسلام. وقد استعملها الرسول، ثم تركها، وذلك بنزول الوحي باستعمال "بسم الله الرحمن الرحيم"1. ونحن لا يهمنا هنا اسم مبتدع هذه الجملة، وإنما الذي يهمنا منها ما فيها من عبارة تدل أيضًا على التوحيد. فإذا صح أن الجاهليين كانوا يستعملون هذه الجملة، فإن استعمالها هذا يدل على اعتقاد القوم بإله واحد، أي بعقيدة التوحيد، ولا يعقل بالطبع استعمال شخص لهذه الجملة في رسائله، يفتتح بها كتبه، لو لم يكن من أصحاب عقيدة التوحيد، وقد جاء في بعض الأخبار أن هذا الاستعمال متأخر، وأنه حدث بعد أن تغيرت عوائد القوم في افتتاح كتبهم، فقد كانت عوائدهم القديمة افتتاح رسائلهم بأسماء آلهتهم كاللات والعزى، فرفعوا تلك الافتتاحيات القديمة واستبدلوا بها هذه الجملة الجديدة، جملة "باسمك اللهم". وعلى كل، فإن جملة "باسمك اللهم" وأمثالها إن صح أنها من ذلك العهد حقًّا فإنها تدل على حدوث تطور في الحياة الدينية عند الجاهليين. وإلا، فكيف يتصور استعمال هذه الجملة الموحدة مع وجود الشرك لو لم يكن قد حدث تطور فكري كبير في هذا العهد حملهم على استعمال هذه الجملة وأمثالها من الجمل والألفاظ الدالة على التوحيد2؟
وقد درس بعض المستشرقين هذا الموضوع، ولا سيما موضوع ورود اسم الجلالة في الشعر الجاهلي، فذهبوا في ذلك مذاهب. منهم من أيد صحة وروده في ذلك الشعر، وآمن أن الشعر الذي ورد فيه هو شعر جاهلي حقًّا، ومنهم من أنكر ذلك، وأظهر أنه شعر منحول مصنوع، صنع على الجاهليين فيما بعد، ومنهم من ذهب إلى أنه شعر صحيح، غير أن رواة الشعر أدخلوا اسم الجلالة فيه، ولم يكن هو فيه في الجاهلية، بأن رفعوا أسماء الأصنام وأحلوا اسم الله محلها.
1 بلوغ الأرب "3/ 375، تاج العروس "9/ 411"، "لاه".
2 "دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم"، الطبري "2/ 634". "صلح الحديبية
وبينما نجد أهل الأخبار ينسبون إلى هؤلاء الشعراء وأمثالهم الاعتقاد بالله، نجدهم ينسبون إليهم، الحلف بالأصنام، والاعتقاد بها. فقد نسبوا إلى "خداش بن زهير" شعرًا آمن به بالله، ثم نسبوا له قوله:
وَبِالمَروَةِ البَيضاءِ يَومَ تَبالَةٍ
…
وَمَحبَسَةِ النُعمانِ حَيثُ تَنَصَّرا
والمروة البيضاء هي ذو الخلصة، ثم هو يقسم بمحبسة النعمان، وهو نصراني1. أفلا يدل هذا على وجود تنافر أو تناقض في عقيدة أمثال هؤلاء الشعراء؟ والذي لا وقوف له على طبائع أهل الجاهلية، يرى هذا الرأي، أو يذهب إلى أن هذا الشعر مصنوع مفتعل. أما الذي يعرف عادة العرب في القسم، فلا يستغرب منه ولا يرى فيه تنافرًا، فقد كان الجاهليون يقسمون بكل شيء، يقسمون بالشجر وبالحجر وبالكواكب، وبالليل وبالنهار، وبالأصنام، وبعمر الإنسان وبحباتهم وبلحى الرجال، وبالأصنام وبالمعابد، وبالله، وبالخبر والملح، لا يرون في ذلك بأسًا ولا تناقضًا مع عقيدتهم. هذا "عدي بن زيد" العبادي، يقسم بمكة، وهو نصراني، لا يرى للكعبة في دينه حرمة ولا مكانة. أقسم بها على قاعدة العرب في القسم، وقد أقسم بأمور أخرى من أمور أهل الجاهلية الوثنيين، ولم يذكر أحد أنه بذل دينه، وصار وثنيًّا. وكذلك الأمر مع غيره من شعراء نصارى ويهود وعبَّاد أصنام، أقسموا برهبان النصارى وبأمور نصرانية، مع أنهم كانوا عبَّاد أوثان.
ومن القائلين بالرأي الأخير، "نولدكه" فقد ذهب إلى أن رواة الشعر وحملته في الإسلام هم الذين أدخلوا اسم الجلالة في هذا الشعر، وذلك بأن حذفوا منه أسماء الأصنام، وأحلوا محلها اسم الله. فما جاء فيه اسم "اللات" حل محله اسم "الله"2. وقد ذهب أيضًا إلى أن رواة الشعر في الإسلام حذفوا من شعر الجاهليين ما لم يتفق مع عقيدتهم، وما وردت فيه أسماء الأصنام. ومن جملة ما استدل به على أثر التغيير والتحريف في الشعر الجاهلي ورود كلمة "الرحمن" في شعر شاعر جاهلي من هذيل، زعم أن ورود هذه الكلمة في هذا الشعر دليل.
1 شرح ديوان لبيد "21".
2 Noldeke، Beltrage s، IX، ff،
كاف لإثبات أثر التلاعب فيه؛ لأن هذه اللفظة إسلامية استحدثت في الإسلام، ولا يمكن أن ترد في شعر شاعر جاهلي1. وقد فات "نولدكه" صاحب هذا الرأي أن الكلمة بهذا المعنى كلمة جاهلية، وردت في نصوص المسند وفي نصوص جاهلية أخرى. وأن من جملة من استعملها "أبرهة" الحبشي في نصه الشهير المعروف بنص سد مأرب، وأن قومًا من الجاهليين تعبدوا للرحمن، على نحو ما تحدثت عن هذه العبادة في موضع آخر من هذا الكتاب.
وادعاء أن لفظة "الله" لم تكن موجودة في الأصل، وإنما أقحمت فيه من بعد، وذلك بإزالة رواة الشعر لأسماء الأصنام التي ذكرها أولئك الشعراء، وإحلالهم اسم الله في محلها، حتى ظهر ذلك الشعر وكأنه شعر شعراء موحدين يعتقدون بوجود إله واحد2. هو تعليل فيه شيء من التكلف، فليس كل شعر فيه اسم الأصنام بصالح لقبول الجلالة، فقد لا يستقيم من حيث الوزن أو المعنى بإدخال تلك اللفظة في موضع اسم الصنم. ثم إن من الشعر الجاهلي المروي في الإسلام ما بقي محافظًا على اسم الصنم دون أن يمس ذلك الاسم بسوء. ولو كان من عادة الرواة حذف اسم الأصنام عامة لما تركوا لها بقية في الشعر. ثم ما هي الفائدة التي يجنيها الرواة من طمس أسماء الأصنام، وهم يعلمون أن أهل الجاهلية كانوا وثنيين، يدينون بالأصنام، وكانوا يقسمون بها، وقد رووا أمثلة من ذلك القسم!
أما "ولهوزن" فيرى أن عدم ورود أسماء الأصنام في الشعر الجاهلي إلا في النادر وإلا في حالة القسم أو في أثناء الإشارة إلى صنم. أو موضع عبادة، ليس بسبب تغيير الرواة الإسلاميين وتبديلهم لأسماء الأصنام. وإنما سببه هو أدب الجاهليين وعادتهم في عدم الإسراف والإسفاف في ذكر أسماء الآلهة الخاصة، وذلك على سبيل التأدب تجاه الأرباب، فاستعاضوا عن الصنم بلفظة "الله" التي لم تكن تعني إلهًا معينًا، وإنما تعني ما تعنيه كلمة رب وإله. ومن هنا كثر استعمالها في القسم وفي التمني أو التشفي وأمثال ذلك من حالات3.
1 Noldeke، Beltrage، S. X.
2 Werner Caskel، Das Schlksal im der Altarabische Poesie، Leipzig، 1926، S. 8، Goldziher، Abhandlungen، II، S. IX-XXVI، Ahiwardt، Bemerkungen uber die Achtheit der Aletn Arabischen Gedischte.
3 Reste. S. 217. ff.
ويرى "ولهوزن" أن لفظة "الله" كانت بهذا المعنى في الأصل. كانت تعني إلهًا على وجه التعميم، دون التخصيص، أي أنها لا تشير إلى إله معين.
استعملتها كل القبائل بهذا المعنى، فهي صفة تشير إلى الألوهية المجردة، وإن كان أفراد كل قبيلة يقصدون بها صنمهم الخاص بهم. استعاضوا بها عن ذكر اسم الصنم. وإن استعمالها جملًا مثل:"حاشا لله" و"لله درك" و"لاها الله"، و"تا لله"، و"ايم الله"، و"لحا الله"، و"جزى الله"، و"جعلني الله فداك"، و"لك الله"، و"أرض الله"، وأمثالها، هو من هذا القبيل، الله فيها بمعنى الرب والإله. ولما كانت أداة التعريف تفيد التخصيص، فدخولها في اسم الجلالة أفاد التخصيص والعلمية. وهذا ما حدث؛ إذ فقدت الكلمة معناها العام، واتجهت نحو التخصص حتى صارت بهذا المعنى الذي صارت عليه في الإسلام1.
وقد ذهب مستشرقون آخرون إلى صحة ورود لفظة الجلالة في الشعر الجاهلي. كما ذهبوا إلى أن ورودها في القرآن الكريم أو في الحديث، لا يمنع من ورودها في الشعر الجاهلي، ولا يكون سببًا للطعن في ذلك الشعر؛ لأن من الجاهليين من كان يؤمن بوجود إله هو فوق الآلهة عندهم، فورود اسمه في شعرهم، ليس بأمر غريب.
وورود اسم الجلالة في أشعار الجاهليين يحملنا على البحث في أصله: هل هو إسلامي محدث: أو هو اسم جاهلي قديم؟ وبحث مثل هذا يجب أن يستند إلى النصوص. غير أننا ويا للأسف لا نملك نصًّا جاهليًّا يمكن أن يفيدنا في هذا الباب، فكل النصوص الجاهلية التي وصلت إلينا خُرس لم تنطق بشيء عن اسم الجلالة، فليس أمامنا إلا اللجوء إلى الطريقة المألوفة في مثل هذه الأحوال، وهي الرجوع إلى آراء علماء اللغة، وإلى المقابلة بين العربية واللهجات السامية الأخرى. أما آراء علماء اللغة، فإنها مثل آرائهم الأخرى في أصول الكلمات الصعبة التي على شاكلتها، كلها حدس وتخمين. ولا يمكن أن يُستنبط منها شيء تأريخين يرجعك إلى أول عهد ظهرت فيه هذه اللفظة، وإلى المراد منها. وأما المستشرقون، فمنهم من يرى أن اللفظة عربية أصيلة، ومنهم من يرى أنها من "ألاها" Alaha
1.Reste، s 218.
ومعناها "الإله" بلغة "بني إرم". أما الذين قالوا بعربيتها، فيرون أنها من "اللات"، اسم الصنم المعروف، تحرف وتولد منه هذا الاسم1.
واللفظة "الله" من أصل "إلاه"، أي "رب"، و"بعل"، وهي من الألفاظ السامية القديمة. ويقال "إلهة""إلاهة" للأنثى. لأن من الجاهليين من تعبد للآلهة الأناث. وتقابل "هـ - إله""ها إلاه""هـ إلاه" في النصوص الثمودية، أي "الله"2. كما ترد هذه اللفظة في نصوص عربية أخرى مثل النصوص اللحيانية.
ويلاحظ أن لفظة "الله" هي من التسميات التي وردت في النصوص الشمالية، ويدل ورودها في هذه النصوص على تأثر العرب الشماليين بمن اختلطوا بهم من الشعوب التي كانت تقيم في شمال جزيرة العرب، وأخذهم عبادة هذا الإله منهم. ولم تكن هذه اللفظة اسم علم في الأصل، ثم تخصصت على ما يظهر من النصوص المتأخرة، فصارت تدل على إله معين ثم على إله واحد أحد هو إله الكون في الإسلام.
ويذكر علماء اللغة أن "لاه" الله الخلق يلوههم خلقهم، واللآهة الحية، منها سمي الصنم اللات بها، وجوز "سيبويه" اشتقاق اسم الجلالة منها. قال الأعشى:
كَدعوةٍ مِن أَبي كبارٍ
…
يَسمَعُها لاهُهُ الكُبارُ
ولاه: علا وارتفع. وسميت الشمس إلاهة لارتفاعها في السماء3. وذكروا أن "أل" اسم الله، وكل اسم آخره أل أو إيل، فمضاف إلى الله، ومنه جبرائيل وميكائيل 4، فهو "إيل" إذن، إله جميع الساميين القديم.
وتعداد المواضع التي وردت فيها لفظة الجلالة أو لفظة إله والإله في الشعر الجاهلي، يخرجنا عن صلب الموضوع، ويجعل البحث جافًّا مملًّا. غير أن في استطاعتنا أن نقول إنها وردت في أكثر ذلك الشعر إن لم نقل فيه كله. وإن ورودها فيه يشير إلى اعتقاد أصحاب ذلك الشعر بإله واحد قهار هو إله العالمين.
غير أن هذا القول يتوقف بالطبع على إثبات أن ذلك الشعر هو شعر جاهلي حقًّا، وأن من نسب إليهم قالوه من غير شك، وأنه لم يوضع على ألسنة أولئك الجاهليين.
1 Ency. Religi، I، p. 661، Ency، I. p. 302.
2 Rese، S. 209، Mission، II، p. 557، 559، 564، Grohmann، s. 87. ff.
3 تاج العروس "9/ 410"، "لاه"، "9/ 374"، "إله".
4 تاج العروس "7/ 211 وما بعدها". "أل".
الاعتقاد بإله واحد:
والذي يفهم -وذلك كما سبق أن قلت- من القرآن الكريم ومن الحديث أن قريشًا ومن كان على اتصال بهم، أو غيرهم من قبائل أخرى، لم يكونوا ينكرون عبادة الله، ولم يكونوا يجحدون الله، بل كانوا يقرون بوجوده، ويدينون له، وإنما الذي أنكره الإسلام عليهم وحاربهم من أجله وسفه أحلامهم عليه، هو تقربهم على الأصنام والأوثان، وتقديسهم لها تقديسًا جعلها في حكم الشركاء والشفعاء ومرتبة الألوهية. والإسلام لا يعترف بهذه الأشياء، وهو ينكرها، ومن هنا حاربته قريش ومن كان على هذه العقيدة من حلفائها ومن القبائل التي كانت ترى رأيها. فهنا كان موطن الخلاف، لا عقيدة الإيمان بالله1.
وإذا أخذنا بهذا الرأي، رأي اعتقاد الجاهليين أو بعضهم بإله واحد، نكون بذلك قد حللنا عقدة الازدواجية، أي العقيدة الثنائية عند الجاهليين ووجودها في شعرهم، فلا نجد عندئذ غرابة إذا وجدنا شاعرًا يذكر الله في شعره ويحلف به، ثم نجده يذكر الأصنام في الشعر نفسه، ويقسم بها قسمه بالله.
ويكاد يكون الإجماع على ما تقدم. قال ابن قيم الجوزية في معرض مقارنته بين آراء المجوس وعبدة الأوثان من العرب: "بل كفر المجوس أغلظ. وعبَّاد الأوثان كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لا خالق إلا الله، وأنهم إنما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم أحدهما خالق للخير والآخر للشر كما تقول المجوس"2 فالوثنية على هذا الرأي ليست نكرانًا لوجود إله، وإنما هي اعتقاد بوجوده، واعتقاد بفائدة التقرب إليه، بتقربهم إلى الأصنام والأوثان، أي الشفعاء، بما في ذلك المبالغة في تقديس الأشخاص والقبور.
1 Reste، S. 217، Lyall، Ancient Arabian Poetry، p. XXIX
2 زاد المعاد "3/ 224"، "فصل في حكمه في الجزية ومقدارها وممن تقبل".
ولا نجد للعرب إلهًا قوميًّا خاصًّا بهم كالذي نجده عند العبرانيين من تعلقهم بـ"يهوه"، وعدهم إياه إلهًا خاصًّا بإسرائيل. فقد صار هذا الإله إله جميع قبائل إسرائيل ويهوذا. أما العرب فقد كانوا يعبدون جملة آلهة: كل قبيلة لها إله خاص بها وآلهة أخرى، ولم يكن لها إله واحد له اسم واحد يعبده جميع العرب. والظاهر أن القبائل الساكنة في الحجاز ونجد العراق والشأم، صارت قبيل الإسلام تتنكر لأصنامها العديدة، وتأخذ بالتوحيد وبالاعتقاد بإله واحد هو الله، وهو الذي نجده في هذا الشعر الجاهلي الذي هو حاصل تغريد شعراء قبائل عديدة مما يدل على أن قبائل أولئك الشعراء دانوا بالاعتقاد بوجود ذلك الإله فوق الأصنام والأوثان، وقد توجت هذه العقيدة بتاج النصر في الإسلام. غير أن "الله" في الإسلام يختلف عن الله الجاهليين. فالله هو إله العالمين، إله جميع البشر على اختلافهم. ليس له شريك من أصنام وأوثان.
أما الله الجاهليين، فهو رب الأرباب، وإله الآلهة، يسمو فوق آلهة القبائل أي آلهة القبيلة الواحدة. ولهذا ذكر في شعر شعراء مختلف القبائل؛ لأنه لا يختص بقبيلة واحدة.
ويقال لما يعبد من دون الله: الأنداد. وفي كتاب النبي لأكيدر: وخلع الأنداد والأصنام. والند: مثل الشيء والنظير. وفي التنزيل: واتخذوا من دون الله أندادًا، أي ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله1.
والله إله ذكر. وكيف لا يتصور الإنسان إلهه ذكرًا، والذكر هو قوي مقتدر بخلاف الأنثى! وحيث إن الله هو قوي ومصدر القوة والخلق، فلا بد وأن يكون ذكرًا في عقلية تلك الأيام، ولا بد من التعبير عنه بصيغ التذكير. كما يلاحظ أن الجاهليين قد تصوروه واحدًا، فلم يخاطبوه بصيغة الجمع، مما يفهم منه التعدد.
ولم يتطرق الشعر الجاهلي إلى موضوع وجود إلهة أي أنثى تكون زوجًا له. ولم يشر القرآن الكريم إلى اعتقاد الجاهليين بوجود زوجة له. فهو في نظرهم إذن إله واحد متفرد لا يشاركه مشارك في حياته. وإذ كان الله واحدًا أحدًا أعزب، فلا يمكن أن يكون له ولد. ولكن القرآن الكريم يشير إلى اعتقاد الجاهليين بوجود
1 اللسان "3/ 420"، "ندد".
بنين وبنات لله. ففي سورة الأنعام: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} 1. وقد ذهب المفسرون إلى أن العرب قالت الملائكة بنات الله، وقالت اليهود والنصارى عزير والمسيح ابنا الله، وأن النصارى قالت المسيح ابن الله، وقال المشركون الملائكة بنات الله2. وفي سورة النحل: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} 3، وفي سورة الصافات:{فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} 4، {أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ، وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ، مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} 5. وفي سورة الزخرف {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} 6 وفي سورة الطور {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} 7. وأجمعوا على أن قريشًا وأضرابهم كانوا يزعمون أن الله اصطفى الملائكة بناتًا له. ولم يذكروا كيف صاروا له بناتًا. وقد ورد في بعض الروايات أن كفار قريش قالوا: "الملائكة بنات الله. فسأل أبوبكر من أمهاتهن؟ فقالوا: بنات سروات الجن"8.
وورد في بعض أقوال علماء التفسير، أن "أعداء الله" زعموا: أن الله وإبليس أخوان9. ولم يذكروا من هم "أعداء الله" أهم من العرب أم من غيرهم!.
ويظهر أن الذين آمنوا بوجود إله، تصوروا مكانه فوق الإنسان، أي فوق الأرض، في السماء. لذلك كانوا إذا توجهوا إليه بالدعاء رفعوا أيديهم إلى السماء. والسماء، المكان المرتفع اللائق بأن يكون مقر الرب أو الأرباب. وهو اعتقاد نجده عند غير الجاهليين أيضًا. ومن هذه النظرة ظهر "بعل سمين""بعل سمن"، أي "رب السماء" و"إله السماء" المذكور في بعض نصوص المسند. وهو إله قبيلة "أمر""أمر" من القبائل العربية الجنوبية. الإله المرسل للسحاب.
1 الأنعام، الرقم 6، الآية 100.
2 تفسير الطبري "7/ 197 وما بعدها" روح المعاني "7/ 209".
3 النحل، الرقم 16، الآية 57.
4 الصافات، الرقم 37، الآية 149.
5 الصافات، الرقم 37، الآية 151 وما بعدها.
6 الزخرف، الرقم 43، الآية 16.
7 الطور، الرقم 52، الآية 39.
8 تفسير الطبري "23/ 69".
9 تفسير الطبري "23/ 69".
ومنزل الغيث وباعث الحركة والخصب والخير للناس1. وقد تعبد له الصفويون كذلك، وذكر في نصوصهم. وعرف عندهم بـ"هـ - بعل سمن"2.
ولهذه النظرة اتخذ زهادهم لهم معابد خلوية على قمم الجبال وعلى الهضاب والمرتفعات وابتنوا الصروح للتعبد فيها ومناجاة الرب، واتخذوا من الكهوف المنقورة في الجبال مآوي يتعبدون فيها ويعتكفون الأيام والشهور والسنين. وكانوا إذا أمسكت السماء قطرها، وأرادوا الاستمطار، أصعدوا البقر في جبل وعر، وقد أضرموا النار في السلع والعشر المعقودين في أذنابها، وهم يتبعون آثارها، يدعون الله ويستسقونه3. ولولا اعتقادهم أن الجبل أقرب إلى الله من الأرض، لما أتعبوا أنفسهم، فصعدوا الجبل المرتفع مع بقرهم، فكان استسقاؤهم من الأرض.
1.Rep، Epligr، 4142، Grohmann، s. 245.
2 F. V. Winnett، Safaitic Inscriptions from Jordan، p. 18، 23
3 ابن فارس، رسالة النيروز "ص18 وما بعدها".
الجبر والاختيار:
هذا وأود أن أبين أن أكثر الذين كانوا يدينون بالتوحيد، ويعتقدون بوجود إله واحد خلاق لهذا الكون، كانوا يؤمنون بما نسميه:"القضاء والقدر" أو "الجبر" بتعبير أصح. فالخير والشر من الله، وكل شيء في هذا الكون محتوم مكتوب. وما يصيب الإنسان، لا بد أن يكون قد كتب عليه، ولا راد لما هو مكتوب، بل نجد هذه النظرة حتى عند من لم يأت اسم الله في شعره، فلا ندري أكان من المؤمنين بالله أم لا. وفكرة أن كل شيء في هذا الكون مقدر محتوم، فكرة قديمة غلبت على عقلية الشرقيين؛ بسبب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية التي كانت سائدة إذ ذاك، أوضاع جعلت الغالبية من الناس تشعر أنها مسخرة، وأنها تدفع في حياتها دفعًا وفي سبيل خدمة النخبة المتحكمة، المسيرة للأمور، أضف إلى ذلك تأثير عامل الجو في الإنسان.
وقضية الجبر والاختيار، قضية لا نجدها عند المؤمنين بوجود إله هو "الله"، أو آلهة أخرى من الجاهليين فقط، بل نجدها عند غيرهم أيضًا ممن لم يكن يقر بعبادة "الله"، وينكر وجود خالق، نجدها عند من كان يتعبد للأصنام.
أو للقوى الخفية، أو لا يدري أي شيء عن الآلهة والخلق، أو من الدهرية، القائلين بالدهر. فهؤلاء أيضًا كانوا يعتقدون أن الإنسان، مسير ولا اختيار له في هذه الدنيا، فكل شيء مكتوب عليه. كتب عليه منذ ولد. والسبب، هو ما قلته: وجود عوامل عديدة سيرت الإنسان واستعبدته من أوضاع سياسية واجتماعية وعسكرية واقتصادية ومناخية تحكمت فيه، حتى رسخ في عقل الجاهلي، أن كل شيء في هذه الدنيا مقدر مكتوب، وأن ما كتب على الجبين، لا يمكن تغييره ولا تبديل له، ولا اعتراض على ما هو مكتوب، ولا راد لأمر كتب في السماء.
الموت:
وفي مطلع قائمة الموضوعات التي أثارت البشرية ولا تزال تثيرها قضية الموت الذي هو ضد الحياة والعالم الثاني الذي يصير إليه الإنسان بعد الموت1. إن الموت أمر مخيف راعب يثير مشاعر كل إنسان. فما الذي سيكون مصيره بعد الحياة، وإلى أي مكان سيتجه بعد هذه الحياة، وهل الموت انطفاء لشعلة الحياة وانحلال للجسد إلى الأبد؟ أو هو مرحلة من حياة إلى حياة أخرى يحيا فيها الإنسان حياة جديدة، ويبعث بعثًا جديدًا يبعثه من خلقه؟ ثم ما الذي سيكون عليه في العالم الثاني؟ هل يعيش عيشة راضية مطمئنة، عيشة تفوق معيشته في عالمه الأول؟ أم سيعيش عيشة أخرى؟ إما راضية ناعمة، وإما شقية تعسة بحسب عمل الإنسان وما قدمه لنفسه من عمل في العالم الأول؟ هذه الأسئلة وعشرات من أمثالها شغلت بال الإنسان البدائي والراقي ولا تزال تشغله. كل وجد لها أجوبة، وكل قنع بما أجاب به عنها، ورضي بها. وكانت للجاهليين على اختلافهم آراء في هذه المشكلات لا شك في ذلك.
والموت في كلام العرب: السكون. يقال مات بمعنى سكن2. وهذا هو المعنى المفهوم للموت عند الجاهليين. فالمراد من الموت هو سكون الجسد بعد مفارقة الروح له. وقد حار الجاهليون كما حار غيرهم في تفسير ظاهرة الموت،
1 المخصص "2/ 64".
2 تاج العروس "1/ 586"، "موت".
وكيفية وقوع الموت وحدوثه. وقد اعتبره بعضهم حدثًا طبيعيًّا، يحدث للإنسان كما يحدث لأي شيء آخر في هذا الكون من التعرض للهلاك والدمار. واعتبره بعض آخر، مفارقة الروح للجسد. وهم الذين اعتقدوا بالثنائية وبالازدواجية في حياة الإنسان، أي بوجود جسد وروح. واعتبره آخرون موت للنفس، وبوفاة النفس يتوفى الجسد ويصيبه السكون. فالموت عندهم مفارقة الروح للجسد، فإذا مات الإنسان خرجت روحه من أنفه، أو من فمه، فينفض الإنسان نفسه. وإذا مات ميتة طبيعية، يقال عن الميت: مات حتف أنفه، ومات حتف فيه، أي أن روحه خرجت من أنفه أو من فمه، وهو قليل؛ لأن النفس في نظر أهل الجاهلية تخرج بتنفسه، كما يتنفس من أنفه. ويقال أيضًا حتف أنفيه. وكانوا يعتقدون أن المريض تخرج روحه من أنفه، وأما القتيل، والجريح، فتخرج روحه من موضع جرحه1.
ويقال: "زهقت نفس فلان"، أي خرجت روجه. فهم يتصورون إذن أن روح الإنسان كائن مستقل إذا فارق الجسد مات. "وفي الحديث: إن النحر في الحلق واللبة، وأقروا الأنفس حتى تزهق، أي حتى تخرج الروح من الذبيحة ولا يبقى فيها حركة"2.
و"الرمق" بقية الحياة، أو بقية الروح، وآخر النفس3. فكأنهم تصوروا أن الشخص المريض أو الجريح. قد ودع معظم نفسه، ولم تبق من روحه إلا بقية لا تزال في جسده، هي الرمق.
1 تاج العروس "6/ 64 وما بعدها"، "حتف".
2 اللسان "10/ 147"، "زهق".
3 اللسان "10/ 125"، "رمق".
البعث:
لم يكن كثير من الجاهليين يؤمنون بالبعث كما يتبين ذلك من القرآن الكريم. لقد كانوا يرون أن الموت نهاية، وأنهم غير مبعوثين، وأن البعث بعد الموت شيء غير معقول، لذا تعجبوا من قول النبي بوجود البعث والحساب. {وَقَالُوا
إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} 1، {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 2، {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} 3. و {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} 4، و {إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ} 5، و {وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} 6، و {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، َقَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} 7، و {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} 8، و {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ، وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} 9. {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ، لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ، وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ} 10، {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ
1 الأنعام، الآية 29.
2 النحل، الآية 38، تفسير الطبري "8/ 104 وما بعدها".
3 الإسراء، الآية 49 وما بعدها، تفسير الطبري "14/ 104 وما بعدها" روح المعاني:"14/ 128".
4 التغابن، رقم 64، الآية 7.
5 الحج، رقم 22، الآية 5.
6 هود، رقم 11، الآية 7.
7 المؤمنون، الآية 82، الصافات، الآية 16.
8 الوعد، الآية 5.
9 المؤمنون، الآية 35 وما بعدها.
10 سورة النمل، رقم السورة 27، الآية 67 وما بعدها.
مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} 1. {إِنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ، إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ، فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 2
والآيات المتقدمة وأمثالها3 كلها حكاية عن رأي كثير من الجاهليين في نفي البعث وفي عدم إمكان العودة إلى حياة أخرى بعد موت يهلك الجسم ويفني العظام فيجعلها رميمًا ويمحو كل أثر للجسم، لذا كان البعث من أهم ما عارض فيه الجاهليون معارضة قاسية شديدة، وكان من الموضوعات التي تندروا بها وسخروا وآخذوا عليها الرسول4. وكانوا يقولون:"إن هي إلا موتتنا الأولى التي نموتها. وهي الموتة الأولى، وما نحن بمنشرين بعد مماتنا ولا بمبعوثين تكذيبًا منهم بالبعث والثواب والعقاب". وقالوا للرسول: "فأتوا بآبائنا الذين قد ماتوا إن كنتم صادقين إن الله باعثنا من بعد بلانا في قبورنا، ومحيينا من بعد مماتنا"5 وقالوا: "أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أئنا لمبعوثين؟ يقولون منكرين بعث الله إياهم بعد بلائهم. أئنا لمبعوثون أحياء من قبورنا بعد مماتنا ومصيرنا ترابًا وعظامًا قد ذهب عنها اللحوم. أو آباؤنا الأولون الذين مضوا من قبلنا فبادوا وهلكوا؟ "6.
وكان من محاججة قريش للرسول ومحاولتهم إفحامه وتعجيزه قولهم له يوم اجتمعوا به: "يا محمد؟ فإن كنت غير قابل منا شيئًا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدًا ولا أقل ماءً ولا أشد عيشًا منا. فسل5 لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا وليفجر لنا فيها أنهارًا كأنهار الشأم والعراق. وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب، فإنه كان شيخ صدق، فنسألهم عما تقول، أحق هو أم باطل، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا به منزلتك من الله وأنه بعثك رسولًا كما
1 السجدة، رقم السورة 32، الآية 10 وما بعدها، تفسير الطبري "21/ 96"، روح المعاني "21/ 112 وما بعدها".
2 الدخان، رقم السورة 44، الآية 34 وما بعدها، تفسير الطبري "25/ 76 وما بعدها".
3 هود 7، المؤمنون 82 وما بعدها، سبأ 3 وما بعدها، الجاثية 24 وما بعدها.
4 الكشاف "1/ 448"، "2/ 74، 189، 195 وما بعدها"، الطبرسي "7/ 39"، "14/ 75"، "15/ 58".
5 تفسير الطبري "25/ 76"، "1/ 78 وما بعدها".
6 تفسير الطبري "23/ 30".
تقول! "1. وسألوه أسئلة أخرى من هذا القبيل؛ لتعجيزه في إثبات البعث. "جاء عبد الله بن أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بعظم حائل فكسره بيده، ثم قال: يا محمد، كيف يبعث الله هذا وهو رميم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يبعث الله هذا ويميتك ثم يدخلك جهنم"2 وأتى "أبي بن خلف" رسول الله "بعظم حائل ففته ثم ذراه في الريح. ثم قال: يا محمد من يحيي هذا وهو رميم؟ قال الله يحييه ثم يميته ثم يدخلك النار"3 و"جاء العاص بن وائل السهمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعظم حائل ففته بين يديه. فقال يا محمد أيبعث الله هذا حيًّا بعدما أرم؟ قال: نعم يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم"4.
وممن أنكر البعث على ما ذكره الأخباريون قوم من قريش كانوا زنادقة أنكروا الآخرة والربوبية، أخذوا زندقتهم هذه من الحيرة5. وإذا كان من هؤلاء من كان يقدم القرابين والهدايا لأصنامه، فإن ذلك لا يعني أنه كان يفعل ذلك لترضى عنه في العالم التالي، بل كان يفعل ذلك لترضى عنه في هذه الحياة الدنيا، لتمن عليه بالنعم والخيرات. أما العالم الثاني، فهو عالم لا يهتم به؛ لأنه لم يكن يتصور وجوده ولا حدوثه بعد الموت 6.
ويتجلى هذا الإنكار للحشر والبعث في أبيات تنسب إلى "شداد بن الأسود بن عبد شمس بن مالك" يرثي بها قتلى قريش يوم بدر، وهم الذين قتلوا في تلك المعركة وألقوا في القليب:
أيوعدُني ابن كبشة أن سنحيا
…
وكيف حياةُ أصداءٍ وهامِ؟
أيعجزُ أن يردَّ الموت عني
…
وينشرني إذا بليت عِظامي
أراد الشاعر إنكار البعث، وأن يصير الإنسان مرة أخرى إنسانًا بعد أن تتحول
1 ابن هشام "1/ 186"، "حاشية على الروض".
2 تفسير الطبري "23/ 21"، روح المعاني "23/ 50".
3 تفسير الطبري "23/ 21"، الاشتقاق "80".
4 تفسير الطبري "23/ 21".
5 المحبر "ص161"، بلوغ الأرب "1/ 345"، المعارف "621".
6 Reste. S. 185.
روح الإنسان إلى طير1.
وذكر أن "الحارث بن عبد العزى" أبو رسول الله من الرضاعة، لما قدم مكة، قالت له قريش:"ألا تسمع يا حار ما يقول ابنك هذا؟ فقال: وما يقول: قالوا: يزعم أن الله يبعث بعد الموت، وأن لله دارين يعذب فيها من عصاه، ويكرم فيها من أطاعه. فقد شتت أمرنا وفرق جماعتنا"2.
فهم ينكرون البعث والحساب، ولا يريدون سماع شيء عنهما، ولا يصدقون عودة الروح إلى الجسد بعد أن فارقته، فذلك عندهم من المستحيلات، ولذلك سخروا من البعث لما سمعوا به. وكيف يكون بعثًا وقد فنيت الأجساد، فلم تبق منها بقية!
فرأي من أنكر الحشر والبعث من أهل الجاهلية، أن الحياة حياة واحدة، هي حياتنا التي نحن فيها في دار الدنيا، ولا يكون بعد الموت بعث ولا حساب نحيا ونموت، يموت بعضنا ويحيا بعضنا، وما يميتنا إلا الأيام والليالي، أي مرور الزمان وطول العمر3. فالحياة إذن حياة وموت في هذه الدنيا. وهي استمرار للاثنين على مدى الدهر، يولد إنسان ثم يموت ليحل محله إنسان آخر، وهكذا بلا انتهاء.
ونجد رأي الناكرين للبعث في قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} 4. فهم يقولون: ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت نحن ويحيا أبناؤنا بعدنا، فجعلوا حياة أبنائهم بعدهم حياة لهم؛ لأنهم منهم وبعضهم، فكأنهم بحياتهم أحياء. والدهر الزمان، وهو الذي يهلك ويفني5. فالحياة بهذا المعنى، فعل مستمر، وتطور لا ينتهي، يهلك جيل،
1 وهي من أبيات رويت بصور مختلفة، وفي بعضها زيادات، راجع ابن هشام "1/ 113"، هامش على الروض الأنف، كتاب الصبح المنير في شعر أبي بصير "ص308"، "طبعة أوروبة 1927"، بلوغ الأرب "2/ 198".
يحدثنا الرسول بأن سنحيا
…
وكيف حياة أصداء وهام؟
بلوغ الأرب "2/ 192".
2 الروض الأنف "1/ 107".
3 تفسير الطبرسي "25/ 136"، "بيروت"، "25/ 78"، "طهران".
4 الجاثية، الآية 24، تفسير الطبري "25/ 91"، روح المعاني "25/ 139".
5 تفسير الطبري "25/ 91 وما بعدها"، "بولاق"، "25/ 151 وما بعدها".
"القاهرة 1954".
ليأخذ محله الجبل الذي نبت منه. وكل يأخذ دوره في هذه الحياة، فإذا انتهى دور إنسان، قام بدوره نسله، وهكذا، وبهذا المعنى تفسر الحياة، ويفسر الموت.
وقد يسأل سائل إذا كان أغلب أهل الجاهلية لا يؤمنون بثواب ولا بحساب وبعث ونشر، فلمَ تعبدوا إذن لإله، وتقربوا إلى الأصنام، وقدموا القرابين والنذور؟ وجوابي على هذا السؤال، هو ما ذكره المتقدمون عنه. قالوا:"كانت العرب في الجاهلية تدعو في مصالح الدنيا فقط، فكانوا يسألون الإبل والغنم والظفر بالعدو، ولا يطلبون الآخرة؛ إذ كانوا لا يعرفونها ولا يؤمنون بها"1. فعبادتهم الله وتقربهم إلى الآلهة، هي لمصلحة دنيوية، لنفع ولزيادة في مال، ولدفع شر الأذى والأمراض وعيون الحساد، ومن كل ما هو شر، أما الآخرة، فلا علم لهم بها.
وما خوفهم من الآلهة إلا لاعتقادهم أنها تضرهم وتهلكهم وتنزل بهم الشر في هذه الدنيا. فإذا أقسم أحدهم كذبًا، انتقمت الآلهة منه وأنزلت به نازلة، لذلك تجنبوا الإيمان الكاذبة، وامتنعوا من الحلف جهد إمكانهم؛ لخوفهم من عاقبة الحلف الكذب. والعاقبة السيئة تكون في هذه الدنيا. وهي عواقب مادية؛ لأن عقلية أكثر أهل الجاهلية لا تدرك إلا القيم المادية للأشياء. فتصوروا العاقبة السيئة تصورًا ماديًّا، كنزول مرض بإنسان أو نزول كارثة بماله أو بإبله أو بزرعه أو بأهله، وهي أمور يخشاها الجاهلي، تكون معجلة في نظره، أي في هذه الدنيا؛ لأنهم لا يعرفون أن في الحياة دارًا غير هذه الدار، ولا يؤمنون بحشر وبعث.
جاء في الأخبار أن "ضمام بن ثعلبة" السعدي، ويقال التميمي، لما قدم على الرسول أقبل حتى وقف على رسول الله، وهو في أصحابه، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله: أنا ابن عبد المطلب. قال: أمحمد؟ قال: نعم. قال: يابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ عليك في المسألة فلا تجدن في نفسك قال: لا أجد في نفسي سل عما بدا لك. قال: أنشدك بالله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله أمرك أن نعبده وحده.
1 تفسير القرطبي "2/ 432".
لا نشرك به شيئًا، وإن نخلع هذه الأوثان التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم. ثم سأله عن الفرائض، فأسلم. فلما قدم على قومه، فاجتمعوا إليه "فكان أول ما تكلم به، أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم أنهما والله ما يضران وما ينفعان"1 فالعقاب عقاب مادي في هذه الدنيا، ترسله الآلهة على الإنسان.
غير أن فريقًا من الجاهليين كما يقول أهل الأخبار كان يؤمن بالبعث وبالحشر بالأجساد بعد الموت، ويستشهدون على ذلك بـ"العقيرة" وتسمى البلية" أيضًا. والبلية الناقة التي كانت تعقل عند قبر صاحبها إذا مات حتى تموت جوعًا وعطشًا. ويقولون إنه يحشر راكبًا عليها، ومن لم يفعل معه هذا حشر راجلًا، وهذا مذهب من كان يقول منهم بالبعث، وهم الأقل. ومنهم زهير فإنه قال:
يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر
…
لِيَومِ الحِسابِ أَو يُعَجَّل فَيُنقَمِ2
ويذكر أيضًا أنهم كانوا يعكسون رأس الناقة أو الجمل أي يشدونه إلى خلف بعد عقر إحدى القوائم أو كلها لكيلا تهرب، ثم يترك الحيوان لا يعلف ولا يسقى حتى يموت عطشًا وجوعًا، ذلك لأنهم كانوا يرون أن الناس يحشرون ركبانًا على البلايا ومشاة إذا لم تعكس مطاياهم عند قبورهم3، وفي هذا المعنى قال الشاعر في البلية:
كَالبَلايا رُءوسُها في الوَلايا
…
مانِحاتِ السَموم حَرَّ الخُدودِ
والولايا هي البراذع، وكانوا يثقبون البرذعة فيجعلونها في عنق البلية وهي معقولة. وأوصى رجل ابنه عند الموت بهذه الوصية:
يا سعدُ إما أهلكن فإنني
…
أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب
1 الاستيعاب "2/ 207 وما بعدها"، "حاشية على الإصابة".
2 الروض الأنف "1/ 96" الشعر والشعراء "1/ 76""بيروت 1964م".
3 تاج العروس "10/ 43"، اللسان "18/ 92" النهاية "1/ 115" رسالة الغفران "333 وما بعدها"، "بنت الشاطئ".
لا تتركن أباك يمشي خلفهم
…
تعبًا يخر على اليدين وينكب
احمل أباك على بعير صالح
…
وابق الخطيئة إنه هو أصوب
ولعل مالي ما تركت مطية
…
في اليم أركبها إذا قيل اركبوا1
وذكر أنهم كانوا يحفرون للبلية حفرة وتشد رأسها إلى خلفها وتبلى، أي تترك هناك لا تعلف ولا تسقى حتى تموف جوعًا وعطشًا. وكانت النساء، يقمن حول راحلة الميت فينحن إذا مات أو قتل، وقد عرفن بـ"مبكيات"2.
وفي رواية أن بعض المشركين كان يضرب راحلة الميت بالنار وهي حية حتى تموت3، يعتقدون أنهم إنما يفعلون ذلك؛ ليستفيد منها الميت بعد الحشر4.
وإذا كانت عقيدة الجاهليين في عقر الحيوانات المسكينة وإهلاكها قد ماتت وزالت؛ بسبب تحريم الإسلام لها، فإن فكرة حشر الناس ركبانًا لا تزال باقية حية عند بعض الناس. فالذين يقدمون "العقيقة" في الحياة أو يقدمونها حين الوفاة ومع نقل الجنازة أو على القبر، يختارون أحسن الحيوانات وأقواها لتتمكن من حملهم يوم الحشر، وتنهض بهم، فيسير راكبًا، ولا يحشر وهو مترجل يسير في تلك الساعات الرهيبة ماشيًّا على قدميه.
ويقال للموت وللحساب "اللزام"5.
ولا أعتقد أن نحر الإبل على القبر وتبليله بدم الإبل المذبوحة6، مجرد عادة يراد بها إظهار تقدير أهل الميت له، أو تمثيل كرم الراحل حتى بعد وفاته، بل لا بد أن يكون هذا النحر من الشعائر الدينية والعقائد الجاهلية التي لها علاقة بالموت وباعتقادهم أن موت الإنسان لا يمثل فناء تامًّا وإنما هو انتقال من حال إلى حال.
1 الشعر لـ"جريبة بن الأشم الفقعسي" يوصي ابنه به وقد ورد بصور أخرى، راجع الروض الأنف "1/ 96" النهاية لابن الأثير "1/ 115"، اللسان "14/ 85 وما بعدها" تاج العروس "10/ 43"، طبقات الأمم "49".
2 اللسان "14/ 85 وما بعدها"
3 المخصص "6/ 122" اللسان "16/ 15" الأغاني "6/ 122".
4 الأغاني "16/ 48"، "أخبار زيد الخيل"، "17/ 176"، "بيروت 1955"، Reste، s. 180
5 تاج العروس "9/ 59"، "لزم، المخصص "6/ 122".
6 الأغاني "19/ 88".
وذكر "السكري" أن أكثر العرب كانوا يؤمنون بالبعث. واستشهد على ذلك بشعر للأعشى، ذكر فيه الحساب. كما ذكر أنهم كانوا يؤمنون بالحساب، واستشهد على رأيه هذا بشعر للأخنس بن شهاب التميمي1. وقول "السكري" هذا مردود بما رد في القرآن الكريم من إنكار أغلبهم للحساب والبعث والكتاب، وأما الذين قالوا بالبعث، فهم طائفة لا تصل إلى مستوى الكثرة أو الكل حتى نستعمل صيغة التعميم.
وإذا كان ما تصوره أهل الجاهلية عن البعث والحشر صحيحًا على نحو ما ذكره أهل الأخبار فلا يستبعد أن يكون القائلون به أو بعضهم قد تصوروا الحساب على نحو ما يحاسب الإنسان على عمله في دنياه. ويلاحظ أن القيامة والبعث والحشر والجنة والنار هي من الكلمات العربية التي لا يستبعد أن يكون لها مفهوم قريب من مفهومها الإسلامي عند الجاهليين.
أما كيف تصور أولئك الجاهليون حدوث البعث والحشر، هل هو قصاص وثواب وعقاب وحساب وجنة ونار، أو هو بعث وحشر لا غير، فأهل الأخبار لم يأتوا عنه بجواب، ولم يذكروا رأي تلك الفئة المقرة بالبعث والحشر في ذلك. ولهذا فليس في استطاعتنا إعطاء صورة واضحة عن الحشر وعما يحدث بعده من تطورات وأمور.
ولم تتحدث الكتابات الجاهلية عما سيحدث للإنسان بعد موته. وكل ما ورد فيها هو توسل إلى الآلهة بأن تنزل غضبها على كل من يحاول تغيير قبر، أو إزالة معالمه، أو دفن ميت غريب فيه، وأن تنزل به الأمراض والآفات والهلاك. ولم تذكر تلك النصوص السبب الذي حمل أهل القبور على التشدد في المحافظة على القبر وعلى ضرورة بقائه ودوامه. فلا ندري إذا كان ذلك عن تفكير بوجود بعث، ويتصور قيام الميت من قبره مرة أخرى، ورجوعه ثانية إلى الحياة، أو إلى عالم ثانٍ، هو عالم ما بعد الموت، ولهذا حرصوا حرصًا شديدًا على عدم السماح بدفن أحد في قبر، إلا إذا كان من أهل صاحب القبر ومن ذوي رحمه، حتى لا يتأذى الميت من وجود الغرباء، وليستأنس بأهله وبذوي قرابته مرة أخرى بعد عودة الحياة إليه، فيرى نفسه محشورًا معهم، ومع من أحبه في حياته، عائشًا.
1 المحبر "322".
معهم، كما كان قد عاش معهم، أو أن حرصهم على حرمة القبر، إنما كان عن مراعاتهم لحرمة القبر، وعلى منزلة الموتى، فالمس بحرمة القبر، مس بحرمة الميت، وانتهاك لمقامه ولمكانته، ولما كان عليه في هذه الحياة!
وهناك من كان يعتقد أن الميت وإن غيب في قبره وانقطعت علاقته بآله وذويه إلا أن روحه لن تموت، وأنه يظل وهو في قبره يقظًا، متتبعًا لأخبار أهله. تخبره بها هامته التي تكون عند ولد الميت في محلته بفنائهم؛ لتعلم ما يكون بعده فتخبره به، حتى قال الصلت بن أمية لبنيه:
هامي تخبرني بما تستشعروا
…
فتجنبوا الشنعاء والمكروها1
وأما ما ورد في الشعر الجاهلي من أمر الحشر والنشر والحساب والكتاب والعالم الثاني، فهو مما ورد ودوِّن في الإسلام، ولم أجد في رواية من روايات أهل الأخبار أن أحدًا من رواة الشعر الجاهلي، ذكر أنه نقل ما نقل من هذا الشعر من ديوان جاهلي، أو من كتاب كتب قبل الإسلام، ومع ذلك، فإن هذا المروي عن العالم الثاني قليل، لذلك لا نتمكن لقلته من تكوين صورة واضحة عن ذلك العالم ومن التحدث بطلاقة عن رأي أصحاب هذا الشعر في الحشر والنشر والبعث.
وأما ما ورد في شعر "أمية بن أبي الصلت" عن الحساب والثواب والعقاب والجنة والنار، فهو أوسع ما ورد في الشعر الجاهلي في هذا الموضوع. وأمية، هو الشاعر الجاهلي الوحيد الذي جاء أكثر شعره في نزعات دينية وفكرية، ذلك لأنه كان في شك من عبادة قومه، وكان على شاكلة غيره ممن سئم تلك العبادة، ينهى قومه عنها، ويسفه أحلامها، وقد تأثر باليهودية وبالنصرانية. وفي شعره اعتقاد بالجنة والنار والبعث. وبصحة المعاد الجسماني، وبوجود الجنة والنار بالمعنى الحقيقي، لا المجازي، وهو يتفق في ذلك مع الإسلام. كما تحدثت عن ذلك في الفصل الخاص بالأحناف.
وكان "الأعشى" ممن يؤمن بالله وبالحساب، وقد استشهد من قال ذلك عنه
1 مروج "2/ 133".
بأبيات شعر تشعر أنه كان يؤمن بالحساب وبقيام الإنسان بعد الموت لمحاسبته على عمله. من ذلك قوله:
يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَليكِ
…
طَورًا سُجودًا وَطَورًا جُوَارا
بِأَعظَمَ مِنهُ تُقى في الحِسابِ
…
إِذا النَسَماتُ نَفَضنَ الغُبارا1
وكان "زهير بن أبي سلمى" على مذهب من كان منهم يقول بالبعث: وهم الأقل2 قال:
يُؤَخَّر فَيوضَع في كِتابٍ فَيُدَّخَر
…
لِيَومِ الحِسابِ أَن يُعَجَّل فَيُنقَم3
وكان "حاتم" طيء من المتألهين، ومن المعتقدين بالحساب. وقد أورد أهل الأخبار له شعرًا في ذلك4.
1 رسالة الغفران "180".
2 الروض الأنف "1/ 96".
3 الروض الأنف "1/ 96".
4 رسالة الغفران "488".
البلية والحشر:
ولم يذكر أهل الأخبار كيف تصور القائلون بالقيامة والحشر من أهل الجاهلية قيام الموتى ومشيهم إلى المحشر. فقد ذكروا أن قومًا من الجاهليين كانوا إذا مات أحدهم عقلوا ناقة على قبره وتركوها حتى تبلى، وتسمى لذلك "البلية". وقالوا:"البلية كغنية الناقة التي يموت ربها، فتشد عند قبره، فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت جوعًا وعطشًا أو يحفر لها وتترك فيها إلى أن تموت؛ لأنهم كانوا يقولون صاحبها يحشر عليها، و"كانوا يزعمون أن الناس يحشرون ركبانًا على البلايا ومشاة إذا لم تعكس مطاياهم عند قبورهم". وذكر أنهم" كانوا في الجاهلية يعقرون عند القبر بقرة أو ناقة أو شاة، ويسمون العقيرة البلية". "وفي فعلهم هذا دليل على أنهم كانوا يرون في الجاهلية البعث والحشر بالأجساد وهم الأقل: ومنهم زهير"5. وفي هذا المعنى يقول جريبة بن أشيم6:
1 تاج العروس "10/ 43 وما بعدها"، "بلي"، القاموس "4/ 350 وما بعدها".
2 اللسان "12/ 625"، "هوم"، تاج العروس "9/ 112""هيم""جريبة بن الأشيم الفقعسي"، بلوغ الأرب "2/ 307".
يا سعد إما أهلكن فإنني
…
أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب
لا أعرفن أباك يحشر خلفكم
…
تعبًا يخر على اليدين وينكب
واحمل أباك على بعير صالح
…
وتقي الخطيئة أنه هو أصوب
ولقل لي مما جمعت مطية
…
في الحشر أركبها إذا قيل اركبوا1
ومن ذلك قول عمرو بن زيد المتمني يوصي ابنه عند موته في البلية:
أَبُنَيَّ زَوِّدْني إذا فارقْتني
…
في القبرِ راحلَةً بِرَحْلٍ قاترِ
للبعْثِ أركبُها إذا قيلَ اظْعنوا
…
مُسْتَوْسِقينَ معًا لحشْرِ الحاشرِ
منْ لا يوافيهِ على عَيْرانةٍ
…
والخلقُ بين مُدَفَّعٍ أو عاثِرِ2
وقال عويمر النبهاني:
أبني لا تنس البلية إنها
…
لأبيك يوم نشوره مركوب3
وأوصى رجل ابنه عند الموت بهذا:
لا تتركن أباك يحشر مرة
…
عدوًّا يخر على اليدين وينكب4
وطريقتهم في ذلك أن أحدهم إذا مات، بلوا ناقته، فعكسوا عنقها إلى مؤخرتها مما يلي ظهرها، أو مما يلي كلكلها أو بطنها، ويأخذون ولية فيشدون وسطها، ويقلدونها عنق الناقة، ويتركون الناقة في حفيرة لا تطعم ولا تسقى حتى تموت، وربما أحرقت بعد موتها، وربما سلخت وملئ جلدها ثمامًا5.
قال شا عر في البلية:
والبلايا رؤوسها في الولايا
…
ما نحات السموم حر الخدود
1 اللسان "12/ 624"، "هوم"، تاج العروس "9/ 112"، "هيم"، بلوغ الأرب "2/ 307 وما بعدها".
2 بلوغ الأرب "2/ 309".
3 بلوغ الأرب "2/ 309".
4 الروض الأنف "1/ 96".
5 بلوغ الأرب "2/ 307"، اللسان "14/ 85 وما بعدها"، "بلا".
والولايا هي البراذع. وكانوا يثقبون البرذعة، فيجعلونها في عنق البلية وهي معقولة حتى تموت1.
أما كلمة "جهنم"، فيرى العلماء أنها من الكلمت المعربة. ويظن المستشرقون أنها من أصل عبراني2. ومن أسماء جهنم على رأي علماء اللغة "الهاوية"3. و"أم الهاوية"4.
1 الروض الأنف "1/ 96".
2 المعرب، للجواليقي "ص107""طبعة دار الكتب المصرية" Ency، I، p 998.
3 اللسان "20/ 250".
4 المخصص "11/ 38".
الفصل الخامس والستون: الروح والنفس والقول بالدهر
مدخل
…
الفصل الخامس والستون الروح والنفس والقول بالدهر
ويحملنا قول بعض الجاهليين بوجود البعث، وبالصدى والهامة، على التحرش بموضوع الروح وماهيتها عند أهل الجاهلية، وعن كيفية تصورهم لها. وقد سأل أهل مكة الرسول عن ماهية الروح، فنزلت الآية:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} 1. ويذكر المفسرون أن اليهود حرضوهم على توجيه هذا السؤال إلى الرسول، امتحانًا وإحراجًا له2. وفي سؤالهم له عن الروح معنى اهتمام القوم بالموضوع، ومحاولة إثارة مشكلة للرسول كانت مهمة في أعين الناس يومئذ، مما يدل على أهمية هذه القضية في ذلك العهد. وورد أن يهود يثرب هم الذين سألوه عن أمر الروح ما هي؟ وكيف تعذب الروح التي في الجسد؟ فنزل الوحي عليه بالآية المذكورة3.
و"الروح" في تعريف علماء اللغة ما به حياة الأنفس، والذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة. وذهب بعضهم إلى أن الروح والنفس واحد، غير أن
1 الإسراء، الآية 85.
2 القرطبي، الجامع "10/ 325".
3 تفسير الطبري "15/ 104 وما بعدها"، القرطبي، الجامع "10/ 323 وما بعدها" تفسير الطبرسي "15/ 93"، "بيروت 1956"، تفسير ابن كثير "3/ 61"، تفسير البيضاوي "15/ 382"، تفسير أبو السعود "2/ 230"، تفسير السيوطي "4/ 199 وما بعدها"، تفسير الكشاف "2/ 197"، إرشاد الساري "7/ 212".
الروح مذكر والنفس مؤنثة1 وقال بعض آخر الروح هو الذي به الحياة، والنفس هي التي بها العقل، فإذا نام النائم قبضت نفسه، ولم يقبض روحه، ولا يقبض الروح إلا عند الموت. وذكر بعض العلماء: لكل إنسان نفسان: إحداهما نفس التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام، فلا يعقل بها، والأخرى نفس الحياة، وإذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. وقد يراد بالنفس الدم، وفي الحديث: ما ليس له نفس سائله، فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه فعبر عن الدم بالنفس السائلة، وكما ورد في قول السموءل:
تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا
…
وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ
وإنما سمي الدم نفسًا لأن النفس تخرج بخروجه2.
وقد يعبر بها عن الإنسان جميعه، وعن الجسد2. وهناك كلمة أخرى ترد في معنى "الروح"، هي "النسيم". و"النسم" نفس الروح كالنسمة، يقال ما بها نسمة، أي نفس، وما بها ذو نسيم، أي ذو روح. والنسم نفس الريح إذا كان ضعيفًا كالنسيم4. وقد ربطوا بين النسيم الروح، لما كان قد علق في أذهانهم إذ ذاك من أن الروح نوع من أنواع النسيم، وهو النفس الذي يتنفسه الإنسان، ومن أن النفس من النسيم كذلك، وأن بين التنفس والنفس صلة، والتنفس يكون بالنسيم، ولهذا قالوا لمن يموت موتًا طبيعيًّا: "مات حتف أنفه" و"مات حتف فيه" والحتف الموت؛ لأن نفسه يخرج بتنفسه من أنفه أو فيه. ولأنهما نهاية الرمق، ومنهما يكون التنفس5.
ويظهر من دراسة معاني الكلمات المذكورة، أن لفظة "نفس" هي بمعنى الإنسان والجسد في الشعر الجاهلي القديم، أما الروح" فبمعنى النفس،
1 تاج العروس "2/ 147"، "روح".
2 اللسان "6/ 233 وما بعدها"، نفس".
3 اللسان "6/ 234 وما بعدها"، "نفس".
4 تاج العروس "9/ 74 وما بعدها"، "نسم"، اللسان "2/ 462"، تاج العروس "2/ 147".
5 تاج العروس "6/ حتف".
أي التنفس واستنشاق الهواء والريح1. وتقابل لفظة "نفس" لفظة "نيفش" Nephesh في العبرانية، وتطلق على نفس كل كائن حي، من إنسان أو حيوان، وبهذا المعنى وردت في العهد القديم2. وتقابل لفظة Soul في الإنكليزية و Seele في الألمانية. وقد استعملت لفظة psyche اليونانية بمعنى نفس في العهد الجديد3. ومن هذه اللفظة اليونانية أخذ العلماء مصطلحهم Psychology Psychologie أي علم النفس، ثم مصطلحات العلوم الأخرى المتعلقة بموضوع النفس. وهي في الوقت الحاضر علوم عديدة.
أما لفظة "الروح"، فتقابل كلمة "روح" Ruach في العبرانية ولفظة Spirit في الإنكليزية، و Geist في الألمانية، وتكون في مقابل النفس في علم النفس، وتقابل لفظة Pneuma في اليونانية، ومعناها الهواء والريح والنفس.
ونجد بين المعاني التي ذكرها علماء العربية للألفاظ المذكورة، وهي: النفس، والريح، والهواء، والنسيم وبين المعاني الواردة في اللغات الأعجمية عنها شبهًا كبيرًا، يرجع على وجهة نظر الإنسان في تفسير مظاهر الحياة، وشعوره بوجود شيء في نفسه خارج عن حدود المادة، أي عن الجسم أو الجسد، لا يمكن أن يمسكه ولا أن يلمسه، فسماه "نفسًا" تارة وسماه "روحًا" تارة أخرى، وفرق بين الاثنين تارة ثالثة. وقد تصور أن النفس والروح، شيئان لهما علاقة بالحياة. فنسب الحياة إليهما أو إلى أحدهما. ونظرا إلى أنهما غير محسوسين، ولا يمكن الإمساك بهما أو لمسهما، تصورهما الإنسان تصورًا يختلف باختلاف درجة مداركه ومقدار ثقافته ودرجة ما توصل إليه من علم في ذلك الوقت.
وقد تصور اليونان النفس، على أنها هواء ونسيم، وتصوروها على هيئة طائر صغير في شكل الإنسان، أو على شكل طير، أو فراشة4. وهو تصور عرف عند غيرهم أيضًا، بل يكاد يكون الغالب على الناس. ولا زال الناس يصورون الروح على هيئة طائر، يسبح في الفضاء، فإذا مات الإنسان صعدت روحه إلى خالقها، أو إلى السماء فالأرواح طيور تكون في الإنسان، إذا انفصلت عن
1 Shorter Ency، p. 433.
2 التكوين، الإصحاح الأول، الآية 200.
3 إنجيل متى، الإصحاح السادس عشر، الآية 26. Hastings، p. 872
4 H. Schmidt، Philosophisches Worterbuch، s. 518
الجسد مات وأخذت هي تطير مزفرفة في الأعالي. وبهذا الرأي أخذ بعض الجاهليين تفسير النفس. تصوروا "النفس طائرًا ينبسط في الجسم، فإذا مات الإنسان أو قتل لم يزل يطيف به مستوشحًا يصدح على قبره". "وكانوا يزعمون أن هذا الطائر يكون صغيرًا ثم يكبر حتى يكون كضرب من البوم وهو أبدًا مستوحش ويوجد في الديار المعطلة ومصارع القتلى والقبور، وأنها -أي النفس- لم تزل عند ولد الميت ومخلفه لتعلم ما يكون من بعده فتخبره"1 وزعموا أنه إذا قتل قتيل فلم يدرك به الثأر خرج من رأسه طائر كالبومة. وهي الهامة، والذكر الصدى، فيصيح على قبره اسقوني اسقوني، فإن قتل قاتله كف عن صياحه. وكان بعضهم يقول إن عظام الموتى تصير هامة وتطير. وذكر أن الصدى حشو الرأس، ويقال لها الهامة أيضًا، أو الدماغ نفسه2.
وكان من زعم بعض الجاهليين، أن الإنسان إذا مات أو قتل اجتمع دم الدماغ أو أجزاء منه، فانتصب طيرًا هامة، ترجع إلى رأس القبر كل مائة سنة3. ويرجع هذا الرأي إلى عقيدة قديمة تعتبر الدم مقرًّا للنفس، بل تجعل الدم في معنى النفس، والنفس في معنى الدم، وذلك للصلة الوثيقة الكائنة بين الدم والنفس، ولأن الإنسان إذا قتل سال دمه. فتخرج روحه بخروج الدم من الجسم، أي خروج النفس من الدم، بعد أن كانت كامنة فيه. ويمثل هذا الرأي رأي العبرانيين أيضًا في النفس وفي صلتها بالدم، ورأي غيرهم من الشعوب4.
وكان اعتقادهم أن مقر الدم ومركز تجمعه في الدماغ. ومن هنا قيل بنات الهام: مخ الدماغ5، فلا غرابة إذا تصوروا أن الروح تنتصب فيه، فتكون هامة تخرج من الرأس، وتطير. ويكون خروجها من الأنف أو الفم؛ لأن النفس يكون منهما. فتتجمع الأرواح حول القبور، ويكون في وسعها مراقبة أهل الميت وأصدقائه ونقل أخبارهم إليه. ولهذا السبب، تصوروا المقابر مجتمع.
1 بلوغ الأرب "2/ 311".
2 تاج العروس "10/ 207"، "صدى"، "9/ 112"، اللسان "16/ 108".
المعاني الكبير "2/ 951، 1008 وما بعدها".
3 بلوغ الأرب "2/ 199، 311، الروض الأنف "2/ 109".
4 Hastings، p. 101.
5 اللسان "12/ 625"، "هوم".
الأرواح، تطير فيها مرفرفة حول القبور. وإلى هذه العقيدة أشير في شعر أبي دُواد:
سُلِّطَ الموتُ وَالمَنونُ عَلَيهِم
…
فَلَهُم في صَدى المَقابِرِ هامُ
وكذلك في شعر للشاعر لبيد:
وَلَيسَ الناسُ بَعدَكَ في نَقيرٍ
…
وَلا هُم غَيرُ أَصداءٍ وَهامِ1
ولهذا سموا الدماغ "الطائر" لأنهم تصوروه على صورة طير. قال الشاعر:
هم أنشبوا صم القنا في نحورهم وبيضًا تقيض البيض من حيث طائر
عنى بالطائر الدماغ. وعبر عنه للسبب المذكور بـ"الفرخ"2.
وورد أن "الصدى" ما يبقى من الميت في قبره، وهو جثته3، وقيل: حشوة الرأس، أي دماغ الإنسان الهامة والصدى. وكانت العرب تقول إن عظام الموتى تصير هامة فتطير. وقال بعض الأخباريين: إن العرب تسمي ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت إذا بلي، الصدى4.
وقد نهى الإسلام عن الاعتقاد بالصدى والهامة. ورد في الحديث: "لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر"5.
وذكر بعض العلماء أن المراد من "صفر" في الحديث النبوي المذكور دابة يقال إنها أعدى من الجرب عند العرب، فأبطل النبي أنها تعدي. وقال بعض آخر أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه وجعل صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الرسول6.
1 اللسان "12/ 624 وما بعدها"، "هوم"، وتاج العروس "9/ 112""هيم"
2 تاج العروس "2/ 272" فرخ"، "3/ 364"، "طير".
3 قال النمر بن ثولب، وهو من المخضرمين:
أعاذل أن يصبح صداي بقفرة
…
بعيدا نآني ناصري وقريبي
البرقوقي "ص75".
4 أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
البرقوقي "ص76".
5 اللسان "12/ 642"، "هوم"، تاج العروس "9/ 112"، "هيم".
6 اللسان "6/ 133"، "4/ 463"، "صفر"، "صادر".
وقد لخص "المسعودي آراء أهل الجاهلية في النفس والروح، فقال: "كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها، فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير، وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم المرء من نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفساء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه أم لا؟ قال تأبط شرًّا لخاله الشنفرى الأكبر وقد سألة عن قتيل قتله، كيف كانت قصته؟ فقال: ألجمته عضبًا، فسالت نفسه سكبًا. وقالوا إن الميت لا ينبعث منه الدم، ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة؛ لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة"1.
ثم تطرق "المسعودي" إلى رأي من قال إن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفًا به متصورًا إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشًا، يسمونه الهام، والواحدة هامة2.
ونظرًا إلى قلة ما لدينا من موارد عن الروح والنفس وعلاقتهما بالجسد، عند الجاهليين، فإننا لسنا في وضع نستطيع فيه أن نتحدث عن رأي عموم الجاهليين في تركيب الإنسان. هل هو من "جسد" و"روح"، أو "جسد" و"نفس" أي ثنائي التركيب، أو أنه من "جسد" و"روح" و"نفس"، أي ثلاثي التركيب. فقد رأينا أنهم يجعلون الروح والجسد شيئًا واحدًا أحيانًا، ويفرقون بينهما أحيانًا، ويفرقون بينهما أحيانًا أخرى. ولكننا نستطيع أن نقول إن غالبيتهم كانت ترى أن الإنسان من جسد، هو الجسم، أي مادة، ومن شيء لطيف ليس بمادة هو الروح أو النفس، وهما مصدرا القوى المدركة في الإنسان ومصدرا الحياة. وأن بانفصالهما عن الجسد، أو بانفصال الجسد عنهما يقع الموت.
ويظهر من مخاطبات الوثنيين للأصنام، كأنهم كانوا يتصورون أن لها روحًا وأنها تسمع وتجيب. ومن الجائز حلول الروح في الجماد. وقد ورد عن "ابن الكلبي" عن "مالك بن حارثة" أن والد مالك هذا كان يعطيه اللبن، ويكلفه
1 مروج "2/ 132".
2 مروج "2/ 133".
بأن يذهب به إلى الصنم ود ليسقيه، فكان مالك يشربه سرًّا ويبخل به على صنمه1. وإذا صح خبر ابن الكلبي هذا، فإنه يدل على "حارثة"، وربما غيره أيضًا من عبدة الأصنام، كان يرى أن الصنم يعقل ويدرك، يسمع ويرى، وأنه وإن كان من حجر، إلا أنه ذو روح. كما ورد أن من المشركين من كان يرى أن الشمس ملك من الملائكة ذات نفس وعقل2.
ويتبين من تشديد النبي في تسوية القبور مع الأرض، ومن لعن المتخذين على القبور المساجد والسُرُج، ومن النهي عن الصلاة إلى القبور، ومن حديث:"اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"3، إن المشركين كانوا يقدسون قبور اسلافهم، ويتقربون إليها، لزعمهم أنهم أحياء، لهم أرواح، تعي وتسمع وتدرك، وتفرح تغضب وتجيب، وتنفع وتضر، ولهذا حاربها الرسول، وأمر بتسوية القبور، إبعادًّا عن أمر الجاهلية في ذلك، وخشية العودة إلى ما كانت عليه:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 4، تعبير عن معنى هذه المشاركة وعن رأيهم في عبادة الأصنام.
1 بلوغ الأرب "2/ 214".
2 بلوغ الأرب "2/ 215".
3 بلوغ الأرب "2/ 214".
4 الزمر، الرقم 29، الآية 3.
الرجعة:
واعتقد قوم من العرب في الجاهلية بالرجعة: أي الرجوع إلى الدنيا بعد الموت فيقولون أن الميت يرجع إلى الدنيا كرة أخرى ويكون فيها حيًّا كما كان1.
ولعل هذه العقيدة هي التي حملت بعض الجاهليين على دفن الطعام وما يحتاج الإنسان في حياته إليه مع الميت في قبره، ظنًّا منهم، أنه سيرجع ثانية إلى هذه الدنيا، فيستفيد منها، فلا يكون معدمًا فقيرًا. ويفهم من كتب الحديث أن من الناس.
1 تاج العروس "5/ 348 وما بعدها"، "رجع"، "والرجعة: مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم. ومذهب طائفة من فرق المسلمين من أولي البدع والأهواء، يقولون إن الميت يرجع إلى الدنيا ويكون فيها حيًّا كما كان"، اللسان "8/ 114"، "رجع".
من سأل الرسول عن الرجوع إلى هذه الدنيا1، مما يشير على معرفة القوم عند ظهور الإسلام بهذا الرأي.
و"لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قام عمر بن الخطاب، فقال: إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله توفي، وأن رسول الله والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن رسول الله مات". ثم جاء "أبو بكر" "وعمر يكلم الناس، فقال: على رسلك يا عمر فأنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه، وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} 2
…
إلى آخر الآية". "وقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض، ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات".
وقد اعتقد بعض الجاهليين بـ"المسخ"، وهو تحول صورة إلى صورة أخرى أقبح، وتحول إنسان إلى صورة أخرى أقبح، أو إلى حيوان. كأن يصير إنسان قردًا أو حيوانًا آخر3، أو إلى شيء جماد. من ذلك ما يراه بعض أهل الأخبار عن "اللات" من أنه كان رجلًا يلت السويق عند صخرة بالطائف، فلما مات قال لهم "عمرو بن لحي" إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة، ثم أمرهم بعبادتها وبنى بيتًا عليها يسمى اللات4. وما رووه أيضًا عن إساف" و"نائلة" من أنهما كان رجلًا وامرأة، عملا عملًا قبيحًا في الكعبة فمسخا حجرين5. وما رووه من أن "سهيلًا" كان عشارًا على طريق اليمن ظلومًا.
1 النهاية "2/ 72" رجع.
2 سورة آل عمران الآية 144 الطبري" 3/ 200 وما بعدها".
3 تاج العروس "2/ 279"، "مسخ".
4 تاج العروس "1/ 580"، "لت".
5 تاج العروس "6/ 40 وما بعدها""أسف" اللسان "10/ 348"، الأصنام "9، 29، الروض الأنف "1/ 64"، المحبر "318".
فمسخه الله كوكبًا1
وورد أن بعض الملائكة عصى الله فأهبط إلى الأرض في صورة رجل تزوج أم جرهم فولدت له جرهمًا وأن ما تولد بين الملك والآدمي يقال له: "العلبان"2 وأن "النسناس" جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة، أصلهم حي من عاد عصوا رسولهم فمسخوا نسناسًا، لكل إنسان منهم يد ورجل من شق واحد، ينقزون كما ينقز الطائر ويرعون كما ترعى البهائم3.
وقد ذكر "الجاحظ" أمثلة من أمثلة المسخ التي وقعت للحيوان على اعتقاد الناس، من ذلك: اعتقادهم أن السمك "الجري" والضباب كانتا أمتين من الأمم مسختا واعتقادهم أن "الإربيانة" كانت خياطة تسرق السلوك، وأنها مسخت وترك عليها بعض خيوطها لتكون علامة لها ودليلًا على جنس سرقتها، ومن أن "الفأرة" كانت طحانة" والحية كانت في صورة جمل، وأن الله عاقبها حتى لاطها بالأرض، وقسم عقابها على عشرة أقسام، حين احتملت دخول إبليس في جوفها حتى وسوس إلى آدم من فيها. ومن أن الإبل خلقت من أعناق الشياطين، وأن الكلاب أمة من الجن مسخت، وأن الوزغة والحكأة من ممسوخ الحيوان4.
ومن أمثلة المسخ: جرهم، فقد زعم أن جرهمًا كان من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم. وكان بعض الملائكة قد عصى الله، فأهبط إلى الأرض في صورة رجل، تزوج أم جرهم فولدت له جرهمًا5. وزعموا أن سهيلًا كان عشارًا باليمن، فلما ظلم مسخه الله نجمًا6. و"الزهرة" وقد زعموا أنها كانت بغيًّا عرجت إلى السماء فمسخها الله شهابًا7. و"البسوس"، وقد زعموا أنها كانت امرأة مشئومة اسمها: البسوس، أعطي زوجها ثلاث دعوات مستجابات، وكان له منها ولد، فكانت محبة له. فقالت اجعل لي منها دعوة واحدة. قال: فلكِ واحدة. فماذا تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة
1 تاج العروس "7/ 384"، "سهل"، الحيوان "1/ 297".
2 الحيوان "1/ 187"، "4/ 70" حاشية "6".
3 تاج العروس "4/ 257"، "نس".
4 الحيوان: "1/ 152، 297"، "6/ 86، 155"، "4/ 68".
5 الحيوان "1/ 187"، "4/ 69"، الروض الأنف "1/ 97".
6 الحيوان "1/ 297"، "4/ 69".
7 الحيوان "4/ 69".
في بني إسرائيل: ففعل فرغبت عنه، لما علمت أن ليس فيهم مثلها، فأرادت سيئًا. فدعا الله تعالى عليها أن يجعلها كلبة نباحة، فذهبت فيها دعوتان. فجاء بنوها، فقالوا: ليس لنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا بها الناس. فادع الله تعالى: أن يردها إلى حالها التي كانت عليها، ففعل. فعادت كما كانت: فذهبت الدعوات الثلاث بشؤمها، وبها يضرب المثل1.
ونجد عقيدة "المسخ" عند غير العرب أيضًا. ففي التوراة أن الله مسخ امرأة لوط، فصارت عمود ملح2. ونجدها عند الهنود وعند غيرهم من الأمم القديمة. وقد تسرب من اليهودية إلى العرب المسلمين كثير من القصص الوارد في المسخ.
وقد أنكر بعض المتكلمين "المسخ" وأنكره قوم آخرون، لكنهم جوزوا "القلب" وهو أن يُقلب ابن آدم قردًا من غير أن ينقص من جمسه طولًا أو عرضًا3.
1 تاج العروس "4/ 109"، "بس".
2 التكوين، الإصحاح 19، الآية 24 وما بعدها.
3 الحيوان "4/ 73".
الزندقة:
وقد أشار بعض الأخباريين إلى اعتقاد بعض قريش بالنور والظلمة زاعمين أنهم أخذوه من الحيرة. ويسمي الأخباريون أصحاب هذا الرأي "الثنوية"، وأطلقوا علي تلك الفئة المذكورة من قريش:"الزنادقة"1. ولم يذكروا شيئًا عن زندقة تلك الجماعة من قريش ولا عن رجالها. وأشار بعض أهل الأخبار إلى وجود الزندقة والتعطيل في قريش: "وكانت الزندقة والتعطيل في قريش"2.
وقد وصفوا الزنديق بأنه القائل بدوام بقاء الدهر3، ولا يؤمن بالآخرة وبوحدانية الخالق. فهو دهري ملحد لا يؤمن بوجود إله واحد، وهو من الثنوية" على
1 اللسان "12/ 12""زندق"، "10/ 147"، "بيروت 1956"، تاج العروس "6/ 273" وكانت الزندقة في قريش أخذوها من الحيرة" المعارف "621" المعرب، للجواليقي "166".
2 البدء والتأريخ، "4/ 31" بلوغ الأرب "2/ 228".
3 اللسان "10/ 147""بيروت 1956"، واللسان "12/ 12"، "زندق""بولاق".
رأي بعض العلماء1. وإلى هذا المعنى في تفسير زندقة قريش، ذهب أكثر أهل الأخبار. وقد عد "أبو العلاء" المعري "شداد بن الأسود الليثي" المعروف أيضًا بـ"ابن شعوب" وهي أمه، شاعر زنادقة قريش. وذلك لشعره الذي فيه:
ألا من مبلغ الرحمن عنى
…
بأني تارك شهر الصيام
إذا ما الرأس زايل منكبيه
…
فقد شبع الأنيس من الطعام
أيوعدنا ابن كبشة أن سنحيا؟
…
وكيف حياة أصداء وهام
أتترك أن ترد الموت عني
…
وتحييني إذا بليت عظامي2
والزندقة كلمة معربة، ذكر علماء اللغة أنها أخذت من الفارسية، أريد بها في الأصل الخارجون والمنشقون على تعاليم دينهم، فهي في معنى "هرطقة". وقد صار لها في العهدين: الأموي والعباسي مدلول خاص، حيث قصد بها "الموالي الحمر"، الذين تجمعوا في الكوفة، وكانوا يظهرون الإسلام ويبطنون تعاليم المجوسية والإلحاد3.
وفي كلام أهل الأخبار عن الزندقة ووصفهم لزندقة قريش إبهام وغموض وخلط. وإذا كان الزنديق هو القائل ببقاء الدهر، وبعدم وجود عالم ثانٍ بعد المون، فتكون الزندقة "الدهرية" ويكون الزنديق هو الدهري لقوله بالدهر وبأبدية الكون والمادة4. أما القول بالثنوية: بالنور والظلمة، وبالكفر والإلحاد فشيء آخر، يختلف عن القول بالدهر. والظاهر أن الجمع بين القول بالدهر وبالقول بالنور والظلمة وبالكفر والإلحاد، إنما وقع في الإسلام، بسبب الخلط الذي وقع بين المعنى المفهوم للفظة في الفارسية القديمة وفي الفارسية الحديثة، وبالمعنى الذي ظهر للكلمة في الإسلام. والذي تحول إلى زندقة بغيضة تحوي العناصر المذكورة، والتي كانت تؤدي بمن يتهم بها إلى القتل.
1 اللسان "10/ 147"، "زندق" الغزالي، فيصل المتفرقة بين الإسلام والزندقة "173"، "1961".
2 رسالة الغفران "421 وما بعدها".
3 "والحمراء العجم، لبياضهم، ولأن الشقرة أغلب الألوان عليهم"، اللسان "5/ 288""حمر"، Shorter Ency. Of Islam، p. 659، Muh Stud، I، S. 150.
4 المعرب "ص166 وما بعدها"، اللسان "12/ 12"، "10/ 147"، طبعة دار بيروت "1956م".
وقد أشير في القرآن الكريم إلى وجود القائلين بالدهر: "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا، نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر"1. وهو على حد قول المفسرين والأخباريين، من لا يؤمن بالآخرة وبوحدانية الله. وهو مذهب ودين كان عليه كثير من أهل الجاهلية، يسخر من البعث بعد الموت، ويرى استحالة ذلك. ولم يذكر المفسرون أن من عقيدة هؤلاء القول بالثنوية، أي بالنور والظلمة، وبوجود إلهين: إله الخير وإله الشر.
وقد ذكر "محمد بن حبيب" أسماء "زنادقة قريش"، فجعلهم "أبو سفيان بن حرب"، و"عقبة بن أبي معيط"، و"أبي بن خلف الجمحي"، و"النضر بن الحارث بن كلدة"، و"منبه" و"نبيه" ابنا "الحجاج" الهميان، و"العاص بن وائل" السهمي، و"الوليد بن المغيرة" المخزومي. وذكر أنهم "تعلموا الزندقة من نصارى الحيرة"2. فربط هنا بين الزندقة وبين "نصارى الحيرة". وقد هذب "ابن قتيبة" أيضًا، إلى أخذ قريش الزندقة من الحيرة3.
والذي نعرفه عن المذكورين أنهم كانوا من المتمسكين الأشداء بعبادة الأصنام: وقد كان "أبو سفيان" يستصرخ "هبل" على المسلمين يوم أحد. ويناديه: "اعل هبل، اعل هبل"، وقد نص على أنه كان من أشد المتحمسين لعبادة الأصنام4. ولم يذكر أحد من أهل الأخبار، أنهم كانوا ثنويين على رأي المجوس، يقولون بإلهين، بالنور والظلمة، وأنهم تعبدوا للنار، أو تأثروا برأي مزدك أو ماني الذي أضيف إليه الزندقة، ولا نجد في آرائهم المنسوبة إليهم وفي حججهم في معارضه الرسول ما يشير إلى "زندقة" بمعنى "ثنوية"، لذلك فزندقة من ذكرت لا يمكن أن تكون بهذا المعنى ولا على هذه العقيدة5.
وللوقوف على زندقة من ذكرت من رجال قريش، ولتحديد معنى زندقتهم، يجب الرجوع إلى ما نسب إليهم من آراء وإلى ما عارضوا به الرسول وحاربوه.
1 الجاثية، الآية 23.
2 المحبر "161"، "زنادقة قريش".
3 المعارف "621" الأعلاق النفسية "217".
4 اللسان "14/ 212"، تاج العروس "8/ 162"، "هبل"، الأصنام "28".
5 راجع معنى الزندقة في مروج الذهب "1/ 275"، "أثناء حديثه على بهرام".
من أجله. ويمكن حصر ذلك في أمرين: التقرب إلى الأصنام والتعبد لها، والدفاع عنها بقولهم:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} 1، ولا علاقة لهذه العقيدة بالزندقة. والأمر الثاني، هو القول بالدهر وبالتعطيل، أي بنكران البعث والحشر والنشر. ويتجلى ذلك في قولهم لرسول الله: إن كنت صادقًا فيما تقول: فابعث لنا جدك: "قصي بن كلاب"، حتى نسأله عما كان ويحدث بعد الموت، وأمثال ذلك مما له علاقة بنفي وقوع البعث. وهو الذي له صلة بالزندقة. فالزندقة بهذا المعنى قول الدهر وبدوامه ونكران للبعث، لا الثنوية بمعنى القول: بالنور والظلمة.
وأما ما يرويه أهل الأخبار من أخذ زنادقة قريش زندقتهم من الحيرة2، أو من نصارى الحيرة3، فإن فيه تأييدًا لما قلته من أن الزندقة لا تعني المجوسية والثنوية، وإنما القول بالدهر، وإنكار المعاد الجسماني4. وهو قول قريب من قول من أنكر بعث الأجسام، وآمن ببعث الروح فقط من النصارى ومن غيرهم من أهل الأديان.
والزندقة بهذا المعنى قريبة من رأي القائلين بالدهر، وهم "الدهرية" الذين أشير إليهم في القرآن الكريم، في الآية:{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} 5. وهم من يقول ببقاء الدهر، وبنكران البعث والآخرة، والخالق والرسل والخلق على بعض الآراء، وينسبون كل شيء إلى فعل الدهر، أي الأبدية مع التأثير في حياة الإنسان وفي العالم. ولهذا أضافوا إليه بعض الألفاظ والنعوت التي تشير إلى وجود هذا التأثير في الحياة فقالوا: يد الدهر، وريب الدهر، وعدواء الدهر، و"الدهر لا يبقى على حدثانه"، و"الدهر يحصد رببه ما يزرع"، وأمثال ذلك من تعابير، فنسبوا إليه الفعل في الكون وفي كل ما فيه6.
1 الزمر، سورة رقم 39، الآية 3.
2 المعارف "621".
3 المحبر "621".
4 مروج "2/ 102"، "ذكر ديانات العرب وآرائها في الجاهلية".
5 الجاثية، سورة رقم 45، الآية 24، تفسير الطبري "25/ 151"، القاهرة 1954".
6
ألم أخبرك أن الدهر غول
…
ختور العهد يلتهم الرجالا
ألا إنما الدهر ليال وأعصر
…
وليس على شيء قويم بمستمر
السندوبي "83، 171".
ونسبوا الإماتة إلى الدهر، فقالوا:"وما يهلكنا إلا الدهر" أي وما يميتنا إلا الأيام والليالي، أي مرور الزمان وطول العمر، إنكارًا منهم للصانع. قال أحدهم:
فاستاثر الدهر الغداة بهم
…
والدهر يرميني وما أرمي
يا دهر قد أكثرت فجعتنا
…
بسراتنا ووقرت في العظم1
فكانوا في الجاهلية يضيفون النوازل إلى الدهر، والنوازل تنزل بهم من موت أو هرم، فيقولون أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر، فيجعلون الدهر الذي يفعله، فيذمونه ويسبونه. وقد ذكروا ذلك في أشعارهم2.
ومن الجمل التي تنسب الفعل إلى الدهر، قولهم:"أصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، وأبادهم الدهر"، والدهر يجلب الحوادث، ففي هذه الجمل وأمثالها معنى أن ما ينزل بالإنسان من قوارع، وما يحل به من إبادة هو بفعل الدهر، فهو إذن المهيمن على العالم والمسخر له3.
وقد كان هذا الاعتقاد راسخًا في نفوس كثير من الجاهليين، وفي نفوس كثير ممن أدرك الإسلام فأسلم، فكانوا إذا أصيبوا بمكروه وبحادث مزعج نسبوا حدوثه إلى الدهر. فسبوه كما يتضح من حديث: "لا تسبوا الدهر، فإن
1 تفسير الطبرسي "25/ 136"، "بيروت 1955"، "25/ 78" وما بعدها"، "طبعة طهران".
2 تاج العروس "2/ 218"، "دهر".
3
ديار بني سعد بن ثعلبة الألى
…
أذاع بهم دهر على الناس دائب
فأذهبهم ما أذهب الناس قبلهم
…
ضراس الحروب والمنايا العواقب
Caskel، S. 45..
ولست إذا ما الدهر أحدث نكبة
…
ورزاء بزوار القرائب أخضعا
Caskel، S. 50.
وإلا تعاديني المنية أغشكم
…
على عدواء الدهر جيشا لهاما
Caskel، S. 51.
ابن قتيبية: الشعراء "229".
غنينا زمانا بالتصعلك والغنى
…
كما الدهر في أيامه العسر واليسر
Caskel، S. 51..
قال زهير بن أبي سلمى:
واستأثر الدهر الغداة بهم
…
والدهر يرميني ولا أرمي
ديوان زهير "385".
الله الدهر"، أو "فإن الدهر هو الله" ومن حديث: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وإنما أنا الدهر: أقلب الليل والنهار"1. وأحاديث أخرى من هذا القبيل. وقد ذكر "الجاحظ"، أن من الصحابة والتابعين والفقهاء من نهى الناس من قول: طلع سهيل وبرد سهيل، وقوس قزح، كأنهم كرهوا ما كانوا عليه من عادات الجاهلية، ومن العود في شيء من أمر تلك الجاهلية، فاحتالوا في أمورهم، ومنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلق2.
وفي هذين الحديثين توفيق فكرة الجاهليين في الدهر، وللعقيدة الإسلامية في التوحيد بأن صير الدهر الله، وصيره بعض العلماء من أسماء الله الحسنى. والذي حملهم على ذلك، على ما أرى، صعوبة إزالة تلك الفكرة التي رسخت في النفوس منذ القدم عن فعل الدهر، وعن أثره في الكون، فرأى القائلون بذلك إزالتها بجعل الدهر اسمًا من أسماء الله، أو هو الله تعالى: وهو واحد أحد، والدهر واحد أبدي أزلي كذلك، فلا تصادم في هذا التوفيق بين الرأيين.
وقد وقع هذا التوفيق على ما أعتقد بعد وفاة الرسول في أمور عديدة نسبت إلى الرسول، وقد ثبت عدم إمكان صدورها منه. وللحكم على صحة نسبة الحديثين إلى الرسول أحيل القارئ على الطرق التي وردا بها، وإلى آراء العلماء فيهما، وأعتقد أنه إن فعل ذلك فسيجد في نسبتها إلى الرسول بعض الشك، إن لم أقل كل الشك.
وتعبر لفظة "الزمان" عن معنى "الدهر" كذلك. وقد ذهب علماء اللغة إلى أن الزمان، أقصر من الدهر؛ إذ يقع على الزمان القصير، أما الدهر، فالزمان الدائم، أي الزمان الذي لا ينتهي بنهاية. وأنا لا يهمني في هذا المكان تفريق العلماء بينهما في الطول والقصر، إنما المهم عندي هو أن الجاهليين استعملوا الزمان استعمالهم للدهر، ونسبوا إليه ما نسبوه للدهر من فعل في الإنسان وفي الحياة والعالم. هذا "زهير بن أبي سلمى" يتشكى منه في قصيدته التي يمدح بها "هرم بن سنان"، فيقول في مطلعها:
1 اللسان "5/ 378"، "دهر"، تاج العروس "3/ 218"، "دهر"، المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، تفسير الطبرسي "25/ 136"، "بيروت 1955"، صحيح مسلم "15/ 2 وما بعدها".
2 الحيوان "1/ 340 وما بعدها".
لمن الديار بقنة الحجر
…
أقوين من حجج ومن دهر
لعب الزمان بها وغيرها
…
بعدي سوافي المور والقطر1
وتجد اللفظة في أشعار غيره من الشعراء الجاهليين والإسلاميين تعبر عن "غدر الزمان" وعن "كذبه"2 وتلونه وتلاعبه بمقدرات الإنسان3. وفي كل هذه المواضع التي استعملت فيها تعبير عن تلك العقيدة التي لا تزال راسخة في نفوس كثير من الناس، وهي أن الحياة قسمة ونصيب وحظ وبخت، وأنه ليس لمخلوق على ما يقدره له القدر من سلطان. وأن الزمان يلعب بالإنسان وبالكون كيف يشاء، مع أن الإنسان لو فكر في نفسه وتأمل في عقله، لوجد أنه هو الذي خلق الزمان أي الدهر فأوجده على صورته هذه، بأن حدده وعينه بسنين وبقرون، وليس الزمان إلا دوام وبقاء لهذا الكون، وليس له أي فعل حقيقي في هذا الكون، والإنسان هو الذي أوجد السنين ليقيس بها طول الزمان، لحاجته إلى معرفته، وأن حسابه بالسنين مهما سيطول، فإنه لن يبلغ ولن يكون في مقدوره بلوغ نهاية الكون.
والمعنى الذي نفهمه من "الدهر" في الشعر الجاهلي، هو الأبدية مع التاثير في حياة الإنسان وفي العالم. ولهذا أضافوا إليه بعض الألفاظ التي تشير إلى وجود هذا التأثير في الحياة، فقالوا: يد الدهر، وريب الدهر، وعدواء الدهر، وأمثال ذلك من تعابير. فنسبوا إليه الفعل في الكون وفي كل ما هو فيه4.
1 وفي بعض الروايات "لعب الرياح" شرح ديوان زهير "ص87"، Caskel، S. 44.
2
أفرحت أن غدر الزمان بفارس
…
قلح الكلاب وكنت غير مغلب
يا مر كذب الزمان عليكم
…
ونكأت قرحتكم ولما أنكب
Caskel، S. 51..
3
ولو سألت سراة الحي عني
…
على أني تلون بي زماني
.Caskel، S. 52.
4 "والدهر لا يبقى على حدثانه"، "والدهر يحصد ريبه ما يزرع".
ألم أخبرك أن الدهر غول
…
ختور العهد يلتهم الرجالا
ألا إنما الدهر ليال وأعصر
…
وليس على شيء قويم بمستمر
Caskel، Die Schiksal in der altarabischen Poesie، Leipzig. 1926، s. 48، w. L. Schramaier، uber den Fatalismus der Barislamischen Araber، S. 12، Bnn. 1881.
ومن نسب إليه القول بالدهر، الحارث بن قيس، المعروف بابن الغيطلة1.
وتؤدي لفظة "الأيام" هذا المعنى كذلك، بل استعملت أجزاء اليوم مثل "الليالي" للتعبير عن تلك الفكرة أيضًا. فالليالي هي كالأيام، لا يمكن أن يطمأن إليها، ولا أن يوثق بها، إنها تتلون وتتبدل ولا تخلص لأحد. وحيث إن الليالي هي أوقات الراحة والاستقرار والهدوء، وأوقات الأنس والطرب والانفراد بالأحبة، وهي أوقات الغدر والاغتيال والغارات والغزو في الوقت نفسه، فيكون ذكرها في الشعر وتفضيلها على النهار وتقديمها عليه، ونسبة الخير أو الشر إليها أكثر من نسبتها إلى النهار شيئًا طبيعيًّا. لذلك يجب ألا يستغرب ما نقرؤه في الشعر وما نسمعه من أفواه الناس من نسبة تبدل الحال والتلون إلى الليالي أكثر من النهار2.
وقد استعملت لفظة "عَوْض" في معنى الدهر والزمان. وردت في شعر شاعر من شعراء بكر بن وائل، فعبر بهذه اللفظة عن زمانه. واستخدام بكري لهذه الكلمة. يشير إلى الصنم "عوض" الذي كانت بكر قبيلة هذا الشاعر تتعبد له3. وقد أقسموا بها. فقالوا:"عوض لا يكون ذلك أبدًا"4، ولا أستبعد وجود صلة بينها وبين الصنم "عوض".
وأما "الحمام" فإنه قضاء الموت وقدره، يقال:"حُمَّ طه" أي قضى وقدر5. وقد وردت لفظة "حم" ومتعلقاتها في أشعار عديدة بهذا المعنى. أي القضاء والتقدير. فورد "ما حم واقع" وورد "أحم الله...." و"حمه الله"، و"حمت لميقاتي"، و"حمتي"، و"حمام الموت"، و"حمام
1 أنساب "1/ 132".
2
فأن تك غبراء الخبيبة أصبحت
…
خلت منهم واستبدلت غير إبدال
بما قد رأى الحي الجميع بغبطة
…
بها والليالي لا تدوم على حال
Caskel، S. 45..
3 "وعوض معناه أبدًا أو الدهر. سمي به لأنه كلما مضى جزء عوضه جزء أو قسم أو اسم صنم لبكر بن وائل"، والقاموس "2/ 337"، قال الأعشى:
حلفت بمائرات حول عوض
…
وأنصاب تركن لدى السعير
وقيل إن هذا الشعر لرشيد بن رميض العنزي. والسعير اسم صنم كذلك. تاج العروس "5/ 58 وما بعدها"، "عوض".
4 تاج العروس "5/ 58"، "عوض".
5 تاج العروس "8/ 258".
النفس"، و"حمام المنون"، و"حمام"1. وهي من حيث هذا المعنى كالحتف والأجل والآجال والحتوف والمنون.
1 قال البعيث:
ألا يا لقوم كل ما حم واقع
…
وللطير مجرى والجنوب مصارع
وقال الأعشى:
تؤم سلامة ذا فائش
…
هو اليوم حم لميعادها
وقال خباب بن غزي:
وأرمي بنفسي في فروج كثيرة
…
وليس الأمر حمه الله صارف
تاج العروس "8/ 258".
القضاء والقدر:
ويسوقنا هذا الموضوع إلى البحث عن فكرة القضاء والقدر عند الجاهليين. فقد كان بين أهل الجاهلية من كان يقول بالجبر، وبأن الإنسان مسير لا مخير. وأن كل ما يقع له مكتوب عليه، ليس له دخل في حدوثه. ومن هؤلاء القائلون بالدهر والمنون والحمام وما شاكل ذلك من مصطلحات تشير إلى وجود هذا الرأي عندهم.
ولا يعني القول بالجبر، أن قائله من المتألهين القائلين بوجود خالق أوجد الكون، فقد كان من المجبرة من كان ملحدًا، لا يقول بخالق، وكان منهم من كان مشركًا. كما أن بينهم من كان يؤمن بوجود خالق أو جملة آلهة فليس لمذهب الجبر علاقة بالخالق، وإنما هو مذهب يري أن الإنسان مسير، وأنه يسير وفق ما كتب له، ومنهم من ينسبه إلى علة، هي الله أو الدهر، ومنهم من لا ينسبه إلى أحد وهو مذهب موجود في اليهودية وفي النصرانية وفي الإسلام.
ونجد هذه العقيدة في شعر الشاعر النصراني "عدي بن زيد العبادي"، وربما نجدها أيضًا عند سائر إخوانه النصارى ومن كان على هذا الدين من غيرهم من العرب. والواقع أن الاعتقاد بوجود إله خلق الكون منفردًا، أو آلهة خلقوا الكون مشتركين، يحمل الإنسان على أن يتصور نفسه أنه لا شيء تجاه خالقه أو آلهته وأنه من صنعهم، فما يقوم به، هو من صنع الله أو من صنع الآلهة.
وهي عقيدة لا بد أن يكون للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إذ ذاك دخل في شيوعها بينهم. ونكاد نجد أكثر الشعوب الشرقية على هذا الرأي. وأما ما ظهر من نظرية حرية الإرادة وقدرة الإنسان على خلق أفعاله واختياره، فإنه من تأثير الفلسفة الإغريقية التي دخلت النصرانية.
ونرى "حاتم الطائي" وهو من النصارى على رأي، مؤمنًا بالقضاء وبالقدر وبما يأمر به الله، إذ يقول:
أتيح له من أرضه وسمائه
…
حمام، وما يأمر به الله يفعل
فأسند الأمر والنهي في هذا البيت إلى الله، وأما الإنسان فإنه مأمور مسير. ونجده يكل أمره إلى الله، ويدعو على تسليم أمرهم للإله الذي يرزقهم اليوم ويرزقهم غدًا:
كلوا اليوم من رزق الإله وأيسروا
…
وإن على الرحمن رزقكم غدا
ونجد "المثقب العبدي" مؤمنًا بالله، وبالقدر. فما يقع للإنسان يكون بمشيئة الإله وقدره:
وأيقنت إن شاء الإله بأنه
…
سيبلغني أجلادها وقصيدها1
و"القدر" و"المقدر" و"المقدور" و"الأقدار" و"القضاء"، من الألفاظ القديمة التي كانت تؤدي هذا المعنى الذي نبحث فيه قبل الإسلام واستعمال المتكلمين للقضاء والقدر وللقدرية، لا يعني أن تلك الكلمات من الألفاظ التي نبعت في الإسلام. بل إن ظهورها في هذا العهد واشتهارها فيه، هو لاستخدامها العلماء لها في مدولات معينة وفي مصطلحات وأفكار توسعت واستقرت في هذا العهد.
ونجد الإشارة إلى القدر في شعر الجاهليين والمخضرمين بالمعنى الذي نقصده هنا، أي شيء مفروض على كل إنسان. هذا لبيد الشاعر المخضرم يذكر أن ما يرزقه هو من فضل الله عليه، وما يحرمه فإنه مما يجري به.
1 تاج العروس "2/ 468"، "قصد".
القدر1. ونجد فكرة القدر مركزة قوية صريحة في شعره، فهو يعتقد أن القدر خيره وشره من الله، وأن ما يصيب الإنسان مكتوب عليه، ولا راد لما هو مكتوب ولا دخل لامرئ في عمله، فليحمد اله على خيره، وليشكره على شره أيضًا، فهو العالم وحده بما هو صالح وضار2. وشعره هذا لا بد أن يكون مما نظمه في الإسلام؛ إذ لا يعقل أن يكون من نظم عصر وثني، لما يتجلى عليه من الطابع الإسلامي في الفكر وفي الأسلوب والعرض.
كذلك نجد هذه العقيدة عقيدة القدر في شعر "زهير بن أبي سلمى" وفي شعر غيره من الشعراء. هذا زهير يقول: إن المنايا أمر لا مفر منه، وإن من جاءت منيته لا بد أن يموت، ولو حاول الارتقاء إلى السماوات فرارًا منه3. ثم نجده يقول:
رَأَيتُ المَنايا خَبطَ عَشواءَ مَن تُصِب
…
تُمِتهُ وَمَن تُخطِئ يُعَمَّر فَيَهرَمِ4
فليس للإنسان دخل في عمله، وإنما كل شيء يقع له في حياته هو مكتوب عليه. مكتوب عليه أن يموت في أجله. وأن يعيش إلى أجله، وأن يكون غنيًّا وأن يكون فقيرًا، وليس للإنسان عمل على سلطان الحظ.
ومن القائلين بالقدر، "عبيد بن الأبرص"، الشاعر الجاهلي الشهير، المقتول في قصة معروفة مشهورة. نجد في الشعر المنسوب إليه اسم "الله" يتردد في كثير من المواضع، ونراه من المتشائمين المؤمنين بالمنايا وبالمحتم المكتوب، وتراه يتوكل على الله، ويدعو الناس إلى الاعتماد عليه، فيقول:
1
فما رزقت فإن الله جالبه
…
وما حرمت فما يجري به القدر
ديوان لبيد "ص54"، "طبعة ليدن 1891".
ولا أقول إذا ما أزمة أزمت
…
يا ويح نفسي مما أحدث القدر
Caskel، S. 20.
2
من يبسط الله عليه أصبعا
…
بالخير والشر بأي أولعا
ديوان لبيد "8، 11، 28، 33، 53، 54، 55،"، "طبعة بروكلمن" Ency، III، P. I..
3
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه
…
ولو نال أسباب السماء بسلم
شرح ديان زهير لثعلب "ص30"، "وطر بالذي قد حم"، Caskel، S. 54.
4 الحيوان "2/ 103".
من يسأل الناس يحرموه
…
وسائل الله لا يخيب
بالله يدرك كل خير
…
والقول في بعضه تلغيب
والله ليس له شريك
…
علام ما أخفت القلوب1
ونراه يقول في المنايا:
فأبلغ بني وأعمالهم
…
بأن المنايا هي الوارده
لها مدة فنفوس العباد
…
إليها وإن كرهت قاصده
فلا تجزعوا الحمام دنا
…
فللموت ما تلد الوالده2
وفي كثير من مواضع شعره يذكر المنايا ويذكر الموت، ثم هو يتجلد ويتصبر في ملاقاة الشدائد والأهوال، وينصح الناس بالسير على هذا المنوال. والذي يقرأ شعره، يشعر أنه أمام رجل حضري رقيق عاطفي المزاج ذي نفس ميالة إلى التقشف والتصوف، مؤمن بالعدل، كاره للظلم، فهل كان عبيد على هذه الشاكلة؟ وهل هذا الشعر وخاصة ما جاء منه في البائية هو نظم من منظومه؟ أو هو من نظم من عاش بعده في الإسلام؟
ونجد "عمرو بن كلثوم" في جملة من آمن بالقضاء والقدر، وبأن الموت مقدر لنا، ونحن مقدرون له، وذلك في قوله:
وَإِنّا سَوفَ تُدرِكُنا المَنايا
…
مُقَدَّرَةً لَنا وَمُقَدَّرينا3
وهو من المؤمنين بالله، الحالفين به. وذلك كما جاء في بيت شعر نسبوه إليه:
مَعَاذَ اللَهِ يَدعوني لِحِنثٍ
…
وَلَو أَقفَرتُ أَيّاماً قُتارُ4
وكما ورد في أشعار أخرى تنسب إليه.
والشاعر "لبيد" من هذه الطبقة التي اعتقدت أن الله خالق كل شيء،
1 البيان والتبيين "1/ 226"، شعراء النصرانية، القسم الرابع "ص607".
2 شعراء النصرانية، القسم الرابع "604 وما بعدها".
3 التبريزي، شرح القصائد العشر "384"، "البيت رقم 7 من المعلقة"، شرح القصائد السبع للزوزني "146 وما بعدها"، جمهرة أشعار العرب "120".
4 المحبر "471".
يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فلا دخل للإنسان في عمله، تراه يقول:
من هداه سبل الخير اهتدى
…
ناعم البال ومن شاء أضل1
وتؤدي لفظة "منا" معنى القدر، ومنها "الماني" بمعنى القادر، و"المنية" بمعنى الموت؛ لأن الموت مقدر بوقت مخصوص2. وهي من الكلمات السامية المشتركة الواردة في مختلف لهجات هذه المجموعة. ولهذه الكلمة صلة باسم الإله الكنعاني "منى"، وهو إله القدر. ولها أيضًا صلة بالصنم "منوات""منوت" من أصنام ثمود، وبـ"مناة" من أصنام الجاهليين3.
ومن أصل "منا""المنايا" الواردة في أشعار الجاهليين4. و"الماني الواردة في شعر منسوب إلى سويد بن عامر المصطلقي، هو:
لا تأمن الموت في حل ولا حرم
…
إن المنايا توافي كل إنسان
واسلك طريقك فيها غير محتشم
…
حتى تلاقي ما يمني لك الماني
في رواية. و:
لا تأمنن وإن أمسيت في حرم
…
حتى تلاقي ما يمني لك الماني
فالخير والشر مقرونان في فرن
…
بكل ذلك يأتيك الجديدان
1 الأغاني "9/ 112"، "21/ 126".
2 تاج العروس "10/ 347 وما بعدها".
إن المنية منهل
…
ولا بد أن أُسقى بكأس المنهل
الأغاني "15/ 79".
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع
ولو كنت في بيت تسد خصاصه
…
حوالي من أبناء نكرة مجلس
ولو كان عندي حازيان وكاهن
…
وعلق أنجاسا على المنجس
إذا لاتتني حيث كنت منيتي
…
يخب بها هاد إلى معرس
Caskel، s. 29.
3 Caskel، s. 22، Ency، Religi، I، P. 661.
4
وأن المنايا ثغر كل ثنية
…
فهل ذاك عما يبتغي القوم محضر
وغبراء مخشي رداها مخوفة
…
أخوها بأسباب المنايا مغرر
ديوان عروة بن الورد "38"، "تحقيق نولدكه"، كوتنكن 1863".
على رواية أخرى.
وفي هذا البيت الذي ينسبه بعض الرواة إلى أبي قلابة الهذلي:
وَلا تَقولَنْ لِشَيءٍ سَوفَ أَفعَلُهُ
…
حَتّى تُلاقِي ما يمني لَكَ الماني1
وتؤدي كلمة "المنون" معنى الدهر والموت2، وقد تسبق بكلمة "ريب" في بعض الأحيان، فيقال:"ريب المنون" كما يقال "ريب الدهر"3.
ويرى "نولدكه" إن هذه الكلمات هي أسماء آلهة، وليست أسماء أعلام، هي أسماء تعبر عن معانٍ مجردة للألوهية، وهي مما استخدام في لغة الشعر للتعبير عن هذه العقائد الدينية. فالزمان مثلًا أو الدهر، لا يعنيان على رأيه هذا إلهًا معينًا، ولا صنمًا خاصًّا، إنما هي تعبير عن فعل الآلهة في الإنسان4.
وبعض هذه الكلمات -في رأي "ولهوزن"- مثل قضاء ومنية، هي بقايا جمل اختصرت، ولم يبق منها غير بقايا هي هذه الكلمات. فكلمة قضاء هي بقية جملة أصلها "قضاء الله" سقطت منها الكلمة الأخيرة، وبقيت الأولى. وكذلك الحال في منية، فإنها بقية جملة هي: "منية الله، سقط عجزها، وبقي صدرها. وهي تعني أن المنية هي منية الله تصيب الإنسان5.
يبدو أن من الغريب ذكر الدهر والزمان والحمام والمنايا وأمثالها في الشعر ونسبة الفعل إليها، بينما يهمل ذكر الأصنام فيه أو نسبة الفعل إلى الله. فهل يعني هذا أن الجاهليين لم يكونوا يعلمون أن لله سلطانًا وحولًا، وأن المنايا والحتوف وكل خير أو مكروه هو من فعل الله؟ الواقع أن هذا الذي نذكره يذهب إليه أهل
1 تاج العروس "10/ 347"، اللسان "15/ 292"، "منى".
2 تاج العروس "9/ 350 وما بعدها".
3 "أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون"، الطور، الآية 30.
أئن رأت رجلًا أعشى أضر به
…
ريب المنون ودهر مفند خبل
تخوفني ريب المنون وقد مضى
…
لنا سلف قيس معًا وربيع
ديوان عروة بن الورد "ص43" نولدكه".
أمن المنون وديبها تتوجع
…
والدهر ليس بمعتب من يجزع
Caskel، S. 41.
4 Ency، Religi، I، P. 661.
5 Reste، S. 222.
الجاهلية ولم يقصدوه. وما ذكر الدهر في الشعر، إلا كتشكي الناس من الزمان أو من الحظ أو النصيب في هذه الأيام، وشكواهم من ذلك لا يعني تجديد سلطان الله، أو نكرانه، وإنما هو بقية من تصور إنساني قديم بنسبة كل فعل وعمل إلى قوة خفية هي القوة العاملة، وهي ما عبرت عنها بالدهر وبالزمان. وذلك لما يتصورونه من مرور الأيام والسنين وبلاء الإنسان فيه، وبقاء الأرض والكون، ومثل هذه النسبة والشكوى عامة عند جميع الشعوب البدائية والمتطورة المتقدمة، فنراها عند القبائل البدائية ونراها عند الغربيين
ولا يقتصر هذا الاستعمال على الشعر وحده، بل نجد ذلك في النثر وفي كلام الناس الاعتيادي. لذلك لا أرى صحيحًا ما ذهب إليه بعض المستشرقين من أن نسبة الفعل إلى الدهر هو من الاستعمالات الخاصة بالشعر1.
وهناك كلمات أخرى تشير معانيها إلى هذه الفكرة فكرة القدر، وأن الخير والشر وكل ما يصيب الإنسان هو مقدر مكتوب. وهي نظرة لا بد أن تكون قد انبعثت من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ومن أثر المحيط في الإنسان. ومن شعور الإنسان بأن قوى خفية تلعب به وتوجهه حيث يشاء2.
فنسب كل ذلك إلى غيره، وصير نفسه مسخرًا موجهًا كالريشة في مهب الريح.
وتؤدي عقيدة القدر بصاحبها إلى التشاؤم، وإلى القنوط والاستسلام. والتوجع والتألم، والتشكي من عبث الدهر بالإنسان، وهو ليس له دخل في رده وصده وقد تؤدي بمعتنقها إلى الخمول والكسل، وإلى العجز في هذه الحياة، وإلى رد كل ما يصيبه بسبب كسله وعدم استخدام قابلياته ومواهبه إلى غدر الدهر به وحنق الزمان عليه، وتلاعب الحدثان بأموره. ونجد أكثر شعراء أهل الجاهلية، هم على هذه الشاكلة، يبكون أيامهم، ويتذكرون الماضي، ويتوجعون لأنهم سائرون نحو مستقبل مؤلم موجع، لا حول فيه لإنسان ولا قوة. إنه عالم الشيخوخة أو عالم الموت أو عالم الفقر. وأمثال ذلك من العوالم المفزعة. يستوي في ذلك امرؤ القيس والشعراء المخضرمون. فأنت إذا تصفحت دواوينهم قلما تجد فيهم شاعرًا متفائلًا، أو شاعرًا غير مبال بالأيام، لا يهمه ما يأتي به الدهر، حتى
1 Kaske، S. 54.
2
والمال ما خول الإله فلا
…
بد له أن يحوزه قدر
شرح ديوان زهير "ص314".
ليخيل إلينا أن هذا طبع. والواقع أننا نجد الشعراء في الجاهلية والإسلام وأكثر الكتاب والخطباء على هذا المنوال، مما يحمل المرء على القول بوجود التشاؤم في طبع العرب.
وموضوع "القدر" من المواضيع التي حيرت المسلمين أيضًا. فانقسموا في ذلك إلى مذاهب. وقد مر الرسول بناس كانوا يتذاكرون في القدر، فقال: إنكم قد أخذتم في شعبين بعيدي الغور. أي يبعد أن تدركوا حقيقة علمه، كالماء الغائر الذي لا يقدر عليه1.
وقد ذكر علماء التفسير أن قريشًا خاصموا الرسول في القدر، وأن رجلًا جاء إلى الرسول فقال: يا رسول الله ففيم العمل؟ أفي شيء تستأنفه، أو في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، سنيسره لليسرى، وسنيسره للعسرى2. ويظهر من ذلك أن قريشًا أو جمعًا منهم، لم يكونوا يؤمنون بالقدر، بل كانوا يؤمنون بأن فعل الإنسان منه، وأن لا لأحد من سلطان في تصرفه وفعله.
1 تاج العروس "3/ 457"، "غور".
2 تفسير الطبري "27/ 64 وما بعدها".
القدرية:
وذكر أن الشاعر "الأعشى" كان قدريًّا، يرى أن للإنسان دخلًا في فعله، وأن له سلطانًا على نفسه، حيث يقول:
اِستَأثَرَ اللَهُ بِالوَفاءِ وَبِالـ
…
ـعَدلِ وَوَلّى المَلامَةَ الرَجُلا1
فالإنسان مسئول عن فعله، ملام على ما يرتكبه من قبيح. فالله عادل، لا يجازي الإنسان إلا على فعله، ولو كان قد قدر كل شيء له، وحتمه عليه كان ظالمًا. وقد أخذ الأعشى رأيه هذا "من قبل العباديين نصارى الحيرة، كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك".
فنحن أمام عقيدتين. عقيدة تقول: إن الله خالق كل شيء، وإن فعل الإنسان من تقدير الله وأمره، فهو يفعل بفعله وبحسب ما قدره له، ورأي يقول إن الإنسان خالق فعله، فهو حر مختار، ولهذا فهو وحده مسئول عن عمله، من خير أو شر. والرأي الأول أظهر عندهم وأقوى من الرأي الثاني.
1 الأغاني "9/ 112"، "21/ 126".
الحظ:
وحظ الإنسان، أي ما يصيبه في حياته، هو جزء من هذا الموضوع أيضًا. مشتبك به، متصل بأجزائه. والحظ في اللغة النصيب والجد. أو خاص بالنصيب من الخير والفضل1. والنصيب، هو ما قدر وما قسم لك، أي حظك والحظ2 وهو "البخت". وقيل: "البخت من المعربات، وقيل من الألفاظ التي تكلمت العرب بها قديمًا3. وذكر علماء اللغة أن الجد البخت والحظ في الدنيا. ويفهم من الأمثلة الواردة في شرح معنى اللفظة، أنها في معنى الحظوة والرزق4. أي في معنى الشيء الحسن المفرح مما يصيب الإنسان.
قالوا: والحظ موجود في المرزوق والمحروم، وفي المحارف، وفي القبائل، فربما سعدت بالحظ، وربما حظيت بالجد. وهو كذلك في الشعر وفي النباهة، ورب عاقل فاهم أديب، لا يكون إلا دائم الصبر على الشدة، لسلطان الحظ على الإنسان5.
ونظرية "القسمة والنصيب"، معروفة في الإسلام، وقد بحث فيها علماء الكلام. فهي من الموضوعات التي بحثت في الجاهلية والإسلام. ونجد أحد الشعراء يقول:
وليس الغنى والفقرُ من حيلةِ الفتى
…
ولكن أحاظٍ قُسِّمت وجدود
وهو بيت ينسب لسويد بن حذاق العبدي، ويروى للمعلوط بن بدل القريعي، وصدره:
1 تاج العروس "5/ 249"، "حظ".
2 تاج العروس "1/ 486"، "نصب".
3 تاج العروس "1/ 525"، "بخت".
4 تاج العروس "2/ 313"، "جدد".
5 الحيوان "2/ 102 وما بعدها".
متى ما يرى الناسُ الغنيّ وجارُه
…
فقير يقولوا عاجز وجَليد
أي "إنما أتاه الغنى لجلادته، وحرم الفقير لعجزه وقلة معرفته، وليس كما ظنوا، بل ذلك من فعل القسام وهو الله سبحانه وتعالى، لقوله {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ} 1. وفي هذا المعنى قول الشهاب المقري:
سبحان من قسم الحظو
…
ظ فلا عتاب ولا ملامه2
وأهل الجاهلية يرجعون القسمة إلى الدهر والزمان والحظ. فأبطل الإسلام ذلك؛ إذ جعلها بأمر الله وقدره. فالله هو مقدر الأقدار، ومقسم القسم، وموزع الحظوظ والأرزاق.
1 تاج العروس "5/ 249"، "حظ".
2 المصدر نفسه.
الطبع والطبيعة:
ومن الموضوعات التي لها صلة بالقضاء والقدر. موضوع الطبع، أي الخليقة والسجية التي جبل عليها الإنسان. فرأي كثير من الجاهليين، أن الإنسان مجبول على طبيعته التي ولد فيها، وكل إنسان على طبيعته، ولن يستطيع تبديل طبعه، ولا تغيير السجايا؛ لأنها مكتوبة على الإنسان مسنونة، ولا تبديل لما طبع المرء عليه1. وطبائع الإنسان لا يغيرها إلا الموت. جاء في شعر لبيد:
فَاِقنَع بِما قَسَمَ المَليكُ فَإِنَّما
…
قَسَمَ الخَلائِقَ بَينَنا عَلّامُها2
وهو شعر قد يكون مما قاله في الإسلام.
و"زهير بن أبي سلمى"، ممن يعتقدون بهذه العقيدة، ويأخذون بهذا الرأي. فهو القائل:
وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ
…
وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ3
1 اللسان "8/ 232"، "طبع".
2 اللسان "10/ 86"، "خلق".
3 التبريزي، شرح القصائد العشر "240"، "البيت 58 من المعلقة"، "القاهرة 1964".
الفصل السادس والستون: الألهة والتقرب إليها
مدخل
…
الفصل السادس والستون: الآلهة والتقرب إليها
لا نملك -ويا للأسف- نصوصًا جاهلية فيها وصف لطبائع الآلهة، ولا أساطير فيها شيء على رأي أهل الجاهلية في أخلاق أربابهم. ولهذا صار مرجعنا وسندنا في تكوين صورة عن طبائع الآلهة وأخلاقها، دراسة وتفسير أسماء الآلهة ونعوتها التي نعتت بها لاستخراج شيء منها يعيننا على تكوين هذه الصورة.
وتفسير أسماء الآلهة ومعرفة أصولها وجذورها، عملية ليست سهلة يسيرة؛ بسبب جهلنا بمعاني بعض تلك الأسماء، وعدم وقوفنا على أصولها التي اشتقت منها؛ لأنه اللهجات التي دونت بها، لا تزال بعيدة عن مداركنا، ولأن قواعد نحوها وصرفها تختلف بعض الاختلاف عن قواعد وصرف عربيتنا، ونحن لا نملك اليوم المؤهلات الكافية، للحكم في تلك اللهجات حكمنا في عربيتنا.
واسم الإله هو صفة في الغالب، ألبسها الزمن بمضي الوقت لباس العلمية، فعدت اسمًا علمًا، فإذا استطعنا الرجوع إلى أصول وجذور هذه الأسماء الصفات، نكون قد استنبطنا شيئًا عن طبائع تلك الآلهة من صفاتها المذكورة ونجحنا بعض النجاح من تكوين رأي عن تلك الديانات الجاهلية.
هنالك أسماء مثل "أل""إيل" يجد الباحثون صعوبة في الاتفاق على تعيين أصولها وضبط معانيها وهناك أسماء واضحة جلية ظاهرة، تدل على أشياء معروفة محسوسة، مثل "شمس" و"ورخ" بمعنى قمر، و"عثتر"، و"الشعرى العبور" و"نجم"، و"ثريا" وأمثال ذلك من أسماء تشير إلى
أشياء مادية، هي كواكب ونجوم، يستدل منها على وجود عبادة الأجرام السماوية عند الجاهليين. وهناك أسماء، هي نعوت في الواقع، لا تدل على ظواهر حسية وإنما تعبر عن أمور معنوية، مثل "ود" بمعنى "حب" و"رضى" و"سعد"، و"حكم"، و"نهي" و"صدق"، و"رحمن"، و"رحم""ها - رحم""الرحيم"، و"سمع"، "سميع"، و"محرمم""محرم"، وأمثال ذلك من ألفاظ، هي نعوت، جرت بين الناس مجرى الأسماء. وعلى هذه الصفات الأسماء سيكون جل اعتمادنا في استنباط الصورة التي نريد تكوينها عن طبيعة آلهة العرب الجنوبيين.
وعلينا أن نضيف على ما تقدم الأعلام المركبة المضافة للأشخاص، مثل "عبد ود"، و"عبد مناف"، و"عبد شمس"، و"عبد يغوث"، و"أمت العزى""أمة العزى"، فالكلمات الثانية من الاسم، أسماء أصنام. وفي تركيب الاسم على هذا النحو، دلالة على تذلل الإنسان تجاه ربه، واعتبار نفسه عبدًا له، وفيه تعبير عن صلة الأشخاص بربهم، أضف إليها الأعلام المركبة تركيبًا إخباريًّا، مثل "ودم أبم"، أي "ود أب" أو "أب ود"، ففي هذا التركيب دلالة على حنو الإله على المؤمنين به، وإشفاقه عليهم، إشفاق الأب على أولاده.
ودراسة الأمور المذكورة، هي مصدر مهم، بل هي تكاد في هذا اليوم أن تكون المصدر الوحيد لفهم ذات الآلهة وإدراك شخصيتها، ولفهم تطور الدين على مر العصور والأجيال، وكيف تطور الدين عند الجاهليين إلى يوم ظهور الإسلام.
هذا؛ ونجد في النصوص العربية الجنوبية المتأخرة، أسماء آلهة لا نجد لها موضعًا في النصوص العربية الجنوبية المتقدمة، واختفاء لأسماء الآلهة القديمة التي كانت لامعة ساطعة في سماء الألوهية عند العرب الجنوبيين قبل الميلاد. ونجد أسماء آلهة قبائل تعبد عند قبائل أخرى مع معبوداتها القديمة، وأسماء آلهة كانت لامعة شهيرة، تحولت إلى آلهة صغيرة. وفي كل هذه الملاحظات دلالة على حدوث تطور في الحياة الدينية عند الجاهليين، وعلى تأثر العقائد بمؤثرات داخلية وخارجية، فأحدثت هذا التطور الذي نبحث عنه.
ومن بين أسماء الآلهة، أسماء مركبة، استهلت بـ"ذ"، أو بـ"ذت". و"ذ"، بمعنى "ذو" في عربيتنا، و"ذت" بمعنى "ذات" و"ذ" للمذكر" و"ذت" للمؤنث، أما الكلمات التالية، فهي صفات. فجملة "عثتر ذ قبضم"، تدل على إله ذكر، اسمه "عثتر ذو القبض" "عثتر ذو قبض" أو "عثتر القابض" بتعبير أصح. وجملة "ذ شقرن"، و"ذ صهرم"1، و"ذ عذبتم"، و"ذ يسرم"2، و"ذامر وشمر"، أي الآمر الناهي3، و"ذ أنبى"، هي جمل تشير إلى إله ذكر، لوجود "ذ" علامة التذكير فيه. وجملة "ذت حمم"، و"ذت بعدن"، و"ذت برن"، و"ذت غضرن"، و"ذت رحبن"، و"ذت صهرن"، و"ذت صنتم"، و"ذت ظهرن"، تشير إلى آلهة إناث، لوجود "ذت" "ذات" في الاسم. ومعنى هذا أن العرب الجنوبيين كانوا قد جعلوا الآلهة كالإنسان إناثًا وذكورًا. وهو ما ورد في القرآن الكريم عن أهل مكة وبعض قبائل الحجاز، من قوله تعالى:{وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} 4، ومن قوله:
{فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ} 5، وقوله تعالى {أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ} 6، و {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} 7، و {أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ} 8. وقد ذكر علماء التفسير أنه "لا ينبغي أن يكون لله ولد ذكر ولا أنثى. سبحانه نزه جل جلاله بذلك نفسه عما أضافوا إليه ونسبوه من البنات، فلم يرضوا بجهلهم إذ أضافوا إليه ما لا ينبغي إضافته إليه، ولا ينبغي أن يكون له من الولد أن يضيفوا إليه ما يشتهونه لأنفسهم ويحبونه لها ولكنهم أضافوا إليه ما يكرهونه لأنفسهم ولا يرضونه لها من البنات ما يقتلونها إذا كانت لهم"9. وذكروا "أن مشركي قريش كانوا يقولون: الملائكة بنات الله،
1 Rep Eplgr. 504.
2 Rep Epigr، 2831، 4688.
3 Handbuch، I، s. 244
4 النحل، الرقم 16، الآية 57.
5 الصافات، الرقم 37، الآية 149.
6 الصافات، الرقم 37، الآية 153
7 الزخرف، الرقم 43، الآية 16.
8 الطور، الرقم 52، الآية 39.
9 تفسير الطبري "14/ 83" روح المعاني "14/ 156".
وكانوا يعبدونها"1. وقد وبخهم القرآن الكريم على قولهم هذا، واستخف بأحلامهم وبما قالوه جهلًا وحماقة.
وذكر علماء التفسير أن كفار قريش قالوا: "الملائكة بنات الله. فسأل أبو بكر من أمهاتهن؟ فقالوا سروات الجن. يحسبون أنهم خلقوا مما خلق منه إبليس"2. وأنهم قالوا: "إن الله وإبليس أخوان"، وأن بين الله وبين الجنة نسبًا3. ولم يذكر علماء التفسير من قال هذا القول من كفار قريش. ولا كيف صارت الملائكة بناتًا لله، أو كيف اصطفى الله له البنات ولِمَ فضلهن على البنين؛ إذ لم يذكروا أن أهل الجاهلية نسبوا له ولدًا ذكرًا، ولم يذكروا هل اختار الله البنات اختيارًا من خلقه، أو من زواج؟ وقد رأيت أن رواية نسبت على قريش قولهم إن أمهات الملائكة سروات الجن، وذلك حين سألهم أبو بكر من أمهاتن4.
ولا نجد في نصوص المسند إشارة إلى زواج الآلهة، وإلى وجود بنات لها وما قلناه من وجود آلهة ذكور، وآلهة أناث هو استنباط من وجود علامة التذكير "ذ" وعلامة التأنيث "ذت" في أسماء الآلهة. أما موضوع زواج القمر بالشمس، وظهور ولد ذكر منه هو عثتر" فهو من استنباط علماء العربيات الجنوبية ومن آرائهم التي استخلصوها من دراستهم للنصوص. فليس في المسند أي شيء عنه. وليس في المسند، أي شيء عن دين العرب الجنوبيين، وعن أساطيرهم في الآلهة وفي الخلق، ولا عن صلواتهم وأدعيتهم وكل ما يتعلق بالدين من أمور.
وكل اسم ورد في المسند استهل بلفظة "ذت"، "ذات" فيراد به الشمس، وهي إلهة، وكل لفظة بدأت بـ"ذ"، "ذي" فإنها تعني إلهًا، هو القمر أو عثتر. فنحن أمام ثالوث سماوي، يمثل عقيدة الجاهليين في الألوهية، كما يمثل عقيدة الساميين عمومًا. والثالوث السماوي هو نواة الألوهية عند جميع الساميين، ومنه أنبثقت عقيدة التوحيد فيما بعد.
1 تفسير الطبري "23/ 67 وما بعدها"، روح المعاني "23/ 135".
2 تفسير الطبري "23/ 69".
3 المصدر نفسه.
4 تفسير الطبري "23/ 69".
وعثتر، هو "النجم الثاقب" المذكور في القرآن الكريم1. وقد ذهب المفسرون إلى أن العرب كانت تسمي الثريا النجم. وذكر بعض منهم أن النجم الثاقب هو زحل. والثاقب الذي قد ارتفع على النجوم2. وذكر بعض آخر أن النجم الثاقب هو الجدي3. وأقسم في موضع آخر من القرآن الكريم بـ"النجم"4. وقد ذهب المفسرون إلى أن النجم الثريا5، ونحن لا يهمنا هنا اختلاف علماء التفسير في تثبيت المراد من النجم، إنما يهمنا أن المراد به نجم من النجوم. فنكون أمام ثالوث معبود: هو الشمس والقمر والنجم الثاقب، الذي هو "عثتر" في نصوص العرب الجنوبيين.
وقد ذكر أن العرب تعبدت للشمس وللقمر، وأن طائفة منها، تعبدت لكواكب أخرى مثل الشعرى، حيث تعبدت لها خزاعة وقيس، ومثل "سهيل" حيث تعبدت لها طيء" و"عطارد" وقد تعبد له "بنو أسد" و"الأسد"، وقد تعبد له بعض قريش. و"الدبران" وقد تعبدت له "طسم" و"الزهرة"، وقد تعبد لها أكثر العرب. و"زحل"، وقد تعبد له بعض أهل مكة. حتى إن من الباحثين من زعم أن "الكعبة" كانت معبدًا لزحل في بادئ الأمر. وتعبد للمشترى قوم من لحم وجذام6.
ونجد في الكتابات العربية الجنوبية جملة: "ودم أبم"، أي "ود أب" و"أبم ودم"، أي "أب ود". كما نجد جملة:"ولد ود" و"أولد ود""أولد هو ود"، أي "أولاد ود" بمعنى "شعب معين" وتعبر الجمل الأولى عن معنى أن الإله "ود"، هو إله شفيق رحيم عطوف على الإنسان، هو بالنسبة له بمنزلة الأب من الابن فهو "أب" للإنسان لا بالمعنى الحقيقي بالطبع، أي بمعنى أن الإنسان انحدر من صلبه، بل بالمعنى المجازي الذي أشرت إليه. وبهذا المعنى نفسر جملة:"أولاد ود" تعبيرًا عن معنى "شعب
1 سورة الطارق، رقم 86، الآية 3.
2 تفسير الطبري "30/ 91".
3 تفسير القرطبي، الجامع "20/ 1".
4 سورة النجم، الرقم 53، الآية 1.
5 تفسير الطبري "27/ 24".
6 Johann Ernest Osiander. Studien uber die Varisilamische Religion der Araber. In ZDMG. 1853. S. 463-505، Grohmann، s. 81.
معين"، فالإله "ود" هو أب هذا الشعب يحميه ويدافع عنه ويعطف عليه. وبهذا المعنى وردت أيضًا جملة "ولد عم" عند القتبانيين و"ولد المقه" عند السبئيين. فـ"عم" الذي هو "القمر" في لغة القتبانيين، هو بمنزلة الأب لشعبه، وكذلك "المقه" الذي هو "القمر" في لهجة سبأ1.
وقد عبر عن الشمس بلفظة "هـ إلت"، أي "الإلهة" في النصوص العربية الشمالية2. وقيل لها "نكرح" في النصوص المعينية، و"ذت حمم" ذات حمم" "ذات حميم" في النصوص السبئية، كما قيل لها "ذت بعدن" و"ذت غضرن"، و"ذت برن"، و"ذت ظهرن"، في هذه النصوص كذلك. وقيل لها "ذت صنتم" و"ذت صهرن" و"ذت رحبن" في النصوص القتبانية3.
ومن الممكن التعرف على بعض هذا الأسماء التي أريد بها الشمس. فـ"ذت حمم"، بمعنى "ذات حمم"، و"ذات حميم". وقد وردت لفظة "حميم" و"يحموم" في القرآن الكريم4. والحميم الحار الشديد الحرارة، المتقد من شدة الحر الساخن الشديد السخونة5. وقد ذكر علماء التفسير أن "اليحموم"، دخان حميم، ودخان شديد السواد يخرج من نار جهنم6. فمعنى "ذت حمم" إذن، الإلهة ذات الحرارة الشديدة المتقدة المهلكة، التي تلفح وتحرق. والشمش، نفسها حارة، ملتهبة متقدة. لذلك يكون الناس قد أخذوا صفتها هذه منها. فأطلقوها عليها، وصاروا ينعتونها بها، ويخيفون الناس منها، بانتقامها منهم إن خالفوا أمرها وعملوا عملًا يثير غضبها عليهم.
ويقابل هذه الإلهة ذات الحميم، الإله "الـ حمون""حمون" و"بعل حمون" عند الساميين الشماليين. فهذا الإله الذكر عند الساميين الشماليين، بسبب أن لفظة "الشمس" نفسها مذكرة عندهم، هو ذو حميم وحما. أي ذو سخونة وحماوة وشدة حرارة7. وقد نعت عندهم بالنعت الذي نعت به عند العرب.
1 Handbuch، I، S. 217، D. Nielse. Der Sabalsche Gott Ilmaukag، S. 61.
2 Handbuch، I، S. 224.
3 Handbuch، I، S. 224، 260.
4 الواقعة، الرقم 56، الآية 43.
5 تاج العروس "7/ 259 وما بعدها"، "حمم".
6 تفسير الطبري "27/ 110 وما بعدها".
7 Handbuch، I، S. 225.
الجنوبيين. فهو إله ذو حرارة مفزعة، وحميم لا يوصف. وقد استمد هذا الوصف من الطبيعة بالطبع. فالشمس مبعث الحرارة على هذه الأرض، يدرك الإنسان حرارتها في كل مكان فهي إذن "ذت حمم" حقًّا.
وعرفت الشمس بـ"أثرت" في كتابات قتبانية، ومعناها:"اللامعة"، أو الشديدة اللمعان بعبارة أصح والمتوهجة. فهي في معنى "ذت حمم". وعرفت أيضًا بـ"ذت أثر"، "ذات أثر"، وبـ"ربت أثر"، "ربة أثر"1. ونجد في النصوص النبطية الإلهة الشمس وقد عرفت بـ"ربت الأثر" بمعنى ربة التوهج، مما يدل على أن "أثرت"، و"ذت أثر"، و"ربت أثر"، في القتبانية هذه الإلهة الشمس2.
وقد يعبر عن "الشمس" بـ"الفرس". والفرس من الحيوانات التي قدسها قدماء الساميين. وقد كان العرب الجنوبيون يتقدمون بتماثيل الخيل؛ تقربًا إلى الآلهة. ومنها الإلهة "ذت بعدن" ذات البعد"، أي البعيدة، وهي الشمس3.
وأما "عثتر"، الذي هو "الزهرة"، فيرد اسمه في نصوص عربية جنوبية كثيرة. ولاسمه هذا صلة بأسماء بعض الجاهليين الواردة إلينا، مثل:"أوس عثت" بمعنى "عطية عثتر" و"لحيعثت""لحى عثت"4.
وفي الكتابات العربية الجنوبية أسماء يظن أنها تخص الإله "عثتر". منها: "ذ قبضم"، و"ذ يهرق"، و"ذ جفت"، و"ذ جرب"، و"جرب"، و"متب نطين"، و"متب قبت"، و"متب مضجب"، و"يهر"، و"بر" وغيرها5.
وقد عرف "عثتر" بـ"الشارق" في الكتابات، فورد "عثتر شرقن" أي "عثتر الشارق" وعرف بـ"شرقن" فقط. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن المراد من "شرقن" بمعنى الطالع من الشرق، أو "عثتر المشرق". وهو تفسير رده بعض آخر من الباحثين؛ إذ رأوا أن "شرقن"، بمعنى
1 Handbuch I، S. 226.
2 Handbuch I، S. 226
3 Handbuch I، S. 227.
4 Handbuch I، S. 228
5 Handbuch I، S. 228.
"الشارق" وهي لفظة ترد في اللهجات العربية الشمالية1. وقد سبق لي أن بينت رأي المفسرين في "النجم الثاقب" المذكور في القرآن الكريم، وقلت باحتمال المراد به هذا الكوكب، وإن ذهبوا إلى أنه الثريا أو زحل أو الجدي. و"الشارق" صنم من أصنام الجاهليين تسمى به عدد من أهل الجاهلية، سموا بـ"عبد الشارق"2 قد يكون رمزًا لهذا الإله.
وورد في بعض كتابات المسند: "ذ غريم"، و"عثتر ذ غريم" أي "الغارب" و"عثتر الغارب" ومعنى ذلك "نجمة الغروب"، أو "نجمة المساء"، و"كوكب المساء"، في مقابل "نجمة الصباح" و"كوكب الصباح"3.
وورد "عثتر نورو"، و"نورو"، أي "عثتر نور"، "نور"4. ونور صفة من صفات الله في الإسلام. {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ} . ولفظة "نورو" هي نعت من نعوت "عثتر" وورد "سحرن" بمعنى السحر. والسحر، قبيل الصبح وآخر الليل، فيراد بذلك "كوكب السحر"، أي الكوكب الذي يطلع عند طلوع السحر. كما ورد "متب نطين"، أي "الحامل للرطوبة"، وورد "عثتر قهحم"، أي "عثتر القدير" و"عثتر القادر" و"القاهر" و"سمعم"، أي "السميع"، و"نوبم" و"نبعن"5. و"يغل" "يغلن" بمعنى المدمر، والمنتقم. وقد ورد هذا النعت في أحجار القبور بصورة خاصة. وذلك لتذكير من يحاول تغيير الحجر أو أخذه من موضعه أو تدميره أو إلحاق أذى به، أو الاستفادة منه في أغراض أخرى، بأنه في حماية إله قدير منتقم6.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الإله "رضى""رضو" الذي يرد في النصوص الثمودية والصفوية، هو الإله "عثتر" وهو صنم ذكره أهل الأخبار، لكنهم لم يذكروا شيئًا عن صلته بالكواكب ولا عن المعبود الذي يمثله7.
1 Handbuch، I، S. 228، Fell، in ZDMG، 54، 1900، S. 231-259.
2 تاج العروس "6/ 393"، "شرق".
3 Arabien، S. 245.
4 سورة النور، الآية 35، تفسير الطبري "18/ 104"، "18/ 144".
5 Rep. Epigr. 4194.
6 Arabien، S. 245.
7 Handbuch، I، S. 229.
وقد ورد في الأخبار المتعلقة بـ"الرها" أن أهل هذه المدينة، كانوا يعبدون الشمس ويعتقدون بوجود إله يطلع قبلها اسمه "أزيزوس" Azizos، وإله يظهر بعدها، يسمى "مونيموس" Monimos. وذهب الباحثون إلى أن "أزيزوس"، هو "عزيز" وهو نجم الصباح. ويطلع قبل طلوع الشمس. ويمثل "رضى""رضو"، و"عثتر". ويرد اسم "رضى" في الكتابات التدمرية كذلك1. و"عزيز" "العزيز" من صفات الله في الإسلام.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن الصنم المنحوت على شكل طفل هو رمز لـ"عثتر"، أي "رضى""رضو"، و"عزيز" وقد حفر على شكل طفل عاري الجسم في الكتابات التدمرية. أما الشمس والقمر، فقد مثلا إنسانين كاملين. ونجد هذا التصور للآلهة في الديانات الفطرية، التي استمدت إدراكها لِكُنه الآلهة عن مظاهر الطبيعة2.
ولعل تصور الجاهليين الإله "رضو" على هيئة طفل، هو الذي يحل لنا المشكلة الواردة في أخبار "نيلوس" Nilus" عن تقديم العرب Saracens قرابين أطفالًا لكوكب الصباح. ذكر "نيلوس" أن العرب سرقوا ابنه الجميل الصغير "ثيودولس" Theodulus، وقرروا تقديمه قربانًا لكوكب الصباح. وقد قضى الطفل ليلة تعسة صعبة، فلما طلع الكوكب، وحان وقت تقريب الطفل قربانًا له، نام مختطفوه، ولم يستيقظوا إلا وقد طلعت الشمس، وفات وقت القربان، وبذلك نجا الطفل من الهلاك3. وقد تفسر جملة "إننا نقدم لك قربًا يشبهك" الواردة في دعاء عثر على نصه في "حران" قصة تقديم الأطفال الجميلة قرابين إلى هذا الإله4.
وقد أشار كتاب يونان إلى تعبد العرب إلى الشمس والقمر وكوكب الصباح، وهي أجرام سماوية تراها العين. ذاكرين أن العرب لا يتعبدون لآلهة روحية لا يبصرونها بأعينهم. ولهذا تعبدوا لهذه الأجرام المادية وللأحجار5.
1 Handbuch، I، S. 229.
2 Handbuch، I، S. 231.
3 Handbuch، I، S. 203، Nili Opera، Tomus، 79، 1865، in Migne، Patrologia، Series Graeaca.
4 Handbuch، I، S. 231.
5 المصدر نفسه.
وأما "مونيموس" Monimos، فإنه "منعم". و"منعم" من صفات الله في الإسلام. فالله هو "المنعم" المتفضل على عباده العزيز المقتدر.
وذهب بعض الباحثين إلى أن الصنم "ذو الخلصة" المذكور في كتب أهل الأخبار، والذي كان له بيت يدعى:"الكعبة اليمانية" ويقال له: "الكعبة الشامية" أيضًا، والذي هدم في الإسلام، هو تعبير آخر عن الصنم "عثتر"، أي الإله المكون مع القمر والشمس للثالوث1.
ويظن أن "ملك" اسم آخر من أسماء "عثتر" وقد تسمى به رجل عرف بـ"عبد ملك" كما ورد اسم "عبد ملكا" في النصوص النبطية والإرمية، بمعنى "عبد الملك"2. ويرد اسم "ملك أل" "ملك إيل" كثيرًا في الكتابات الثمودية. كما ورد في كتابة من الكتابات القتبانية "مختن ملكن"3. وقد ظن أن لفظة "ملك" تعني ملكًا، أي رئيس حكومة ملكية، فترجمت جملة "مختن ملكن" بـ"مختن الملك" أي ملك قتبان. غير أن هذه الترجمة وإن كانت ترجمة مقبولة. إلا أنها غير دقيقة. ولو ترجمت لفظة "ملكن" بمعنى "الملك" على أنه اسم إله لكانت الترجمة أدق وأصح فنحن نجد النص القتباني الذي وردت فيه جملة" مختن ملكن" يقول: "بنى الملك ورم مبعد ود وأثرن ومختن ملكن"، أي "بنى الملك ورم معبد ود وأثرت ومختن الملك"، ولو ترجمناها على هذه الصورة:"بنى الملك ورم معبد ود وأثرت ومعبد الإله الملك"، كانت الترجمة أنسب وأقبل. ويجب أن نتذكر أن الله هو: الملك، في الإسلام، وأن "عبد الملك" وهو من أسماء المسلمين كذلك يعني: عبد الله. وإن "الملكوت" من الملك مختصة بملك الله. ورد في القرآن: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} 4.
ومن الممكن فهم الصلة بين لفظة "ملك" التي تعني إله، وبين لفظة "ملك" المالك على الأرض، أي الملك الدنيوي. فالإله مالك، والملك مالك أيضًا، مالك شعبه. ومن هنا فلا غرابة إذا ما رأينا عقيدة تقديس الملوك عند الشعوب.
1 Handbuch، I، S. 232.
2.
Handbuch، I، S. 232
3 HOMMEL، AUFS، 206.
4 تاج العروس "7/ 181"، "مالك".
القديمة، واعتبار بعضها ملوكها من نسل الآلهة. فالآلهة قوة خارقة، والملوك قوة مسيطرة مهيمنة، تفعل في القديم ما تشاء بغير حساب، وهي ألسنة الآلهة الناطقة على الأرض، فلا بد وأن تكون للآلهة إذن صلة بالملوك، ولا بد وأن يكون لملوك الأرض نسب وأن تكون لهم قرابة بالآلهة. وقد فسر بعض الباحثين جملة:"ولد ود"، التي نعت بها أحد ملوك قتبان، تفسيرًا بهذا المعنى، تفسيرًا يعبر عن اعتقاد القوم بأن ملوكهم هم من نسل الإله "ود"1. ولكني أرى أننا لو فسرنا لفظة "ولد" بالمعنى المجازي، أي ولد الإله ود على سبيل المجاز، بمعنى أن الإله منه بمنزلة الوالد من الولد، في العطف والود، فإن هذا التفسير يكون مقبولًا أكثر من تفسير المتسلسل من صلب الإله ود.
1 Handbuch، I، S. 233.
الآلهة:
توصلنا من دراساتنا المتقدمة، إلى أن الآلهة كالبشر ذكورًا وأناثًا. وتوصلنا منها إلى أن القمر. هو مذكر عند جميع العرب على اختلاف لهجاتهم، وأما "الشمس" فهي أنثى عندهم. وأما "النجم" الذي هو "عثتر" فهو ولد عند العرب الجنوبيين. وعلى ذلك فنحن أمام ثالوث سماوي يتألف من إلاهين ذكرين ومن إلاهة أنثى.
وقد عجزنا عن الاهتداء إلى كيفية ظهور هذا الثالوث. أو العائلة الصغيرة المختارة المكونة من ذكرين وأنثى؛ لأننا لم نعثر على نص جاهلي أو غير جاهلي يتحدث عن كيفية ظهوره. وعجزنا عن التوصل إلى علاقة أعضاء هذا الثالوث بعضهم ببعض، وذلك لسبب مماثل، هو عدم وجود نص لدينا يشرح لنا هذه العلاقة! ولم نتمكن من العثور على أي مورد يشرح لنا كيفية ظهور هذه الآلهة، ولا سيما الإله "عثتر" الذي يعد ابنًا للقمر وللشمس.
ولم نعثر ويا للأسف على نصوص جاهلية فيها بعض الشيء عن كيفية التقاء القمر بالشمس، وفي كيفية طلوع "النجم""عثتر" فبينما نجد في اللغات اليونانية والهندية واللاتينية تعابير عن التقاء الشمس بالقمر، فيها معنى النكاح.
نجد أنفسنا قد عجزنا عن الحصول على مثل هذه المصطلحات في النصوص الجاهلية، ولهذا لم نتمكن من تكوين رأي عن تصور الصلة التي كان يراها الجاهليون بين الشمس والقمر. وفي اليونانية والهندية وأساطير الشعوب الأخرى، أن القمر اقترن بالشمس، وتزوج بها، وتغنت بذلك الزواج1.
وبالنظر لوجود الإله الذكر والإلهة الأنثى في نصوص المسند، وفي مؤلفات أهل الأخبار، فلا يستبعد احتمال مجيء يوم قد نعثر فيه على نصوص قد تتعرض إلى أسطورة زواج القمر بالشمس. وفي عربيتنا لفظة "اقتران" نطلقها على اقتران الشمس بالقمر وعلى اقتران الكواكب بعضها ببعض، وترد في كتب النجوم والأنواء. وفي هذه اللفظة معنى الازدواج.
إن هذه الأسطورة التي جعلت من الأجرام السماوية آلهة، وحصرت الألوهية في ثلاثة أجرام منها في الغالب ثم زوجتها وأولدتها، حولت هذا الزواج إلى زواج حقيقي سماوي يشبه زواج الإنسان على سطح الأرض. زواج تكون من ذكر وأنثى، من أب وأم، أنتج ولدًا عند العرب الجنوبيين، وولدين عند شعوب أخرى غير عربية هما كوكبا الصباح والمساء، أو بناتًا هي الملائكة أو الجن عند فريق من الجاهليين.
ونجد الإله "القمر" يلعب دورًا كبيرًا في الأساطير الدينية عند الجاهليين. دورًا يتناسب مع مقامه باعتباره رجلًا بعلًا أي زوجًا، والزوج هو "البعل"، والرب والسيد وصاحب الكلمة على زوجه وأهله عند العرب. وهو القوي ذو الحق، وعلى الزوجة حق الطاعة والخضوع له. وبناء على هذه النظرية جعل الإله القمر صاحب الحول والصول والقوة في عقيدة أهل الجاهلية في الأرباب. ومن هذا الإله القوي الجبار، جاء "الله" بعد أن تحول الثالوث عند بعض الجاهليين إلى "واحد"، واستخلصوا منه عبادة "الله".
وقد عرف القمر بـ"ثور". ولعل ذلك بسبب قرنيه اللذين يذكران بالهلال. دُعي بهذه التسمية، أي "ثور" في الكتابات2. وقد رمز إلى الإله القمر بـ"ثور". عند شعوب سامية قديمة أخرى3.
1 Handbuch، I، s. 206، ff.
2 Glaser 1546، Wiever Museum 5.
3 Handbuch، I، S. 214، D. Nielsen، altarabische Mondreliglon، s. 110.
ونظرًا لأن القمر هو الإله الذكر، صار بمنزلة الأب. فدعي بـ"أبم"، أي "أب". ونعت بمحب" فقيل له "ودم" "ود"؛ لأنه يحب عبيده ويشفق عليهم. وهو "كهلن"، أي القادر والقدير، وهو "حكم"، أي الحاكم والحكيم، وهو "سمعم"، أي السامع والسميع، وهو "علم"، أي العالم والعليم، والبصير المبصر، وهو "نهى"، أي الناهي1، وهو "صدق" الصادق الصديق المتعالي المنعم الكريم إلى غير ذلك من نعوت عرف بها ورمز بها إليه في النصوص.
ويجب أن ننتبه إلى أن الكتابات الجاهلية وكذلك أخبار أهل الأخبار، قد نصَّا على اسم الإلهة الشمس، فدعوها باسمها، أي الشمس. أما القمر، فلا نجد لاسمه الخاص ذكرًا يتناسب مع مقامه. نعم ذكر بـ"شهر" و"سين" في النصوص العربية الجنوبية. و"شهر" القمر في العربيات الجنوبية، ولا زال الناس يسمونه بهذه التسمية في جنوبي جزيرة العرب. لكننا نجد أسماءه المأخوذة من النعوت، أي من صفاته تطغى عليه. فهو "ود" في الغالب في النصوص المعينية. ويظن من لا علم عميق له بالعربيات الجنوبية، أنه اسم إله خاص، بينما هو اسم من أسماء عديدة للإله القمر عند شعب معين، وهو "المقه" أي المنير والنور عند السبئيين، أي صفة للقمر. وهكذا قل عن باقي أسمائه، فهي صفات له في الغالب لا اسم علم خاص به كما في حالة الشمس.
ونحن نجد هذه الظاهرة في روايات أهل الأخبار أيضًا. فبينما تنص أخبار أهل الأخبار على تعبد بعض العرب للشمس وعلى مخاطبتهم لها بـ" الإلاهة" وبـ"لاهة"2. وعلى تعبد بعضهم لزحل أو للمشترى أو لغيرهما من الأجرام السماوية كما تحدثت عن ذلك في موضع آخر، لا نجد للقمر ذكرًا في أخبار أهل الأخبار. فلم يشيروا إلى اسمه ولا إلى تعبد الجاهليين له، حتى ليذهب الظن بعد تتبع جميع ما ورد في تلك الأخبار واستقصائها استقصاء تامًّا أن الجاهليين لم يعرفوا عبادة القمر. والظاهر أن أهل الأخبار كانوا في جهل من عبادة الجاهليين للقمر؛ بسبب ما شاهدوه من تعبد أهل مكة وغيرهم وكذلك القبائل إلى الأصنام وتقربهم
1 Handbuch، I. S. 215، D. Nielsen، Neue Katabanische Inschriften، s. 15.
2 ابن الأجدابي "79".
إليها، وقولهم إنها تقربهم إلى الله، وبسبب نص القرآن الكريم على تعبد الجاهليين وتقربهم للأصنام والأوثان. فذهبوا إلى أنهم كانوا مجرد عبدة أوثان ولم يفطنوا إلى أنهم اتخذوا الأصنام واسطة وشفيعة للآلهة التي هي أجرام سماوية في الأصل. أو لأن أهل الجاهلية القريبين من الإسلام، كانوا قد ابتعدوا عن عبادة الكواكب ولم يعودوا يذكرونها ذكر أجدادهم لها، واختصروا عبادتها، بأن جعلوا من الثالوث إلهًا واحدًا، هو "الله" فتقربوا إليه، وعكفوا يتقربون إليه بالتقرب إلى الأصنام والأوثان. وذلك باتخاذهم إياها رموزًا مشخصة وممثلة للإله على الأرض. فكان لكل قبيلة صنم يقربهم في زعمهم إلى الله.
وإذا أردنا تلخيص ما توصلنا إليه عن آلهة العرب الجنوبيين، قلنا إنهم تعبدوا كما ذكرنا لثالوث سماوي تألف من القمر والشمس ومن عثتر، وهو الزهرة في رأي معظم الباحثين. وقد عرف القمر بـ"ود" عند المعينيين، وبـ"المقه" عند السبئيين، وبـ"عم" عند قتبان، وبـ"سن""سين" عند حضرموت، وبـ"ود" عند أوسان. وعرفت الشمس بـ"نكرح" عند المعينيين، وبـ"شمس" عند السبئيين، وبـ"أثرت""أثيرت" عند القتبانيين، وبـ"شمس" عند أهل حضرموت وأوسان. وعرف "عثتر" بـ"عثتر" عند المعينيين والسبئيين وعند قتبان وأهل حضرموت والأوسانيين1.
وقد رمز الفن العربي الجنوبي إلى هذا الثالوث السماوي المقدس برموز. فرمز إلى القمر بهلال نحت أو نقش على الأحجار والأخشاب والمعادن. والهلال، يشير بالطبع إلى مطلع القمر في أول الشهر القمري. كما أشير إليه برأس ثور ذي قرنين أما الشمس فقد صورت قرصًا أو دائرة، أو كتلة أو هالة، والقرص، صورة طبيعية لقرص الشمس، التي تظهر في السماء قرصًا وهاجًا يبعث الحرارة والنور. وأما الزهرة، فرمز إليها بصورة نجمة في النقوش العربية الجنوبية وبثمانية خيوط إشعاعية في النصوص البابلية2. وهي ذكر وولد عند العرب الجنوبيين.
1 A. Jamme، La Religion Sudarabe Preislamique، in M. Brlllant et R. Algrain Histoire des Religions. IV، Paris، 1956، 239-307، G. Ryckmans، Les Religions Arabes Preislamiques. Bibliotheque de Museon، 26، Louvian 1951، 25-64، G. Ryckmans، De Maangod in de boorislami.
2 Handbuch، I. S. 201، Grohmann، Gottersymbole. S 37-44، H. Primy، Altorientalische Symbolik، berlin، 1915، S. 75، 76، 142..
وقد هدم الإسلام عبادة الكواكب، وحرم السجود للشمس وللقمر، والصلاة لهما، وحاول اجتثاث كل ما له صلة بتلك العبادة، فلم يبق اليوم من العرب من يتعبد للثالوث السماوي المقدس. ولكننا لا نزال نرى بعض العوام يغضبون إذا سب أحدهم الشمس أو القمر، ويتقرب الأطفال إلى الشمس بأسنانهم التي يخلعونها؛ لتعطيهم أسنان غزال، أي أسنانًا جميلة بيضاء، إلى غير ذلك من أوابد يعرفها الأعراب.
وفي القرآن الكريم: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} 1. "فله فاسجدوا وإياه فاعبدوا دونهما، فإنه إن شاء طمس ضوءهما فترككم حيارى في ظلمة لا تهتدون سبيلًا ولا تبصرون شيئًا"2. وقد خاطب الله قريشًا وغيرهم بذلك، مما يدل على أنهم كانوا يسجدون للشمس والقمر. ولعلهم كانوا يفعلون ذلك عند الشروق وعند الغروب. وقد ذكر "ابن كثير" في تفسيره الآية المذكورة، ما يأتي:{لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} أي "ولا تشركوا به فما تنفعكم عبادتكم له مع عبادتكم لغيره، فإنه لا يغفر أن يشرك به"3.
والسجود الخضوع، ومنه سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، والانحناء، وسجد طأطأ رأسه. وكان النصارى يسجدون لأحبارهم، أي سادتهم من رجال دينهم. و"المسجد" من الألفاظ المعروفة عند الجاهليين. وهو البيت الذي يسجد فيه، وكل موضع يتعبد فيه، فهو مسجد4.
1 فصلت، رقم 41، الآية 37.
2 تفسير الطبري "24/ 77".
3 تفسير ابن كثير "4/ 102".
4 قال حميد بن ثور:
فضول أزمتها أسجدت
…
سجود النصارى لأحبارها
تاج العروس "2/ 371""سجد".
صفات الآلهة:
ومعظم أسماء الآلهة هو كما سبق أن ذكرت صفات في الأصل، استعملت
استعمال الأسماء الأعلام. وهي كثيرة يتبين من دراستها أن الآلهة كالإنسان، تغضب وترضى، تحب وتبغض، قوية شديدة، رءوفة رحيمة شفيقة، إذا رضيت عن إنسان أسعدته في هذه الدنيا، وإن غضبت عليه أهلكته، سميعة بصيرة حكيمة حليمة. باقية خالدة خلود الدهر، بينما الإنسان هالك.
ومن النعوت الواردة في نصوص المسند: "رحم"، أي "رحيم" فالآلهة رحيمة بعبادها، تغفر ذنوبهم وتصفح عن سيئاتهم، وهي "حليمة""حلم"، سميعة "سمع"، قديمة "كهلن"، تحمي عبادها حماية الأب لأبنائه "أبحمي"، ترضى عنهم رضاء الأب عن أولاده "أب رضو". شفيقة بهم شفقة الأب بأبنائه "أب شفق" وتهتم بهم "أب شعر"، وهي فخورة "إيل فخر""الفخر" عالية سيدة العالم "أل تعلى""إيل تعلي"، "إيل تعالى"، و"بعل""بعلت"1.
ومن الصفات والنعوت التي أطلقتها النصوص الثمودية على الآلهة: "عم" بمعنى رحيم ورءوف. و"سمع" بمعنى "سميع"، و"رم" بمعنى العظيم، و"الرامي"، والكبير. و"إبتر""أبتر" بالمعنى المفهوم من اللفظة في عربيتنا، أي، ليس له ولد2. ولهذه الصفة أهمية كبيرة بالنسبة لدارس الحياة الدينية وتطور فكرة الألوهية عند الجاهليين؛ لأنها تشير إلى أن صاحب النص الذي خاطب إلهه بقوله:"هـ أل هـ أبتر"، "ها إله أبتر" بمعنى "فيا الله الأبتر"، أي الإله الذي لم يلد ولا ولد له، كان يعتقد أن إلهه لم يلد أحدًا، فهو فرد واحد أحد. وقد وردت لفظة "أبتر" في نص ختم بهذه الجملة:"هـ أل هـ أبتر بك سر لن"3، أي:"فيا إلاه أبتر بك سرور لنا". أو بتعبير أوضح: "فيا إلهي أو إلاهنا الذي ليس له ولد. بك نسر"، أو "فيا إلهنا أبتر بك سرور لنا"، أو "أنت سرور لنا".
والآلهة تساعد الناس وتعاونهم وتغيثهم. هذا نص ثمودي كتبه رجل من قوم ثمود. توسل فيه إلى إلهه أن يرسل المسرات "ميسر" إلى من نزلت بهم
1 Arabien، 246.
2 Hu، 475، JSA 302، 305، 306، H. Grimme، s 66.
3 السطر الرابع من النص المذكور.
الدواهي من الناس. وأن يعاون العاملين. "ذا أتا يعمل"1. وهذا نص آخر، كتبه شخص آخر، وجهه إلى الإله "رضو" يقول فيه: "هـ رضو أت عون عمل"2، أي "يا رضو امنح العون لمن يعمل"، أو "يا إلهي رضو العون للعامل".
والآلهة ضياء للناس، تضيء لهم سواء السبيل تمنحهم نعمة الرؤية وترشدهم إلى النور. هذا نص يقول:"إلى ن أم ت ض ي ل ن "3. فهو يطلب من الإله أو من المعبد، أن يضيء لكاتبي النص السبيل، وأن ينقذهم من الغفوة التي أصيبوا بها؛ ليتجلى لهم الحق. وفي نص آخر: "بك ري نور تمت حيت"4، ومعناه "بك رأينا النور. وتمت الحياة"، أو "بك نور. ضياء.... حياة"، أو ما شابه ذلك. فالإله هو نور لهذه الحياة، وضياء للناس.
والله عالم بكل شيء، ذو المعرفة والعلم. وقد وردت صفة "هـ ع ر ف""ها عارف""ها عرف" أي العارف في نص وسم بـ JSA 568 5. وفي نص آخر، وسم بـ Hu 626 6. وهو العالم المحيط بكل شيء، وقد عبر عن هذه الصفة بلفظة "حصى" و"أحصى" بمعنى أحاط وأحصى كل شيء عددًا7، فالله محيط بكل شيء عالم لا يخفى على علمه شيء.
ووصفت الآلهة في النصوص الثمودية بأوصاف أخرى، مثل "عبر" بمعنى "القدير" والقوي والمعتبر، و"ذ عبر"، "ذو عبر" بمعنى ذو الحول والطول، وذو القوة والقدرة. و"ذبر"، وهي بهذا المعنى أيضًا8. وهو "العوذ"، عوذ"، والملجأ لكل إنسان9. وهو "العلي"، وقد وردت جملة "عل رضو" بمعنى "أعل رضو"، وهي جملة تذكرنا بقول "أبو سفيان".
1 Hu 643/6، JSA 409، 504. Grimme، s 33-34.
2 Hu 643/6 Grimme 33.
3 Grimme، s. 35. 41.
4.
Grimme، s. 41
5 Grimme، s. 37.
6.
Grimme، s. 42
7 تاج العروس "10/ 91".
8 Grimme، s. 44.
9 Grimme، s. 44.
يوم معركة "أحد": "اعل هبل، اعل هبل"1. وإني أرجح أن لفظة "عل" في هذا النص، تعني "على" أي حرف جر، فيكون المعنى "على رضو الملجأ"، و"على رضو المعول".
ولم أعثر في النصوص الجاهلية على نعت يشير إلى استخفاف أو حطة بالآلهة. فلم أجد إلهًا نعت فيها باللؤم أو بالسرقة، أو بالاعتداء على الأعراض، أو رمي بالحسد، حسد الناس أو حسد أمثاله من الأرباب. كما لم أجد ما نجده في الأساطير اليونانية من وجود فروق بين الآلهة وتباين بينها في المنزلة والمكانة، بحيث نجد آلهة كبيرة غنية، وآلهة ضعيفة فقيرة تحسد الأولى وتنقم عليها، وآلهة تسرق وتنهب لحاجتها إلى المال ولفقرها، ولم أجد فيها التخصص الذي نجده في الآلهة اليونانية، من وجود آلهة للبحار، وآلهة للهواء، وآلهة للحب، وآلهة للخمر، ونحو ذلك. وكل ما نجده عندهم، هو وجود آلهة شعوب وقبائل، مثل ود إله شعب معين، والمقه إله شعب سبأ، وهبل إله قريش، وهكذا نشأت من الظروف المحلية التي عاش فيها الجاهليون.
ولا أستبعد وجود "ميثولوجيا" أي أساطير عند الجاهليين، تدور حول آلهتهم، فقد تحدثت عن رأي بعضهم في "الشعرى"، ولكني أستبعد وجود أساطير دينية معقدة عندهم على شاكلة الأساطير اليونانية، أو الأساطير المصرية أو الهندية، لما بين الظروف المحيطة بالجاهليين وبين الشعوب المذكورة من فروق. والأساطير هي من حاصل المجتمع والظروف المتحكمة في الإنسان.
وإذا وجدنا آلهة أهل الجاهلية على هذا النحو من الصفات المذكورة، حساسة ذات حس مرهف، تنفعل بسرعة، تغضب وترضى، فيجب أن نعرف أن هذه الصفات، تمثل خلق من أطلقها على أربابه، فأرباب الناس من صنعهم، هو الذي أوجد تلك الأصنام وسواها، فما دام هو موجدها، فلن تكون آلهته إلا على شاكلته، إنها صورة صادقة له.
1 Grimme، s. 44.
الثواب والعقاب:
وما يفعله الإنسان من خير أو شر، سيكون ثوابه وجزاؤه في هذه الدنيا.
والآلهة، هي التي تثيب وتعاقب. تثيب المتقي المتعبد لها المتقرب إليها بالنذور وبالبر بمعابدها، فتعطيه مالًا وتبارك له في نفسه وفي أهله، وتعطيه ذرية صالحة ذكورًا. وتنجيه من البلايا والآفات ومن الأوبئة والأمراض، وترجعه سالمًا معافًى من الحروب، تشفي جروحه إذا جرح، وتغدق عليه بالنعم من غنائم الحرب فهذا هو الثواب. ثواب في الدنيا وكفى.
أما العقوبة ففي الدنيا وحدها أيضًا، وتكون بإنزال البلاء بمن يستحقه من الخارجين على أوامر الآلهة، المتجاسرين على حرمة المعابد، المارقين على النظام، المخالفين لسلوك المجتمع، المجاوزين على حقوق غيرهم. ومن البلاء الأمراض من عمى وعور، وإصابة عضو من أعضاء الجسم بعطب، والأوبئة. ونجد في النصوص توسلات إلى الآلهة بأن تصيب من يغير النصوص المدونة الموضوعة شواخص على القبور، ومن يتطاول على حرمة المقابر، أو يدفن غريبًا فيها بغير إذن، بالعمى والعور؛ لتجاوزه على حرمة القبور. وكان في روع أهل مكة وما حولها أن من يعرض للسائبة، أو لحرمات الله، أصابته عقوبة في الدنيا1. وعقوبات الدنيا أشد تخويفًا للأعرابي، وأكثر وقعًا في نفسه من العقوبات المؤجلة في العالم الثاني، ثم إن معظم أهل الجاهلية لا يؤمنون باليوم الثاني، ولا بحشر وبعث ونشر.
ولولا الثواب والخوف من العقاب في هذه الدنيا، لما تقدم إنسان وهو فقير بائس، بأعز ما عنده إلى آلهته، على فقره وجوعه؛ ليقدمه قربة إليه، وهو في أشد الحاجة له، ولما بنى الناس المعابد، وتقدموا إليها بالهدايا والنذور، ولما ذكر رجل آلهته وتبرك باسمها، ووضع ملكه في حمايتها ورعايتها، ولعمت الفوضى المجتمع، وأكل بعضهم بعضًا، ونهبوا المال. والخوف من العقوبة في هذه الدينا، ساعد بالطبع كثيرًا في ردع الأشرار عن غيهم، وفي منعهم من الاعتداء على الحرمات، كما أن الإثابة في هذه الدنيا حملتهم على عمل الخير. وعلى التقرب إلى المعابد والعمل بأوامر رجال الدين؛ لتحقيق رضى الآلهة، وفي نيل رضاها كسب مادي وربح ملموس أكيد في هذه الحياة.
ولولا الأمل في الرضى والثواب، والخوف من الآلهة، لما جعل الناس أنفسهم عبيدًا إلى الآلهة. فسموا أنفسهم "عبد ود" و"أمت العزى""أمة العزى"،
1 تفسير الطبري "7/ 59"، تفسير القرطبي "6/ 336".
و"عبد يغوث"، و"عبد مناة" وما شابه ذلك من أسماء دُعي أصحابها بها؛ أملًا في العمر الطويل، وفي التهرب من الموت. فقد كان الآباء والأمهات ينذرون نذرًا، أنه أن ولد لهم مولود، أخدموه إلهًا من الآلهة، ودعوه عبدًا له حتى يعيش. يفعل هذا الفعل من لا يعيش له مولود، ومن يولد له مولود لكنه لا يعمر طويلًا، بل يموت طفلًا أو في مقتبل العمر. فأمل الإنسان في أن يضع الإله حمايته ورعايته للمولود، دفعه على ركوب هذا المركب؛ لإقناع الآلهة بدفع الموت عن أبنائهم وحمايتهم منه.
ولدينا نصوص جاهلية عديدة، تخبر عن تلبية الآلهة توسلات المتعبدين لها، ووفائها لهم بما طلبوه منها. ففي نص ثمودي يخاطب إنسان ربه "منف" "مناف" بقوله:"سمعت منف"، أي "سمعت ندائي يا مناف" أي استجبت لندائي، فوفيت لي يا إلهي مناف. وقد دونه حمدًا له وشكرًا واعترافًا بفضله عليه. وفي نص آخر يخبر صاحبه أنه بريء وأن ربه شفاه مما ألم به من مرض، فيقول:"برات"، أي "برأت"، و"برتن"3، و"برتتن"4. وفي نص آخر يشكر إنسان ربه "صلم"5. ولم يرد في النص السبب الذي حمل صاحب النص على شكر إلهه "صلما" لكننا نستطيع أن نحزر، فنقول إنه طلب منه شيئًا، فصار على نحو ما أراد فشكر إلهه لذلك. وفي نص آخر، توسل من شخص إلى إلهه" صلم" لكي يعينه في الفاجعة التي فجع بها6. وفي نص آخر، توسل إلى إلهه لأن يمنحه: "خلود"، أي الخلود، بمعنى طول العمر7.
ومن التوسلات الجميلة التي وجهها الثموديون إلى آلهتهم، قول أحدهم:"بإلهى أمت"، "بـ إلهى أموت"8، "بإلهي أموت"، أو "في حب إلهي أموت"، أو "في إلهي أفنى". فهو يخاطب ربه. وقد ملأ قلبه العشق نحوه، العشق الإلهي الذي نقرؤه في كتب المتصوفة، ونسمعه في تغاريدهم يخاطبون.
1 Hu. 421، Eu، 775، Hu 505/37، H. Grimme، s. 58.
2 Hu. 504/34.
3 Hu. 497.
4 Jsa 503
5 "صلم شكر" JSA 17.
6 Grimme، S. 34، 40.
7 Grimme، S. 35، 41.
8 Hu 255/20. Eu 250، Grimme، s. 66.
بها الله. ونجد هذا الحب الإلهي والهروب إلى الله في نص ثمودي آخر، هذا نصه "بم مرر. ب ل هـ ي جرت. ب ل هـ ي أم ت لبب ذ هـ غ ث ت "1.
أي "من مر. بإلهي استجرت. بإلهي أموت. أعطني لبك. يا مغيث"، وبعبارة أوضح:"من مر" و"مر" اسم صاحب النص، فهو يوجه نداءه إلى ربه "استجرت بإلهي. وبإلهي أموت. اسمع ندائي يا من يغيث"، أو "يا مغيث" ففي هذه التوسلات وأمثالها رقة الشعور الديني، والحس المرهف الذي يكون عند كبار المتصوفة في مناجاتهم الله.
1 Hu 518/27، Grimme، s. 67.
التطاول على الأرباب:
وفي روع أهل الجاهلية أن من سب الأرباب أو تطاول في كلامه عليها نزلت به قارعة، فلما أسلم "ضمام بن ثعلبة" السعدي أو التميمي، وقدم على قومه، "فكان أول ما تكلم به، أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون، قال: إنهما والله ما يضران ولا ينفعنان"1. ولما تحرش الرسول بالأصنام خوفه المشركون من أن يصاب بسوء، وإلى تخويفهم هذا أشير في القرآن الكريم: {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} 2 يعني: "ويخوفونك "هؤلاء المشركون" يا محمد بالذين من دون الله من الأوثان والآلهة أن تصيبك بسوء، ببراءتك منها وعيبك لها، والله كافيك ذلك"3. و"كانت زنبرة رومية، فأسلمت فذهب بصرها، فقال المشركون: أعمتها اللات والعزى"، "وقالت قريش ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى"4.
1 الاستيعاب "2/ 208""حاشية على الإصابة".
2 الزمر 29، الآية 36.
3 تفسير الطبري "24/ 5"، تفسير القرطبي "15/ 258".
4 الإصابة "4/ 305"، "رقم 465".
الفصل السابع والستون: التقرب إلى الآلهة
مدخل
…
الفصل السابع والستون التقرب إلى الإلهة:
وكما تقوم الصداقة بين الناس على أساس الود والتقرب والاتصال والتذكر بتقديم الهدايا والألطاف ونفائس الأشياء، كذلك تقوم الصلة بين الإنسان وآلهته على أساس من الود والصداقة أيضًا. وإذ كانت الآلهة أقدر من الإنسان، كان من اللازم على البشر التودد إليها بشتى الطرق المعبرة عن معانى التقرب والتحبب والتعظيم لتتذكره، فتمنُّ عليه بالبركة والسعد وبخير ما يشتهيه ويرغب فيه.
والبشر عبيد لآلهتهم، فعليهم أن يؤدوا لها ما يجب أن يؤديه العبد لسيده. إن على العبد واجبات وفروضًا يجب أن يؤديها لصاحبه ومالكه، وعلى الإنسان كائنًا ما كان أن يقوم بأداء ما فرض عليه لآلهته وأربابه في أوقات مكتوبة وفي المناسبات.
ولما كانت عقلية الإنسان القديم وعقلية كل بدائي تقوم على فهم الإدراك الحسي في الدرجة الأولى، كان للهدايا وللنذور والقرابين والشعائر العملية المقام الأول في دياناته؛ لأنها ناحية ملموسة تراها الأعين وتدركها الأبصار، وفيها تضحية تقنع المتدين التقي المتقرب بها إلى آلهته بأنه قد قدم شيئًا ثمينًا لها، وأنها لذلك سترضى عنه حتمًا؛ لأنه قد آثرها على نفسه فقدم إليها أعز الأشياء وأغلاها. إنها سترضى عنه؛ لأنه لم ينسها، ولم يغفل عنها، ولم يفتر حبه لها. وسترضى عنه كلما تذكرها وقام بأداء هذه الواجبات المفروضة أو المستحبة لها، كما يرضى الصديق عن صديقه أو السيد عن عبده بإظهار الإخلاص وبالحرص على أداء الأعمال المرضية.
والدين عقيدة، أي "إيمان" Belief وعمل. والعمل أبين وأظهر وأقوى في الديانات القديمة من الإيمان؛ بسبب أن الإيمان بالقلب، وهو لا يكون إلا بين المرء وربه، ولا يمكن لأحد الاطلاع على كنهه. أما العمل فهو تجسيد للإيمان وتعبير عنه بصور عملية واقعية. وهو الناحية المحسوسة الظاهرة للتدين. ولا يفهم البدائي من الدين إلا مظاهره، التي ترتكز على تضحية وبذل مادي لإرضاء الآلهة فعنده أنه متى بذل أعز ما يملكه في سبيل آلهته عد مؤمنًا تقيًّا، ترضى عنه الآلهة وألسنتها الناطقة بلسانها على الأرض: طبقة رجال الدين. ولهذا رأى بعض العلماء، أنه لدراسة دين من الأديان القديمة يجب الاهتمام بشعائره وبالأحكام التي فرضها على أتباعه؛ لأنها هي أساس ذلك الدين وجوهره1.
لقد كانت ديانات الجاهليين ذات حدود ضيقة، آلهتها آلهة محلية، فالإله إما إله قبيلة وإما إله موضع. وطبيعي أن تكون صلة الإنسان بإلهه متأثرة بدرجة تفكير ذلك الإنسان وبالشكل العام للمجتمع. والإله في نظرهم هو حامي القبيلة وحامي الموضع، وهو المدافع عنها وعنه في أيام السلم وفي أيام الحرب، ما دام الشعب مطيعًا له منفذًا لأوامره وأحكامه وللشعائر المرسومة التي يعرفها ويقررها ويقوم بتنفيذها رجال الدين.
ويكون إرضاء الآلهة بالتقرب إليها وبتنفيذ أوامرها التي تعينها وتثبتها خاصتها المختصة بين القبيلة أو الشعب، أعني كهانها ورجال الدين الذين يعرفون أوامرها وأحكامها خير معرفة، وهم الذين يفسرونها ويأمرون بتنفيذها بين الناس. وقد يكون هذا التنفيذ في أيام أو أشهر ثابتة معينة تكون لها قدسية وحرمة خاصة، وقد يكون في مواسم يرى الناس أن آلهتهم تكون في تلك الأوقات حاضرة متهيئة قرينة منهم تسمع شكاواهم وما عندهم من مطالب. ويكون هذا التنفيذ بصور مختلفة أهمها زيارة المعابد والتبرك بأصنامها، وتقديم النذور لها، وإيقاف الحبوس عليها. والحج إليها في الأوقات المفروضة وفي كل وقت آخر ممكن، وأداء الصدقات والزكاة، تزكية للمال، وتطهيرًا للنفس من الذنوب.
ومن أهم ما تقرب به الإنسان إلى آلهته "النذور" و"القرابين" و"المنح"، أي الصدقات والعطايا. وتدخل "الذبائح" في باب النذور والقرابين كذلك.
1 Robertson، p. 16.
ويجب أن أضيف "القرى" أي الضيافة عليها أيضًا، لما لها من صبغة أخلاقية دينية، حتى صارت الضيافة من الواجبات المثبتة في نظام "مكة". وهي "الرفادة" أي تقديم الطعام لمن يحتاج إليه.
والمنحة عند العرب أن يعطي الرجل صاحبه المال هبة أو صلة فيكون له، أو أن يمنح الرجل أخاه ناقة أو شاة يحلبها زمانًا وأيامًا ثم يردها. وقد تقع على الأرض، وهي أن يعطي الرجل غيره أرضًا ليزرعها ويستفيد منها، هبة أو عارية1. ويظهر من الإشارة إليها في الحديث، أنها كانت من أعمال البر المعروفة عند أهل الجاهلية، وكانون يتقربون بها إلى آلهتهم.
ولم تحدد الوثنية الأشياء التي كان على الإنسان أن يتقدم بها إلى آلهته قربة إليها أو وفاء لنذر، بل تركت له الأبواب مفتوحة، فله أن يتقرب إلى أربابه بكل ما يختار ويشاء، من أمور بسيطة رخيصة إلى أشياء ثمينة غالية، كل حسب مقدوره وقابلياته. فنجد بين النذور مباخر وتماثيل ومصابيح، وأشياء نفسية من ذهب أو من جواهر. كما كانوا يتبركون بوضع حصونهم وبيوتهم وبساتينهم ومزارعهم في حرساة الآلهة ورعايتها؛ لتحفظها ولتحفظ أصحابها.
ويمكن تقسيم ما تقدم به الجاهليون إلى أربابهم إلى قسمين: قسم إجباري، يجب الوفاء به بسبب "نذر" مثلًا، وقسم تطوعي، أي اختياري مثل "المنح" والذبائح التي تقدم في المواسم وفي سائر الأيام، ويقال لها "ندب" و"ندبت""ندبة". و"المندوب" في عربيتنا المستحب2. وأدخل في القسم الأول ما يقال له "خطت" "خطات" "خطأه" أي "الخطيئة"3. ويراد بها تقديم "فدية" عن عمل مخالف قام به إنسان، مثل تقديم ذبيحة بسبب دخول إنسان نجس في المعبد.
وإذا كنا في شيء من الجهل بالنسبة إلى الزكاة التي كان الناس يدفعونها في نجد أو العربية الشرقية أو في الحجاز إلى المعابد وإلى رجال الدين؛ لعدم وجود نصوص جاهلية تكشف النقاب عنها، فإن لنا بعض المعرفة عن الزكاة التي كان
1 تاج العروس "2/ 232"، "منح".
2 تاج العروس "1/ 481"، "ندب".
3 Ancient Israel 418-421، 425، 429.
يقدمها أهل العربية الجنوبية إلى معابدهم، ظفرنا بها في الكتابات التي عثر عليها هناك، وقد وردت فيها إشارات إليها في نصوص تعرضت لها بالمناسبات.
وهذه الزكاة حصص عينية مقررة تدفع إلى المعبد على شاكلة الحصص التي تدفع إلى أصحاب الأرض والحكومة، تخزن في مخازن المعابد؛ لتصدر إلى الخارج، أو لتباع في الأسواق، أو ليصرف منها على المعابد ورجال الدين والمحتاجين. فكان القتبانيون مثلًا يدفعون عشر حاصلهم إلى المعبد، ويعرف ذلك عندهم بـ"عصم"1، تدفع هذه الضريبة عن حاصلات الأرض، وذلك في كل سنة. وقد عرفت هذه الضريبة بـ"عشر" عند المعينيين. وهي ضريبة تدفع أيضًا عن الحيوان إلى المعبد. وهذه الضريبة هي في الواقع من الضرائب العامة التي كانت تدفعها أمم أخرى عديدة إلى المعابد، وتستند إلى تقاليد تأريخية قديمة وإلى نظرية أن الأرض هي ملك للآلهة، فهي التي تنعم على الإنسان بالحاصل وبالخير وبالبركات، فعلى الإنسان تخصيص جزء من حاصله لتلك الآلهة. فإذا قصر إنسان في أداء ما عليه إلى الآلهة، تعرض للعقاب ولحرمان الآلهة إياه من البركة والخصب2.
ويتبين من نصوص المسند أنه كانت في العربية الجنوبية أرضون واسعة مسماة بأسماء الألهة، أجرتها المعابد للرؤساء أو سلمتها إلى أيدي "الكبراء" لاستغلالها في مقابل أجر يدفعونه إلى المعبد يتفق عليه. وهذه الأرضون هي أوقاف حبست على الآلهة تعرف بـ"وتفم""وتف"3. ومن غلات هذه الأوقاف ومن "العصم" والنذور والهبات الأخرى ينفق على المعابد وعلى رجال الدين.
وقد ظهر في العربية الجنوبية نظام إقطاعي "كهنوتي"، أسياده رجال الدين، تولوا الإشراف على إدارة أملاك المعبد الواسعة وعلى استغلالها وإدارة شئونها، وجباية الأرضين التي يوقفها المؤمنون أصحابها على الآلهة، وعلى استحصال حقوق المعبد من المتمكنين. وقد أشير في كتابات المسند إلى أرضين واسعة كانت أوقافًا للمعابد، أجرت إلى سادات القبائل لاستغلالها في مقابل أجر اتفق عليه. ويظهر أن بعض أولئك السادات كانوا أقوياء وأصحاب نفوذ فاستولوا على "الحبوس".
1 السطر الثالث من النص الموسوم بـ: Kataba Texte، I، Glaser 1601
2.
Hastings، p. 940
3 Katab. Texte، II، s. 30.
استيلاء في مقابل أجور زهيدة كانوا يدفعونها للمعبد، ولما لم يكن في وسع المعبد فعل شيء تجاههم، اضطر إلى قبول الأجر الزهيد الرمزي الدال على تملك المعبد للأرض. أما السادات فكانوا يؤجرون الأرض لأتباعهم بأجور عالية، ويربحون من ذلك أرباحًا كبيرة.
وعثر المنقبون على وثائق في خرائب بعض المعابد، تبين منها أنها كانت نصوص عقود إيجار واستئجار لأملاك المعبد، أي للأوقاف المحبوسة على أرباب المعبد. وقد ذكر المستأجرون فيها الشروط التي اتفقوا عليها مع المعبد في مقابل استغلال الوقف. وإذا كان المستأجر غير متمكن من أداء ما عليه للمعبد في مقابل استغلال الأرض، فإن من حقه الاستدانة من غيره أو الاتفاق معه على المساهمة معه في الاستغلال والاستثمار على شرط أخذ موافقة رجال المعبد على ذلك، وإدخال اسم الشخص الثاني في العقد، كي يكون مسئولًا شرعًا عن تنفيذ شروط العقد في حالة عدم تمكن زميله من ذلك1.
وقد اقتضى تضخم أملاك المعابد خلق جهاز خاص لإدارة الأملاك والأوقاف والإشراف على استحصال "الأعشار" عن الدخل وتركات الإرث والمشتريات إلى جانب النذور والقرابين وتوقيع العقد. جهاز رأسه كبار رجال الدين، الذين يمثلون الآلهة على الأرض، وقاعدته صغار رجال الدين ومن عهد إليهم أمر الإدارة من غير رجال الدين. فصار للمعبد بذلك نفوذ كبير في اقتصاد العربية الجنوبية في ذلك الوقت.
وفي المعابد مواضع يرمي الزوار فيها ما يجودون به على المعبد، تكون أمام الأصنام في الغالب. وهي خزائن تتجمع فيها النذور والهبات، فيأخذها السدنة، وأغلب ما يُرمى فيها الحلي والمصوغات المصاغة من الذهب والفضة، والأشياء النفيسة الأخرى. كما كانوا يعلقون السيوف والألبسة الثمينة على الأصنام وعلى الأشجار المقدسة تقربًا إليها، ووفاء بنذور نذروها لها.
ولم يبخل الجاهليون على أصنامهم، فقدموا لها حتى المأكل والمشرب؛ لاعتقادهم أنها تسر بذلك وتفرح. فقد عقلوا على "ذي الخلصة"، وهو صنم نصبه.
1 Die Bodenwirtschaft، S. 22، A. Steinwenter، Beltrage Zum Offentlichen، 1915.
"عمرو بن لحي"، القلائد وبيض النعام، والبرد النفيسة، وقدموا له الحنطة والشعير، بل واللبن أيضًا؛ ليشرب منه، وذبحوا له1. فهم يعتقدون أن في الصنم روحًا. وأن في مقدوره التلذذ بهذه النذور. وكان في روعهم أنه يشرب من ذلك اللبن.
وقد أشير إلى الهبات التي تقدم إلى المعابد والآلهة بكلمة "وهبم" في النصوص القتبانية. بمعنى "وهب" و"هبات". ووردت كلمات أخرى تؤدي هذا المعنى أيضًا. منها: "ودم"، و"شفتم"، و"بنتم"2. وتقابل هذه ما يقال له:"منحة" و"المنحة" عند العرب الشماليين.
وفي جملة ما يدخل في هذا الباب "بكرت"، أو "الباكورة" أول كل شيء. مثل الثمر وأول مولود بالنسبة للحيوان، حيث يُهدي للآلهة. وقد كان معروفًا عند العبرانيين وعند غيرهم من الساميين. وذلك أن يجعل صاحب المال ثمرة أول زرعه أو حيوانه نذرًا لآلهته3. وقد أشير إلى هذا النذر أو الهبة في نصوص المسند. ومن "الباكورة" العقيقة التي تحدثت عنها في موضع آخر من هذا الكتاب.
وتلعب النذور دورًا خطيرًا في الحياة الدينية عند الجاهليين، حتى صارت عندهم بمثابة المظهر الأول والوحيد للدين. فالعامة لا تكاد تفهم من الدين إلا تقديم النذور للآلهة؛ لتجيب لها طلباتها وتنعم عليها بنعمائها. والنذور هي وعد على شرط. يتوسل الناذر إلى آلهته بأنها إن أجابت طلبًا عَيَّنَهُ، وحققت مطلبًا نواه، فعليه كذا نذر، يعينه ويذكره. فهنا عقد ووعد بين طرفين في مقابل تنفيذ شرط أو شروط، أحد طرفيه السائل صاحب النذر، أما الطرف الثاني فهو الإله أو الآلهة. وأما الشرط، فهو تنفيذ المطالب التي يريدها الناذر. وأما النذر، فهو أشياء مختلفة، قد تكون ذبيحة، وقد تكون جملة ذبائح، وقد تكون نقودًا، وقد تكون فاكهة أو زرعًا، وقد تكون أرضًا، وقد تكون تمثالًا، وقد تكون حبسًا لإنسان يهب نفسه أو مملوكه أو ابنه لإلهه أو لآلهته، وقد يوهب
1 الأزرقي، أخبار مكة "78"، "لا يبزك".
2 N. Rhodokankis، Katab Texte، I، S. 18، 26.
3 في العبرانية "بكوريم"، Ancient Israel 380، 404، 493.
ما في بطن المرأة أو ما في بطن الحيوان، وقد يكون النذر حيوانات حية. وهكذا نجد مادة النذر كثيرة مختلفة متباينة بتباين النذر والأشخاص1.
ولا يشترط في وفاء النذر أن يكون عينًا أي مادة؛ إذ يجوز أن يكون أمرًا معنويًّا، كأن يذكر الناذر في نذره أنه إن أجاب الإله الفلاني طلبه وبارك له ومنحه طفلًا، يخدمه له أو يسميه عبده، أي عبد ذلك الإله الذي نذر له. وكثير من الأسماء المبتدأة بـ"عبد" يليها اسم "صنم"، هي من هذا القبيل، دُعي أصحابها بها ليحمي من سمي به صاحب ذلك الاسم في مقابل تلك التسمية، ومن هذا القبيل عبد مناف وعبد مناة2.
ومن هذا القبيل أيضًا نذر المواهب، كأن ينذر شخص مواهبه لصنم أو لمعبد، بأن يتعهد أن يقوم بترنيم التراتيل الدينية في الأعياد أو في أوقات الصلوات والمناسبات في ذلك المعبد، أو يقوم فيه بأعمال فنية مثل رسم منظر ديني أو تزيين معبد الإله، والنذر بالصيام وبغير ذلك3.
ويعبر عن الابن الذي ينذره أبوه أو أمه بأن يجعله خادمًا للمعبد أو للصنم أو للكنيسة ذكرًا كان أم أنثى "النذيرة"، وذلك لأنه حبس على خدمة الإله أو الصنم أو المعبد وتفرغ، فلا يخدم أحدًا سواها4. وفي التنزيل:{إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} 5.
ويقال للنذر "النحب"، وهو ما ينذره الإنسان على نفسه فيجعله نحبًا واجبًا. وقيل: إنما قيل للنذر نذرًا؛ لأنه ينذر فيه، أي أوجب على النفس6. ووردت لفظة "نذر" "نذرم" "نذرن" في نصوص المسند، بمعنى "نذر" و"نذور".
1 تفسير الطبري "3/ 91 وما بعدها"، "القاهرة 1954" القاموس "2/ 120"، Encv. Brita، Vol، 25، p. 200، Reste، S. 112، Ency، Religi، 12، p. 644..
2 الروض الأنف "1/ 6".
3 تفسير الطبري "5/ 580 وما بعدها"، "دار المعارف"، تفسير البيضاوي "6/ 154"، القرطبي، الجامع "11/ 97 وما بعدها"، الطبرسي "2/ 345".
4 اللسان "5/ 200"، "نذر"، تاج العروس "3/ 561"، "نذر".
5 آل عمران، الآية 35، تفسير الطبري "3/ 157 وما بعدها"، القرطبي "4/ 65 وما بعدها"، تفسير البيضاوي "3/ 20 وما بعدها"، تفسير ابن كثير "1/ 358 وما بعدها" روح المعاني "1/ 561".
6 اللسان "5/ 200"، تاج العروس "3/ 561".
ومن هذه النذور "الربيط". فقد كان الجاهليون ينذرون أنهم إذا عاش لهم مولود جعلوه خادمًا للبيت، أي لبيت الصنم. ومن هنا لقب "الغوث بن مر" بالربيط "لأن أمه كانت لا يعيش لها ولد، فنذرت لئن عاش هذا لتربطن برأسه صوفة، ولتجعلنه ربيط الكعبة، فعاش ففعلت وجعلته خادمًا للبيت حتى بلغ الحلم، فنزعته فلقب الربيط"1.
ويظهر من بعض الروايات أنهم كانوا يربطون الربيط بالبيت. فقد ذكروا أن أم "الغوث" لما "ربطته عند البيت أصابه الحر، فمرت به، وقد سقط وذوى واسترخى"2، فيظهر أنهم كانوا يربطونه برباط بالموضع المقدس؛ ليكون على اتصال تام به، كما يفعل الناس اليوم من ربط مرضاهم ومن لا يعيش طويلًا من الأولاد بقبور الأولياء بخيط أو حبل، رجاء الشفاء وطول العمر. وقد يعقدون خيطًا أو شريطًا بالقبر، لهذا الغرض.
وقد كان أصحاب النذور يتنسكون ويكثرون من تعبدهم ومن تقربهم للصنم الذي نذروا له؛ ليمنَّ عليهم ويحقق لهم ما طلبوه. وقد أشار "لبيد" إلى الناسكات ينتظرن النذر بقوله:
توجس النبوح شُعثًا غبرًا
…
كالناسكات ينتظرن النذرا3
ومن نذورهم في الجاهلية، أنهم كانوا ينذرون بألا تهب الصبا حتى يذبحوا أو ينحروا4. ويظهر أن هذه عادة كانت لها صلة بطقوس دينية جاهلية قديمة، نجدها عند أهل مكة وعند الأعراب.
وتكون النذور في حالات الشدة والضيق في الغالب. فإذا أصيب إنسان بمكروه أو أصيب عزيز له بذلك، نذر إلى آلهته نذرًا، يقدمه لها حالة تحقق الشرط، فإن صادف أن تحقق ما طلبه، وجب على الناذر الوفاء بنذوره. ونظرًا لظروف ذلك الوقت، فقد كانت النذور كثيرة ومتنوعة. منها نذور مادية، ومنها نذور
1 تاج العروس "5/ 142"، "ربط".
2 الروط الأنف "1/ 85".
3 ديوان لبيد "336".
4 الكامل "2/ 52 وما بعدها".
معنوية، مثل التعبد والتبتل وخدمة بيوت الأصنام وما شاكل ذلك من نذور1.
وقد كانوا لا يحلون لأنفسهم التملص والتخلص من الوفاء بالنذور؛ لاعتقادهم أنهم إن أكلوها ولم يوفوا بها، غضبت عليهم الآلهة، ولا سيما الإله الذي جعلوا نذرهم له، فيصابون بغضب منها، وينالهم مكروه، فهم لذلك يوفون نذورهم ولا يقصرون في الأداء، إلا لحاجة أو لاستهتار أو لتغلب الشح على النفس، ومع ذلك، فقد كانوا يلجئون إلى الحيل الشرعية في هذا التهرب، بإيجاد الحلول والأعذار.
ونجد في نصوص المسند عددًا كبيرًا من الكتابات تفيد أن صاحب الكتابة قد قدم إلى الإله الفلاني كذا وكذا؛ لأنه أجاب طلبه وأعطاه ما أراد ووفاه بحسب طلبه، فقدم إليه كذا وكذا وفاء لنذره. وتذكر في النص أحيانًا جملة لتنزل اللعنة أو لينزل الهلاك والدمار أو ما شابه ذلك على من يحاول إزالة النذر والأثر عن موضعه أو إلحاق الأذى به أو ما شابه ذلك من عبارات. وقد ورد مثل ذلك في النصوص الثمودية والليانية والنصوص الأخرى. وتفهم فكرة النذر والغاية منه صراحة من هذه الكتابات، فالناذر قدم نذره؛ لأن الإله المذكور أو الآلهة المذكورة أجابت طلبه ووفت له ما أراد، فوفى هو له أو لها ما اشترط على نفسه تقديمه عند عقده صيغة النذر، فالإله أو الآلهة طرف يسمع ويتعاقد ويجيب ويفعل أو تفعل تمامًا كما يفعل الإنسان، وهي تشترط على الطرف الثاني أي على السائل الوفاء بالنذر؛ لأنه دين يجب عليه دفعه في مقابل تنفيذ الآلهة الشروط المذكورة، وإلا فإن الآلهة تغضب عليه وتوقع القصاص عليه، وقد تسحب ما قدمت له حينما عقدت النذر معه.
وكانت القرابين البشرية في جملة الأشياء التي قدمها الإنسان نذرًا إلى آلهته. وكان "عبد المطلب" كما يذكر أهل الأخبار قد نذر إن توافى له عشرة رهط أن ينحر أحدهم. فلما اكتمل العدد، قرر الوفاء بنذره، وذلك بذبح أحدهم. وإذ لم يكن قد عين الولد الذي سيذبحه، ذهب كعادة أهل مكة إلى هبل يستقسم عنده. فلما أصاب النصيب "عبد الله"، ذهب إلى "إساف" ونائلة.
1 طبري "3/ 144 وما بعدها"، روح المعاني "1/ 561 وما بعدها"، تاج العروس "3/ 561"، "نذر"، تفسير البيضاوي "3/ 20 وما بعدها".
وثني قريش اللذين تنحر عندهما، ليذبحه، "فقامت إليه قريش من أنديتها: فقالوا: ماذا تريد يا عبد المطلب؟ قال: أذبحه. فقالت له قريش وبنوه: والله لا تذبحه أبدًا حتى تعذر فيه، لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بابنه حتى يذبحه. فما بقاء الناس على هذا؟ ". ثم سألوه أن يذهب إلى عرافة كانت بالمدينة لها "تابع"؛ لترى رأيها في الموضوع وتفتي فيه، فلما ذهب إليها، وجدها بخيبر، فأشارت عليه أن يعود إلى مكة، ثم يضرب بالقداح على ابنه وعلى عشر من الإبل وهو مقدار الدية عندهم، فإن خرجت القداح على عبد الله ضربوا القداح مرة أخرى، فإن خرجت القداح على عبد الله مرة أخرى، أعادوا الضرب حتى يقع على الإبل، فيكون الرب قد رضي عنه، فتنحر الإبل عندئذ. فسمع نصيحتها وفعل، ونحرت الإبل فدية عن ابنه "عبد الله"1. والظاهر أن عادة نحر الأبناء عند الكعبة قد بقيت حتى بعد دخول العرب في الإسلام، بدليل ما ورد عن نذر امرأة أن تنحر ابنها عند الكعبة في أمر إن فعلته، ففعلت ذلك الأمر، فجاءت إلى المدينة تستفتي علماءها في الأمر. فأشار عليها من استفتتهم بوجوب الوفاء بالنذر، ولكنهم ذكروا لها أن الله قد نهى عن قتل أنفسكم، وذكروا لها قصة عبد المطلب المذكورة، ومعنى ذلك تقديم الفداء2.
كذلك كان من عادة الجاهليين النذر في ساعات الشدة والخطر، فكان بعض النساء ينذرون أن يجعلن ولدهن "حمسًا" إن شفى الرب ابنها من مرض ألم به، كما كانوا ينذرون بحلق شعر الرأس أو جز شعر الناصية أو الاعتكاف والانزواء بعيدًا عن الناس3، وهي عادات نجدها عند غير العرب أيضًا4.
وقد أشار المفسرون وأصحاب الحديث والأخبار إلى نذور كانت معروفة في الجاهلية، فمنعها الإسلام، وفي بعضها نوع من التحايل والتلاعب، حيث كانوا يتصرفون بحسب أهوائهم وشهواتهم ومنافعهم وقت استحقاق النذر. ومن ذلك ما أشير إليه في القرآن الكريم:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى}
1 الطبري "2/ 172 وما بعدها" ابن الاثير الكامل "2/2".
2 الطبري "2/ 172".
3 الأزرقي "1/ 123".
4 Shorter، Ency، p. 429.
اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} 1. وقد ذكر المفسرون أن من الجاهليين من كان يزرع لله زرعًا وللأصنام زرعًا، فكان إذا زكا الزرع الذي زرعوه لله ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه عليها، ويقولون إن الله غني والأصنام أحوج، وإن زكا الزرع الذي زرعوه للأصنام، ولم يزك الزرع الذي زرعوه لله لم يجعلوا منه شيئًا لله. وقالوا هو غني.
وكانوا يقسمون الغنم، فيجعلون بعضه لله، وبعضه للأصنام، فما كان لله أطعموه الضيفان، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم. وكانوا إذا اختلط ما جعل للأصنام مما جعل لله تعالى ردوه، وإذا اختلط ما جعل لله بما جعل للأصنام تركوه. وقالوا الله أغنى. وإذا هلك ما جعل للأصنام، بدلوه مما جعل لله، وإذا هلك ما جعل لله لم يبدلوه بما جعل للأصنام2.
فهم يتطاولون على ما خصصوه لله من نصيب، ويتصرفون به كما يشاءون، ويحافظون على ما خصصوه للأصنام، بزعمهم أنها شركاء لله، ويقدمونه لها. ولعل ذلك بسبب أن ما كان يخصصونه للأصنام كان يجد له معقبًا وسائلًا، يراجع أصحاب الحرث أي الزرع وأصحاب الأنعام لاستحصال حق الأصنام منهم. وهو حق مفروض، وهم السدنة ورجال الأصنام، فكانوا يستحصلون حقوق الأصنام منهم، على حين كان ما يخصصونه لله نذرًا لا يعرف به غير الناذر، فكان يتلاعب به، ويعطيه أو يعطي جزءًا منه إلى جامعي حق الأصنام، على اعتبار أنها شريكة لله، وبذلك يتهرب من أداء النذر كاملًا بهذه الحيلة الشرعية، فلا يستخرج من ماله الذي خصصه لنفسه شيئًا عن الوفاء بالنذر وفاء تامًّا، أو لاعتقادهم أن الله بعيد عنهم، وهو غفور رحيم، أما الأصنام، فقريبة منهم، وهي منتقمة أشد الانتقام.
ويتبين من دراسات النذور عند الشعوب القديمة أنها كانت نتيجة حاجة، وتصور الإنسان أن بإمكانه التأثير على آلهته بهذه النذور، فيجعلها تميل إلى إجابة طلبه
1 الأنعام، الأية 136.
2 تفسير الطبرسي "8/ 369 وما بعدها"، تفسير الطبري "8/ 30 وما بعدها"، روح المعاني "8/ 28"، تفسير التبيان، للطوسي "النجف 1960"، "4/ 307 وما بعدها"، القرطبي، الجامع "7/ 89"، الكشاف "1/ 471".
وحل مشكلاته، وذلك بتقديم مطالب مغرية تطمعها، وهدايا سارة تفرح بها، كما يفرح الإنسان عند تقديم أمثالها إليه، فيهش لصاحب الهدية ويرتاح له ويتقرب إليه، ويعد الهدية نوعًا من التقرب والتودد والتحبب، فمن واجب من أهديت إليه الهدية مقابلة المتودد بالمثل. وأما الحاجات التي كان يرجو الناذرون تحقيقها، فهي في الغالب الحصول على ثروة، أو صحة وعافية أو ذرية أو نصر وتوفيق. والناذر على يقين بالطبع من أن الإله الذي نذر له النذر قادر على تحقيق ذلك، وإلا لم يتقدم إليه بهذا النذر1.
ويدخل في باب النذور ما يأخذه المرء عهدًا على نفسه بتجنب الطيبات واللذيذ من العيش، أو بالابتعاد عن الناس واعتزالهم على نحو ما يفعله الرهبان والناسكون لأمد معين أو لأجل غير معلوم. ونجد أمثلة عديدة من هذا العهد في أخبار الجاهليين، كالذي ذكروه عن "امرئ القيس" من أنه قال حينما بلغه مصرع والده:"الخمر علي والنساء حرام حتى أقتل من بني أسد مائة وأجز نواصي مائة"2، وكالذي رووه عن غيره من الجاهليين. وهي كلها من هذا الطراز. أخذ الشخص عهدًا على نفسه بألا يقرب امرأة أو يشرب خمرًا أو يضع طيبًا أو يقرب اللذائذ حتى يأخذ بثأره أو يتحقق ما نوى عليه، وقد يحدد ذلك بوقت بأن يعين أجل العهد3.
وإذا كان النذر عهدًا، كان من اللازم تنفيذ العهد؟ فإذا مات من أخذ عهدًا على نفسه بأن يفعل شيئًا لم يفعله، فعلى ورثته وقبيلته الوفاء بعهده. فإذا مات شخص كان قد نذر على نفسه الأخذ بثأر قتيل ولم يوفِ بعهده، بسبب موته، فعلى أهله وذوي قرابته وأفراد قبيلته الأخذ بالثأر. ولذلك كانت أحقاد الثأر تنتقل من الآباء إلى الأبناء فالأحفاد، وتستغرق أحيانًا زمنًا طويلًا حتى يؤخذ بالثأر. وقد نشأت عن هذه العهود مشكلات خطيرة في المجتمع الإسلامي في موضوع العهود التي يمكن تنفيذها والعهود التي لا يجوز تنفيذها، أو التي يسمح بعدم تنفيذها وفي مبلغ التبعة التي تترتب على الورثة في تنفيذ العهود4.
1 Ency. Religi. 12، p. 656.
2 الأغاني "8/ 65"، "ذكر امرئ القيس ونسبه وأخباره".
3 ابن هشام "543"، 428.Shorter Ency. P
4 Shorter Ency. P. 429.
القرابين:
وتؤلف القرابين جزءًا مهمًّا من عبادة الأمم القديمة، بل تكاد تكون العلامة الفارقة عندهم للدين. والرجل المتدين في عرفهم هو الرجل الذي يتذكر آلهته ويضعها دائمًا نصب عينيه، وذلك بتقديم القرابين لها، ولست أخطئ إذا قلت إنها كانت عندهم أبرز من العبادات العملية كالصلوات؛ لأن الإنسان القديم لم يكن يفهم آنئذ من الحياة إلا مفهومها المادي. وهو يرى بعينيه ويدرك أن ما يقدم إليه من هدايا يؤثر في نفسه كثيرًا، ولذلك كان من الطبيعي أن يتصور بعقله أن القرابين هي أوقع في نفوس آلهته من أي شيء كان، فقدمها على كل شيء، وجعلها عبادة يتقرب بها إلى الآلهة كما يتقرب أهل الأديان السماوية إلى الإله بالدعاء والصلوات، فهي في نظره عبادة تقربه إلى الأرباب.
وقد كان الجاهليون، يعظمون البيت بالدم، ويتقربون إلى أصنامهم بالذبائح، يرون أن تعظيم البيت أو الصنم لا يكون إلا بالذبح، وأن الذبائح من تقوى القلوب. والذبح هو الشعار الدال على الإخلاص في الدين عندهم، وعلامة التعظيم "قال المسلمون: يا رسول الله، كان أهل الجاهلية يعظمون البيت بالدم، فنحن أحق أن نعظمه"1.
ويظهر من قول أحد الشعراء الجاهليين:
فلا لعمر مسحت كعبته
…
وما هريق على الأنصاب من جسد
أن الجاهليين كانوا يريقون دم الضحية على الأنصاب، وهي موضوعة في الكعبة، ويمسحون الكعبة2.
وكلمة "قربان" وجمعها "قرابين" هي من أصل "ق ر ب"، وقد استعملت وخصصت بهذا المعنى لأنها تقرب إلى الآلهة. والقربان هو كل ما يتقرب به إلى الله. فليس القربان خاصًّا بالذبائح، وإن صار ذلك مدلوله في الغالب3.
1 تفسير الطبري "6/ 48"
2 الاشتقاق "ص206".
3 تاج العروس "1/ 422"، "قرب" اللسان "2/ 158"، قرب".
ومن القرابين ما يقدم في أوقات معينة موقوتة، ومنها ما ليس له وقت محدد ثابت بل يقدم في كل وقت. ومن أمثلة النوع الأول ما يقدم في الأعياد أو في المواسم أو في الأشهر أو في أوقات معينة من اليوم وفي ساعات العبادات، ومن أمثلة النوع الثاني ما يقدم عند ميلاد مولود، أو إنشاء بناء أو القيام بحملة عسكرية أو لنصر وما شابه ذلك من أحوال. ويدخل في النوع الأول الاحتفاء بأعياد الآلهة، حيث تُكسى أصنامها أحسن الحلل، وتزين بأجمل زينة، ثم يوضع أمامها ما لنَّ من الطعام وما حسن من الهدايا، وتذبح لها الذبائح، تذبح على الأنصاب، ويأتي الكهان ليقوموا بتأدية الشعائر الدينية المقررة في هذه الأحوال.
ومعظم نصوص المسند كتابات دونت عند تقديم قربان أو نذر إلى الآلهة في ميلاد مولود، أو شفاء مريض، أو بناء معبد أو بيت، أو حفر خندق أو تشييد برج أو سور، أو حفر بئر أو زواج وما شاكل ذلك. ويظهر منها أن الناس في ذلك العهد كانوا يقدمون القرابين إلى آلهتهم في مناسبات كثيرة؛ تقربًا إليها وإرضاء لها، ولكي تمن على أصحابها بالخير والبركة.
وقد استعملت نصوص المسند لفظة "ذبح"، و"ذبحم" بمعنى "ذبحوا" و"ذبح" و"ذبيحة" و"ذبائح". وقد تسبق بكلمة "يوم"، فتكون "يوم ذبح"، أي "يوم ذبحوا"، ثم يذكر بعدها عدد ما ذبح ونوعه، ثم كلمة "أذبح" بمعنى "ذبائح" في بعض الأحيان. والذبائح التي تقدم إلى الآلهة هي الإبل والبقر والثيران والغنم والمعز، وهي أكثر الحيوانات شيوعًا في الذبح عند الشعوب السامية الأخرى. ولم نجد في نصوص المسند ذكرًا لحيوانات أخرى كالأسماك أو الدجاج مثلًا، ولعل ذلك بسبب ضآلة قيمتها وتفاهتها بالقياس إلى أثمان الحيوانات الأخرى، مما جعل الناس يأنفون من الإشارة إليها في النصوص.
وفي بعض الأديان حرق الذبائح وسكب دمائها على الناس كما يفعل العبرانيون؛ إذ اتخذوا مذبحًا للمحروقات. ويسمى أيضًا بمذبح النحاس. وكانت ناره لا تطفأ، وتقدم إليه الذبائح على الدوام، ويعرف ذلك عندهم بـ"عولاه" Olah، وتفسير الكلمة الشيء الذي يعلو1.
وينفي "ولهوزن" وجود المحارق عند الجاهليين، وعنده أن العرب لم يكونوا
1 قاموس الكتاب المقدس "1/ 458"، Hestings، p. 111.
يحرقون الذبائح للأرباب، بل كانوا يكتفون بالذبح وبسكب دم الذبيحة على النصب كله أو بعضه، أو أنهم يتركونه يسيل إلى "الغبغب"، وليس في الذي بين أيدينا من نصوص ما يدل على أن الجاهليين كانوا يحرقون ذبائحهم لأربابهم على نحو ما كان يفعله العبرانيون، غير أن ذلك لا يمكن أن يكون مع ذلك دليلًا قاطعًا وحجة كافية في إثبات أن هذه العادة لم تكن عند جميع الجاهليين.
وهناك ذبائح من نوع آخر قدمها الإنسان إلى آلهته. من نوع لا تشمله كلمة خروف أو شاة أو بقرة أو ثور أو جمل، من نوع آخر لا تشمله أية تسمية من هذه التسميات التي تطلق على هذه الحيوانات التي يأكلها الإنسان في العادة هي ذبائح يعاقب القانون كل من يمارسها في الوقت الحاضر بأشد العقوبات، هي ذبائح بشرية قدمها الإنسان إلى آلهته لاعتقاده أنها زلفى محببة إلى نفوسها، وأنها ستفيا المجموع وتنقذه من كثير من الأوبئة والأمراض وأنواع الشر والضر، إن كان الإنسان الحديث يتبرأ منها في الزمن الحاضر ويتنكر لها ويحاول تبرئة أجداد أجداده من ممارستها قبل مئات من السنين، فالتأريخ لا يستطيع أن يجد دليلًا يثبت تبرئة أكثر أديان شعوب العالم القديمة من تقديم هذا النوع من القرابين، وفي التوراة أمثلة عديدة تتحدث عن تقديم العبرانيين لهذا النوع من القرابين إلى "يهوه" ليرضى عن شعبه، ويعفو عنه، ويتقرب منه1. كذلك نجد هذه العادة عند اليونان والرومان والهنود والفراعنة والصينيين واليابانيين وغيرهم.
أما عند الجاهليين، فذكر "فورفيريوس" Forphyrius أن أهل "دومة" Duma كانوا يذبحون في كل سنة إنسانًا عند قدم الصنم تقربًا إليه2. وذكر "نيلوس" Nilus من عادة بعض القبائل تقديم أجمل من يقع أسيرًا في أيديهم إلى الزهرة، ضحية لها تذبح وقت طلوعها، وقد وقع ابنه "تيودولس" Theodolus أسيرًا حوالي سنة 400م في أيدي الأعراب Saracens، وهُيِّئ ليُذبح قربانًا إلى الزُّهرة غير أن أحوالًا وقعت أفاتت عليهم الوقت المخصص لتقديم
1 الملوك الأول، الإصحاح السادس عشر، الآية 34، الملوك الثاني، الإصحاح السادس عشر، الآية 3، الإصحاح السابع عشر، الآية 17 الإصحاح الحادي والعشرون، الآية 6، صموئيل الأول، الإصحاح الخامس عشر، الآية 32، الملوك الثاني، الإصحاح الثالث، الآية 21، القضاة، الإصحاح الحادي عشر، الآية 30 وما بعدها، ومواضع أخرى، Hastings، p. 813، Ency، Religi، p. 864.
2 Reste، s. 115.
الذبائح، أنقذته من الذبح، فاكتفى آسروه ببيعه في أسواق الرقيق بـ"ألوسة" Elusa، فاستقر هناك إلى أن صار أسقفًا على المدينة1. وذكر أيضًا أن الملك "المنذر" ملك الحيرة قدم أحد أبناء الحارث الذي وقع أسيرًا في يديه ونحو من أربع مائة راهبة قرابين إلى العزى2. غير أننا يجب أن نكون في حذر شديد من قراءة أمثال هذه الروايات؛ لأن مصدرها في الغالب هو الخيال. كذلك يجب أن نمر برواية الأخباريين عن قصة عبد المطلب وعبد الله بشيء من الاحتراس والحذر، بل والشك والريبة، ويخيل إلي أن الأخباريين استفادوا في هذه القصة من حكاية إبراهيم وإسحاق.
وليس في الذي بين أيدينا من نصوص المسند نص ما فيه خبر يشير إلى تقديم شخص ما ملك أو كاهن أو أي إنسان آخر ذبيحة بشرية إلى الآلهة، كذلك لا نجد في النصوص الأخرى مثل النصوص الثمودية أو اللحيانية أو الصفوية مثل هذه الإشارات.
وتلعب "المذابح" التي سبق أن تحدثت عنها، دورًا خطيرًا في العبادة عند الساميين، بل تكاد تكون المظهر الأساسي للدين والتعبد عندهم في ذلك العهد. ولهذا كان المتدين يكثر من ذبح الذبائح لأنها تقربه إلى الآلهة في نظره.
1 Ency. Religi، 6، p. 853.
2 Hastings، A Dictionary، Vol، I، p. 75.
الترجيب:
وقد عرف شهر "رجب" بكثرة ما كان ينحر فيه من عتائر للأصنام، فلا بد أن يكون لذلك أصل وسبب، كأن يكون هذا الشهر من الأشهر التي كان لها حرمة خاصة في الجاهلية القديمة. وشهر رجب هو من الأشهر الحرم المعظمة التي لم يكن يحل فيها القتال1. وقد سمي الذبح في هذا الشهر بـ"الترحيب"، وقيل للذبائح التي تقدم فيه "العتائر" جمع "عتيرة". وقد عدت العتائر من شعائر الجاهلية. وأطلق بعض علماء اللغة كلمة "العتائر" على ذبح الحيوانات.
1 تاج العروس "1/ 266"، "رجب".
الأليفة، وأطلق لفظة "النافرة" على ذبح الحيوانات الوحشية1. "وفي الحديث: هل تدرون ما العتيرة، وهي التي يسمونها الرجبية؟ كانوا يذبحون في شهر رجب ذبيحة، وينسبونها إليه. يقال هذه أيام ترجيب وتعتار. وكانت العرب ترجب، وكان ذلك لهم نسكًا2".
وذكر بعض أهل الأخبار أن أول من عتر العتائر وسن العتيرة للعرب، هو "بورا"، وهو "بوز"، وهو ابن شوحا، وهو سعد رجب، وهو أول من سن الرجبية للعرب. وهو ابن يعمانا، وهو قموال، وكان في عصر سليمان بن داود3. والظاهر أن أحد أهل الكتاب قصَّ على الأخباريين هذه القصة، فنسبوا هذه السنة الجاهلية إلى هؤلاء الأشخاص.
وكان بعض السادة ينجرون إذا أهلَّ "الشهر الأصم"، أي "شهر رجب". رُوي: أن "حاتمًا الطائي" كان ينحر إذا أهلَّ الشهر، ينحر عشرًا من الإبل ويطعم الناس لحومها، وذلك لحرمته ومنزلته عنده، ولتعظيم "مضر" فهو من شهود مضر الخاصة4.
وعرفت "العتيرة" بـ"الرجبية" عند الجاهليين كذلك؛ لأنها كانت تذبح في شهر رجب، فنسبوها إليها. وعرفت أيام رجب بـ"أيام الترجيب". وورد "أيام ترجيب وتعتار" وقيل للذبائح التي تقدم فيه "النسائل" كذلك5.
وأصل "النُّسك": الدم، وبهذا المعنى ورد من فعل كذا وكذا فعليه نسك، أي دم يهريقه. و"النسيكة": الذبيحة. و"مَنْسك": الموضع الذي تذبح فيه النسيكة، وهذا هو المعنى القديم الأصلي للكلمة. وقد صار من معانيها في العربية الشمالية العبادة والطاعة، وكل ما يتقرب به إلى الله تعالى، لما كان للذبح من شأن في الديانات القديمة بحيث كان يعد عبادة أساسية عندها،
1 Reste، s. 118.
2 تاج العروس "1/ 226 وما بعدها"، "رجب"، مسند أحمد بن حنبل "2/ 173".
3 الطبري "2/ 274".
4 الأغاني "16/ 94".
5 تاج العروس "1/ 266 وما بعدها"، اللسان "1/ 396"، المعاني الكبير "3/ 1171"، المخصص "13/ 98"، مجمع البيان للطبرسي "2/ 150".
ولذلك قيل لمن انصرف إلى التعبد: الناسك1.
وقد فسر علماء التفسير لفظة "نسك" الواردة في الآية: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} 2، بذبح ذبيحة شاة أو ما فوق ذلك3.
والعرف في الذبح عندهم، أنهم كانوا يسوقون ما يريدون تعتاره أي ذبحه إلى النصب الخاص بالصنم أو إلى الصنم نفسه، ثم يذبحونه بعد التسمية باسم ذلك الصنم، وبيان السبب في ذبح هذه العتيرة، ثم يلطخ رأس الصنم بشيء من دم تلك العتيرة4. وقد منع المسلمون من أكل ذبائح المشركين؛ لأنها مما أُهلَّ لغير الله، ولأن المشركين لم يكونوا يذكرون اسم الله عليها، بل كانوا يذكرون اسم الصنم الذي يذبحون له عليها. فحرم ذبائح المشركين لذلك على المسلمين5.
وقد أبطل الإسلام "الرجبية" وهي العتيرة، كما أبطل "الفرع"، وهو ذبح أول نتائج الإبل والغنم لأصنامها، فكانوا يأكلونه ويلقون جلده على الشجر. ويذكر أنهم كانوا إذا أرادوا ذبح الفرع زينوه وألبسوه6؛ ليكون ذلك أوكد في نفوس الآلهة، وتعريفًا للناس. وكانوا يفعلون ذلك تبركًا. وفي الحديث: لا فرع ولا عتيرة7.
وذكر أنهم كانوا إذا بلغت الإبل ما يتمناه صاحبها ذبحوا، أو إذا تمت إبل أحدهم مائة عتر عنها بعيرًا كل عام فأطعمه الناس ولا يذوقه هو ولا أهله، قيل بل قدم بكره فنحره لصنمه. وقد كان المسلمون يفعلون في صدر الإسلام ثم نخ8. وذكروا أن العتيرة الذبيحة التي كانت تذبح للأصنام ويصب دمها على رأسها9. و"العتر" الصنم الذي يصاب رأسه من دم العتر. قال زهير:
فزل عنها وأوفى رأس مرقبة
…
كناصب العتر دمى رأسه النسك10
1 تاج العروس "7/ 186 وما بعدها"، "نسك"، اللسان "12/ 389"، "نسك"
2 البقرة، الآية 196.
3 تفسير الطبري "2/ 134 وما بعدها".
4 ديوان زهير، للأعلم الشمنتري "46".
5 تفسير الطبري "8/ 12" وما بعدها" سورة الأنعام، الرقم 6، الآية 118 وما بعدها.
6 بلوغ الأرب "3/ 40 وما بعدها".
7 تاج العروس "5/ 449".
8 تاج العروس "5/ 449".
9 اللسان "4/ 537"، "عتر"، المرزوقي، الأزمنة والأمكنة "1/ 278".
10 اللسان "4/ 537"، "عتر".
وكانوا يؤكدون على تلطيخ الصنم الذي يعتر له، أو "النصب" بشيء من دم العتيرة. يفعلون ذلك على ما يظهر؛ ليحس الصنم بالدم فوقه. فيتقبله ويرضى به عنهم، ويتقبل عتيرتهم.
ويظهر من غربلة ما جاء في روايات علماء اللغة والأخبار عن العتيرة والرجبية، أن العتيرة بمعنى الذبيحة، وأن "العتر" الذبح عامة، في رجب وفي غير رجب، و"العتائر" الذبائح التي كانوا يذبحونها عند أصنامهم وأنصابهم في رجب وفي غير رجب، والتي كانوا يلطخون بدمائها الصنم الذي كانوا يعترون له. وأما "الرجبية" فهي العتائر التي تعتر في رجب خاصة، وقد كانت كثيرة. ولذلك نسبت إلى هذا الشهر. ونظرًا إلى كون الرجبية عتيرة، ذهب البعض إلى أن العتيرة الرجبية1. فظن أنهم قصدوا بذلك أن العتيرة هي الرجبية، مع أن الرجبية من العتائر، أي بعض من كل، وليست مساوية لها.
وقد كان بعض أهل الجاهلية إذا طلب أحدهم أمرًا نذر لئن ظفر به ليذبحن من غنمه في رجب كذا وكذا، أو أن يقول: إن بلغت إبلي مائة عثرت عنها عتيرة، فإذا ظفر به، أو بلغت مائة، فربما ضاقت نفسه عن ذلك، وضن بغنمه، فصاد ظبيًا فذبحه، أو يأخذ عددها ظباء، فيذبحها مكان تلك الغنم، وهي "الربيض" وإلى ذلك أشير في شعر للحارث بن حلزة اليشكري:
عننًا باطلًا وظلمًا كما تعـ
…
ـتر عن حجرة الربيض الظباء2
فذلك نوع من أنواع التحايل للتخلص من الوفاء بالنذور
وكان أهل الجاهلية لا يأكلون من هديهم3، وإنما يأكل لحومها غيرهم. كما كانوا يضرجون البيت بدماء البدن4، ويضرجون أصنامهم بها. وورد في رواية
1 اللسان "4/ 537"، "عنتر"، الأصنام "32"، "مطبعة دار الكتب المصرية"، 1924م"، تاج العروس "3/ 380"، "عنتر"، المخصص "98 وما بعدها".
2 "عننا" اللسان "4/ 537"، "عتر"، "عنتا" تاج العروس "3/ 380"، "عتر"، البيت رقم "51" من المعلقة شرح القصائد العشر، للتبريزي "ص463 وما بعدها".
3 تفسير القرطبي "12/ 64".
4 تفسير القرطبي "12/ 65".
أخرى، أنهم ينحرون هديهم عند الأصنام، فإذا نحروا هديًا قسموه فيمن حضرهم1.
ومن ذبائح أهل الجاهلية "الشريطة" كانوا يقطعون يسيرًا من حلق الشاة ويتركونها حتى تموت ويجعلونه ذكاة لها. وقد نُهي عن ذلك في الإسلام. وقيل ذبيحة الشريطة، هي أنهم كانوا يشرطونها من العلة، فإذا ماتت قالوا قد ذبحناها2.
ومما يلاحظ في تقديم الذبائح، أن الناذر يراعي الجنس في اختيار الذبيحة، فإذا كان مقرب القربان ذكرًا، اختار قربانه حيوانًا ذكرًا، وإن كان المقرب أنثى، اختيرت الذبيحة أنثى. ولا زال الناس يراعون ذلك حتى اليوم. ونجد هذه العادة عند غير العرب أيضًا، فقد كان أهل العراق يقدمون كتف حيوان، في مقابل شفاء كتف إنسان، ورأس ذبيحة في مقابل رأس ناذر، وهكذا وكانوا يجعلون الرأس رمزًا أحيانًا، فينذرون تقديم رأس المريض أو الصبي إلى الإله، إن مَنَّ عليه بالعافية وبالصحة. ويقصدون بذلك بدلًا، رأس حيوان أو رمزًا برمز إليه من ذهب أو فضة3.
1 ابن هشام "1/ 65"، هامش على الروض الأنف.
2 تاج العروس "5/ 167"، "شرط".
3 Ancien Israel، p. 434.
البحيرة والسائبة والوصيلة والحام:
ومن النذور والقرابين ما يكون حيوانات حية، تسمى كلها أو بعضها باسم الأرباب، فتحبس عليها، وتكون حرة طليقة لا يجوز مسها بسوء. وقد أشير في القرآن الكريم إلى "البحيرة"، و"السائبة"، و"الوصيلة"، و"الحام"1، وللعلماء في هذه المصطلحات كلام، مهما تضارب واختلف، فإنه يوصلنا إلى نتيجة هي أن الجاهليين كانوا يراعون هذه الأمور مراعاة شديدة، ولهم فيها قواعد وأحكام ترجع إلى تقاليد موروثة قديمة، حافظوا عليها، وظلوا يحافظون عليها إلى أن منعها الإسلام.
1 المائدة، الآية 103.
فأما البحيرة، فالناقة أو الشاة تترك فلا ينتفع من لبنها ولا تحمل ولا تركب، وترعى وترد الماء فلا ترد، فإذا ماتت حرموا لحمها على النساء وأباحوه على الرجال، ذلك بعد أن تنتج خمسة أبطن أو عشرة أو ما بين ذلك1. وقيل أيضًا الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس فإن كان ذكرًا نحروه، فأكله الرجال والنساء جميعًا، وإن كانت أنثى شقوا أذنها، فتلك البحيرة، فلا يجز وبرها ولا يحمل عليها، وحرم على النساء أن يذقن من لبنها شيئًا وأن ينتفعن بها، وكان منافعها للرجال دون النساء2. وقيل الشاة التي تشق أذنها، وذلك شيء كان لأهل الجاهلية. تشق أذنها أو أذن الناقة بنصفين، وقيل بنصفين طولًا؛ ليكون التبحير علامة لها3.
وقيل: البحيرة هي التي يمنع درها للطواغيت، فلا يحتلبها أحد من الناس4. قيل لها البحيرة؛ لأنهم بحروا أذنها، أي شقوها، وكان البحر علامة التخلية. وقال بعض العلماء: البحيرة هي ابنة السائبة5. وقال بعض آخر: البحيرة من الإبل يحرم أهل الجاهلية وبرها وظهرها ولحمها ولبنها إلا على الرجال فما ولدت من ذكر وأنثى، فهو على هيئتها، وإن ماتت اشترك الرجال والنساء في أكل لحمها6. وورد أن البحيرة من الإبل، كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نحروا الخامس إن كان سقبًا، وإن كان ربعة شقوا أذنها واستحيوها وهي بحيرة. وأما السقب فلا يأكل نساؤهم منه، وهو خالص لرجالهم، فإن ماتت الناقة أو نتجوها ميتًا فرجالهم ونساؤهم فيه سواء يأكلون منه7. والمرار من "السقب" الذكر من ولد الناقة8.
وورد في الأخبار أن أول من بحر البحائر رجل من "بني مدلج"، كانت لها ناقتان فجدع آذانهما وحرم ألبانهما وظهورها، وقال هاتان لله، ثم احتاج
1 تاج العروس "3/ 28"، "بحر"، "اللسان "5/ 106".
2 مجمع البيان، للطبرسي "2/ 251"، شمس العلوم "حـ1، ق1، ص133"، المفردات "26".
3 الاشتقاق "118"، اللسان "4/ 16 وما بعدها".
4 الطبري "7/ 59"، القرطبي، الجامع "6/ 335".
5 القرطبي "6/ 363".
6 تفسير الطبري "7/ 58".
7 تفسير الطبري "7/ 59 وما بعدها".
8 اللسان "1/ 468"، "شعب".
إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ظهورهما1. كما نسب التبحير إلى "عمرو بن لحي"؛ إذ قيل إنه كان أول من بحر البحيرة وسيب السائبة2.
وأما السائبة، فهي الناقة أو البعير أو الدابة تترك لنذر، أو بعد بلوغ نتائجها حدًّا معلومًا، فلا تركب ولا يحمل عليها ولا تمنع من ماء وكلإ، وتترك سائبة لا يحل لأحد كائنًا من كان مخالفة ذلك3. "وكان الرجل في الجاهلية إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجته دابة من مشقة أو حرب، قال ناقتي سائبة، أي تسيب، فلا ينتفع بظهرها، ولا تحلأ عن ماء، ولا تمنع من كلإ، ولا تركب، وقيل: بل كان ينزع من ظهرها فقارة، أو عظمًا، فتعرف بذلك فأغير على رجل من العرب، فلم يجد دابة يركبها، فركب سائبة، فقيل: أتركب حرامًا؟ فقال: يركب الحرام من لا حلال له، فذهبت مثلًا"4.
و"قيل: هي أم البحيرة، كانت الناقة إذا ولدت عشرة أبطن، كلهن أناث سيبت فلم تركب، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف حتى تموت. فإذا ماتت أكلها الرجال والنساء جميعًا. وبحرت أذن بنتها الأخيرة، فتسمى البحيرة، وهي بمنزلة أمها في أنها سائبة"5. وقيل السائبة: كان الرجل من أهل الجاهلية يسيب من ماله من الأنعام، فلا يمنع حوضًا أن يشرع فيه، ولا مرعى أن يرتع فيه فيهمل في الحمى، فلا ينتفع بظهره، ولا بولده ولا بلبنه ولا بشعره ولا بصوفه، فهو مخلاة لا قيد عليه، ولا راعي له. وكان في روعهم أن من تعرض للسوائب أصابته عقوبة في الدنيا6.
ويذكر أهل الأخبار أن أول من سيب السوائب "عمرو بن عامر الخزاعي"، أي "عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف" أخا بني كعب، وهو أول من غير دين إبراهيم. وقد رجعوا خبرهم هذا إلى رسول الله7. وقيل إن أول من
1 تفسير الطبري "7 / 56".
2 اللسان "4/ 16 وما بعدها"، ابن هشام "1/ 78"، "البابي".
3 الكشاف "1/ 368"، الطبرسي "2/ 251 وما بعدها" تاج العروس "1/ 305".
4 الاشتقاق "76 وما بعدها".
5 اللسان "1/ 478".
6 تفسير الطبري "7/ 59 وما بعدها" تفسير القرطبي "6/ 336".
7 تفسير الطبري "7/ 56 وما بعدها" القرطبي، الجامع "6/ 337 وما بعدها".
ابتدع ذلك "جنادة بن عوف"1 وهو من النسأة، كما سيأتي الكلام عنه فيما بعد.
وأما الوصيلة، فالناقة التي وصلت بين عشرة أبطن، أو الشاة التي وصلت سبعة أبطن. وفي رواية: أن الشاة إذا ولدت ستة أبطن نظروها، فإن كان السابع ذكرًا ذبح وأكل منه الرجال والنساء، وإن كان أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرًا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، ولم يذبح، وكان لحمه حرامًا على النساء. وفي رواية: أن لبن أم الوصيلة حلال على الرجال دون النساء2. وقالوا: الوصيلة الشاة إذا أتامت عشر إناث متتابعات في خمس أبطن، ليس بينهن ذكر. فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور دون الإناث، إلا أن يموت شيء منها فيشترك في أكله ذكورهم وإناثهم3.
وأما الحام، فالبعير إذا نتج عشرة أبطن من صلبه، قالوا: قد حمى ظهره، فلا يركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى4 وقالوا: الحام من الإبل، كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش الطواويس وسيبوه5. وقالوا بل الحام أن الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ذكر حمى ظهره ولم يركب ولم يجز وبره ويخلى في إبله يضرب فيها لا ينتفع بها بغير ذلك وذكر أن الحام، الفحل يضرب في الإبل عشر سنين، ويقال: إذا ضرب ولد ولده قيل قد حمى ظهره، فيتركونه لا يمس ولا ينحر أبدًا ولا يمنع من كلإ يريده، وهو من الأنعام التي حرمت ظهورها6.
وذكروا أن أول من حمى الحامي هو "عمرو بن لحي" وذلك في سنن أخرى سنها لأهل الجاهلية7.
وقد أشير في سورة "الأنعام" إلى أشياء كان يفعلها أهل الجاهلية، يتقربون بها إلى آلهتهم، كانوا يحرمون من أنعامهم أشياء لا يأكلونها ويعزلون من حرثهم
1 القرطبي، الجامع "6/ 337".
2 تاج العروس "8/ 155"، الكشاف "1/ 368".
3 القرطبي، الجامع "6/ 337".
4 الكشاف "1/ 368"، تاج العروس "10/ 100"، اللسان "18/ 220".
5 القرطبي، الجامع "6/ 336".
6 تفسير الطبري "7/ 57 وما بعدها".
7 تفسير الطبري "7/ 56 وما بعدها.
شيئًا معلومًا لآلهتهم ويقولون لا يحل لنا ما سمينا لآلهتها1. فورد: "وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبًا. فقالوا: هذا لله بزعمهم، وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون" وورد:{وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} 2.
وذكر المفسرون أن من المشركين من حرم ظهور بعض أنعامهم، فلا يربكون ظهورها، وهم ينتفعون برسلها ونتاجها وسائر الأشياء منها غير ظهورها للركوب وحرموا من أنعامهم أنعامًا أخر فلا يحجون عليها. وقد ذكروا أن المراد بذلك البحيرة والسائبة والحام. وأنهم كانوا قد جعلوا ألبان البحائر للذكور دون الإناث. وإن كانت ميتة اشترك فيها ذكورهم وإناثهم. وكانت الشاة إذا ولدت ذكرًا ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، وإن كانت أنثى تترك فلم تذبح، وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء3. فالمراد بهذه الآيات ما ذكرته عن الأمور المتقدمة.
وقد كان بعض أصحاب النذور ينذر، فإذا تم النذر وصار وبلغت إبلهم أو غنمهم ذلك العدد، بخل بإبله أو شائه وضاقت نفسه عن الوفاء وضن بإبله وبغنمه فاستعمل التأويل، وقال: إنما قلت إني أذبح كذا وكذا شاة، والظباء شاء، كما أن الغنم شاء، فيجعل ذلك القربان شاء كله مما يصيده من الظباء فلذلك يقول الحارث بن حلزة اليشكري:
عننًا باطلًا وظلمًا كلما تعـ
…
ـتر عن حجرة الربيض الظباء4
وكان الرجل من العرب في الجاهلية إذا بلغ إبله ألفًا عار عين بعير منها،
1 تفسير الطبري "8/ 35".
2 الأنعام، الآية 136 وما بعدها.
3 تفسير الطبري "8/ 37 وما بعد".
4 الأصنام "13"، شرح المعلقات للزوزني "ص167"، المعاني الكبير "2/ 1012".
وسرحه لا ينتفع به1. وكان من عاداتهم إذا بلغ إبلهم المائة، ترك ركوب ظهر بعير منها، فلا يركب ولا ينتفع به، ويقولون لذلك: الأخلاق2.
وكانوا يتصدقون بمائة من الإبل على الفقراء والمحتاجين والمعابد، وما شاكل ذلك. روي أن "حنيفة" النعم، وهو من أثرياء الجاهلية، لما شعر بدنو أجله، جمع بنيه، ثم أوصى بمائة من إبله على يتيمه صدقة. وكانوا يسمونها "المطيبة"3.
وقد عرف ما كان يحبسه أهل الجاهلية على أصنامهم من السوائب والبحائر والحوامي وغيرها بـ"الحبس" وقد أطلق الإسلام ما حبسوا وحلل ما حرموا، وهو جمع حبيس4.
وكانت لهم مكرمات. فعلوها في الجاهلية عن خلق ودين ورغبة في شهرة وسمعة. منها أنهم كانوا يتصدقون بأموالهم على أبناء السبيل وعلى الفقراء والمحتاجين ذكر أن "الأسود بن ربيعة بن أبي الأسود" اليشكري، قال لرسول الله:"يا رسول الله إن أبي كان تصدق بمالٍ من ماله على ابن السبيل في الجاهلية، فإن تكن لي مكرمة تركتها، وإن لا تكن لي مكرمة، فأنا أحق بها: فقال: بل هي لك مكرمة فتقبلها". وذكر أن رسول الله قال: "ألا إن كل مكرمة كانت في الجاهلية، فقد جعلتها تحت قدمي، إلا السقاية والسدانة"5. وهذه المكرمات هي من مآثر العرب في الجاهلية، مكارمها وتفاخرها التي تؤثر عنها6.
وتحريم أكل لحوم الحيوانات في مثل هذه الحالات على النساء وتخصيصه بالرجال، وجوازه في حالات أخرى، ثم تحريم الانتفاع من لبنها على النساء في بعض الحالات وعلى الرجال والنساء في حالات أخرى إلا الضيوف وعلى جواز ركوبها: كل هذه تشير إلى أنها من شريعة قديمة. وقد رجع بعض العلماء ذلك إلى الطوطمية، غير أن من العسير قبول هذا التفسير:
وقد كان الجزارون المجازون شرعًا يقومون بذبح الذبائح عند العبرانيين، وهم
1 تاج العروس "1/ 97"، "فقأ"، "3/ 428"، "عور".
2 Reste، s. 114.
3 الاستيعاب "1/ 395 وما بعدها"، "حاشية على الإصابة".
4 تاج العروس "4/ 125"، "حبس".
5 الإصابة "1/ 59"، "رقم 158".
6 تاج العروس "3/ 5"، "أثر".
الذين يقررون صلاح الذبيحة أو عدم موافقتها لأحكام الشرع. أما عند الجاهليين فلا نعرف شيئًا عمن كان يقوم بذبح الضحايا التي تقدم إلى الأصنام، كما أننا لا نستطيع أن نتحدث عن الشروط التي كانوا يشترطونها في الذبيحة ليكون لحمها صالحًا للأكل.
والطيب والبخور من أهم المواد التي كان يتقرب الجاهليون إلى آلهتهم بإهدائها إلى المعابد. ولم تكن هذه عادة خاصة بالجاهليين وحدهم، بل هي عادة معروفة في جميع الأديان، ولا تزال باقية مستعملة. يحرق البخور في المباخر والمجامر؛ لتنبعث روائحه الزكية في أبهاء المعبد. أما الخلوق وأنواع الطيب، فتلطخ بها الأصنام وجدران المعبد، وطالما تقدم المؤمنون إلى آلهتهم بمبخره ليحرق البخور فيها. ومن بين نصوص المسند، نص كتبه مؤمن اسمه "عبد أصدق" وأبناؤه إلى الإله "ود" ذكروا فيه أنهم قدموا إليه مبخرة تعويضًا عن المبخرة التي سرقها اللصوص من معبده1. وقد عثر في اليمن على مباخر كبيرة نحتت من الصخر، أهديت على المعابد؛ ليحرق فيها البخور2.
وبين ما قدم إلى الآلهة، الملابس والأقمشة وأنواع الأطعمة، حتى اللبن قدم إلى الصنم "ود" على رواية الأخباريين.
ووردت لفظة "الهدْي" في القرآن الكريم3. ويراد بها ما أهدي إلى مكة من النعم وغيره من مال أو متاع. والعرب تسمى الإبل هَدْيًا؛ لأنها تُهدى إلى البيت لتنحر، فأطلقت على جميع الإبل، وإن لم تكن هديًا تسمية للشيء ببعضه4. وذكر أن الهدي ما أهدي إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة أو ثياب وكل ما يُهدى فهو عام في جميع ما يتقرب به من الذبائح والصدقات. إلا أن الإطلاق إنما ينصرف إلى أحد الأصناف الثلاثة من الإبل والبقر والغنم، وسوقها إلى الحرم وذبحها فيه5. وقد ذكر "الهدي" في شعر لزهير بن أبي سلمى:
فلم أر معشرًا أسروا هديًا
…
ولم أر جار بيت يستباء
1 Glaser 324، Handbuch، I، S. 216.
2 Ency. Religi، I، P. 352.
3 البقرة، الآية 196، المائدة، الآية 2، 97، الفتح، الآية 25، تفسير الطبري "6/ 37".
4 اللسان "15/ 358" وما بعدها".
5 القرطبي، الجامع "6/ 39".
يذكر رجلًا أسر يشبهه في حرمته بالبدنة التي تهدى1.
وعرف الهدى المقلد بقلائد، تشعر أنه مما أهدي إلى بيت الله بـ"القلائد". فلا يجوز لأحد أن يتحرش به، أو أن يفك قلائده؛ لأن ذلك تجاوز على مال الله، وهو مال معلم عليه معروف بقلادته أنه من الهدي المخصص بالبيت. فإذا فكت قلادته سرق وحسب من أموال الناس الخاصة2. والظاهر أن من الجاهليين من كان يتطاول على أموال البيت، فيستولي على الهدى، ويفك القلائد، ويسطو بذلك على الإبل المقلدة والبقر المقلد، وذلك كما يظهر من الآية {لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ} 3. ومنهم من كان يسطو على الهدي قبل وصوله موضعه من البيت.
وكانوا يهدون الإبل والبقر إلى بيوت أصنامهم. وقيل للناقة أو البقرة أو البعير تُهدى إلى مكة "البدنة". وقد أشير إلى البدن في القرآن، فورد:{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} 4. تُهدى إلى بيت الله فلا تركب5. وذكر أن البدن السمان من الإبل والبقر6. ويظهر من غربلة ما ورد في روايات علماء التفسير عن البدن أنها الهدايا التي تقدم إلى الكعبة، تحبس فتبقى حية، لا يجوز لأحد التطال عليها، وكانوا ينحرونها أيضًا والإبل تنحر قيامًا معقولة فكانوا إذا أرادوا نحر البعير، عقلوا إحدى يديه، فيقوم على ثلاث قوائم7، ولم يكونوا يركبون البدن إلا عن ضرورة8. فالبدن إذن ما يُهدى إلى مكة؛ ليحبس على اسمها، أو ليذبح تقربًا إلى رب البيت.
1 تفسير الطبري "2/ 128".
2 تفسير الطبري "6/ 37".
3 المائدة، الرقم 5، الآية 2.
4 الحج، الآية 36، تفسير الطبري "17/ 117".
5 اللسان "13/ 48 وما بعدها"، "بدن".
6 تفسير الطبري "17/ 117" القرطبي الجامع "12/ 60".
7 القرطبي، الجامع "12/ 60"، تفسير الطبري "17/ 117" وما بعدها".
8 اللسان "13/ 48 وما بعدها"، "بدن".
حمى الآلهة:
ولحماية الحبوس من أرض ومن حيوان، شددت شرائع الجاهليين في وجوب
المحافظة على حرمتها وعدم الاعتداء عليها. وهددت من يتجاسر على مال الأرباب بعقوبة تنزل عليه منها وبغضب الآلهة عليه، وبمصير سيئ يلحق به، فضلًا عن العقوبة التي تنزلها المعابد به، قد تصل حد القتل. فصار من المحظور اعتضاد نبات الحرم وصيد الحيوان فيه، ومن يفعل ذلك يكون آثمًا، وقد يعرض نفسه لغضب الناس عليه. فصار الحرم مرتعًا آمنًا للطيور، ولا زال الناس لا يتحرشون بطيور المعابد ولا يمسونها بأي سوء، بل يقدمون لها من تحبه من المأكول؛ لتعيش عليه.
وجعلت المعابد لحيواناتها وللهدي وللقلائد مواضع خاصة، اختارتها لترعى فيها جعلت "حمى" للأرباب. لا يجوز لأحد رعي سوائهه بها ولا التطاول على دواب تلك الأحمية؛ لأنها مما حبس للأصنام. وتكون هذه المواضع مخصبة معشبة ذات حياة، وقد تزرع. وتكون غلتها للمعبد.
الفصل الثامن والستون: رجال الدين
مدخل
…
الفصل الثامن والستون: رجال الدين
أقصد برجال الدين، أولئك الذين خدموا الأصنام، أو زعموا أنهم ألسنة الأرباب الناطقة على سطح الأرض، والذين كانوا يوجهون الناس توجيهًا روحيًّا دينيًّا، ويرعون حرمة المعابد والأماكن المقدسة وشعائر الدين ويحافظون عليها، ويضعون قواعدها للناس.
ومعارفنا عن هذا الموضوع قليلة ضئيلة؛ لعدم وجود نصوص جاهلية تتحدث عن ذلك، ولعدم ورود شيء مهم عنه في روايات أهل الأخبار. وليس لنا من أمل في زيادة علمنا بهذه الناحية، إلا في المستقبل، فلعله يكشف عن نصوص جاهلية جديدة، قد يرد فيها شيء جديد عن رجال الدين عند الجاهليين، أو في موارد أخرى عربية أو غير عربية قديمة، قد تكون مختبئة مطمورة، يأمر الزمن بإخراجها؛ ليقف عليها الباحث عن هذا الموضوع.
ومن الألفاظ الخاصة برجال الدين، لفظة "رشو"، الواردة في النصوص المعينية والقتبانية، أطلقت على من كان يقوم بخدمة الإله "ود" إله معين الرئيس و"عم" إله شعب قتبان الرئيس1. فهي في معنى سادن في لغة أهل الحجاز ووردت لفظة "شوع" في المعينية أيضًا في المعنى نفسه. و"رشوت""رشوة"
1 Handbuch، I، S. 131. 218. Katab. Texte، II، s. 80
بمعنى سادنة وكاهنة. مما يدل على وجود سادنات وكاهنات بين رجال الدين الجاهليين1.
ووردت في المعينية وفي اللحيانية لفظة "إفكل""أفكل" بمعنى رشو" وسادن، أي القائم بأمر الصنم، والسادن له. فورد: "أفكل ود"، أي سادن ود2. وتقابل هذه اللفظة لفظة "أبكلو" APkalu في الأكادية3. وعرفت السادنة والكاهنة بـ"أفكلت" "أفكلة"4.
والسدنة، قومة الأصنام ومتولو أمرها. وكان أمر فتح البيت بمكة وغلقه وتولي أمره إلى السادن. وهو من "بني عبد الدار"، وقد أقر الرسول السدانة فيهم عام الفتح5. ويعرف السادن بـ"الحاجب" كذلك. فالسدانة والحجابة هما بمعنى واحد6. غير أن الحجابة تخصصت بحجابة الملوك والأحكام، فصارت وظيفة إدارية ذات مدلول خاص. فالحاجب هو الذي يتولى تقديم الناس إلى الملوك أو منعهم من الوصول إليهم، وذلك في الجاهلية وفي الإسلام أما السدانة، فإنها ظلت محافظة على معناها هذا الخاص بالمعابد والمواضع المقدسة ولهذه المنزلة ولصلتها بالآلهة وبالأصنام عدت السدانة من درجات الشرف والجاه. وكانت لأصحابها حرمة ومكانة في النفوس.
والسدانة، تنتقل بالإرث من الآباء إلى أكابر الأبناء وتنحصر في الأسرة فتكون من حقها ومن نصيبها، لا يمكن انتزاعها منها إلا بقوة لا يمكن التغلب عليها ومن واجب العشيرة التي تنتمى هذه الأسرة إليها الدفاع عنها إن حاول غريب انتزاع هذا الشرف منها. ولقد كانت سدانة الكعبة في "بني عبد الدار"، وكانت حجابة "ود" في "دومة" الجندل إلى "بني عامر الأجدار"، "بنو الفرافصة بين الأحوص" من كلب7. وكانت سدنة العزى "من بني
1 Arabien، s. 249.
2 Grahmann، s. 87 Jaussen – Savignac، II، 380.
3 Grohmann. S. 249.
4 راجع النصوص رقم 9، 12، 21، 104، وكتاب W. Caskel. s. 132
5 تاج العروس "9/ 233"، "سدن".
6 Reste، s. 130.
7 المحبر "316" Reste. S. 130.
صرمة بن مرة" وكان سدنة "جهار" من "آل عوف" من "بني نصر"1، وكان سدنة "سواع" "بنو صاهلة" من هذيل2، وكان سدنة بيت "الربة" أي الشمس، من "بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم"، وكان سدنة "الفلس"، "بنو بولان" وكان سدنة "مناة" "الغطاريف" من الأزد. وسدنة "السعيدة" "بنو العجلان"، وسدنة "ذو الخلصة"، "بنو هلال بن عامر"، وكان سدنة "ذو اللبا"، "بنو عامر"، وسدنة "المحرق"، "آل الأسود" العجليون. وسدنة "مرحب" "ذو مرحب" أي من يتولى أمر الصنم3.
وكان "مسعود" الثقفي، زوج "سبيعة"، وقائد ثقيف في الفجار، من من سدنة اللات4. وهو من سادات ثقيف. ومن أبنائه "عروة بن مسعود، وأمه "سبيعة" بنت "عبد شمس". وذكر أنه الذي ذكر الله عز وجل في التنزيل من القريتين عظيم. وأحد أربعة اتصل سؤددهم في الجاهلية والإسلام5.
وكان لهذه الأسر التي تولت السدانة، مكانة كبيرة في قومها، فعدت من الأسر الشريفة ذات النفوذ عند الجاهليين، وقد استفادت من النذور والقرابين التي تقدم إلى بيوت الأصنام؛ إذ تكون من حقها ونصيبها، وقد ظهر من "بني مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم"، حكام حكموا بعكاظ6. والحكومة من أمارات الشرف والجاه والتقدير، كما ظهر منها أئمة تولوا الإجازة بالمواسم، وهي من علائم التعظيم والتفخيم عندهم.
غير أن هذا الحق لا يستوجب ولا يشترط أن تكون السدانة في أسرة من القبيلة أو الموضع الذي فيه بيت الصنم أو الأصنام، فقد كان كثير من سدنة الأصنام من قبيلة لا تنتمي إليها من يقع بيت الصنم في أرضها. فكانت السدانة مثلًا لبني أنعم في جرش، ولبني الغطريف في قديد، ولبني شيبان في نخلة،
1 المحبر "315".
2 المحبر "316".
3 المحبر "316 وما بعدها".
4 المشرق، السنة 1938م، "الجزء الأول"، "ص7 وما بعدها".
5 الاشتقاق "2/ 186".
6 المحبر "134".
ولآل أمامة في تبالة وهكذا1. ويظهر أن هؤلاء توارثوا هذا الحق من عهد سابق، إما لأنهم استوردوا الصنم أو تلك الأصنام إلى هذه المواضع فأقاموا فيها، وإما لأنهم كانوا يسكنون مع قبيلتهم في تلك الأماكن، ثم حدث لسبب من الأسباب أن جلت قبيلتهم عن المواضع. أما السدنة ففضلوا البقاء في الموضع الذي كانوا فيه حيث أصنامهم والبيت. ونجد مثل ذلك أيضًا عند العبرانيين2.
ويظهر من تفسير لفظة "صوفة" و"صوفان"، على رأي بعض العلماء، أن هذه الكلمة كانت تقال لكل من ولي البيت شيئًا من غير أهله، أو قام بشيء من خدمة البيت أو بشيء من أمر المناسك3. ومعنى هذا أن خدمة البيت: بيت مكة أو غيره، لم تكن خاصة بأهل الموضع الذي يكون فيه هذا البيت، بل كان من الجائز أن يتولاها أناس من أهل ذلك الموضع، وأناس من غيرهم أيضًا كأن يقيم أشخاص في ذلك المكان، فتطول إقامتهم به، وتظهر منهم زعامة أو من أولادهم تؤدي بهم إلى الاستحواذ على رئاسة البيت ورئاسة ذلك المكان، كالذي كان من أمر "قصي" مثلًا.
ولا بد من إدخال "النسأة". في رجال الدين فقد كان الناسيء هو الذي ينسئ النسيء يعين موسم الحج ويثبته للناس. فهو إذن فقيه القوم وعالمهم ومفتيهم في أمر الحج4.
وقد كان من أهم واجبات "النسأة"، تثبيت وتعيين الأشهر. فقد كانت لدى الجاهليين أشهر حرم. لها حرمة ومنزلة خاصة في نفوسهم، لما كان لها من علاقة بآلهتهم وبتعبدهم لها. وبالحج فيها إلى معابد الآلهة. مثل شهر "ذ الألت""ورخن ذ الألت"، وهو شهر خصص بالآلهة، كما يظهر من تسميته بها. يظهر أنه كان شهر تقرب وعبادة للأرباب. ومثل شهر "ذ عم"، "ذو عم"، و"عم" هو إله قتبان الرتيس، فيظهر أنه شهر مقدس خصص بعبادة هذا الإله، أو أن يومًا أو عيدًا خاصًّا به، كان يقع فيه، فدعي لذلك باسمه. ومثل شهر "ذ حجتن"، أي شهر "ذو الحجة"، وهو شهر خصص
1 Reste، S. 130.
2.
Reste، S. 31
3 الروض الانف "1/ 85".
4 المحبر "156 وما بعدها" المعاني الكبير "3/ 1171".
بالحج. ومثل الأشهر الأربعة الحرم التي تتحدث عنها الموارد الإسلامية.
والإجازة بعرفة من الأعمال التي لها تماس بالدين، فهي من شعائر الحج ومناسكه. ولا بد وأن نعد "المجيز" وهو الذي يجيز الناس من المزدلفة إلى منى من رجال الدين. وممن كانت له منزلة وحرمة في قومه؛ لما لمركزه من أهمية في الحج.
وقد أشار "السكري" إلى "أئمة العرب"، فذكر أنهم الذين تولوا أمر المواسم، وأمر القضاء بعكاظ، والذين كانوا سدنتهم على دينهم وأمناءهم على قبلتهم، وكانوا من قريش، والذين تولوا الإفتاء في دينهم. وهم من "بني مالك بن كنانة"1. ولما تحدث عن "النسأة"، قال: "نسأة الشهور من كنانة وهم القلامسة، وأحدهم قلمس، وكانوا فقهاء العرب والمفتين لهم في دينهم"2. والفقيه العالم "وفقيه العرب عالمهم"3. والفقه العلم، "وقد جعلته العرب خاصًّا بعلم الشرعية" وفقهه تفقيهًا علمه. "ومنه الحديث: اللهم علمه الدين وفقهه في التأويل، أي علمه تأويله"4.
وفي القرآن الكريم: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} 5. والفقه العلم بالشيء والفهم له والفطنة6. وقد خصصت اللفظة بعلم الفقه في الإسلام مما يدل على أن لها صلة منذ أيام الجاهلية بالعلم والدين. وأن "الفقهاء" العلماء بأمور الدين عند الجاهليين كذلك. وفيه ألفاظ يستدل منها على وجود مفهوم العلم والعلماء والتعلم والدين وفهمه والشريعة والأحكام عند الجاهلين، ولا تكون هذه عند قوم ليس لهم علماء ورجال دين يعلمون من هم دونهم أحكام الدين؛ ليتفقهوا فيه وليتعلموا ما هو واجب عليهم وما هو غير واجب ومفروض عليهم.
والإفتاء الإجابة عن مسألة: ومن قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} و"الفتيا" و"الفتوى" ما أفتى به الفقيه في مسألة7. وقد استفتى أصحاب
1 المحبر "181 وما بعدها".
2 المحبر "156".
3 تاج العروس "9/ 402"، "فقه".
4 تاج العروس "9/ 402"، "فقه".
5 التوبة، الرقم 9، الآية 122، تفسير الطبري "11/ 48"، روح المعاني "11/ 43".
6 تاج العروس "9/ 402"، "فقه".
7 تاج العروس "10/ 2375"، "فتى".
رسول الله الرسولَ في أمر النساء وإرثهن فنزل الوحي:
{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} 1. فقد كان أهل الجاهلية يستفتون فقهاءهم وأهل الفتيا منهم فيما يشكل عليهم من أمور الدين، فيفتون لهم ما يرونه من رأي واجتهاد. فنحن إذن أمام فقه في الدين واجتهاد فيه عند أهل الجاهلية.
والإمام ما ائتم به قوم من رئيس أو غيره، كانوا على دين أو كانوا مشركين فهو الذي يقتدى به2. وقد وردت الكلمة في سبعة مواضع من القرآن الكريم في حالة الإفراد، ووردت خمس مرات في حالة الجمع، أي "أئمة"، أطلقت على أئمة الكفر وعلى الغواة كما أطلقت فيه على المؤمنين الهادين إلى الحق. وأئمة الكفر في قوله تعالى: {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} ، أبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وأبو سفيان، وهم الذين كانوا يؤذون الرسول، وهمُّوا بإخراجه وعادوه3. فالإمام إمام دين وإمام دنيا: رجل دين يقتدى به، ورئيس قبيلة وشريف قوم وسيدهم. ونظرًا لقلة استعمال اللفظة في الرئاسة الدينية ولاستعمالها في معنى الرئاسة الدينية في الغالب، ولا سيما في الإسلام حيث خصصت برئاسة دينية، من إمامة للمسلمين، وإمامة في الفقه، وإمامة في الصلاة، ولعدم إطلاق الجاهلين لها على سادات القبيلة أو سادة القوم، إلا في القليل. فإن في استطاعتنا القول أنها كانت عندهم في معنى الرئاسة الدينية كما هو الحال في الإسلام.
ونجد في أخبار أهل الأخبار ما يفيد بوجود رجال دين كان لهم رأي في الخلق وفي الخالق وفي الحياة، منهم من بشر برأيه وحاول نشره: ومنهم من تبتل واعتكف وقنع بإيمانه برأيه وبصحة عقيدته. حتى إن منهم من كان قد تبتل وتنسك وسلك طريق الزهاد في اجتناب الطيبات ولذات الحياة، ومن ذلك أكل اللحم. فقد عرف "عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله"4 الغفاري، بـ"أبي اللحم""آبي اللحم"؛ لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم. وكان شريفًا شاعرًا، ينزل "الصفراء"، وشهد "حنينًا" وقتل بها5.
1 النساء، الآية 127، تفسير الطبري "5/ 191"، روح المعاني "5/ 143".
2 تاج العروس "8/ 193"، "أمم".
3 التوبة، الرقم 9، الآية 12، تفسير الطبري "10/ 62".
4 ذكر "ابن الكلبي" أن اسمه "خلف بن عبد الملك"، وقيل اسمه الحويرث،
5 الإصابة "1/ 23"، "رقم 1".
وعرف "عثمان بن مظعون" بتبتله، حتى إنه ابتعد عن زوجه، فلم يقربها، وكاد أن يختصى، حتى نهاه عن ذلك رسول الله، وكان على هذا الرأي في جاهليته من شدة التمسك بالزهد عن الدنيا والابتعاد عن ملذاتها، وقد كان نصرانيًّا متأثرًا بالرهبانية، أخذ آراءه هذه من زهاد النصارى، الذين غلب التصوف عليهم، وابتعدوا عن الدنيا، ورأوا أن الخلاص من الخطيئة والإثم، هو بالتقشف والابتعاد عن كل حلو محبوب في هذه الدنيا1.
وقد عرفت الجاهلية رجالًا آخرين كانوا مثل عثمان بن مظعون والرهبان في التأمل والتفكر والابتعاد عن الناس. وهي رهبانية حاربها الإسلام؛ إذ نهى عن الرهبنة. رأى "عمر" رجلًا مطأطئًا رأسه، فقال: ارفع رأسك، فإن الإسلام ليس بمريض. ورأى رجلًا متماوتًا، فقال: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله.
ونظرت عائشة إلى رجل كاد يموت تخافتًا، فقالت: ما لهذا؟ قيل: إنه من القراء، فقالت: كان عمر سيد القراء، وكان إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع2. وذكر أن عشرة من الصحابة اجتمعوا في بيت "عثمان بن مظعون"، واتفقوا على أن يصوموا النهار، ويقوموا الليل ولا يناموا على الفراش، ولا يأكلون اللحم والودك. ويلبسوا المسوح، فسمع رسول الله بهم فنهاهم عن ذلك3.
و"الصارورة" والصرار الذين تبتلوا وتركوا النكاح. وهذا من فعل الرهبان. وهو معروف عند العرب. والصرورة الرجل في الجاهلية يحدث حدثًا فيلجأ إلى الكعبة. فلا يهج فكان إذا لقيه ولي الدم في الحرم، قيل له هو صرورة ولا تهجه، تعظيمًا للبيت واحترامًا له4.
ومثل "صرمة" المعروف بـ"أبي قيس"، وكان ترهب في الجاهلية واغتسل من الجنابة، وهمَّ بالنصرانية ثم أمسك. وكان قوالًا بالحق لا يدخل بيتًا فيه جنب ولا حائص إلى أن أدرك الإسلام، فأسلم5. ويظهر من ذلك،
1 إرشاد الساري "8/ 10 وما بعدها".
2 اللسان "2/ 94"، "موت".
3 الطبرسي، مجمع البيان "3/ 236".
4 اللسان "4/ 453"، "صرر"، تاج العروس "3/ 331"، صرر".
5 الإصابة "2/ 176"، "رقم 4061".
أن الاغتسال من الجنابة والابتعاد عن الحائض من الشعائر التي راعاها المتدينون من أهل الجاهلية، من الموحدين الذين تأثروا باليهودية، لكنهم لم يدخلوا فيها ولا في النصرانية، بل أمسكوا عن الديانتين، ودعوا إلى عبادة واحد أحد، وماتوا على هذا الدين.
ومثل "وكيع بن سلمة" الإيادي، صاحب الصرح بحزورة مكة، فقد كان كاهنًا ورجل دين، وقالوا كان صديقًا من الصديقين. اتخذ صرحًا يصعد إليه بسلالم، فكان يدعي أنه يناجي ربه من ذلك الموضع1. وكان يعظ الناس وينصحهم بالتدين بدينه وبالابتعاد عن عبادة الأوثان، على شاكلة الأحناف، وهو في الواقع واحد منهم، ويجب اعتباره أحدهم؛ لأن ما ينسب إليه ينسب أيضًا إلى الحنفاء.
والصديق الكثير الصدق، ومن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بفعله، "قال الله تعالى {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} . وقال تعالى:{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} ، أي مبالغة في الصدق والتصديق"2. وهم من آمن بالله وصدق به وبشر بعبادته بين الناس، وكان بارًّا بنفسه وبغيره. وهي بمعنى "بار" في لغة بني إرم3.
وقد نسب أهل الأخبار إلى رجال من الجاهليين فتاوى وأحكام صارت سننًا في قومهم. من ذلك ما نسبوه إلى "قصي" من أمور، زعموا أنها صارت سنة احتذت بها قريش، وأن بعضًا من أحكامه بقيت إلى الإسلام فأقرها4، وما نسبوه إلى "عامر بن الظرب" العدواني من حكم في "الخنثى" جرى حكم الإسلام به5. وما ذكروه من إفتاء "عامر بن جشم بن غنم" المعروف بـ"ذي المجاسد". في التوريث على قاعدة: "أن للذكر مثل حظ الأنثيين، وهو حُكم حَكَمَ به الإسلام. ومن أمور أخرى، يرد ذكرها في المواضع المناسبة من هذا الكتاب6، مما يدل على أن الحياة الدينية عند الجاهليين، هي آراء وفتاوى، أفتى بها رجال من أهل الدين والمروءة والعقل والعلم من أهل الجاهلية، فأخذ بها قوم من
1 المحبر "136".
2 تاج العروس "6/ 405 وما بعدها". "صدق" تفسير الطبري "16/ 67".
3 غرائب اللغة "192".
4 المحبر "236".
5 المحبر "236".
6 المحبر "236 وما بعدها".
أتباعهم، وساروا بموجبها وبقي بعض منها إلى الإسلام. غير أن تلك الفتاوى لم تكن عامة، شملت كل العرب، بل حتى كل قوم ذلك المفتي أو الإمام؛ إذ لم تكن عند العرب سنة واحدة ملزمة لسبب أنهم كانوا شيعًا وقبائل ولكراهتهم الخضوع للقيود العامة إلا كرهًا، وذلك في الأمور التي لا بد لهم من الخضوع لحكمها لأنها من أصول الأعراف التي يقوم عليها وجودهم مثل عرف الأخذ بالثأر.
ومن الصعب تصور وجود طبقة خاصة كبيرة لرجال الدين على نحو ما كان عند المصريين مثلًا أو الآشوريين أو البابليين أو اليونان أو الرومان أو في الكنيسة، بسبب النظام القبلي الذي كان غالبًا على جزيرة العرب. وصغر المجتمعات الحضرية. فالأصنام هي أصنام محلية، أصنام قبلية، لذلك كان عبدتها هم عبدة القبيلة أو القبائل المتعبدة لها. وفي محيط اجتماعي ضيق مثل هذا المحيط، لا يمكن ظهور طبقة خاصة برجال الدين ذات نفوذ واسع، إنما تكون قدرتها بقدرة المحيط الذي تعيش فيه. ولما كانت حياة البداوة حياة بسيطة غير معقدة، تعذر علينا أن نتصور حياة دينية معقدة عند أبناء البادية. وكل ما يمكن وجوده عندهم، هو ما كان له علاقة بمحيطهم وبمعيشتهم البسيطة، مثل السدانة والكهانة وأمثال ذلك مما يحتاج إليه البدوي لحل مشكلات حياته ولجلب السعادة له.
ولم أجد في نصوص الجاهليين ولا في أخبار أهل الأخبار، ما يفيد قيام رجال الدين من أهل الجاهلية. بتلقين الناس أصول الدين وتعاليمه، أو شرح نصوص دينية لهم أو تعليمهم الناس مبادئ القراءة والكتابة في المعابد على نحو ما كان يفعله اليهود والنصارى في ذلك الوقت. ولكن هذا لا يكون دليلًا على نفي وجود شيء من ذلك عندهم. فقد يجوز أن يعثر في المستقبل على نصوص تفيد بوجود ذلك عندهم. ذكر أن رجلًا من "خثعم" قال:"كانت العرب لا تحرم حلالًا ولا تحلل حرامًا. وكانوا يعبدون الأوثان ويتحاكمون إليها"1.
1 ابن عساكر، التأريخ الكبير "1/ 317".
{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ، وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} 1، وآيات أخرى وكلمات تفيد وجود تشريع ومشرعين لدى الجاهليين، أي رجال دين يبينون لهم الحلال والحرام وأوامر الأصنام، ويشرعون لهم من تشريع كالذي نراه في هذه الآيات وغيرها من أحكام وضعوها للناس باسم آلهتهم، فوبخهم الله في القرآن على افترائهم هذا على الله وعلى الأصنام التي لا تنطق ولا تعقل.
وكان من أهم واجبات رجال الدين والزهاد والمتنسكين، الأشراف على المعابد وصيانة أموالها، وخدمة الأصنام وتنفيذ الأحكام، وتلبية طلبات الناس في التوسط لدى الآلهة برفع الضر والكرب عنهم، أيام الشدة وساعات العسر. من ذلك التوسل إلى الآلهة. بحفظ القوافل، وإنزال الرحمة بالناس سني القحط. ومن ذلك ما يسمونه بالاستسقاء. فقد كانوا يستسقون إذا أجدبوا، فإذا أرادوا ذلك أخذوا من ثلاثة أشجار وهي: سلع وعشر وشبرق، من كل شجرة شيئًا من عيدانها وجعلوا ذلك حزمة، وربطوا بها ظهر ثور وأضرموا فيها الناس، ويرسلون ذلك الثور، فإذا أحس بالنار عدا حتى يحترق ما على ظهره ويتساقط. وقد يهلك ذلك الثور فيسقون2.
وذكر أنهم كانوا إذا أرادوا الاستمطار في الجاهلية اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ثم عقدوا في أذنابها وبين عراقيبها السلع والعشر، ثم صعدوا بها في جبل وعر، وأشعلوا فيها النيران، وضجوا بالدعاء والتضرع. فكانوا يرون أن ذلك من أسباب السقيا. ولأمية بن أبي الصلت شعر في ذلك3.
وكان من عادة أهل مكة في الاستسقاء، أنهم كانوا إذا أجدبوا وقحطوا، واشتدت بهم الحاجة، خرج من كل بطن منهم رجل، ثم يغتسلون بالماء، ويتطيبون، ثم يلتمسون الركن ويطوفون بالبيت العتق سبعًا، ثم يرقون أبا قبيس، فيتقدم رجل منهم، يكون من خيارهم، ومن رجال الدين فيهم، ممن يتبركون به، فيدعو الله ويستغيث طالبًا الرحمة والغوث بالمتوسلين إليه. ويذكرون أن "عبد المطلب"، كان ممن استسقى لأهل مكة ولغيرهم مرارًا4.
1 الأنعام، الرقم 6، الآية 137 وما بعدها.
2 السيرة الحلبية "1/ 132".
3 الحيوان "4/ 466 وما بعدها".
4 السيرة الحلبية "1/ 132 وما بعدها".
التبرك برجال الدين:
ويظهر من أخبار أهل الأخبار، أن رجال الدين من أهل الجاهلية كانوا يباركون أتباعهم ويقدسونهم ويلمسون رءوسهم لمنحهم البركة والشفاء من الأمراض فكان أحدهم يضع يده على رأس مريض، أو يلمس جبهته؛ ليمنحه بركة تشفيه، أو عافية تصيبه، أو تبركًا وتقربًا بذلك إلى الآلهة. وكانوا يتفلون في فم الصبيان؛ لتكون التفلة بركة لهم، وعافية، وشفاء من مرض، أو علمًا يصيب الصبي، حينما يكون رجلًا.
ويظهر من القرآن ومن الحديث النبوي، أن أهل الكتاب من الجاهليين كانوا يبالغون في التقرب من رجال دينهم وفي التبرك بهم، حتى إنهم كانوا يتسابقون في الحصول على قطعة من ملابس أوليائهم ورجال دينهم ورهبانهم ونساكهم للتبرك بها، وفي شعر امرئ القيس، وشعر غيره إشارة إلى هذا التبجيل والتعظيم.
تنفيذ الأحكام:
ولم يكن تنفيذ الأحكام الدينية إلزاميًّا، إنما كان عن طاعة وموافقة. ثم إن العرب لم يكونوا على دين واحد يرجع إلى شرائعه، حتى يلزم المرء بتنفيذ ما جاء في حكمه1. فكان أمر إطاعة أحكام. رجال الدين رهنًا بمكانة رجل الدين وبما له من هيبة ونفوذ بين قومه.
وقد رأينا أن من الناس من كان يثور حتى على آلهته إذا وجد أنها لم تلب طلباته، وأنه كان يتوسل إليها ويلوذ بها لمساعدته عند الشدة، ثم يهددها ويتوعدها.
1 اليعقوبي "1/ 227"، "حكام العرب".
بالابتعاد عنها وبترك زيارتها وبنبذها إن هي صمت آذانها عنه، ولم تجب ما طلبه منها. وقد قصصنا حكاية امرئ القيس مع صنمه، إذ رمى السهام في وجهه وعنفه وشتمه؛ لأن جواب الاستقسام لم يكن على نحو ما كان يريد. ولم يكن ذلك من عمل أهل الجاهلية وحدهم، بل نجد وقوع مثل هذه الحوادث في الإسلام أيضًا.
وقد رأينا أن في الجاهليين -كما في كل قوم- أناس كانوا لا يقيمون وزنًا لحلال أو حرام، فكانوا يستحلون المظالم، ولا يجعلون للحرمات حرمة، ويعتدون في الأشهر الحرم. كانوا إذا حضروا الأسوق، أباحوا لأنفسهم الاعتداء فيها على أموال الناس فسموا:"المحللون". ومنهم قبائل من أسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقوم من بني عامر بن صعصعة1. فهؤلاء لا يعرفون الحلال ولا الحرام، والشهور والأيام عندهم سواء بسواء، يغزون فيها متى شاءوا، حتى في الأشهر الحرم؛ إذ لا حرمة عندهم لشهر.
وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر، فيسمون الذادة المحرمون2. وهم من بني عمرو بن تميم، وبني حنظلة بن زيد مناة، وقوم من هذيل، وقوم من بني شيبان، وقوم من بني كلب بن وبرة، فكانوا يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس. وكان العرب جميعًا بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم.
ولم تكن للجاهليين أحكام في الحلال والحرام بالنسبة إلى المأكول على ما يظهر، بل كان مرجع الحرمة والإباحة عندهم إلى عرف القبائل. فلما نزل الأمر في الإسلام بتحريم أكل الميتة، أي الحيوان الميت، عجبت قريش من ذلك، واحتجوا قائلين: كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون مما قتل، وتأكلون أنتم مما قتلتم؟ وكانوا يقولون ما الذي يموت، وما الذي تذبحون إلا سواء. وذكر "أن ناسًا من المشركين دخلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال الله قتلها. قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت
1 اليعقوبي "1/ 240"، "أسواق العرب".
2 اليعقوبي "1/ 240"، "أسواق العرب".
وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام! "1. وذكر "أن فارس أوحت إلى أوليائها من مشركي قريش أن خاصموا محمدًا وقولوا له: إن ما ذبحت فهو حلال وما ذبح الله بشمشار من ذهب، فهو حرام. فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء"2. فقد كانت قريش تأكل كل شيء، من ميتة ومختنقة ومن نطيحة وما أكل السبع وما أهل للصنم، فنزل تحريم ذلك في الإسلام.
وذكر أنهم كانوا يقطعون يسيرًا من حلق الشاة ويتركونها حتى تموت، يجعلون عملهم هذا ذكاة لها، وقيل: ذبيحة الشريطة، هي أنهم كانوا يشرطونها من العلة، فإذا ماتت، قالوا: قد ذبحنانها. وذكر أن الشريطة الشاة أثر في حلقها أثر يسير كشرط المحاجم، لا يستقصى في ذبحها، والشريطة أيضًا المشقوقة الأذن من الإبل؛ لأنها شرطت أذانها، وإذا كان التعريف الأول صحيحًا، فإن معنى هذا أنهم كانوا يراعون بعض الأحكام في الذبح، أي أن لهم أحكامًا دينية في كيفية الذبح، وقد نهى الإسلام عن أكل الشريطة3.
واستباح الجاهليون أكل "النطيحة"، وهي المنطوحة التي ماتت من النطح واستباحوا أيضًا أكل الفريسة والأكيلة والرمية4.
وقد كان رجال الدين وسادات القبائل، يحرمون بعض الأشياء على أنفسهم، إذا شعروا بوجود ضرر بها، وبأن في فعلها إلحاق أذى في الإنسان وخدشًا في الاسم. فحرم بعض رجال الجاهلية الخمر على أنفسهم تكرمًا وصيانة لأنفسهم منهم عامر بن الظرب العدواني، وقيس بن عاصم، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معديكرب، وسويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي وغيرهم. لما وجدوا فيها من ضرر على الأبدان، وأثر في العقل. وإضاعة للمال5. وورد في بعض الموارد أن أول من حرم الخمر في الجاهلية "الوليد بن المغيرة"، وقيل: "قيس بن عاصم"، ثم جاء الإسلام بتقريره6.
1 تفسير الطبري "8/ 12 وما بعدها".
2 تفسير الطبري "8/ 13".
3 تاج العروس "5/ 167"، "شرط".
4 تاج العروس "2/ 240"، "نطح".
5 الأمالي، للقالي "1/ 204 وما بعدها".
6 صبح الأعشى "1/ 435".
وذكروا أن أول من حرم القمار في الجاهلية "الأقرع بن حابس" التميمي، ثم جاء الإسلام بتقريره. وأن أول من رجم في الزنا في الجاهلية "ربيعة بن جدان"، ثم جاء الإسلام بتقريره في المحصن. وأول من حكم أن الولد للفراش أكثم بن صيفي، حكيم العرب، ثم جاء الإسلام بتقريره. وأن أول من قطع في السرقة في الجاهلية:"الوليد بن المغيرة"، ثم جاء الإسلام بتقريره. وأن أول من سن الدية مائة من الإبل "عبد المطلب" جد النبي، ثم جاء الإسلام بتقريرها. وأن أول من أوقد النار بالمزدلفة، قصي بن كلاب، وأن أول من أظهر التوحيد بمكة "قس بن ساعدة الإيادي"1.
ولكننا نجدهم يتقيدون بعرفهم وعاداتهم تقيدًا شديدًا، والعرف عندهم هو ما استقر في نفوسهم وثبت في ذهنهم، حتى صار في حكم الدين عندهم، فلا يجوز لأحد الخروج عليه وكسر حكمه. وعرف القبيلة، الذي هو دينها، هو الذي يعين لها الحرام والحلال، والمباح والمحرم. وأحكام رجال القبيلة من رؤساء وسادة وحكام، هي منبع التشريع والإفتاء في أمور الدين والحق في القبيلة. وما يلائم طبيعة القبائل، ويناسب عقليتها وينبع من محيطها. يكون دينًا على القبائل إطاعته؛ لأنه في صالحها جميعًا، ولأن في مخالفته ضررًا بالغًا، فصار من ثم في درجة أحكام الشرع عندها.
ومن قبيل الأعراف التي صارت ملزمة عندهم لكل أحد. وفي حكم الأحكام اللزومية، وجوب احترام العقود والعهود وما اتفق عليه من عهود. مثل مراعاة الأشهر الحرم بالنسبة للمحرمين فلا يجوز لأحد القتال فيها ولا الاعتداء على أحد، ولو كان قاتلًا مطلوبًا بدم. ومثل مراعاة حرمة الأماكن المقدس، كالمسجد الحرام، فلا يجوز لأحد التعرض لحيوان لجأ إليه، أو لإنسان لاذ به، ولو كان قاتلًا. وهذا ما حمل البعض على ملازمة "البيت الحرام" وعدم الخروج منه؛ لأنه غير آمن على نفسه، ولأنه مطلوب بدم.
ومثل ما كان يفعله الناس من التمسك بالعهود والمواثيق والأحلاف. وقد عيب رجلان قتلا رجلين كانا تقلدا لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلدونه؛
1 صبح الأعشى "1/ 435 وما بعدها".
ليأمنوا به على أنفسهم، لأنهما قد خالفا بذلك العهود وما اتفق عليه من وجوب مراعاة الحرمات1.
وقد كان من عرفهم: أنهم كانوا يتقلدون من لحاء شجر مكة، فيقيم الرجل بمكانة، حتى إذا انقضت الأشهر الحرم فأراد أن يرجع إلى أهله قلد نفسه وناقته من لحاء الشجر فيأمن حتى يأتي أهله. وكان من عرفهم في رواية من روايات أهل الأخبار، أنهم إذا خرجوا من بيوتهم يريدون الحج، تقلدوا من لحاء السمر، وإذا أرادوا العودة إلى ديارهم تقلدوا قلادة شعر، فلم يعرض لهم أحد بسوء2، وذكر أيضًا أن الرجل منهم كان يتقلد قلادة من لحاء شجرة من شجر الحرم، ثم يذهب حيث يشاء، فيأمن بذلك3. وأن أهل مكة كانوا يفعلون ذلك في تجارتهم، فيضعون القلائد في أعناقهم وفي أعناق بهائمهم، فلا يعرض لهم أحد بسوء؛ إذ كانوا يرون الوفاء بالميثاق عهدًا في أعناقهم ودينًا يلزمهم بالوفاء في أحكامه.
1
ألم تقتلا الحرجين إذا أعودا كما
…
يمران بالأيدي اللحاء المضفرا
تفسير الطبري "6/ 38".
2 تفسير الطبري "6/ 37 وما بعدها".
3 المصدر نفسه.
كسور رجال الدين
…
كسوة رجال الدين:
يقول أهل الأخبار في معرض كلامهم على كسوة العرب: "وما أهل الحضر وسكنة المدر منهم، فكانوا يتفننون في لبوسهم، ويختلفون في كسوتهم، فكان الكاهن لا يلبس المصبغ والعراف لا يدع تبذييل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر، والشاعر منهم كان إذا أراد الهجاء دهن أحد شقي رأسه، وأرخى إزاره، وانتعل نعلًا واحدة، وكان لحرائر النساء زي. ولكل مملوك زي، ولذوات الرايات زي
…
"1. فيظهر من قولهم هذا أنه قد كان لرجال الدين أو لبعض منهم زي يميزون أنفسهم به عن بقية الناس، وهو شيء معروف عند البشر من قديم الأيام إلى اليوم فلا نستبعد وجود زي خاص لرجال الدين عند الوثنيين الجاهليين. أما رجال الدين من أهل الكتاب، فقد كانوا يتزيون بزي خاص يميزهم عن بقية أتباعهم. وقد نص على ذلك أهل الأخبار.
1 بلوغ الأرب "3/ 407".
الفصل التاسع والستون: الأصنام
مدخل
…
الفصل التاسع والستون: الأصنام
نجد في كتاب الأصنام لابن الكلبي وفي المؤلفات الإسلامية الأخرى، أسماء عدد من الأصنام كان الجاهليون يعبدونها، وهي على الأكثر أصنام كان يتعبد لها أهل الحجاز ونجد والعربية الشمالية. وذلك قبيل الإسلام. ومن هذه الموارد الإسلامية استقينا علمنا عن هذه الأصنام1.
وقد ذكر أهل الأخبار أن بعض هذه الأصنام إناث. وهن اللات، والعزى، مناة. وهي أصنام ذكرت في القرآن الكريم:{أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} 2. ويجب أن نضيف إليها الشمس.
1 كتاب الأصنام، لابن الكلبي، بتحقيق المرحوم، أحمد زكي باشا، القاهرة 1925م "مطبعة دار الكتب المصرية"، "كتاب الأصنام وما كانت العرب والعجم تعبد من دون الله تبارك اسمه"، الفهرست "125"، "الرد على عبدة الأوثان"، معجم الأدباء "1/ 132"، "كتاب الأصنام"، للجاحظ، وقد نقل منه النويري، نهاية الأرب "16/ 15".
2 سورة النجم، الآية 20.
اللات:
واللات من الأصنام القديمة المشهورة عند العرب. ذكر ابن الكلبي أنه كان صخرة مربعة بيضاء، بنت ثقيف عليها بيتًا صاروا يسيرون إليه، يضاهون به
الكعبة، وله حجة وكسوة، ويحرمون واديه، وكانت سدانته لآل أبي العاص بن أبي يسار بن مالك من ثقيف، أو لنبي عتاب بن مالك، وكانت قريش وجميع العرب يعظمونه أيضًا، ويتقربون إليه، حتى إن ثقيفًا كانوا إذا ما قدمون من سفر، توجهوا على بيت اللات أولًا للتقرب إليه وشكره على السلامة، ثم يذهبون بعد ذلك إلى بيوتهم1. فيتبين من ذلك أن معبد اللات الشهير كان في مدينة الطائف، مركز قبيلة ثقيف، يقصده الناس للتبرك به. وقد كانت له معابد كثيرة منتشرة في مواضع عديدة من الحجاز.
وذكر ابن كثير أن اللات "صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ومن تابعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش"2. فلم تكن صخرة اللات صخرة ملساء حسب، بل كانت إلى ذلك منقوشة، وكانت في داخل بيت له أستار على شاكلة الكعبة والفناء هو حرم معظم عند أهل الطائف، تعظيم قريش لحرم البيت. حرم على الناس قطع شجره، وصيد حيوانه، ومن دخله صار آمنًا3.
وكانت تحب صخرة اللات حفرة يقال لها "غبغب"، حفظت فيها الهدايا والنذور والأموال التي كانت تقدم إلى الصنم. فلما هدم المغيرة الصنم أخذ تلك الأموال وسلمها على أبي سفيان امتثالًا لأمر الرسول4.
ويظهر من وصف أهل الأخبار لبيت اللات أنه كان على طراز البيت بمكة من حيث المنزلة والاحترام والكسوة. فقد كان يكسى في كل عام كسوة. ويظهر أن ثقيفًا اتخذت له سدنة وخدمًا يقومون بحراسة البيت وخدمته وتنظيفه على نحو
1 البلدان "7/ 310""اللات"، الأصنام "16"، اللسان "2/ 388"، تاج العروس "1/ 580" المحبر "315"، الواقدي "384 وما بعدها" سبائك الذهب "104"، بلوغ الأرب "2/ 203"، قاموس المحيط "1/ 156" تفسير البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي "8/ 160 وما بعدها"، "الطبعة الأولى 1328هـ" تفسير الطبري "27/ 58 وما بعدها" فتح الباري "10/ 235، 253"، "تفسير ابن كثير "4/ 253".
2 تفسير ابن كثير "4/ 253 وما بعدها".
3 العرب في سوريا قبل الإسلام "111 وما بعدها".
4 الطبري "3/ 99 وما بعدها""دار المعارف"، Reste، s. 31.
ما كان في مكة وفي بيوت الآلهة الأخرى1.
ويرى ابن الكلبي أن الصنم "اللات" هو أحدث عهدًا من مناة2. أما نحن فلا نستطيع أن نجرؤ فنقول بهذا القول؛ لأن الصنمين هما من الأصنام القديمة التي ورد ذكرها في كتابات النبط والصفويين. ثم إن "هيرودوتس" أشار إلى "اللات"، كما سأذكر ذلك. وليس من السهل حتى بالنسبة إلى ابن الكلبي أو غيره، ممن تقدم عليه بالزمن الحكم على زمن دخول عبادة الصنمين إلى جزيرة العرب؛ لأن ذلك يعود إلى زمن سابق لا تصل ذاكرة الرواة إليه.
ومكان بيت اللات في موضع مسجد الطائف، أو تحت منارة مسجد الطائف. وقد عرف البيت الذي بني على اللات بيت الربة. ويقصدون بالربة اللات؛ لأنه أنثى في نظر عابديه3. ولا ندري أكان إنشاء مسجد الطائف على موضع معبد اللات رمزًا لحلول بيت الله محل بيت الربة، وبيت الأصنام، وتعبيرًا عن حلول الإسلام محل عبادة اللات والأصنام، أم كان ذلك لسبب آخر، هو وجود أسس سابقة وحجارة قديمة موجودة فاستسهل لذلك إقامة بناء المسجد في هذا المكان؟ وقد فسر بعض المستشرقين إقامة المسجد في هذا المكان، بأنه تخليد لذكرى الوثنية في نفوس بعض من أسلم لسانه وكفر قلبه، فسرهم قيام المسجد في هذا المكان ليبقى أثرًا يذكرهم بذكرى صنمهم القديم اللات4.
وللأخباريين روايات عن صخرة اللات، منها أنها في الأصل صخرة كان يجلس عليها رجل، يبيع السمن واللبن للحجاج في الزمن الأول، وقالوا: إنها سميت باللات لأن عمرو بن لحي كان يلت عندها السويق للحجاج على تلك الصخرة، وقالوا: بل كانت اللات في الأصل "رجلًا من ثقيف. فلما مات، قال لهم عمرو بن لحي: لم يمت، ولكن دخل في الصخرة، ثم أمر بعبادتها، وأن يبنوا بنيانًا يسمى اللات"، وقالوا: "قام عمرو بن لحي، فقال لهم: إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر، يعني تلك الصخرة نصبها لهم صنمًا يعبدونها. وكان فيه وفي العزى شيطانان يكلمان الناس، فاتخذتها ثقيف طاغوتًا، وبنت لها.
1 Das Gotzenbuch، s. 93.
2 الأصنام "16".
3 العرب في سوريا قبل الإسلام "112".
4 العرب في سوريا قبل الإسلام "112".
بيتًا. وجعلت لها سدنة، وعظمته، وطافت به". وقيل:"كانت صخرة مربعة. وكان يهودي يلت عندها السويق"1.
وذكر المفسر "أبو السعود" أن هناك رواية تزعم أن حجر اللات كان على صورة ذلك الرجل الذي قبر تحته، وهو الذي كان يلت السويق، فلما مات، عكفوا على قبره فعبدوه2. وقيل إن اللات: الذي كان يقوم على آلهتهم، ويلت لهم السويق3.
فنحن أمام راي يزعم أن "اللات" إنسان في الأصل مات، وكان يخدم الأصنام، فيتقدم إليها يلت السويق ويعطيه للناس، فلما توفي، دفن في موضعه الذي كان يلت السويق عنده ثم اتخذ قبره مزارًا، كما اتخذت قبور أخرى مزارات ينحر عندها ويتبرك بها الناس، ولهذا نهى الإسلام عن اتخاذ القبور مزارات، حتى لا تعظم من دون الله، كالذي حدث عند الجاهليين4.
وذكر بعض أهل الأخبار أن صنم اللات إنما سمي لاتًا، من "لوى؛ لأنهم كانوا يلون عليها، أي يطوفون"5، ويعتكفون للعبادة عنده6. معنى هذا أن عباد هذا الصنم لم يكونوا يكتفون بالذبح عنده، بل كانوا يطوفون حوله طوافهم حول أصنام أخرى. وذكر أنه سمي لاتًا، ومن اللتات، وكل شيء يلت به سويق أو غيره نحو السمن7.
ولدينا رأي آخر في سبب تسمية اللات لاتًا، خلاصته:"أن الناس اشتقوا اللات من اسم "الله" فقالوا "اللات"، يعنون مؤنثه منه"8. وذكر
1 الأصنام "16 وما بعدها" البلدان "7/ 310""اللات"، النقائص "141"، تاج العروس "1/ 580 وما بعدها"، اللسان "2/ 388"، روح المعاني "27/ 47 وما بعدها" الأزرقي، أخبار مكة "79 وما بعدها""طبعة لا يبزك"، تفسير الخازن "4/ 194 وما بعدها".
2 تفسير أبي السعود "5/ 112".
3 تفسير الطبري "27/ 35".
4 كان النهي عن ذلك في أول ظهور الإسلام، ثم أذن به، بدلالة الحديث:"كنت نهيتكم عن زياة القبور. ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم بالآخرة".
5 تفسير البيضاوي "1/ 199""سورة النجم".
6 روح المعاني "27/ 37وما بعدها".
7 اللسان "2/ 83""بيروت 1955".
8 تفسير ابن كثير "4/ 253 وما بعدها".
الطبري أن "اللات هي من الله، ألحقت فيه التاء، فأنثت، كما قيل عمرو للذكر وللأنثى عمرة، وكما قيل للذكر عباس ثم قيل للأنثى عباسة"1.
وورد في بعض روايات أهل الأخبار أن الثقفي الذي كان يلت السويق بالزيت ويقدمه للناس، لما توفي قبر في موضع اللات، فعكفوا على قبره، فعبدوه وجعلوه وثنًا، وزعم بعض آخر أنه قبر عامر بن الظرب العدواني2. فترى هذه الروايات أن "بيت الربة"، هو قبر رجل، دفن فيه، فعبد وصير إلهًا. وزعم قوم أنه كان رجلًا من ثقيف، يقال له "صرمة بن غنم"، وكان يسلأ السمن، فيضعه على صخرة، فتأتيه العرب، فلما مات، عبدته ثقيف3.
وتفسير أهل الأخبار لاسم "اللات" هو بالطبع من تفسيراتهم المألوفة الكثيرة التي لا يمكن أن نثق بها، ولا يمكن أن نحملها على محمل الصدق والعلم. فالاسم هو من الأسماء القديمة التي عرفت قبل الميلاد ويرى بعض المستشرقين أنه إدغام وسط بين "الإلاهت""أل سال هت" Al Alahat والإدغام التام "اللات""أل لت" Allat، على نحو ما حدث للفظ الجلالة:"الإلاه""أل- إل هـ" الذي صار "الله"4.
وفي قول أهل الأخبار أن صخرة اللات كانت ليهودي، يلت عندها السويق أو لرجل من ثقيف، غمز وطعن في ثقيف، وقد غمز بها في أمور أخرى أشرت إليها في مواضع أخرى. ويعود سبب هذا الغمز إلى المنافسة التي كانت بين أهل الطائف وأهل مكة، ثم على الكراهية الشديدة التي حملها أهل العراق وأهل الحجاز وغيرهم للحجاج لأعماله القاسية، وعدم مبالاته ومراعاته للحرمات حتى بالنسبة إلى الكعبة، مما حمل الناس على كرهه وكره قومه ثقيف، وعلى وضع قصص عن ثقيف.
ولا يستبعد أن تكون صخرة اللات صخرة من هذه الصخور المقدسة التي كان يقدسها الجاهليون ومن بينها "الحجر الأسود" الذي كان يقدسه أهل مكة ومن
1 تفسير الطبري "27/ 34" تفسير الطبرسي "27/ 48 وما بعدها".
2 روح المعاني "27/ 47 وما بعدها"، تفسير ابن كثير "4/ 253 وما بعدها". تفسير أبي السعود "5/ 112""سورة النجم".
3 الخازن "4/ 194 وما بعدها".
4 رينه ديسو: العرب في سوريا قبل الإسلام "114".
كان يأتي إلى مكة للحج وفي غير موسم الحج، لذلك كانوا يلمسونه ويتبركون به. وإذا أخذنا برأي ابن الكلبي من أن عمرو بن لحي قال للناس:"إن ربكم كان قد دخل في هذا الحجر"، أو أن الرجل الذي كان عند الصخرة لم يمت، ولكن دخل فيها أو أن روح ميت حلت فيها ونظرنا إلى رأيه هذا بشيء من الجد، فلا يستبعد أن يشير هذا الرأي إلى ما يسمى بـ"الفتيشزم" fetichism أي عبادة الأحجار في اصطلاح علماء الأديان. ويعنون بها عبادة الأرواح التي يزعم المتعبدون لها أنها حالة في تلك الأحجار، وخاصة الأحجار الغريبة التي لم تصقلها الأيدي، بل عبدت على هيئتها وخلقتها في الطبيعة، وهي من العبادات المنحطة بالنسبة إلى عبادة الصور والتماثيل والأصنام1.
وذكر أن قريشًا تعبدت للصنم اللات بموضع نجلة عند سوق عكاظ، وقيل إنه كان بالكعبة2. وذكر أن "اللات بيت كان بنخلة تعبده قريش"3. ويلاحظ أن من أهل الأخبار من جعل العزى بيتًا كان بنخلة4 أي هذا البيت المذكور.
ويظهر من روايات أهل الأخبار أن منهم من رأى أن اللات بيت للصنم، الذي كان بالطائف، وأن منهم من رأى أنه كان بنخلة تعبده قريش. وأما عباد البيت الأول، فهم ثقيف. ولا أستبعد وجود بيوت عبادة أخرى في غير هذين المكانين في الحجاز وفي غير الحجاز.
واللات من الآلهة المعبودة عند النبط أيضًا، وقد ورد اسمها في نصوص "الحجر" و"صلخد" و"تدمر" وهي من مواضع النبط5. وهو "هـ ل ت" "هـ - لت" "ها - لت" في النصوص الصفوية6، ومعناها "اللات"؛ لأن "الهاء" حرف تعريف في اللهجة الصفوية. وقد ذكر أكثر من ستين مرة في الكتابات الصفوية. وهو أكثر آلهة الصفويين ورودًا في نصوصهم، ويدل ذلك على شيوع عبادته بينهم7.
1.Robertson، p. 209
2 الخازن "4/ 194 وما بعدها"، البيضاوي، سورة النجم "1/ 199"، روح المعاني "27/ 47 وما بعدها".
3 تفسير الطبري "27/ 35".
4 تفسير الطبري "27/ 35".
5 Reste، S. 32، Vogue 6، 8، Enting 3، woddington 2203، dussaud – macler، Mission، p. 55.
6 Ency. Religi، I، p. 661.
7 العرب في سوريا قبل الإسلام، "111".
ويذكر الباحثون أن النبط عدوا اللات أمًّا للآلهة، وهي في نظر "روبرتسن سمث" الإلهة الأم لمدينة "بطر" وتقابل الإلهة Artemis عند أهل قرطاجة1. وقد عبدت اللات في تدمر، وفي أرض "مدين" عند اللحيانيين2. وقد وصف "أفيفانيوس" Epiphanius معبد الإلهة اللات في مدينة "بطرا"، فذكر أنه معبد الأم العذراء Virggin mother كما أنها كانت معبودة عند أهل "الوسة""الوس" Elusa كذلك. ويظهر أن عبادتها كانت قد انتقلت من النبط ومن القبائل العربية الشمالية إلى أهل الحجاز3.
وصنم اللات، هو "أليلات""أللات" Alilat = Alelat المذكور في تأريخ "هيرودوتس" ذكر أنه من آلهة العرب الشهيرة4 والتسمية عربية النجار، وقد غيرت تغييرًا طفيفًا، اقتضته طبيعة اللغة اليونانية، فذكره "هيرودوتس" على النحور المذكور. فهذا الصنم إذن هو أول صنم عربي يرد اسمه في نص مؤرخ يوناني. وهو يقابل الإله Minerva أي "أثينة" Athene عند اليونان5.
وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أن "اللات" تمثل "الشمس"، وهي أنثى أي إلهة6 أما "رينه ديسو" فيرى أنها لا تمثل الشمس، وإنما تمثل كوكب الزهرة، وخطأ رأي من يقول إن اللات الشمس7.
وقد انتهت إلينا أسماء رجال أضيفت إلى اللات، مثل:"تيم اللات"، و"زيد اللات"، و"عائذ اللات، و"شيع اللات". و"شكم اللات"، و"وهب اللات" وما شاكل ذلك من أسماء. ومما يلفت النظر أننا لم نلاحظ ورود اسم "عبد اللات" بين أسماء الجاهليين8.
وقد أقسموا باللات، كما أقسموا بالأصنام الأخرى، ونسب إلى أوس بن حجر قوله9:
1 Smith، p. 56، reste، s. 33.
2.
Arabien، s. 82
3 Smith، p. 56، das Gotzenbuch s. 91.
4 Herodotes، I، 181، III، 8، Arabien، s. 82..
5.
Arabien، s. 82
6.
Ency، Religi، I، p. 661.
7 العرب في سوريا قبل الإسلام "115".
8 الأصنام "18"، المحبر "213، 327، 350، 453".
9 الأصنام "11"، روزا".
وباللات والعزى ومن دان دينها
…
وبالله، إن الله منهن أكبر
وهدم اللات في جملة ما هدم من الأصنام، وأحرق البيت وقوضت حجارته، هدمه بأمر الرسول المغيرة بن شعبة في أغلب الروايات: وكان الناس ينظرون إلى هدمه في خوف وفزع وهلع خشية أن ينالهم شيء من أذى انتقامًا منهم؛ لأنهم لم يدافعوا عن بيت ربتهم، وكانت نساء ثقيف حسرًا يبكين عليه. فلما انتهى الهدم، ولم يحدث لهن شيء، أخذ المغيرة مالها وحليها من الذهب والجزع وأعطاه أبا سفيان، وكان الرسول قد أرسله مع المغيرة في وفد ثقيف الذي جاء إليه عارضًا عليه الإسلام، فأخذه منه أبو سفيان، ليقضي من مال اللات دين عروة والأسود ابني مسعود1.
ولما أصيبت ثقيف بهزيمة، واحتمت بالطائف قال الشاعر:
وفرت ثقيف إلى لاتها
…
بمنقلب الخائب الخاسر2
ويظهر من هذا الشعر الذي ينسب على "شداد بن عارض الجشمي"، وقد قاله حين هدمت وحرقت اللات:
لا تنصروا اللات إن الله مهكلها
…
وكيف نصركم من ليس ينتصر؟
إن التي حرقت بالنار فاشتعلت
…
ولم تقاتل لدى أحجارها هدر
إن الرسول متى ينزل بساحتكم
…
يظعن، وليس بها من أهلها بشر
إن ثقيفًا بقيت مخلصة لصنمها مؤمنة به، حتى بعد هدمه وتحريقه، فقال الشاعر شعره، ينهى ثقيفًا عن العود إليها والغضب لها3.
ويظهر من بيت ينسب إلى كعب بن مالك الأنصاري، هو قوله:
وننسى اللات والعزى وودًا
…
ونسلبها القلائد والسيوفا4
1 الطبري "3/ 99 وما بعدها" البلدان "7/ 310" البداية والنهاية "1/ 149" نهاية الأرب "18/ 59 وما بعدها"، ابن سيد الناس، عيون الأثر "2/ 229 وما بعدها" ابن هشام "2/ 326"، الروض الأنف "2/ 326".
2 الأغاني "19/ 80"، المشرق، السنة 1938م "حـ1""ص4".
3 الأصنام "11" روزا" الإصابة "2/ 139" رقم 3852".
4 ابن هشام "1/ 63" "هامش روض الأنف.
إن الناس كانوا يعلقون القلائد والسيوف على تلك الأصنام. وروايات الأخباريين تؤيد هذه الدعوى؛ إذ نذكر أن الجاهليين كانوا يقدمون الحلي والثياب والنفائس وما حسن وطاب في أعين الناس هدية ونذورًا إلى الأصنام، فكانوا يعلقون ما يمكن تعليقه عليها، ويسلمون الأشياء الأخرى إلى سدنة الأصنام.
وقد ذكر الرحالة الإنكليزي "جيمس هاملتون" أن صخرة اللات كانت لا تزال في أيامه بالطائف. وقد شاهدها فوصفها بأنها صخرة من الغرانيت ذات شكل خماسي، وإن طولها زهاء اثنتي عشرة قدمًا1.
ويظهر أنه كان للات بيت وقبة يحملها الناس معهم حين يخرجون إلى قتال، فينصبان في ساحة الجيش؛ ليشجع المحاربون فيستميتوا في القتال، وينادي المنادون بنداء تلك الأصنام مثل: يا للات، وقد كانت لبقية الأصنام بيوت وقباب أيضًا2، وعادة حمل الأصنام إلى المعارك والحروب وإشراكها مع الناس في القتال بإحضارها ساحة المعارك عادة قديمة، معروفة عند العرب وعند غيرهم. وقد سبق أن قلت إن الآشوريين ذكروا أنهم أسروا أصنام "أريبي" العرب في أثناء قتالهم معهم، أسروها مرارًا، وكانوا يثبتون عليها خبر الأسر. كما أن الفلسطينيين والعبرانيين وغيرهم كانوا يحملون معهم أصنامهم في القتال3.
1 James Hamilton sinai، the Hegaz and Soudan، London، p. 150،"1857"".
2 Das Gotzenbuch، s. 83.
3 صموئيل الأول، الإصحاج الرابع، الآية 5 وما بعدها، صموئيل الثاني، الإصحاح الخامس، الآية 21، الإصحاح 11، الآية 11.
العزى:
والعزى صنم أنثى كذلك، وهي أحدث عهدًا في نظر ابن الكلبي من اللات ومناة. وأما الذي اتخذ العزى على رواية ابن الكلبي، فهو ظالم بن أسعد. وضعت "بواد من نخلة الشامية، يقال له حراض، بأزاء الغمير، عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، فبنى عليها بسًا "يريد بيتًا"، وكانوا يسمعون فيه الصوت"1 وينسب إليه بيت العزى كذلك.
1 الأصنام "17 وما بعدها"، البلدان "6/ 165""العزى" سبائك الذهب "104" بلوغ الأرب "2/ 203 وما بعدها" تفسير الطبري "27/ 35"، المحبر "124، 311، 315"، تفسير الطبرسي "27/ 175""طهران".
وقد زعم بعض أهل الأخبار أن "العزى" كان بيتًا بالطائف تعبده ثقيف. ويظهر أن هذا اشتباه قد وقع لهم، وأنهم خلطوا بين اللات والعزى، فتوهموا أن بيت اللات هو العزى فقالوا ما قالوه. ونجد في تفسير الطبري تأييدًا لهذا الرأي1.
وورد في بيت شعر ينسب إلى "حسان بن ثابت" أن بيت العزى كان "بالجزع من بطن نخلة"2.
ويظهر أن العزى كانت "سمرات"، لها حمى، وكان الناس يتقربون إليها بالنذور. وهي بالطبع عبادة من العبادات المعروفة للشجر3. وقد ذكر الطبري روايات عديدة تفيد أن "العزى" شجيرات، ولكنه أورد روايات أخرى تفيد أنها حجر أبيض4، فنحن إذن أمام رأيين: رأي يقول إن العزى شجيرات، ورأي يرى أنها حجر. وذكر "ابن حبيب" أن العزى شجرة بنخلة عندها وثن تعبدها غطفان، سدنتها من بني صرمة بن مرة5. وذكر غيره أنها سمرة لغطفان6.
وقد تسمى العرب وقريش بالعزى، فقالوا:"عبد العزى"7 وقد أقسموا بها، ولها يقول درهم بن زيد الأوسي:
إني ورب العزى السعيدة
…
والله الذي دونه بيته سرف8
وأقدم من سمي باسم "عبد العزى" في رأي ابن الكلبي هو عبد العزى بن كعب9. وقد ذكر ابن دريد أسماء عدد من أهل مكة عرفوا بـ"عبد العزى".
1 تفسير الطبري "27/ 35"، "العزى بيت بالطائف تعبده ثقيف".
2 الأزرقي، "ص78 وما بعدها".
3 أخبار مكة، للأزرقي "2/ 74"، اللسان "5/ 378"، "عز" تاج العروس "4/ 55"، تفسير الخازن "6/ 217 وما بعدها" الشوكاني، فتح "5/ 105"، تفسير البحر المحيط، لأبي حيان الأندلسي "8/ 160 وما بعدها" تفسير ابن كثير "4/ 253".
4 تفسير الطبري "27/ 35".
5 المحبر "315" تفسير الطبرسي "27/ 48 وما بعدها، تفسير البيضاوي "1/ 199".
6 مراصد الاطلاع "937".
7 الأصنام "16 وما بعدها".
8 الأصنام "13""روزا"، مراصد الاطلاع "937".
9 الأصنام "18".
منهم بـ"عبد العزى بن قصي"، و"عبد العزى بن عبد مناف"، و"عبد العزى بن عبد المطلب"1.
ويظهر من هذا الشعر المنسوب إلى "زيد بن عمرو بن نفيل":
تركت اللات والعزى جميعًا
…
كذلك يفعل الجلد الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها
…
ولا صنمي بني غنم أزور2
إن عباد العزى كانوا يتصورونها أمًّا، ولها ابنتان، ولعله أراد بـ"ابنتيها" اللات ومناة. وقد نسب بعض أهل الأخبار عبادة العزى إلى عمرو بن لحي جريًا على عادتهم في نسبة عبادة الأوثان إليه، فقالوا إنه قال لعمرو بن ربيعة والحارث بن كعب عن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة3. وفي رواية لابن إسحاق: إن عمرو بن لحي اتخذ العزى بنخلة، فكانوا إذا فرغوا من حجهم وطوافهم بالكعبة، لم يحلوا حتى يأتوا العزى، فيطوفون بها، ويحلون عندها، ويعكفون عندها يومًا، وكانت لخزاعة وكانت قريشًا وبنو كنانة كلها تعظم العزى مع خزاعة وجميع مضر. وكان سدنتها الذين يحجبونها بنو شيبان من بني سليم، حلفاء بني هاشم4.
وتشير رواية من زعم أن عمرو بن لحي قال لقومه: "إن ربكم يتصيف باللات لبرد الطائف، ويشتو بالعزى لحر تهامة"، صحت أو لم تصح، إلى وجود صلة بين اللات والعزى، وقد ذكرى العزى بعد اللات في القرآن الكريم. وكذلك ترد بعد اللات في جميع روايات الأخباريين مما يشير إلى وجود صلة بين اللات والعزى. ولا يستبعد أن تكون هذه الصلة بين الصنمين قد جاءت إلى أهل الحجاز من بلاد الشأم من أهل تدمر وبادية الشام والصفويين، إذ وردا وكأنهما إلهان متقابلان، فحمل ذلك بعض المستشرقين على تصور أنهما يمثلان كوكبين: كوكب الصباح وكوب المساء5.
1 الاشتقاق "348""الفهرست".
2 الأصنام "14""روزا".
3 الأزرقي، أخبار مكة "1/ 74""باب ما جاء في اللات والعزى".
4 الأزرقي "1/ 74 وما بعدها".
5 العرب في سوريا قبل الإسلام "125".
والعزى مثل اللات ومناة من الآلهة المعبودة عند عرب العراق وعرب بلاد الشأم، وعد النبط والصفويين. وقد ذكر اسم العزى مرتين في المصادر المؤلفة بعد الميلاد، وأشار إسحاق الأنطاكي Isaac of Antioch من رجال القرن الخامس للميلاد، إلى اسم العزى في حديثه عن مدينة "بيت حور" Beth – Hur ودعاها بـ Beltis، وسماها "كوكبتا". ويظن أن "كوكبتا" Kawkabta، أي "كوكبة" المذكورة في المصادر السريانية، هي أنثى كوكب، تعني الكوكب الذي يظهر عند الصباح، وهو العزى عند الجاهليين ويراد بها "الزهرة" Venus عند النبط2. حيث اتخذوا لها معبدًا في مدينة "بصرى" في منطقة "رم" عرف بـ"بيت إيل". وقد نص "بروكوبيوس"، Procopius على أنها "أفروديت"3. وهي كناية عن القمر على رأي بعض المستشرقين4.
ولعل العزى هي "ملكة السماء Melekheth Hash – Shama المذكورة في سفر "أرميا"5، وقد جاء فيه: أن أهل "أورشليم" كانوا يصنعون كعكًا، يتقربون به إلى تلك الإلهة: إلهة السماء. وقد كان الجاهليون يتقربون بالخبز والكعك إلى "كوكب السماء"6
ويظهر من ورود اسم امرأة هو: "أمت عزى"، أمة العزى"، في نص عربي جنوبي، أن عبادة العزى كانت معروفة هناك وقد قدم أحد العرب تمثالًا من ذهب إلى هذه الإلهة7.
وقد كان آل لخم، ملوك الحيرة، ينحرون الأسرى قربانًا للعزى. وقد زعم بعض المؤرخين السريان أن "المنذر بن ماء السماء" ضحى بأربع مائة راهبة للعزى8.
1 Reste، s. 40، Ency. Vol. IV، p. 1059، Rothstein، s. 81، 141. Shorter Ency. Of Islam. P. 617.
2 Arabien، s. 82.
3 Procopius، De Bello Persi، II، 28، Arabien، s. 28، 82. Arabien، S. 82، Reste، S. 40، Ryckmans، 15.
4 Arabien، s. 82، Reste، s. 40، Ryckmans، 15.
5 أرميا، الإصحاح السابع، الآية 18 وما بعدها".
6 Hastings، p. 778، Das Gotzenbuch، s. 95.
7 Das Gotzenbuch، S. 94.
8 Malalas، II، 166، Noleke، Sassaniden، s. 171، Ghass، II، Anm. 3. Theophanes، 273، Land. Anecd. Syr، III، 247، Rothstein، s. 81. Paulys-Wissowa، Erster Halband. 1893، S. 12841.
وذكر "إسحاق الأنطاكي" أن العرب كانوا يقدمون الأولاد والبنات قرابين للكوكبة "كوكبتا" فينحرونهم لها، ويقصد بـ"كوكبتا" العزى1.
وكانت قريش تتعبد للعزى، وتزورها وتهدي إليها، وتتقرب إليها بالذبائح. وذكر ابن الكلبي أنها كانت أعظم الأصنام عند قريش، وأن قريشًا كانت تطوف بالكعبة وتقول:"واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. فإنهن الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى". وكانوا يقولون: هن بنات الله، وهن يشفعن إليه. وكانت قريش قد حمت لها شعبًا من وادي حراض، يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة، وكان لها منحر ينحرون فيه هداياهم، يقال له الغبغب، فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها2.
وكانت قريش تستعين بأصنامها حين تحارب، تستجير بها وتستمد منها العون في الحرب3؛ لتبعث الهمة والنشاط في النفوس بذكرها. فلما كان يوم أحد نادى "أبو سفيان""اعل هبل، اعل هبل" فقال المسلمون: "الله أعلى وأجل". فقال "أبو سفيان": "لنا العزى ولا عزى لكم" فقال المسلمون: "الله مولانا ولا مولى لكم"4.
ويقول ابن الكلبي أيضًا: ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظامهم العزى، ثم اللات، ثم مناة. فأما العزى، فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية. وكانت ثقيف تخص اللات كخاصة قريش للعزى وكانت الأوس والخزرج تخص مناة كخاصة هؤلاء الآخرين، وكلهم كان معظمًا لها"، أي للعزى5.
ولابن الكلبي رأي في إقبال قريش على العزى. إذ يقول: "فأما العزى، فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية. وذلك فيما أظن لقربها منها"6. فجعل قرب بيت العزى من قريش هو السبب في إقبال قريش عليها.
1 Isaak von Antiochia، Opera، I، 220. "ed، Bickell" reste، s. 40..
Das Gotzenbuch، s. 96.
2 الأصنام "18" وما بعدها، "12""طبعة روزا كلينكه روزنبركر" بمدينة "لايبزك 1941م".
3 Arabien، s. 83.
4 تفسير ابن كثير "4/ 253"، الطبري "2/ 526"، "معركة أحد".
5 الأصنام "27".
6 الأصنام "16""روزا".
وهو يرى هذا الرأي نفسه حين تكلم على الأصنام: ود، وسواع، ويعوق، ونسر، وقارن بينها وبين الأصنام اللات والعزى ومناة؛ إذ قال:"ولم يكونوا يرون في الخمسة الأصنام التي دفعها عمرو بن لحي.... كرأيهم في هذه ولا قريبًا من ذلك. فظننت أن ذلك كان لبعدهم منهم"1.
وقال ابن الكلبي في كتابه الأصنام "وقد بلغنا أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ذكرها يومًا. فقال: لقد أهديت للعزى شاة عفراء، وأنا على دين قومي"2.
وكان فيمن يتقدم إلى العزى بالنذور والهدايا، والد خالد بن الوليد، ذكر خالد أن والده كان يأتي العزى بخير ما له من الإبل والغنم، فيذبحها للعزى، ويقيم عندها ثلاثة أيام3.
وممن تعبد للعزى بنو سليم وغطفان وجشم ونصر وسعد بن بكر4. وغني وباهلة وخزاعة وجميع مضر وبنو كنانة. وقد ارتبطت قبائل غطفان بعبادة العزى وتقديسها بصورة خاصة، حتى لقد ذكر "ياقوت الحموي" أن "العزى سمرة كانت لغطفان يعبدونها، وكانوا بنوا عليها بيتًا، وأقاموا لها سدنة"5. وقد عرف البيت بـ"كعبة غطفان"6. وذكر "الطبري" أن العزى "صنم لبنى شيبان"، بطن بن سليم حلفاء بن هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى، يقولون: هذا صنمنا، وأنها "كانت بيتًا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها"7. وقد تعبدت لها ثقيف، بأن اتخذت لها صنمًا8. والظاهر أن قريشًا كانت تعد العزى حامية وشفيعة لها9.
وكان لحرم العزى شعب حمته قريش للصنم، يقال له سقام في وادي حراض
1 الأصنام "17""روزا".
2 الأصنام "18" وما بعدها" "12" "طبعة روزا روزنبركر".
3 الأزرقي، أخبار مكة "78 وما بعدها".
4 تفسير الطبرسي، مجمع البيان "5/ 364"، اليعقوبي "1/ 225".
5 البلدان "6/ 166"، "4/ 116""صادر".
6 Shorter Ency، p. 617، Arabien s. 83.
7 الطبري "3/ 65"، "دار المعارف".
8 Arabien، s. 83، Doughty، Documents Epigraphiques، 35، Traveis in Arabia Deserta، II، P. 511، 515.،
9 Arabien، s. 83.
على طريقة قريش في اتخاذ حرم للكعبة. وقد صار هذا الحمى موضعًا آمنًا لا يجوز التعدي فيه على أحد، ولا قطع شجره، ولا القيام بعمل يخل بحرمة المكان1. فذاك قول أبي جندب الهذلي تم القردي في امرأة كان يهواها، فذكر حلفها له بها:
لقد حلفت جهدًا يمينًا غليظة
…
بفرع التي أحمت فروع سقام2
وينسب "ابن الكلبي" بناء "بيت العزى" إلى "ظالم بن أسعد"؛ إذ يقول: "بس: بيت لغطفان بن سعد بن قيس عيلان كانت تعبده. بناه ظالم بن أسعد بن ربيعة بن مالك بن مرة بن عوف، لما رأي قريشًا يطوفون بالكعبة ويسعون بين الصفا والمروة، فذرع البيت. ونص العباب: وأخذ حجرًا من الصفا وحجرًا من المروة، فرجع إلى قومه، وقال: يا معشر غطفان، لقريش بيت يطوفون حوله والصفا والمروة، وليس لكم شيء، فبنى بيتًا على قدر البيت، ووضع الحجرين فقال: هذان الصفان والمروة فاجتزئوا به عن الحج فأغار زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي، فقتل ظالمًا، وهدم بناءه"3.
وجاء في رواية أخرى أن "بني صداء" قالوا: أما والله لنتخذن حرمًا مثل حرم مكة، لا يقتل صيده، ولا يعضد شجره، ولا يهاج عائذه، فوليت ذلك بنو مرة بن عوف. ثم كان القائم على أمر الحرم وبناء حائطه رباح بن ظالم ففعلوا ذلك، وهم على ماء لهم يقال له بس، فلما بلغ فعلهم هذا وما أجمعوا عليه زهير بن جناب، قال: والله لا يكون ذلك وأنا حي، ولا أخلي غطفان تتخذ حرمًا أبدًا، ثم سار في قومه حتى غزا غطفان، وتمكن منها، واستولى على الحرم، وقطع رقبة أسير من غطفان به، وعطل الحرم وهدمه4.
وذكر بعض أهل الأخبار، أن العزى صنم كان لقريش وبني كنانة، أو سمرة عبدتها غطفان بن سعد بن قيس عيلان. أول من اتخذها منهم "ظالم بن أسعد".
1 البلدان "5/ 91"، "6/ 166".
2 الأصنام "12""روزا".
3 الأغاني "21/ 63"، تاج العروس "4/ 109"، البلدان "2/ 179"، اللسان "7/ 327"، "بس".
4 الأغاني "21/ 63".
فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال، بالنخلة الشامية بقرب مكة، وقيل بالطائف، بنى عليها بيتًا وسماه بُسًا، وقيل بساء، وأقاموا لها سدنة مضاهاة للكعبة، وكانوا يسمعون فيها الصوت، فبعث إليها رسول الله خالد بن الوليد، عام الفتح، فهدم البيت وقتل السادان وأحرق السمرة1.
ويظهر مما تقدم أن البيت هدم مرتين: مرة في الجاهلية، على يد زهير بن جناب، وقتل إذ ذاك بانيه ظالم، والمرة الثانية عام الفتح على يد خالد بن الوليد2.
وأما سدنة العزى، فكانوا من بني صرمة بن مرة، أو من بني شيبان بن جابر بن مرة بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن عتبة بن سليم بن منصور. فهم من بني شيبان، من بني سليم حلفاء بني هاشم3.
وكان آخر سادن للعزى "دبية بن حرمي السلمى ثم الشيباني"، قتله خالد بن الوليد بعد هدمه الوثن والبيت وقطعة الشجرة أو الشجرات الثلاث4. وفي رواية: أن هدم العزى كان لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، وكان سادنها أفلح بن النضر السلمي من بني سليم. فلما حضرته الوفاة دخل عليه أبو لهب يعوده وهو حزين، فقال له: مالي أراك حزينًا؟ قال: أخاف أن تضيع العزى من بعدي. قال أبو لهب: فلا تحزن، فأنا أقوم عليها بعدك فجعل أبو لهب يقول لكل من لقي: إن تظهر العزى، كنت قد اتخذت عندها يدًا بقيامي عليها، وإن يظهر محمد على العزى، وما أراه يظهر، فابن أخي فأنزل الله تبارك وتعالى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} 5 وتدل هذه الرواية إن صحت على أن أفلح بن النضر لم يكن آخر سادن للعزى وأن الهدم لم يكن في حياته، وإنما كان بعد وفاته.
وتشبه هذه القصة قصة أخرى وردت في الموضوع نفسه، عن أبي أحيحة.
1 تاج العروس "4/ 55"، "عزز".
2 تاج العروس "4/ 109"، "بس".
3 الطبري "3/ 65"، "دار المعارف"، تاج العروس "4/ 56"، "عزز".
4 البلدان "6/ 167 وما بعدها" بلوع الأرب "2/ 205"، ابن هشام "1/ 65""هامش الروض الأنف"، الطبري "3/ 123"، "3/ 65"، "دار المعارف"، الأصنام "15""روزا"، "ودبية بن حرمس السلمي سادن العزى"، تاج العروس "10/ 124"، "دبي".
5 أخبار مكة، للأزرقي "1/76"، البلاذري، أنساب "1/ 121".
وأبي لهب. فلما مرض أبو أحيحة، وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، مرضه الذي مات فيه، كان أهم ما شغل باله عبادة العزى وخشيته أن لا تعبد من بعده، فلما أجابه أبو لهب مهونًا عليه الأمر: رد والله ما عبدت حياتك "لأجلك"، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك! سره هذا الجواب، وأفرج عنه. فقال:"الآن علمت أن لي خليفة"1.
ويروي ابن الكلبي أن الرسول أمر بالقضاء على العزى، وذلك عام الفتح، فلما افتتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعث خالد بن الوليد فقال له: ائت بطن نخلة، فإنك تجد ثلاث سمرات، فاعضد الأولى. فأتاها فعضدها، فلما جاء إليه عليه السلام: هل رأيت شيئًا؟ فقال: لا، قال: فاعضد الثانية؟ فأتاها فعضدها. ثم أتى النبي عليه السلام، فقال: هل رأيت شيئًا؟ قال: لا. قال: فاعضد الثالثة. فأتاها. فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها، تصرف بأنيابها، وخلفها دبية بن حرمي الشيباني ثم السلمي، وكان سادتها. فلما نظر إلى خالد، قال:
أعز شدي لا تكذبي
…
على خالد ألقي الخمار وشمري
فإنك إلا تقتلي اليوم خالدًا
…
تبوئي بذل عاجلًا وتنصري
فقال خالد:
يا عز كفرانك، لا سبحانك
…
إني رأيت الله قد أهانك
ثم ضربها ففلق رأسها، فإذا هي حممة. ثم عضد الشجرة، وقتل دبية السادن ثم أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فأخبره فقال: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب. أما أنها لن تعبد بعد اليوم2.
1 الأصنام "23".
2 الأصنام "15 وما بعدها""روزا" ويختلف نص الشعر المذكور المنسوب إلى "دبية" في كتاب الأصنام بعض الاختلاف عن نص تأريخ الطبري "3/ 65". إمتاع الأسماع "1/ 398"، تفسير الطبرسي "27/ 48 وما بعدها" روح المعاني "27/ 47 وما بعدها". الأزرقي "78 وما بعدها".
ويظهر من شعر لـ"أبي خراش الهذلي" أن "دبية" كان كريمًا، يطعم الناس، عظيم القدر، له جفنة حين الشتاء، وقد مدحه؛ إذ حذاه نعلين جيدين، كما رثاه يوم قتل بأبيات ذكرها "ابن الكلبي" في كتابه الأصنام1.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "خالد بن الوليد" هدم بيت العزى عام الفتح، وقتل إذ ذاك سادنه "ربيعة بن جرير السلمي"2. وروايات الأخباريين عن العزى يكتنفها شيء من الغموض واللبس، ويدل ذلك على أنهم لم يكونوا على علم تام بالعزى فبينما هم يذكرون أن العزى شجرة أو سمرة3. تراهم يذكرون في روايات أخرى أنها شيطانة تأتي ثلاث سمرات، أي أن العزى هي تلك الشيطانة، لا السمرة أو السمرات الثلاث4، ثم تراهم يذكرون في روايات أخرى أن العزى صنم، وأن الرسول حينما أمر خالد بن الوليد بهدمه، قال له لما هدم العزى، وعاد:"أرأيت شيئًا؟ قال: لا، قال: فارجع فاهدمه، فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته، وكسر الصنم، فجعل السادن يقول: أعزى اغضبي بعض غضباتك. فخرجت عليه امرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزى، ولا تعبد العزى أبدًا"5. ومعنى هذا أن العزى صنم، كان في داخل بيت العزى، وأن خالد بن الوليد كسره، وهدم بيته ولم يكن شجرة. أما تلك السمرة أو السمرات الثلاث، فلم تكن إلا أشجارًا نبتت في حرم البيت. لذلك صارت محرمة لا يجوز مسها بأي سوء كان.
وقد سمى بعض أهل الأخبار اسم آخر سدنة العزى "دبية" و"دبية بن
1 الأصنام "14 وما بعدها""روزا".
2 تاج العروس "4/ 109"، "بس"، ابن سعد، حلقات "2/ 146".
3 السمر: شجر صغار الورق قصار الشوك وله برمة صفراء يأكلها الناس، وليس في العضاه شيء أجود خشبًا من السمر، بلوغ الأرب "2/ 304"، تاج العروس "4/ 109"، "بس".
4 البلدان "6/ 167 وما بعدها"، المحبر "315" بلوغ الأرب "2/ 204"، الأصنام "15 وما بعدها""روزا".
5 الطبري "3/ 65""دار المعارف"، روح المعاني "27/ 47 وما بعدها".
حرمس السلمي"1، وسماه بعض آخر "ربية السلمي"، و"ربية بن جرمي"2، و"ربيعة بن جرير السلمي"3.
والرأي المعقول المقبول، هو أن العزى صنم، له بيت وأمامه غبغب، أي خزانة يضع فيها العباد المؤمنون بالعزى هداياهم ونذورهم لها.
كما كانوا ينحرون لها؛ إذ لا يعقل أن يقال إن خالد كسر الصنم وهدم بيته4. ثم لا يكون العزى صنمًا بل يكون شجرة أو شجرات. وأما الشجيرات، فإنها شجيرات مقدسة أيضًا؛ لأنها في حرم العزى، وشجر الحرم هو شجر مقدس لا يجوز قطعه، ولذلك كان أهل مكة يتجنبون مس شجر الحرم بسوء، فلما أراد "قصي" اعتضاده، هابت قريش عمله وخافت سوء العاقبة، ونهته عن مسه بسوء، ولكنه أقدم على قطعه، لم يبال برأيهم، ولم يحفل بنصائحهم، فقطعه. وكان بيت العزى يسمع فيه الصوت. وقد ذكر الأخباريون أنه كان في كل من اللات والعزى ومناة شيطانة، تكلمهم، وتظهر للسدنة وقد نسبوا ذلك إلى صنع إبليس5. والظاهر أن الحبشية المذكورة التى قتلها خالد، وزعم أنها شيطانة إن صح ما ذكره الرواة عن وجودها، كانت امرأة كان السادن يخفيها في موضع سري، وهي التي تجيب عن أسئلة السائلين فينسب السادن كلامها إلى العزى.
ومما يؤيد رأيي في أن "العزى" صنم، ما ورد في تفسير "الطبري" من قوله:"بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم" خالد بن الوليد إلى شعب بسقام ليكسر العزى، فقال سادنها، وهو قيمها: يا خالد أنا أحذركها إن لها شدة لا يقوم إليها شيء. فمشى إليها خالد بالفأس فهشم أنفها6. مما يدل على أنها كانت صنمًا أنثى، أي تمثالًا لامرأة؛ لأنها أنثى.
ويظهر من هذا البيت:
أما ودماء مائرات تخالها
…
على قنة العزى وبالنسر، عندما7
إن عبَّاد العزى كانوا قد لطخوا قنة الصنم، أي أعلاه ورأسه بدم الأضاحي. وكذلك فعل عبَّاد الصنم نسر بقنة صنمهم.
1 بلوغ الأرب "2/ 204".
2 تاج العروس "4/ 55 وما بعدها"، "عزز".
3 تاج العروس "4/ 109"، "بس".
4 المحبر "123".
5 الأزرقي "1/ 75"، "باب ما جاء في اللات والعزى".
6 تفسير الطبري "24/ 5"، تفسير القرطبي "15/ 258".
7 اللسان "13/ 349"، "قنن".
مناة:
ويعد الصنم مناة أقدام الأصنام عند الأخباريين. وهو من الأصنام المذكورة في القرآن الكريم: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} 1. وهذه الأصنام الثلاثة هي إناث في نظر الجاهليين.
وموضع مناة بالمشلل على سبعة أميال من المدينة2، وبقديد بين مكة والمدينة3، وقيل أيضًا إنه بموضع "ودان" أو في موضع قريب منه4. وذكر اليعقوبي أن مناة كان منصوبًا بفدك مما يلي ساحل البحر5. والرأي الغالب بين أهل الأخبار أنه كان على ساحل البحر من ناحية المشل بقديد6. وذكر "محمد بن حبيب" أنه كان بسيف البحر وكانت الأنصار وأزد شنوءة وغيرهم من الأزد تتعبد له. وأما سدنته، فهم "الغطاريف" من الأزد7. وذكر أن تلبيته كانت على هذه الصورة:"لبيك اللهم لبيك، لولا أن بكرًا دونك، يبرك الناس ويهجرونك، وما زال حج عثج يأتونك. أنا على عدوائهم من دونك"8.
وتسكت أكثر روايات أهل الأخبار عن معبد "مناة" فلم تذكر شيئًا عنه،
1 النجم، الآية 19 وما بعدها.
2 تاج العروس "10/ 351"، تفسير الطبري "27/ 32 وما بعدها"، تفسير ابن كثير "4/ 253 وما بعدها"، تفسير الخازن "4/ 194 وما بعدها"، تفسير أبي السعود "5/ 112"، اللسان "20/ 167"، تفسير الطبرسي "27/ 48".
3 مجمع البيان "9/ 176"، البلدان "2/ 944" عمدة القاري "9/ 287".
4 البلدان "8/ 167 وما بعدها".
5 اليعقوبي "1/ 312"، "1/ 225".
6 ابن هشام "1/ 87"، الأصنام "13 وما بعدها"، الروض الأنف "1/ 65"، أخبار مكة "1/ 73 وما بعدها"، البداية والنهاية "2/ 192"، عمدة القاري "9/ 287".
7 المحبر "316".
8 المحبر "313".
ولكن "الطبري" يشير في تفسيره إلى أنه كان بيتًا بالمشلل1، وهو كلام منطقي معقول؛ إذ لا يعقل أن يكون هذا الصنم، مجرد صخرة أو صنم قائم في العراء تعبث به الرياح والشمس، ثم إن له سدنة، ولا يعقل أن تكون لصنم سدنة، ثم لا يكون له بيت يؤويه. ولست أستبعد أن يكون له، "جب" يلقي المؤمنون فيه هداياهم ونذورهم. وذكر "الطبري" أيضًا أن معبده كان بـ"قديد". وأما عبدته، فخزاعة، وبنو كعب2.
والأخباريون على خلاف فيما بينهم على هيئة "مناة" وشكله، منهم من يقول إن مناة صخرة، سميت بذلك لأن دماء النسائك كانت تمنى عندها، أي تراق3. ومنهم من يقول إنه صنم كان منصوبًا على ساحل البحر، فهو على هيئة ومثال، وقد نحت من حجارة4، وجعله بعض الرواة في الكعبة مع بقية الأصنام5.
والذين يذكرون أن مناة صخرة، يرون أن الناس كانوا يذبحون عندها فتمنى دماء النساء عندها، أي تراق، فهي إذن، وبهذا الوصف مذبح تراق عنده الذبائح التي تقدم نسيكة للإلهة. ويذكرون أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك "كأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء تبركًا بها"6. ويتبين من ذلك أن هذا الموضع كان مكانًا مقدسًا، وقد خصص بإله ينشر السحب ويرسل الرياح فتأتي بالأمطار لتغيث الناس، وأن لهذا الإله صلة بالبحر وبالماء، ولذلك أقيم معبده على ساحل البحر7. وقد تكون هذه الصخرة مذبحًا أقيم عند الصنم، أو عند معبده لتذبح عليه ما يهل للصنم، فسمي باسمه، ولذلك يمكن التوفيق بين الرأيين: كونه صخرة، وكونه صنمًا.
ويظهر من أقوال ابن الكلبي أن هذا الصنم كان معظمًا، خاصة عند الأوس
1 تفسير الطبري "27/ 35".
2 تفسير الطبري "27/ 35".
3 تفسير الطبري "27/ 32 وما بعدها".
4 تفسير الطبرسي، مجمع البيان "9/ 176"، البلدان "8/ 167 وما بعدها".
5 مجمع البيان "8/ 167 وما بعدها".
6 تفسير الطبري "27/ 32 وما بعدها"، الكشاف "3/ 144 وما بعدها"، تفسير البيضاوي "1/ 199".
7 وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين المدينة ومكة وما قارب ذلك من المواضيع، البلدان "8/ 167 وما بعدها".
والخزرج، أي أهل يثرب ومن كان يأخذ مأخذهم من عرب المدينة والأزد وغسان "فكانوا يحجون ويقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رءوسهم، فإذا نفروا أتوا مناة وحلقوا رءوسهم عنده وأقاموا عنده لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك1. ولكن القبائل العربية الأخرى كانت تعظمه كذلك، وفي جملتها قريش2 وهذيل وخزاعة3. وأزد شنوءة، وغيرهم من الأزد. وقيل ثقيف أيضًا، وذكرت رواية أخرى أن العرب جميعًا كانت تعظمه وتذبح حوله4. أما سدنته، فالغطاريف من الأزد5.
وكانت خزاعة والأوس والخزرج يعظمون مناة، ويهلون منها للحج إلى الكعبة6.
فمناة إذن من الأصنام المعظمة المقدسة عند الخزرج. وكانوا يحلفون بها ويقفون عندها. وفي ذلك ورد شعر ينسب إلى عبد العزى بن وديعة المزني أو غيره من العرب:
إني حلفت يمين صدق برة
…
بمناة عند محل آل الخزرج
فالمحل الذي يقف فيه "آل الخزرج"، هو المحل الذي يحلف به أمام مناة. وكان العرب في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا: الخزرج، ولذلك يقول الشاعر في بيته:"عند محل آل الخزرج"7.
وترجع بعض الروايات تأريخ مناة إلى "عمرو بن لحي" فتزعم أنه هو الذي نصبه على ساحل البحر مما يلي قديدًا8. وقد أخذت من الرواية التي ترجع أساس عبادة الأصنام وانتشارها بين العرب إلى ذلك الرجل.
1 الأصنام "14"، البلدان" "8/ 169" "مناة" الأزرقي "1/ 73 وما بعدها".
2 الأصنام "13، 15"، البلدان "8/ 169".
3 البلدان "8/ 169"، اللسان "20/ 167".
4 الكشاف "3/ 144 وما بعدها".
5 المحبر "316، البلدان "8/ 167 وما بعدها".
6 تفسير ابن كثير "4/ 253"، اللسان "20/ 167".
7 الأصنام "13 وما بعدها".
8 أخبار مكة "1/ 73 وما بعدها"، البلدان "4/ 653".
وكان المتعبدون لهذا الصنم يقصدونه، فيذبحون حوله، ويهدون له. ويظهر من روايات ابن الكلبي عن هذا الصنم، أنه كان من الأصنام المعظمة المحترمة عند جميع العرب. وقد قصد ابن الكلبي بعبارة:"وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله"1 عرب الحجاز على ما أعتقد. وكان سدنته يجنون من سدانتهم له أرباحًا حسنة من هذه الهدايا التي تقدم إلى معبده باسمه.
وقد بقي سدنة هذا الصنم يرتزقون باسمه، إلى أن كان عام الفتح، فانقطع رزقهم بهدمه وبانقطاع سدانته. فلما سار الرسول في سنة ثمان للهجرة، وهي عام الفتح أربع أو خمس ليال من المدينة، بعث عليًّا إليه، فهدمه وأخذ ما كان له، فأقبل به إلى النبي، "فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما له، أحدهما: يسمى مخذمًا، والآخر رسوبًا. وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في بيته:
مظاهر سربالي حديد عليهما
…
عقيلًا سيوف: مخذم ورسوب
فوهبهما النبي لعلي، فيقال: إن ذا الفقار، سيف علي أحدهما. ويقال: إن عليًّا وجد هذين السيفين في الفلس، وهو صنم طيء، حيث بعثه النبي فهدمه2.
وفي رواية للواقدي أن الذي هدم الصنم هو سعد بن زيد الأشهلي، هدمه سنة ثمان للهجرة3. وفي رواية أخرى أن الذي هدم الصنم هو أبو سفيان4.
وقد كانت القبائل تتجنب أن تجعل ظهورها على "مناة" إعظامًا للصنم، ولذلك كانت تنحرف في سيرها، حيث لا يكون الصنم إلى ظهرها5. وفي ذلك قال الكميت بن زيد الشاعر، أحد بني أسد بن خزيمة بن مدركة:
وقد آلت قبائل لا تولي
…
مناة ظهورها متحرفيا
1 الأصنام "15"، الأصنام "49"، "القاهرة 1914".
2 الأصنام "15"، البلدان "8/ 168".
3 الطبري "3/ 123"، روح البيان، لاسماعيل حقي أفندي، "4/ 551"، تأريخ الخميس، للديار بكري "2/ 107 وما بعدها" إمتاع الأسماع "1/ 398"، البخاري "5/ 18".
4 البداية والنهاية "2/ 192"، الروض الأنف "1/ 65"، ابن هشام "1/ 87".
5 ابن هشام "1/ 90".
ويظهر من ورود اسم هذا الصنم في القرآن الكريم، ومن انتشار التسمية به في مثل "عبد مناة" و"عبدة مناة" و"زيد مناة" و"عوذ مناة" و"سعد مناة" و"أوس مناة" بين عدد من القبائل المختلفة، مثل تميم وطيء وكنانة، إن عبادة "مناة" كانت منتشرة انتشارًا واسعًا بين القبائل1. ولهذه الكلمات المتقدمة على كلمة "مناة" شأن كبير في وصف الصورة التي كانت في مخيلة عبدة مناة عنه؛ إذ تمثله إلهًا كريمًا يسعد عباده ويساعدهم في المكاره والملمات ويعطيهم ما يحتاجون إليه.
والصنم مناة هو "منوتن""منوت" Manavat عند النبط، ويظن أن لاسمه صلة بـ"مناتا" Menata في لهجة بني إرم، و"منا" Mena في العبرانية، وجميعها "مانوت""منوت" Manot، وباسم الإله "منى" Meni، وبكلمة "منية"، وجمعها "منايا" في عربية القرآن الكريم. وهي لذلك تمثل الحظوظ والأماني، وخاصة الموت2. ولهذا ذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الإلهة هي إلهة المنية والمنايا عند الجاهليين3.
وقد ذكر "مني" Meni مع "جد" Ged في العهد القديم. والظاهر أن كلمة "جد" كانت مصدرًا، ثم صارت اسم علم لصنم. وذكر "منى" مع "جد" له شأن كبير من حيث معرفة الصنمين. فالأول هو لمعرفة المستقبل وما يكتبه القدر للإنسان من منايا ومخبآت لا تكون في مصلحة الإنسان. والثاني، وهو "جد"، لمعرفة المستقبل الطيب والحظ السعيد "fortune""tyche" في اليونانية، فهما يمثلان إذن جهتين متضادتين4.
1 تاج العروس "10/ 351" Reste، s. 29.
2 Reste، s. 28، Ency. Religi، I، pp. 231، 661.
3 Das Gotzenbuch، S. 87.
4.
Hastings، pp. 275، 604
هبل:
يقول ابن الكلبي: "وكانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها، وكان أعظمها هبل. وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على صورة إنسان، مكسور اليد.
اليمنى. أدركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب. وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر. وكان يقال له هبل خزيمة.
وكان في جوف الكعبة قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أولها: صريح والآخر ملصق. فإذا شكوا في مولود أهدوا إليه هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج صريح ألحقوه، وإن خرج ملصق دفعوه. وقدح على الميت وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت. فإذا اختصموا في أمر. أو أرادوا سفرًا أو عملًا، أتوه فاستسقوا بالأزلام عنده فما خرج، عملوا به وانتهوا إليه. وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله1.
وتذكر رواية أخرى أن خزيمة بن مدركة كان أول من نزل مكة من مضر، فوضع هبل في موضعه، فكان يقال له صنم خزيمة، وهبل خزيمة. وورث أولاده سدانته من بعده2. وقد ذهب "ابن الكلبي" هذا المذهب أيضًا، إذ قال: "وكان أول من نصبه خزيمة بن مدركة"3.
ولا خلاف بين أهل الأخبار في أن "هبل" كان على هيئة إنسان رجل4. وهناك روايات تنسب هبل إلى عمرو بن لحي، تقول إنه جاء به إلى مكة من العراق من موضع هيت، فنصبه على البئر وهو الأخسف والجب الذي حفره إبراهيم في بطن الكعبة، ليكون خزانة للبيت، يُلقى فيه ما يُهدى إلى الكعبة، وأنه هو الذي أمر الناس بعبادته، فكان الرجل إذا قدم من سفر بدأ به على أهله بعد طوافه بالبيت، وحلق رأسه عنده، وكان على هذه الروايات من خرز العقيق على صورة إنسان، وكانت يده اليمنى مكسورة، فأدركته قريش فجعلت له يدًا من ذهب. وكانت له خزانة للقربان وكان قربانه مائة بعير. وله حاجب يقوم بخدمته5.
1 الأصنام "27 وما بعدها""تحقيق أحمد زكي باشا"، سبائك الذهب "104". الأزرقي "1/ 68 وما بعدها"، ابن هشام "1/ 64"، الطبري "2/ 202"، "الاستقامة"، "2/ 240""المعارف" خزانة الأدب "3/ 244"، سبائك الذهب "101"، ابن الأثير، الكامل "2/ 18" مروج الذهب "1/ 238" محمد محيي الدين عبد الحميد" البداية والنهاية "2/ 187".
2 طبقات ابن سعد "1/ 39".
3 الأصنام "روزا" نهاية الأرب "16/ 12".
4 الطبرسي، مجمع البيان "29/ 68 وما بعدها". "بيوت 1954م".
5 أخبار مكة، للأزرقي "1/ 27، 68 وما بعدها"، الروض الأنف "1/ 65".
وجاء في رواية أن عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشأم في بعض أموره، فلما قدم مآب من أرض البلقاء، وبها يومئذ العماليق، وهم ولد عملاق، ويقال عمليق، وجدهم يتعبدون للأصنام، فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه الأصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنمًا، فأسير به إلى الأرض العرب، فيعبدوه؟ فأعطوه صنمًا يقال له هبل، وأخذه، فتقدم به إلى مكة فنصبه، وأمر الناس بعبادته1.
ولسنا نجد في كتب أهل اللغة أو الأخبار تفسيرًا مقبولًا لمعنى "هبل". وقد ذهب بعضهم إلى أنه من "الهبلة"، ومعناها القبلة. وذكر بعض آخر أنه من "الهبيلي"، بمعنى الراهب، وذكر أن "بني هبل" كانت تتعبد له2. وذكر أنه من "هبل" بوزن "زفر" ومعناها كثرة اللحم والشحم، أو من "هبل" بمعنى غنم، وما شاكل ذلك من آراء3. ويكمن سبب اضطراب العلماء في تسميته في أنه من الأصنام المستوردة من الخارج التي حافظت على تسميتها الأصلية، فوقع لديهم من ثم هذا الاضطراب.
وكانت تلبية من نسك هبل: "لبيك اللهم لبيك". إننا لقاح، حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح"4.
ويذكر أهل الأخبار أن "هبل" كان أعظم أصنام قريش، وكانت تلوذ به وتتوسل إليه؛ ليمنَّ عليها بالخير والبركة، وليدفع عنها الأذى وكل شر. وكانت لقريش أصنام أخرى في جوف الكعبة وحولها. ولكن هبل هو المقدم والمعظم عندها على الجميع. وقد نصب على الجب الذي يقال له "الأخسف"، وهو بئر، وكانت العرب تسميها "الأخشف"5.
وذهب بعض المستشرقين إلى أن "هبل"، هو رمز إلى الإله القمر، وهو
1 سيرة ابن هشام "1/ 62"، "وقد طبعت في هامش كتاب الروض الأنف للسهيلي"، ديوان حسان "تحقيق هرشفلد"، سيرة ابن هشام "1/ 82"، البداية والنهاية "1/ 187 وما بعدها" اليعقوبي "1/ 211"، مروج "2/ 238".
2 اللسان "11/ 686"، تاج العروس "8/ 168"، "هبل".
3 البلدان "8/ 416".
4 المحبر "ص315".
5 أخبار مكة "1/ 66 وما بعدها".
إله الكعبة، وهو الله عند الجاهليين1. وكان من شدة تعظيم قريش له أنهم وضعوه في جوف الكعبة. وأنه كان الصنم الأكبر في البيت.
ويرى بعض الباحثين أن صورة الحية أو تمثالها يشيران إلى هبل، أو إلى هبل وود. وقد عثر على صورة لحية في "رم" يظهر أنها رمز إلى "هبل" أو ود2.
وذكر "ياقوت الحموي" أن هبل "صنم" لنبي كنانة: بكر ومالك وملكان، وكانت كنانة تعبد ما تعبد قريش، وهو اللات والعزى. وكانت العرب تعظم هذا المجمع عليه. فتجتمع عليه كل عام مرة3. وقال غيره:"وكان هبل لبني بكر ومالك وملكان وسائر بني كنانة، وكانت قريش تعبد صاحب بني كنانة، وبنو كنانة يعبدون صاحب قريش"4.
وقد ورد اسم هبل في الكتابات النبطية التي عثر عليها في الحجر، ورد مع اسم الصنمين: دوشرا "ذي الشرى" و"ومنوتو""مناة"5. وقد تسمى به أشخاص وبطون من قبيلة كلب، مما يدل على أن هذه القبيلة كانت تتعبد له، وأنه كان من معبودات العرب الشماليين6. وباسم هذا الصنم سمي "هبل بن عبد الله بن كنانة الكلبي جد زهير بن جناب"7.
ولما أراد النبي الانصراف عن أحد، علا صوت أبي سفيان: أعل هبل، أعل هبل. فقال النبي لعمر: أجبه. قال: ما أقول له؟ قال: الله أعلى وأجل. فقال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي لعمر قل: الله مولانا ولا مولى لكم8.
1 Reste، s. 73، 221، Grohmann، s. 87.
2 Grohmann، s. 87، Jaussen – savignac Mission، I 169.
3 البلدان "7/ 442 وما بعدها".
4 المحبر "318".
5 Ency، II، 327، CIS، I، NR: 189، Jaussen et Savignac، Mission، I، p. 169، Reste، S. 75، 221، L. Krehl، Uber die Religion der Vorislamischen Araber، S. 90، Olsiander، in ZDMG، VII، S. 493.
6 Ency، Religi، I، P. 664.
7 كتاب المعمرين "ص29""هبل".
8 الأصنام "ص28"، اللسان "11/ 686"، "14/ 212"، تاج العروس "8/ 162"، الاشتقاق "3/ 316".
أصنام قوم نوح:
وزعم ابن الكلبي أن خمسة أصنام من أصنام العرب، من زمن نوح، وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر1. وقد ذكرت في القرآن الكريم:{قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً} 2. ويظهر أن ورود اسمها على هذا النحو في القرآن، هو الذي حمله على رجع هذه الأصنام إلى أيام نوح.
وزعم "ابن الكلبي" أن الأصنام المذكورة كانت في الأصل قومًا صالحين، ماتوا، في شهر، وذلك في أيام "قابيل"، فجزع عليهم بنو قابيل، وذوو أقاربهم، وقام رجل من قومهم، فنحت لهم خمسة أصنام على صورهم ونصبها لهم، فصار الناس يعظمونها ويسعون حولها، ثم جاء من بعدهم من عبدها وعظم أمرها، ولم يزل أمرها يشتد، حتى أدرك "نوح" فدعاهم على الله وإلى نبذ هذه الأصنام، فكذبوه، فكان الطوفان، فأهبط ماء الطوفان هذه الأصنام من جبل "نوذ" إلى الأرض، وجعل الماء يشتد جريه وعبابه من أرض إلى أرض حتى قدفها إلى أرض جدة، ثم نضب الماء وبقيت على الشط، فسفت الريح عليها حتى وارتها. وبقيت مطمورة هناك أمدًا، حتى جاء "رئي" عمرو بن لحي" وكان يكنى أبا ثمامة، فقال له: عجل بالمسير والظعن من تهامة، بالسعد والسلامة قال عمرو: جير ولا إقامة فقال الرئي: ائت ضف جدة تجد فيها أصنامًا معدة، فأوردها ولا تهاب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجاب. فأتى شط جدة فاستثارها، ثم حملها حتى ورد تهامة. وحضر الحج، فدعا العرب إلى عبادتها قاطبة. فأجابه سادات القبائل، ووزع تلك الأصنام عليهم، وأشاعوا عبادتها بين الناس3، ومن ثم عبد العرب هذه الأصنام.
وذكر أيضًا أن الأصنام المذكورة هي أصنام نحتها الشيطان على صورة خمسة بنين من أبناء "أدم"، ماتوا فجزع الناس عليهم؛ لأنهم كانوا عبَّادًا صالحين.
فسول لهم الشيطان أن يصنع لهم تماثيل على هيئتهم وصورهم؛ لتذكرهم بهم فسروا برأيه، وصنعها لهم، فما لبث الناس أن عبدوها، حتى تركوا عبادة الله، وكان "ود" أكبرهم وأبرهم، فصار أول معبود عبد من دون الله4.
1 الأصنام "8""روزا".
2 سورة نوح، الآية 21 وما بعدها.
3 الأصنام "33 وما بعدها""روزا".
4 روح المعاني "29/ 77 وما بعدها".
ود:
وكان الصنم ود من نصيب "عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحلف بن قضاعة"، أعطاه إياه "عمرو بن لحي" فحمله على وادي القرى، فأقره بدومة الجندل. وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمي به، وهو أول من سمي عبد ود، ثم سمت العرب به بعد1. وقد تعبد له بنو كلب2.
ومنهم من يهمز فيقول أذ. ومنه سمي "عبد ود" و"أد بن طابخة"، و"أدد" جد معد بن عدنان3.
وجعل عوف ابنه عامرًا الذي يقال له عامر الأجدار سادنًا له، فلم يزل بنوه يسندونه حتى جاء الله بالإسلام.
وقد استنتج "ياقوت الحموي" من هذه الرواية التي يرويها "ابن الكلبي" أن الصنم اللات أقدم عهدًا من ود؟ لأن ودًّا على هذه الرواية قد سلم إلى عوف وعوف هو حفيد زيد اللات الذي سمي بـ"زيد اللات" نسبة إلى الصنم اللات، فود على هذا أحدث عهدًا من اللات4.
وفي رواية لمحمد بن حبيب أن ودًّا كان لبني وبرة، وكانت سدنته من بني القرافصة بن الأحوص من كلب5. ويشك "ولهوزن" Wellhausen في
1 الأصنام "34""روزا "اللسان "4/ 468""بولاق" روح المعاني "29/ 77 وما بعدها".
2 اللسان "4/ 468" تفسير أبي السعود "5/ 198"، تفسير الخازن "4/ 314"، تفسير ابن كثير "4/ 426" وما بعدها"، الروض الأنف "1/ 63"، ابن هشام "1/ 63" "هامش على الروض".
3 اللسان "4/ 455"، "ودد".
4 البلدان "8/ 410""نهاية مادة ود".
5 المحبر "316"، البلدان "8/ 407""ود".
صحة هذا الرواية، فقد كان الفرافصة بن الأحوص على رأيه نصرانيًّا، وهو الد نائلة زوج الخليفة عثمان. ثم إن "الفرافصة" لم يكن من بني عمرو بن ود، ولا من بني عوف بن عذرة، فلا يعقل أن تكون السدانة إليه وفي نسله1.
وود على وصف "ابن الكلبي" له في كتابه الأصنام "تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال قد ذبر عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء، ووفضة فيها نبل"2. وقد أخذ ابن الكلبي وصفه هذا لود من أبيه عن مالك بن حارثة الأجداري.
ومالك بن حارثة الأجداري، هو من بني عامر الأجدار، وهو سدنة ود. وزعم ابن الكلبي أن أباه محمد بن السائب الكلبي حدثه عن مالك بن حارثة أنه قال له: إنه رأى ودًّا، وأن أباه كان يبعثه، وهو صغير. باللبن إليه، فيقول: اسقه إلهك، فيشربه مالك، فيعود وقد شرب اللبن. أما أبوه فيظن أنه قد أعطى ودًّا إياه3.
وذكر "جارية بن أصرم الأجداري"، من بني عامر بن عوف، المعروف بعامر الأجدار، أنه رأى ودًّا بدومة الجندل في صورة رجل4. وورد أن من عبدة "ود" بعض تميم، وطيء، والخزرج، وهذيل، ولخم5.
ويظهر أنه "أدد" عند ثمود. وأدد من الأسماء المعروفة. وقبيلة "مرة"، نسبة إلى "مرة بن أدد" وقد عرف بـ"كهلن"، أي "الكاهل"، "هكهل""ها - كهل". ويظن أن الإله "قوس""قيسو""قوسو"، هو "ود" أي اسم نعت له. وذهب بعض الباحثين على أن "نسرًا" و"ذا غابة "ذ غبت" يرمزان إليه6.
1 Reste s. 17، Ency، Religi، I، p. 662.
2 الأصنام "56"، "35""روزا" سبائك الذهب "104" البلدان "8/ 904""ود".
3 الأصنام "55".
4 الإصابة "1/ 219"، "رقم 1044".
5 Reste، 14-18. Ryckmans 16، Grohmann، s. 87.
6 Jaussen – savignac Mission II، 395، 581، Grohmann، s. 87.
وقد بقي ود قائمًا في موضعه إلى أن بعث رسول الله خالدَ بن الوليد من غزوة تبوك لهدمه. فلما أراد خالد هدمه، اعترضه بنو عبد ود وبنو عامر الأجدار، وأرادوا الحيلولة بينه وبين هدمه، فقاتلهم وأوجعهم، وقتل منهم، فهدمه وكسره. وذكر ابن الكلبي أنه كان فيمن قتل رجل من بني عبد ود يقال له قطن بن شريح، ورجل آخر هو حسان بن مصاد ابن عم الأكيدر صاحب دومة الجندل1.
ويرى بعض المستشرقين استنادًا إلى معنى كلمة "ود" بأن هذا الصنم يرمز إلى الود، أي الحب، وأنه صنم للإلهين "جيل" Gil ، و"بحد" Pahad عند الساميين. ويستندون في رأيهم هذا إلى بيت للنابغة مطلعه:"حياك ود"2، غير أن من العسير علينا تكوين رأي صحيح عن هذا الصنم. ولا أستبعد أن تكون كلمة "ود" صفة من صفات الله لا اسم علم له.
وهناك من يرى وجود صلة بين "ود" و"إيروس" Eros الصنم اليوناني، ويرى أنه صنم يوناني في الأصل استورد من هناك، وعبدته العرب. وهو رأي يعارضه "نولدكه"؛ لانتفاء التشابه في الهيئة بين الصنمين3.
و"ود" هو الإله الأكبر لأهل معين. وسوف أتحدث عنه فيما بعد.
1 الأصنام "55".
2 Reste، s. 17، ency، Religi، VIII، p. 180.
3 Ency، Religi، ، I، P. 662.
سواع:
أما سواع فكان موضعه برهاط، من أرض ينبع. وذكر أنه كان صنمًا على صورة امرأة، وهو صنم هذيل وينسب ابن الكلبي انتشار عبادته -كعادته- إلى عمرو بن لحي، فذكر أن مضر بن نزار أجابت عمرو بن لحي، فدفع إلى رجل من هذيل "يقال له الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر" سواعًا، فكان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر1. وذكر "ابن حبيب" أنه كان بـ"نعمان"، وأن
1 الأصنام "57"، البكري "2/ 697""رهاط"، اللسان "10/ 34""بولاق".
عبدته: بنو كنانة، وهذيل، ومزينة، وعمرو بن قيس بن عيلان. وكان سدنته بنو صاهلة من هذيل. وفي رواية أن عبدة سواع هم آل ذي الكلاع1. وذكر "اليعقوبي" أنه كان لكنانة2.
وفي رواية أخرى يرجع سندها إلى "ابن الكلبي" كذلك، تزعم أن سوعًا صنم كان برهاط من أرض ينبع، وينبع عرض من أعراض المدينة. وكانت سدنته بنو لحيان. ثم تقول إنه لم يسمع بورود اسم هذا الصنم في شعر هذيل، إنما بورود اسمه في شعر رجل من اليمن3.
وورد في رواية أخرى أن "سواعًا" صنم من أصنام همدان4.
ويرى "نولدكه" أن سواعًا لم يكن من الأصنام الكبرى عند ظهور الإسلام، وهو في نظره من الأصنام التي لم ترد أسماؤها في الأعلام المركبة، ويدل عدم ورود اسمه في هذه الأعلام على خمول عبادته بين الجاهليين5.
وفي السنة الثامنة من الهجرة هدم سوع، وكان الذي هدمه عمرو بن العاص، فلما انتهى إلى الصنم، قال له السادن: ما تريد: قال: هدم سواع، قال: لا تطيق تهدمه، قال له عمرو بن العاص: أنت على الباطل بعد. فهدمه عمرو، ولم يجد في خزانته شيئًا، ثم قال للسادن: كيف رأيت، قال: أسلمت والله6.
و"سواع" من الأصنام التي ورد اسمها في القرآن الكريم: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرا} 7. وقد ذكر بعض العلماء، أنه صنم عبد في زمن نوح، فدفنه الطوفان فأشار "إبليس".
1 المحبر "316"، البكري "2/ 679".
2 اليعقوبي "1/ 225".
3 الأصنام "6""روزا" البلدان "3/ 341"، "رهاط" تاج العروس "5/ 290". اللسان "10/ 24"، القاموس "3/ 42""سوع".
4 الأصنام "57" الطبرسي، مجمع البيان "5/ 364" الكشاف "4/ 143"، تفسير البيضاوي "1/ 239"، روح المعاني "29/ 77 وما بعدها" تفسير ابن كثير "4/ 426 وما بعدها" تفسير أبي السعود "5/ 198".
5.
Ency. Religi، I، P. 663
6 الطبري "3/ 66""دار المعارف""حوادث السنة الثامنة"، إمتاع الأسماع "1/ 398".
7 نوح، 71، "الآية 22 وما بعدها" تفسير الطبري "29/ 62"، روح المعاني "29/ 77".
على الجاهليين بالتعبد له، فعبدته همدان، ثم صار لهذيل، وكان برهاط وحج إليه. وقال "ابن الكلبي" أنه لم يسمع بذكره في أشعار هذيل. وقد قال رجل من العرب:
تراهم حول قيلهم عكوفًا
…
كم عكفت هذيل على سواع
يظل جنابه برهاط صرعى
…
عتائر من ذخائر كل راع1
وذكر بعض أهل الأخبار أن سواعًا وبقية الأصنام التي ذكرت معه سورة نوح، "كانوا قومًا صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم. فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"2.
ورهاط من بلاد بني هذيل، ويقال وادي رهاط ببلاد هذيل، ذكر أنه على ثلاثة أميال أو ثلاث ليال من مكة3.
ونسب بعض أهل الأخبار هدم الصنم "سواع" إلى "غاوي بن ظالم السلمي""غاوي بن عبد العزى" ذكروا أن هذا الصنم كان "لبني سليم بن منصور"، فبينما هو عند الصنم، إذ أقبل ثعلبان يشتدان حتى تسنماه، فبالا عليه فقال:
أرب يبول الثعلبان برأسه
…
لقد ذل من بالت عليه الثعالب
ثم قال: يا معشر سليم؟ لا والله هذا الصنم لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع! فكسره ولحق بالنبي عام الفتح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ما اسمك؟ فقال: غاوي بن عبد العزى. فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه. وعقد له على قومه. وقيل إن هذه الحادثة إنما وقعت لعباس بن مرادس السلمى، وقيل لأبي ذر الغفاري4.
1 تاج العروس "5/ 390"، "ساع".
2 تفسير الطبري "29/ 62".
3 تاج العروس "5/ 145"، "رهط" نوادر المخطوطات، أسماء جبال تهامة وسكانها "409".
4 اللسان "1/ 237"، "ثعلب"، "صادر"، "كان الصنم الذي يقال له سواع بالمعلاة، فذكر قصة إسلامه وكسره إياه"، الإصابة "1/ 482 وما بعدها". "رقم 2517".
يغوث:
وأما يغوث، فكان أيضًا على رواية ابن الكلبي، في جملة الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على من استجاب إلى دعوته من القبائل، دفعه إلى أنعم بن عمرو المرادي، فوضعه بأكمة مذحج باليمن، فعبدته مذحج ومن والاها وأهل جرش1. وقد بقي في أنعم إلى أن قاتلتهم عليه بنو غطيف من مراد، فهربوا به إلى نجران، فأقروه عند بني النار من الضباب، من بني الحارث بن كعب واجتمعوا عليه جميعًا2. وفي رواية أن عبدة يغوث هم بئر غطيف من مراد3.
وفي رواية أن يغوث بقي في أنعم وأعلى من مراد. إلى أن اجتمع أشراف مراد وتشاوروا بينهم في أمر الصنم، فقر رأيهم أن يكون فيهم، لما فيهم من العدد والشرف. فبلغ ذلك من أمرهم إلى أعلى وأنعم، فحملوا يغوث وهربوا به حتى وضعوه في بني الحارث بن كعب، في وقت كان النزاع فيه قائمًا بين مراد وبني الحارث بن كعب. فلما أبت بنو الحارث تسليم الصنم إلى مراد، وتسوية أمر الديات، أرسلت عليها مراد جيشًا فاستنجدت بنو الحارث بهمدان، فنشبت بينهما معركة عرفت بيوم الرزم، انهزمت فيها مراد ومنيت بخسارة كبيرة قبيحة، وبقي الصنم في بني الحارث. وقد وافق يوم الرزم يوم بدر4.
وذكر "الطبرسي" أن بطنين من طيء أخذا يغوث، فذهبا به إلى مراد،
1 الأصنام "10/ 57"، اللسان "2/ 480" "غوث" تاج العروس "1/ 337" "غوث" قال الشاعر:
وسار بنا يغوث إلى مرد
…
فناجزناهم قبل الصباح
البلدان "8/ 511""يغوث" الروض الأنف "1/ 63" سبائك الذهب "104"، بلوغ الأرب "2/ 201" القاموس "1/ 171"، روح المعاني "29/ 77 وما بعدها"، تفسير البيضاوي "1/ 239".
2 المحبر "317".
3 الطبرسي "5/ 364"، الكشاف "4/ 143"، تفسير أبي السعود "5/ 198"، تفسير الخازن "314"، تفسير ابن كثير "4/ 426".
4 البلدان "8/ 511"، يغوث".
Reste، s. 20، Ency. Religi، I، p. 663، A. Fischer، In ZDMG، 58، 869، Noldeke، in ZDMG، 40، 161، 168، Das Gotzenbuch، s. 28.
فعبدوه زمانًا، ثم إن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه منهم، ففروا به إلى بني الحارث بن كعب1.
ويظهر من غربلة هذه الروايات أن الصنم يغوث كان في جرش أو على مرتفع قريب من هذه المدينة. أما سدنته، فكانوا من بني أنعم بن أعلى من طيء، وكانوا في جرش. وفي حوالى سنة 623، أي السنة التي وقعت فيها معركة بدر، حدث نزاع على الصنم: أراد بنو مراد أن يكون الصنم فيهم وسدنته لهم، وأراد بنو أنعم الاحتفاظ بحقهم فيه. فهرب بنو أنعم بصنمهم إلى بني الحارث، واحتفظوا به بعد أن وقعت الهزيمة في مراد2.
وفي الحرب التي وقعت بين "بني أنعم" و"غطيف" حمل عبدة "يعوث" صنمهم معهم وحاربوا، مستمدين منه العون والمدد. وفي ذلك يقول الشعر:
وسار بنا يغوث إلى مراد
…
فناجوناهم قبل الصباح3
ويظهر أن "بني أنعم"، وسائر عبدة هذا الصنم، كانوا يحملون صنمهم معهم في غالب الأحوال عند قتالهم القبائل الأخرى4.
ولا يستبعد أن تكون لاسم هذا الصنم علاقة بفكرة المتعبدين له عنه، بمعنى أن المتعبدين له كانوا يرون أنه يغيثهم ويساعدهم. وقد ظن بعض الباحثين أنه يمثل الإله الأسد. وأنه كان "طوطم" قبيلة مذحج، يدافع عنها ويذب عن القبيلة التي تستغيث به، على نحو ما فعله الإسرائيليون من استغاثتهم بـ"حية النحاس" المسماة "نحشتان" Nehushtan 5، التي كانت "طوطمًا" في الأصل على رأي "سمث"6.
ونجد بين أسماء الجاهليين عددًا من الرجال سموا بـ"عبد يغوث"، منهم
1 الطبرسي "5/ 364".
2 Reste، s. 21، A Fischer Der Gotze Jaguth، In ZDMG، BD، 58، s. 869، Leipzig، 1904.
3 البلدان "8/ 511".
4 Reste، s 20، Das Botzenbuch، s، 83.
5 الملوك الثاني، الإصحاح الثامن عشر الآية 4.
6 Das Gotzenbuch، S. 82، Smith، The Religion of the Seltes، London 1927، p. 227، Journal of Philo، IX، 99.
من كان في مذحج، ومنهم من كان في قريش، ومنهم من كان في هوازن. وقد كان قائد بني الحارث بن كعب على تميم في معركة "الكلاب" عبد يغوث، كما كان لدريد بن الصمة أخ اسمه "عبد يغوث". ومن مذحج:"عبد يغوث" ابن وقاص بن صلاءة الحارثي، الذي قتلته "التيم" يوم الكلاب الثاني1. ومن بني زهرة: عبد يغوث بن وهب، وعبيد يغوث، وأمهما صفية بنت هشام بن عبد مناف2. ويدل ذلك على أن عبادته كانت معروفة بين مذحج وأهل جرش وقربش وهوازن، وقبائل أخرى مثل تغلب3.
ولم يرد اسم هذا الصنم في الكتابات4. وقد ذهب "روبرتسن سمث" إلى أنه "يعوش" ye.htm'ush المذكور في سفر التكوين، وهو أحد أجداد أدوم5. ويمثله الأسد في نظر "روبرتسن سمث"6.
1 المحبر "251"، "عبد يغوث بن الحارث بن وقاص، قتل يوم الكلاب وكان على مذحج يومئذ"، الاشتقاق "239".
2 الاشتقاق "95".
3 Ency، Religi، I، P. 663.
4 Ency، Religi، I، P. 663.
5 التكوين الإصحاح 36، الآية 5، 14، 18، وأخبار اليوم الأول، الإصحاح الأول، الآية 25.
6 Robertson، p. 226.
يعوق:
ويعوق أيضًا في جملة هذه الأصنام التي فرقها عمرو بن لحي على القبائل. لقد سلمه عمرو إلى مالك بن مرثد بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيوان بن نوف بن همدان فوضعه في موضع خيوان، حيث عبدته همدان وخولان ومن والاها من قبائل، وكان في أرحب1.
وذكر "ياقوت الحموي" أن ابن الكلبي قال: "واتخذت خيوان يعوق، وكان بقرية لهم يقال لها خيوان من صنعاء على ليلتين مما يلي مكة، ولم أسمع لها
1 الأصنام "57" القاموس "3/ 270"، الطبرسي "5/ 364"، سبائك الذهب "104" الإكليل "10/ 56"، الكشاف "4/ 134"، الاشتقاق "253"، البلدان "5/ 438"، روح المعاني "29/ 27 وما بعدها" تفسير ابن كثير "4/ 426 وما بعدها" تفسير الخازن "4/ 314" تفسير أبي السعود "5/ 198".
ولا لغيرها شعرًا فيه. وأظن ذلك لأنهم قربوا من صنعاء واختلطوا بحمير، فدانوا معهم باليهودية أيام تهود ذي نواس، فتهودوا معه"1. ونسب "الطبرسي" عبادة يعوق إلى كهلان، وذكر أنهم توارثوه كابرًا عن كابر، حتى صار إلى همدان2. وذكر في رواية أخرى أن يعوق اسم صنم كان لكنانة3.
وذكر بعض أهل الأخبار: "يعوق" صنم كان لكنانة، "وقيل كان لقوم نوح عليه السلام، كما في الصحاح. أو كان رجلًا من صالحي أهل زمانه. فلما مات جزعوا عليه فأتاهم الشيطان في صورة إنسان. فقال: أمثله لكم في محرابكم حتى تروه كلما صليتم، ففعلوا ذلك به وبسبعة من بعده من صالحيهم، ثم تمادى بهم الأمر إلى أن اتخذوا تلك الأمثلة أصنامًا يعبدونها"4.
وتشير ملاحظة "ابن الكلبي" من أنه لم يسمع بأن همدان أو غير همدان سمت "عبد يعوق"5 إلى أن يعوق لم يكن من الأصنام المهمة بين العرب عند ظهور الإسلام، وأن عبادته كانت قد تضاءلت، وانحصرت في قبائل معينة.
وهناك بيت ينسب إلى مالك بن نبط الهمداني الملقب بذي المعشار، وهو من بني خارف أو من يام بن أصي، هذا نصه:
يريش الله في الدنيا ويبري
…
ولا يبري يعوق ولا يريش6
1 البلدان "8/ 510""يعوق"، Reste، s. 22، Ency، Religi، I، P، 663.
2 الطبرسي "5/ 365".
3 اللسان "10/ 281""صادر" تاج العروس "7/ 29"، اللسان "12/ 154"، "بولاق".
4 تاج العروس "7/ 29"، "عوق".
5 الأصنام "7"، "روزا"، البلدان "4/ 102".
6 الروض الأنف "1/ 63"، ابن هشام "1/ 63"، "هامش الروض".
نسر:
وأما نسر فكان من نصيب حمير، أعطاه عمرو بن لحي قيل ذي رعين المسمى "معديكرب" فوضعه في موضع بلخع من أرض سبأ، فتعبدت له حمير إلى أيام
ذي نواس، فتهودت معه، وتركت هذا الصنم1. وكان عباد نسر آل ذي الكلاح من حمير على رواية من الروايات2. وذكر "محمد بن حبيب"، أن حمير تنسكت لنسر، وعظمته ودانت له، وكان في غمدان قصر ملك اليمن3. وذكر اليعقوبي أنه كان لحمير وهمدان منصوبًا بصنعاء4.
ونسر هو "نشر" Nasher في العبرانية5. وهو صنم من أصنام اللحيانيين كذلك، ويجب أن يكون من أصنام العرب الشماليين لورود اسمه في الموارد العبرانية والسريانية على أنه اسم إله عربي6.
وأشير في التلمود إلى صنم ذكر أن العرب كانوا يعبدونه اسمه "نشرا" Neshra و"نشرا" هو "نسر" وقد ورد اسم الصنم "نسر" عند السبئيين كذلك، وكان من الآلهة المعبودة عند كثير من الساميين وقد عبد خاصة في جزيرة العرب7.
ولم يشر ابن الكلبي إلى صورة الصنم نسر، ولكننا نستطيع أن نقول استنادًا إلى هذه التسمية أنه كان على هيئة الطائر المسمى باسمه، وقد وجدت أصنام على صورة نسر منحوتة على الصخور خاصة في أعالي الحجاز8. ويؤيد هذا الرأي رواية ذكرها الطبرسي في أشكال الأصنام، أسندها إلى الواقدي، قال فيها: "كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير"9.
1 الأصنام "57 وما بعدها"، البلدان "8/ 286""نسر" ابن هشام "1/ 63"، "هامش الروض"، سبائك الذهب "104"، الكشاف "4/ 143" بلوغ الأرب "2/ 201"، القاموس "2/ 141".
2 الطبرسي "5/ 364" تاج العروس "3/ 563"، اللسان "7/ 60 وما بعدها""نسر".
3 المحبر "317".
4 اليعقوبي "1/ 225".
5.
Hastings، p. 200
6 Handbuch، I، s. 44.
7.
Ency. Religi،، I، p. 663.
8 XXIX، S. 600. Robettson، p. 226، Noldeke، In ZDMG، 1886، 186.
9 الطبرسي "5/ 364".
عميأنس:
وعميأنس "عم أنس"، هو صنم خولان، وموضعه في أرض خولان. وكان يقدم له في كل عام نصيبه المقرر من الأنعام والحروث1. وذكر ابن الكلبي أن الذين تعبدوا له من خولان هم بطن منهم يقال لهم" الأدوم" وهم الأسوم وفيهم نزلت الآية:{وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} 2. وكانوا "يقسمون له من أنعامهم وحروثهم قسمًا بينه وبين الله بزعمهم. فما دخل في حق الله من حق عميأنس، ردوه عليه، وما دخل في حق الصنم من حق الله الذي سموه له، تركوه له"3.
وقد ورد ذكر هذا الصنم في خبر "وفد خولان" الذي قدم على رسول الله في شعبان سنة عشر؛ إذ ذكر أن رسول الله قال لهم: "ما فعل عم أنس"، فقالوا: بشر وعر، أبدلنا الله به، ولو قد رجعنا إليه هدمناه4. "وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به"5.
وقد كانوا يقدمون له القرابين حتى في أيام الضيق وأوقات المحنة؛ تقربًا إليه. لقد قالوا للرسول حين سألهم: "ما أعظم ما رأيتم من فتنته""لقد رأيتنا وأسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه، وابتعنا مائة ثور، ونحرناها لعم أنس قربانًا في غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، لقد رأينا العشب يواري الرجال، ويقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس"6 وذكروا له أنهم يقتسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحروثهم. وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءًا له7.
1 سبائك الذهب "101"، خزانة الأدب "3/ 245"، سيرة محمد "1/ 53"، "طبعة فرانكفورت"، ابن خلدون "2/ 169"، الأغاني "30/ 124".
2 الأنعام، الآية 137.
3 الأصنام "44".
4 نهاية الأرب "18/ 82"، ابن سعد "1/ 324""صادر".
5 عيون الأثر "2/ 253".
6 عيون الأثر "2/ 253 وما بعدها".
7 المصدر نفسه.
إساف ونائلة:
وللأخباريين قصص في إساف ونائلة، وهما في زعم بعضهم إنسانان عملا عملًا قبيحًا في الكعبة، فمسخا حجرين، ووضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما. فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، عبدا معها. وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم. فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخر، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما1. وفي رواية أن إسافًا كان حيال الحجر الأسود. وأما نائلة، فكان حيال الركن اليماني2. وفي أخرى أنهما "أخرجا إلى الصفا والمروة فنصبا عليهما ليكونا عبرة وموعظة، فلما كان عمرو بن لحي، نقلهما إلى الكعبة ونصبهما على زمزم: فطاف الناس بالكعبة وبهما حتى عبدا من دون الله"3.
وذكر "اليعقوبي"، أن "عمرو بن لحي" وضع "هبل" عند الكعبة، فكان أول صنم وضع بمكة ثم وضعوا به إساف ونائلة كل واحد منهما على ركن من أركان البيت. فكان الطائف إذا طاف بدأ بإساف فقبله وختم به. ونصبوا على الصفا صنمًا يقال له مجاور الريح وعلى المروة صنمًا. يقال له مطعم الطير4. فاليعقوبي ممن يرون إن إسافا ونائلة كانا عند الكعبة، لا على الصفا والمروة.
وتذكر رواية أخرى أن إساف صنم وضعه عمرو بن لحي الخزاعي على الصفا، ونائلة على المروة وكانا لقريش وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة أو هما رجلان من جرهم، إساف بن عمرو ونائلة بنت سهل فجرا في الكعبة، وقيل أحدثا فيها، فمسخا حجرين، فعبدتهما قريش5. وورد أن موضع إساف ونائلة عند الحطيم6. وورد أن إسافًا رجل من جرهم، يقال له إساف بن يعلى، ونائلة
1 الأصنام "18""روزا" الروض الأنف "1/ 64"، سبائك الذهب "104"، ابن هشام "1/ 86" الطبري "2/ 284"، المحبر "311، 318"، اليعقوبي "1/ 224"، الطبري "2/ 241"، "المعارف".
2 الطبرسي "5/ 364" روح المعاني "2/ 41".
3 الروض الأنف "1/ 56"، ابن هشام، تاج العروس "6/ 40"، اللسان "9/ 6""أسف" البلدان "1/ 170".
4 اليعقوبي "1/ 224".
5 تاج العروس "6/ 40 وما بعدها" اللسان "10/ 348"، الروض الأنف "1/ 64"، بلوغ الارب "2/ 205"، ابن هشام "1/ 64"، اللسان "9/ 6"، "أسف"، "صادر".
6 الأزرقي، أخبار مكة "1/ 70".
امرأة من جرهم يقال لها نائلة بنت زيد، وكان إساف يتعشقها في أرض اليمن، فأقبلا حجاجًا، فدخلا الكعبة، فوجدا غفلة من الناس وخلوة في البيت، ففجر بها في الكعبة، فمسخا حجرين، فأصبحوا فوجدوهما ممسوخين، فوضعوهما موضعهما فعبدتهما خزاعة وقريش، ومن حج البيت بعد من العرب1.
وذكر "محمد بن حبيب" أن إسافًا كان على الصفا. وأما نائلة، فكان على المروة. "وهما صنمان وكانا من جرهم. ففجر إساف بنائلة في الكعبة، فمسخا حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما، ثم عبدا بعد"2. وكان نسك قريش لإساف: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"3.
وورد اسم إساف في بيت شعر ينسب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي، هو:
عليه الطير ما يدنون منه
…
مقامات العوارك من إساف4
وورد أن نائلة حين كسرها الرسول عام الفتح، خرجت منها سوداء شمطاء تخمش وجهها وتنادي بالويل والثبور5.
ويظهر أن مرد هذا القصص الذي يقصه علينا أهل الأخبار عن الصنمين، إنما هو إلى شكل الصنمين. كان "إساف" تمثال رجل على ما يظهر من روايات الأخباريين، وكان "نائلة" تمثال امرأة. يظهر أنهما استوردا من بلاد الشأم، فنصبا في مكة. فتولد من كونهما صنمين لرجل وامرأة، هذا القصص المذكور ولعله من صنع القبائل الكارهة لقريش، التي لم تكن ترى حرمة للصنمين.
وكانت قريش خاصة تعظم ذينك الصنمين وتتقرب إليهما، وتذبح عندهما وتسعى بينهما. أما القبائل الأخرى، فلم تكن تقدسهما، لهذا لم تكن تتقرب إليهما، ومن هنا لم يكن الطواف بهما من مناسك حج تلك القبائل.
1 الأصنام "6""روزا"، "9" القاهرة 1914".
2 المحبر "311".
3 المحبر "311". صبح الأعشى "4/ 462" أخبار مكة، للأزرقي "72"، "طبعة لايبزك"، "نائلة بنت وهب""إساف بن عمر، ونائلة بنت سهل"، تفسير الطبري "2/ 43"، "1954م".
4 ديوان بشر بن أبي خازم، ملحق الديوان رقم 11،"صفحة 233".
5 الروض الأنف "1/ 65".
وكانت قريش تحلف عند هذين الصنمين. ولهما يقول "أبو طالب" وهو يحلف بهما حين تحالفت قريش على بني هاشم:
أحضرت عند البيت رهطي ومعشري
…
وأمسكت من أثوابه بالوصائل
وحيث ينخ الأشعرون ركابهم
…
بمغضي السيول من إساف ونائل
فكانا على ذلك إلى أن كسرهما الرسول يوم الفتح فيما كسر من الأصنام1.
ويظهر من الشعر المتقدم، أن إسافًا ونائلة كانا في موضعين مكشوفين، وعندهما كان ينيخ الأشعرون. ويؤيد ذلك هذا الشعر المنسوب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي:
عليه الطير ما يدنون منه
…
مقامات العوارك من إساف2
حيث يظهر أن الطير كانت تقف مكتظة عليه، لا تخاف من أحد، ولا تفزع من قادم؛ لأنها في حرمة صنم.
1 تاج العروس "6/ 40"، "أسف".
2 ابن الكلبي "29 وما بعدها" ديوان بشر بن أبي خازم، ملحق الديوان، رقم 11، "ص233".
رضى:
ورضى، ويكتب رضاء في بعض الأحيان، هو صنم آخر. وذكر ابن الكلبي أنه كان لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، فهدمه المستوغر، وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم هدمه في الإسلام1. وتعبدت لهذا الصنم قبيلة تميم وقد ورد اسم "عبد رضى" بين أسماء الجاهليين ويظهر أن قبيلة طيء كانت قد تعبدت له كذلك2.
و"رضى" من الأصنام المعروفة عند قوم ثمود. وقد ورد اسمه في كتابات
1 الأصنام "30"، "19"، "روزا"، الروض الأنف "1/ 67"، تاج العروس "10/ 151"، "رضو".
2 الأغاني "7/ 147"، "9/ 16، 47".
ثمودية عديدة1. وكانت عبادته منتشرة بين العرب الشماليين. وورد في نصوص تدمر وبين أسماء بني إرم2، كما ورد في كتابات الصفويين. وورد على هذا الشكل:"رضو" و"رضى"3، و"هرضو""ها – رضو". ويظن أنه يرمز إلى كوكب.
ويظهر من بيت شعر ينسب إلى المستوغر في كسره رضى في الإسلام، هو:
ولقد شددت على رضاء شدة
…
فتركتها تلا تنازع أسحما4
إن الصنم "رضى""رضاء" هو أنثى، بدليل استعمال ضمير التأنيث في لفظة "فتركتها" فهو إلهة. ويرى بعض الباحثين، أنه إلهة أيضًا عند العرب الصفويين.
1 Reste، S. 58، Ency، Religi، I، p. 662، Hubert Grimme، Die Losung des Sinai، s. 43، 44.
2 Vogue، 6، 84، Reste، S. 59.
3 العرب في سوريا قبل الإسلام "135 وما بعدها".
4 الأصنام "19"، "روزا"، "30""أحمد زكي"، الروض الأنف "1/ 67". "فتركتها قفرًا بقاع أسحما"، سبائك الذهب "104"، ابن هشام "1/ 66". "حاشية على الروض"، تاج العروس "10/ 151" ابن كثير، البداية "1/ 192".
مناف:
و"مناف" صنم من أصنام الجاهلية، قال عنه ابن الكلبي:"وكان لهم مناف، فيه كانت تسمي قريش "عبد مناف" ولا أدري أين كان، ولا من نصبه؟ "1. وسُمي به أيضًا رجال من هذيل2. و"به سمي عبد مناف. وكانت أمه أخدمته هذا الصنم"3.
وفيه يقول بلعاء بن قيس:
وقرن وقد تركت الطير منه
…
كمعتبر العوارك من مناف4
1 الأصنام "32"، "20"، "روزا"، تاج العروس "6/ 263". "ناف".
2 Reste، S. 57.
3 تاج العروس "6/ 263"، "ناف"، الأصنام "322"، البلدان "8/ 166"، النقائض "141"، بيفان، بلوغ الأرب "2/ 206".
4 تاج العروس "6/ 263"، "ناف".
ويتبين من ورود اسم "مناف" بين عرب الشأم أنه كان إلهًا معبودًا عندهم كذلك. وقد عثر على اسمه في كتابة دَوَّنها شخص اسمه: "أبو معن" على حجر توجه بها إلى الإلهة مناف، ليمن عليه بالسعد والبركة، وحفرت على الحجر صورة الإله "مناف" على هيئة "رجل لا لحية له" يتحدر على عارضيه شعر رأسه الصناعي المرموز به على الإلهة الشمس، وحول جفنيه وحدقتيه خطان ناعمان، ويزين جيده قلادة، كما ترى غالبًا في تصاوير الآلهة السوريين، وعلى صدره طيات ردائه، ويرى طرف طيلسانه الإلهي الذي ينعطف من كتفه الأيسر فيتصل إلى الأيمن ويعقد به1. وقد ذهب المتخصصون الذين فحصوا هذه الكتابة إلى أنها من حوران.
وقد عثر على كتابة وجدت في حوران، ورد فيها اسم "مناف" مع إله آخر، ورد اسم مناف فيها على هذا الشكل "MN، PHA". وقد عثر على كتابة أخرى وجد فيها الاسم على هذه الصورة: "منافيوس" Manaphius، مما يدل على أن المراد بالاسمين شيء واحد، هو الإله مناف2.
1 المشرق، السنة الرابعة والعشرون، العدد3، أذار 1923م "ص198 وما بعدها".
2 المشرق، السنة 24، أذار 1933، العدد 3، "ص198 وما بعدها".
Ency Religi، I،P. 662، Ephem Epigr، II، 390. No 22، Mordtmann، In ZDMG، XXIX، 1875، s. 106.
ذو الخلصة:
أما ذو الخلصة، فكان صنم خثعم وبجيلة ودوس وأزد السرة ومن قاربهم من بطون العرب من هوزن، ومن كان ببلادهم من العرب بتبالة1، والحارث بن كعب وجرم وزبيد والغوث بن مر بن أد وبنو هلال بن عامر، وكانوا سدنته2. وذكر ابن الكلبي أن سدنته بنو أمامة من باهلة بن أعصر3.
1 الأصنام "35، 47، "22" "روزا"، ابن هشام "1/ 30"، الأزرقي "1/ 256"، الروض الأنف "1/ 66" بلوغ الأرب "2/ 207"، اليعقوبي "1/ 225".
2 المحبر "317".
3 الأصنام "22""روزا".
وصفته أنه "كان مروة بيضاء منقوشة، عليها كهيئة التاج" وكان بتبالة بين مكة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكة1. وله بيت يحج إليه. وجعل "ابن حبيب" موضع البيت في العبلاء على أربع مراحل من مكة2.
وفي رواية لابن إسحاق أن عمرو بن لحي نصب ذا الخلصة بأسفل مكة، فكانوا يلبسونه القلائد، ويهدون إليه الشعير والحنطة، ويصبون عليه اللبن، ويذبحون له، ويعلقون عليه بيض النعام3.
وهناك رويات جعلت ذا الخلصة "الكعبة اليمانية" لخثعم، ومنهم من سماه كعبة اليمامة. وأظن أن هاتين الروايتين هما رواية واحدة في الأصل، صارت روايتين من تحريف النساخ. ومنهم من جعل ذا الخلصة بيتًا في ديار دوس4. ويستنتج من كل هذه الروايات أن ذا الخلصة بيت كان يدعى كعبة أيضًا، وكان فيه صنم يدعى الخلصة، لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم5.
ويظهر من حديث: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة، والمعنى أنهم يرتدون ويعودون إلى جاهليتهم في عبادة الأوثان، فتسعى نساء بني دوس طائفات حول ذي الخلصة، فترتج أعجازهن"6. ويستنتج من ذلك أن بني دوس وغيرهم كانوا يطوفون حول كعبة ذي الخلصة التي في جوفها صنم الخلصة.
وكان "بيت ذي الخلصة" من البيوت التي يقصدها الناس للاستقسام عندها.
1 الأصنام "22""روزا""34""أحمد زكي"، الأزرقي "1/ 73".
2 المحبر "317" بلوغ الأرب "2/ 207"، صفة جزيرة العرب "127".
3 الأزرقي، أخبار مكة "1/ 73""باب ما جاء في الأصنام التي كانت على الصفا والمروة"، تاج العروس "4/ 389""خلص" البلدان "8/ 434".
4 ابن هشام "1/ 30"، الأغاني "9/ 7" الإكليل "8/ 84"، بلوغ الأرب "2/ 329"، وقد أجمل السيد رشدي الصالح ملحس الروايات الواردة عن ذي الخلصة في نهاية الأول من تأريخ مكة للأزرقي. وهو يرى أن البجلي لم يهدم بنيان بيت ذي الخلصة تهديمًا تامًّا، وأنه بقي إلى أيام الملك عبد العزيز آل سعود، فأزاله، وأحرقت الشجرة التي كانت بجانب البيت وهي شجرة العبلاء. وذهب أيضًا أن ذلك البيت لم يكن بتبالة، إنما كان في تروق وقد عرف البيت بالولية كذلك. الأزرقي "1/ 256 وما بعدها" ابن هشام "1/ 64""حاشية على الروض الأنف، تاج العروس "2/ 378"، الروض الأنف "1/ 65 وما بعدها".
5 اللسان "7/ 29""خلص""صادر".
6 اللسان "7/ 29""خلص".
بالأزلام. وكانت له ثلاثة أقدح: الآمر: والناهي، والمتربص1.
وفي ذي الخلصة قال أحد الرجاز:
لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا
…
مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا
وكان سبب قوله إنه قتل أبوه، فأراد الطلب بثأره، فأتى ذا الخلصة فاستقسم عنه بالأزلام، فخرج السهم ينهاه عن ذلك، فقال تلك الأبيات. ومن الناس من ينحلها امرأ القيس2. وذكر "ابن الكلبي" أيضًا أنه لما أقبل امرؤ القيس بن حجر يريد الغارة على بني أسد، مر بذي الخلصة، فاستقسم عنده ثلاث مرات. فخرج الناهي. فكسر القداح وضرب بها وجه الصنم، ثم غزا بني أسد، فظفر بهم3.
وقد هدم البيت في الإسلام، "فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وأسلمت العرب ووفدت عليه وفودها، قدم عليه جرير بن عبد الله مسلمًا. فقال له: يا جرير: ألا تكفيني ذا الخلصة؟ فقال: بلى.... فوجهه إليه فخرج حتى أتى بني أحمس من بجيلة، فسار بهم إليه. فقاتلته خثعم وباهلة دونه. فقتل من سدنته من باهلة يومئذ مائة رجل، وأكثر في خثعم، وقتل مائتين من بني قحافة بن عامر بن خثعم. فظفر بهم وهزمهم، وهدم بنيان ذي الخلصة، وأضرم فيه النار فاحترق4. وورد في رواية أن هدمه كان قبل وفاة الرسول بشهرين أو نحوهما5.
ويذكر "ابن الكلبي" أن موضع بيت ذي الخلصة عند عتبة باب مسجد تبالة6 أما "ابن حبيب" فذكر أنه صار بيت قصار في العبلاء7. وذكر أن موضعه
1 الأصنام "22/ 29""روزا".
2 الأصنام "35""22""روزا" الروض الأنف "1/ 65"، ابن هشام "1/ 65""هامش على الروض الأنف" بلوغ الأرب "2/ 207".
3 الأصنام "29""روزا".
4 الأصنام "23""روزا" الطبري "3/ 158" دار المعارف".
5 الروض الأنف "1/ 66".
6 الأصنام "23""روزا".
7 المحبر "317".
مسجد جامع لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم1.
ويظهر من رثاء امرأة من خثعم لذي الخلصة حين هدمه جرير بن عبد الله، وأحرق بيته، وهو قولها:
وبنو أمامة بالولية صرعوا
…
ثملا يعالج كلهم أنبوبا2
إن "الخلصة" كان صنمًا أنثى، أي إلهة، ولذلك قيل له" الولية"، كما ترى ذلك في البيت المذكور، ونجد في مواضع أخرى من روايات أهل الأخبار ما يؤيد هذا الرأي، فقد استعملوا ضمير التأنيث للتعبير عنها3، كما قالوا فيه "المروة البيضاء" وأما تعبيرهم عنه بضمير التذكير، مثل قولهم "وكان" فإنهم أرادوا بذلك لفظ "صنم" فذكروه".
1 الروض الأنف" 1/ 65".
2 الأصنام "23""روزا".
3 الأزرقي "1/ 73"، تاج العروس "4/ 389".
4 قال خداش بن زهير العامري:
وبالمروة البيضاء يوم تبالة
…
ومحبة النعمان حيث تنصرا
الأصنام "22""روزا".
سعد:
وكان لمالك وملكان، ابني كنانة، بساحل جدة وتلك الناحية صنم يقال له سعد. كان صخرة طويلة1. وذكر "اليعقوبي" أنه كان لبني بكر بن كنانة2. وذهب "ابن إسحاق" إلى أنه في موضع قفر، وقيل إنه قرب اليمامة. وقد أورد الأخباريون عنه هذه القصة:"أقبل رجل منهم بإبل له ليقفها عليه، يتبرك بذلك فيها. فلما أدناهامنه نفرت منه، وكان يهراق عليه الدماء، فذهبت في كل وجه وتفرقت عليه، وأسف فتناول حجرًا فرماه به، وقال: لا بارك الله فيك إلهًا. أنفرت علي إبلي". ثم خرج في طلبها حتى جمعها، وانصرف عنه، وهو يقول:
1 الأصنام "36 وما بعدها""23""روزا" ابن هشام "1/ 64""حاشية على الروض" تاج العروس "2/ 378".
2 اليعقوبي "1/ 225".
أتينا إلى سعد ليجمع شملنا
…
فشتتنا سعد، فلا نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة
…
من الأرض لا يدعي لغي ولا رشد1
وذكر "ابن قتيبة" أن سعدًا صنم على ساحل البحر بتهامة، تعبده عك ومن يليها، ويقال كانت تعبده هذيل2.
وقد ورد اسم "سعد" في أسماء الأشخاص المركبة المضافة، مثل "عبد سعد"، وهو مما يدل على أن الناس كانوا يتبركون به بتسمية أبنائهم باسمه3.
وقد ورد اسم هذا الصنم في كتابات النبط، فدعي بـ"سعدو"4. كما ورد في كتابات الصفويين مما يدل على أنه كان بين الأصنام التي تعبد لها أولئك القوم5. ويظن أنه يرمز إلى كوكب.
1 الأصنام "37"، "23""روزا" ابن هشام "1/ 64""حاشية على الروض الأنف" الروض الأنف "1/ 64" تاج العروس "2/ 378" اللسان "3/ 202""سعد" بلوغ الأرب "2/ 208"، اللسان "3/ 218""صادر".
2 الاشتقاق "25" تاج العروس "3/ 378"، "سعد".
3 الأغاني "11/ 171".Reste، s. 60.
4 O. Eissfeldt، 150، Arabien ، s. 85. Handbuch، I،S. 234.
5 Ency. Religi، ، I، P. 662.
ذو الكفين:
وهناك صنم عرف عند الأخباريين بـ"ذي الكفين" وكان لدوس، ثم لبني منهب بن دوس. فلما أسلموا بعث النبي صلى الله عليه وسلم، الطفيل بن عمرو الدوسي، فحرقه وهو يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا
…
ميلادنا أكبر من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا6
ويظهر من هذا الرجز أنه أحرقه بالنار. ومعنى هذا أنه لم يكن صنمًا من حجر، وإنما كان من خشب، أو أنه أراد بيت الصنم. وذكر أن هذا الصنم كان صنم "عمرو بن حممة الدوسي" أحد حكام العرب2.
1 الأصنام "37"، "22""روزا" الأزرقي "1/ 78، 269"، تأريخ الخميس "2/ 109" تاج العروس "6/ 235"، "كف"، اليعقوبي "1/ 225"، "أقدم" الروض الأنف "1/ 235".
2 إمتاع الأسماع "1/ 398".
ذو الشرى:
وكان لبني الحارث بن يشكر بن مبشر من الأزد، صنم يقال له ذو الشرى1. وورد في رواية للأخباريين أن "ذا الشرى" صنم لدوس كان بالسراة"2. وقد ورد اسم هذا الصنم في الحديث النبوي، وورد بين أسماء الجاهليين اسم "عبد ذي الشرى"3.
ويرى بعض اللغويين أن الشرى ما كان حول الحرم، وهو أشراء الحرم4، فإذا كان هذا التعريف صحيحًا، فإنه يكون في معنى "ذات حمى" عند السبئيين5. وكان له حمى، به ماء يهبط من جبل، حمته دوس له6.
و"ذو الشرى" إله ورد اسمه في كتابات "بطرا" و"بصرى"، كما سأتحدث عن ذلك فيما بعد.
1 الأصنام "38"، "24""روزا" بلوغ الأرب "2/ 209".
2 تاج العروس "10/ 197".
3 Ency، Religi، I، P. 663، Reste، S. 48.
4 "وأشراء الحرم: نواحيه، والواحد شرى" اللسان "14/ 428""صادر".
5 Reste، s. 51.
6 نهاية الأرب "18/ 14 وما بعدها".
الأقيصر:
أما الأقيصر: فكان صنم قضاعة ولخم وجذام وعاملة وغطفان، وكان في مشارف الشأم. وقد ذكر اسمه في شعر لزهير بن أبي سلمى، ولربيع بن ضبع الفزاري، وللشنفرى الأزدي1. وكانوا يحجون إليه ويحلقون رءوسهم عنده، ويلقون مع الشعر قرة من دقيق2. وهي عادة كانت متبعة عند بعض قبائل اليمن كذلك.
1 الأصنام "38 وما بعدها"، "24""روزا" تاج العروس "3/ 497"، اللسان "6/ 416" الأغاني "21 / 141".
2 البلدان "1/ 341 وما بعدها""الأقيصر" الأصنام "18".
ويذكر "ابن الكلبي" أن هوازن كانت تنتاب حجاج الأقيصر، فإن أدركت الموسم، قبل أن يلقي القرة، أي قبضات من دقيق، قال أحدهم لمن يلقي:"أعطنيه. فإني من هوازن ضارع"، وإن فاته، أخذ ذلك الشعر بما فيه من القمل والدقيق، فخبزه وأكله. وقد عبرت هوازن في ذلك، فقال معاوية بن عبد العزى بن ذراع الجرمي، في "بني جعدة" وكانوا قد اختصموا مع بني جرم في ماء لهم إلى النبي يقال له العقيق، فقضى به رسول الله لجرم، شعرًا منه:
ألم تر جرمًا أبحدت وأبوكم
…
مع القمل في جفر الأقيصر شارع؟
إذا قرة جاءت بقول: أصب بها
…
سوى القمل؟ إني من هوازن ضارع1
ويظهر من بيت شعر رواه "ابن الأعرابي"، هو:
وأنصاب الأقيصر حين أضحت
…
تسيل على مناكبها الدماء
ومن بيت لزهير بن أبي سلمى، هو:
حلفت بأنصاب الأقيصر جاهدًا
…
وما سحقت فيه المقاديم والقمل2
إنه كان عند الصنم الأقيصر أنصاب ينحر الناس عليهم ذبائحهم التي يتقربون بها إلى هذا الإله. وكانت أكثر من نصب واحد، وقد تلطخت بالدماء من كثرة ما ذبح عليها.
وأشير إلى "أثواب الأقيصر" في بيت للشنفرى الأزدي3. ويظهر أن عباده كانوا يطوفون حوله، وهم يلبون ويغنون4.
1 الأصنام "30""روزا".
2 الأصنام "30""روزا" تاج العروس "3/ 497"، اللسان "6/ 416" الأغاني "21/ 141".
3
وأن امرءا أجار عمرا ورهطه
…
علي، وأثواب الأقيصر يعنف
الأصنام "25""روزا".
4 البلدان "1/ 340.
نهم:
وكان لمزينة صنم يقال له: نهم، كسره سادنه خزاعي بن عبد نهم، وهو من مزينة من بني عداء، وأعلن إسلامه1. ويظهر من أبيات لأمية بن الأسكر أن أتباع الصنم كانوا يقدمون الذبائح له، ويقسمون به. وقد سمى منهم جملة رجال عرفوا بـ"عبد نهم" من بني هوازن وبجيلة وخزاعة2. وهذا مما يدل على انتشار عبادة هذا الصنم بين هذه القبائل أيضًا.
1 "وكان سادن نهم يسمى خزاعي بن عبد نهم، من مزينة ثم من بني عداء. فلما سمع بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثار إلى الصنم فكسره. وأنشأ يقول:
ذهبت إلى نهم لأذبح عنده
…
عتيرة نسك كالتي كنت أفعل
فقلت لنفسي حين راجعت عقلها
…
أهذا إله أبكم ليس يعقل؟
أبيت فديني اليوم دين محمد
…
إله السماء الماجد المتفضل
الأصنام "39 وما بعدها""25""روزا" معجم الشعراء "328"، بلوغ الأرب "2/ 210 ".
2 Reste، s. 58.
عائم:
وكان لأزد السراة صنم يقال له عائم. ورد اسمه في شعر لزيد الخير، المعروف أيضًا بزيد الخيل1.
1 الأصنام "4" و"25""روزا" الأغاني "16/ 57"، بلوغ الأرب "2/ 210".
سعير:
ما سعير، فهو صنم عنزة1. وكان الناس يحجون إليه ويطوفون حوله، ويعترون العتائر له، وقد ورد في شعر لجعفر بن خلاس الكلبي، وكان راكبًا ناقة له، فمرت به، وقد عترت عنزة عنده، فنفرت ناقته منه، فأنشأ يقول:
نفرت قلوصي من عتائر صرعت
…
حول السعير تزوره ابنا يقدم
وجموع يذكر مهطعين جنابه
…
ما إن يحير إليهم بتكلم2
وبين أسماء الرجال أناس عرفوا بـ"سعير"3. والسعير النار واللهب، ولا أستبعد وجود صلة بين هذا المعنى وبين هذا الصنم. بأن يكون هذا الصنم ممثلًا للشمس4.
1 الأصنام "41"، "25""روزا" بلوغ الأرب "2/ 210".
2 الأصنام "25""روزا""41""أحمد زكي باشا".
3 Reste، s. 61.
4 تاج العروس "3/ 268"، "سعر".
الفلس:
وكان لطيء صنم يقال له الفلس، وكان أنفًا أحمر في وسط جبلهم الذي يقال له أجأ، أسود، كأنه تمثال إنسان. وكانوا يعبدونه، ويهدون إليه، ويعترون عنده عتائرهم، ولا يأتيه خائف إلا أمن عنده، ولا يطرد أحد طريدة فيلجأ بها إليه إلا تركت له ولم تخفر حويته أي حوزته وحرمه1. ذكر "ابن حبيب" أنه كان بنجد، وكان قريبًا من فيد وسدنته بنو بولان2.
وبولان جد بني بولان هو الذي بدأ بعبادته على رواية ابن الكلبي. وكان آخر من سدنه منهم رجل يقال له صيفي" فأطرد ناقة خلية لامرأة من كلب من بني عليم، كانت جارة لمالك بن كلثوم الشمجي، وكان شريفًا، فانطلق بها حتى وقفها بفناء الفلس. وخرجت جارة مالك، فأخبرته بذهابه بناقتها، فركب فرسًا عريًا وأخذ رحمه، وخرج في أثره، فأدركه وهو عند الفلس، والناقة موقوفة عند الفلس، فقال له: خل سبيل ناقة جارتي. فقال: إنها لربك. قال: خل سبيلها. قال: أتخفر إلهك؟ فبوأ له الرمح. فحل عقالها، وانصرف بها مالك، وأقبل السادن على الفلس، ونظر إلى مالك ورفع يده وقال، وهو يشير بيده إليه:
يا رب إن مالك بن كلثوم
…
أخفرك اليوم بناب علكوم
وكنت قبل اليوم غير مغشوم
1 الأصنام "59 وما بعدها"، "37""روزا" الروض الأنف "1/ 65" نهاية الأرب "18/ 77"، البلدان "3/ 911"، جمهرة "3/ 38".
2 المحبر "316"، اليعقوبي "1/ 225".
يحرضه عليه. وعدي بن حاتم يومئذ قد عثر عنده وجلس هو ونفر معه يتحدثون بما صنع مالك. وفزع لذلك عدي بن حاتم وقال انظروا ما يصيبه في يومه هذا. فمضت له أيام لم يصبه شيء فرفض عدي عبادته وعبادة الأصنام وتنصر فلم يزل متنصرًا حتى جاء الله بالإسلام، فأسلم.
فكان مالك أول من أخفره. فكان بعد ذلك السادن إذا أطرد طريدة، أخذت منه. فلم يزل الفلس يعبد حتى ظهرت دعوة النبي عليه السلام، فبعث إليه علي بن أبي طالب، فهدمه، وأخذ سيفين كان الحارث بن أبي شمر الغساني، ملك غسان قلدة إياهما، يقال لهما مخذم ورسوب، فقدم بهما علي بن أبي طالب على النبي، فتقلد أحدهما، ثم دفعه إلى علي بن أبي طالب، فهو سيفه الذي كان يتقلده"1. وجاء في بعض الروايات ذكر ثلاثة سيوف، هي: مخذم، ورسوب، واليماني2.
وقد عرف "مالك بن كلثوم بن ربيعة" الشمجي المذكور، بـ"مخفر الفلس"؛ لأنه أخفر ذمته، وكان لا تخفر ذمته3.
و"الفلس" هو "هفلس""ها – فلس"، عند لحيان. وقد تعبدوا له مع أصنام أخرى، وردت أسماؤها في نصوصهم4.
ويلاحظ أن "ابن الكلبي" الذي يروي هذا الخبر، كان نفسه قد روى قبل ذلك أن السيفين مخذمًا ورسوبًا، كان على الصنم مناة، صنم الأوس والخزرج، وأن الذي أهداهما له هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وأن علي بن أبي طالب لما هدم مناة، أخذ السيفين معه، فجاء بهما إلى الرسول. فيظهر من ذكره للخبر مع صنمين أنه وقع في هفوة أو نسي، فجعل من القصة الواحدة قصتين
1 الأصنام "37 وما بعدها""روزا"، نهاية الأرب "18/ 77"، تاج العروس "4/ 210"، "الفلس".
2 Das Gotzenbuch، s. 140.
3 الاشتقاق "2/ 235".
4 Jaussen – Savignac، Mission، II 484، Grohmann، s. 948.
أصنام أخرى:
وكانت لطيء أصنام أخرى، منها اليعبوب، وهو صنم لجديلة طيء، وكان
لهم صنم أخذته منه بنو أسد، فتبدلوا اليعبوب بعده. وقد ورد ذكره في شعر لعبيد:
فتبدلوا اليعبوب بعد إلههم
…
صنمًا، فقروا، يا جديل، وأعذبوا
أي: لا تأكلوا على ذلك، ولا تشربوا1.
وأما باجر، فكان صنمًا للأزد ومن جاورهم من طيء وقضاعة2.
ولم يذكر ابن الكلبي في كتابه الأصنام اسم الصنم الجلسد. وهو صنم كانت كندة تتعبد له، وكذلك تعبد له أهل حضرموت. وكان سدنته بنو شكامة من السكون، وهم من كندة. وكان للصنم حمى، ترعاه سوامه وغنمه، فإذا دخلته هوافي الغنم، حرمت على أربابها، وصارت ملكًا للصنم3.
وقد وصف بأنه كان كجثة الرجل العظيم، من صخرة بيضاء، لها كالرأس أسود، إذا تأمله الناظر رأى فيه كصورة وجه الإنسان، وكانوا يكلمون منه، وتخرج منه همهمة، ويقربون القرابين إليه، ويلطخون بدمه، ويكترون ثياب السدنة يلبسونها حينما يقربون قربانًا إليه ويريدون مكالمته4. ويلاحظ أن تغيير الملابس وإبدالها للتطهر، له مثيل عند العبرانيين5.
1 الأصنام "39""روزا"، "63""أحمد زكي باشا"، المشرق، السنة 1938"م. الجزء الأول "ص5".
2 الأصنام "63""39""روزا".
3 البلدان "3/ 122" قال المثقب العبدي، وقيل عدي بن وداع:
فبات يجتاب شقارى كما
…
يبقر من يمشي إلى الجلسد
تاج العروس "2/ 324""جلسد".
4 البلدان "3/ 122" وما بعدها".
5 التكوين، الإصحاح الخامس والثلاثون، الآية2.
المحرق:
وكان المحرق "محرق" صنمًا لبكر بن وائل وبقية ربيعة في موضع سلمان. وأما سدنته، فكانوا أولاد الأسود العجلي. وقد نسب إليه بعض الرجال فورد.
"عبد محرق"1. ويطن بعض المستشرقين أنه عرف بـ"محرق" لأن عبدته كانوا يقدمون إليه بعض القرابين البشرية محروقة2. وكان بنو بكر بن وائل وسائر ربيعة، قد جعلوا في كل حي من ربيعة له ولدًا. "وكان في عنزة بلج بن المحرق. فكان في عميرة وغفيلة عمرو بن المحرق وكان سدنته آل الأسود العجليون"3.
1 الأصنام "111" تكملة الأصنام "البلدان "7/ 393" "المحرق" تاج العروس "6/ 133" "حرق".
2 Reste، s. 57، Ency، Religi، I،p. 660.
3 المحبر "317".
الشمس:
والشمس صنم كان لبني تميم وله بيت. وكانت تعبده بنو أد كلها ضبة وتميم، وعدي، وعكل، وثور. وأما سدنته فكانوا من بني أوس بن مخاشن بن معاوية بن شريف بن جروة بن أسيد بن عمرو بن تميم فكسره هند بن أبي هالة وصفوان بن أسيد بن الحلاحل بن أوس بن مخاشن1. وقد قيل لها: الإلاهة2. وذكر "اليعقوبي" أن قومًا من "عذرة" تعبدوا لصنم يقال له: شمس3.
وقد ذكر بعض أهل الأخبار، أن الشمس صنم قديم. وأول من تسمى به سبأ بن يشجب4. وذكر "اليعقوبي" أنه صنم قوم من عذرة"5.
وقد وردت جملة أسماء منسوبة إلى الشمس، عرف أصحابها بعبد شمس، منهم من قبائل أخرى من غير تميم. ويدل ذلك على أن عبادتها كانت معروفة في مواضع مختلفة من جزيرة العرب. وعرف بعض الأشخاص بـ"عمرو شمس" عند العرب الشماليين6.
1 المحبر "316"، البلدان "6/ 293""شمس".
2 شمس العلوم "حـ1 ق ص93".
3 اليعقوبي "1/ 225".
4 تاج العروس "4/ 172"، "شمس"
5 اليعقوبي "1/ 225".
6 Ency. Religi، I، 660.
وفي جملة أصنام تميم الأخرى، الصنم تيم وبه سمي رجال من تميم ومن غيرهم، مثل "عبد تيم" و"تيم الله"1.
وهناك أسماء أصنام أخرى لم ترد في كتاب الأصنام، إنما وردت في كتب أخرى. وقد ذكرها "ابن الكلبي" نفسه في بعض مؤلفاته. ومن هذه الأصنام: الأسحم، والأشهل، وأوال، والبجة، وبلج، والجبهة، وجريش، وجهار، والدار، وذو الرجل، والشارق، وصدا، وصمودا، والضمار، والضيزن، والعبعب، وعوض، وعوف، وكثرى، والكسعة، والمدان، ومرحب، ومنهب، والهبا، وذات الودع، وياليل2، وذريح3، وباجر، والجد، وحلال، والحمام، وذو اللبا، والسعيدة، وغنم، وفراض، وقزح، وقيس، والمنطبق، ونهيك4.
أما أوال، فإنه إيال، وهو صنم بكر وتغلب5.
وأما جهار، فقد كان من أصنام هوازن وموضعه بعكاظ، وسدنته آل عوف النصريون، ومعهم محارب فيه. وكان في أسفل أفطح6. وكانت تلبية من نسك لجهار:"لبيك، اللهم لبيك، لبيك، اجعل ذنوبنا جبار. وأهدنا لأوضح المنار. ومتعنا وملنا بجهار"7.
وأما الدار، فصنم سمي به عبد الدار بن قصي بن كلاب8.
وأما الدوار، فصنم كانت العرب تنصبه يجعلون موضعًا حوله، يدورون به واسم ذلك الصنم والموضع الدوار، ومنه قول امرئ القيس.
فعن لنا سر كأن نعاجه
…
عذارى دوار في ملاء مذيل9
وقد ذكر "ابن الكلبي" أن العرب تسمي الطواف حول الأصنام والأوثان.
1 الأغاني "18/ 168" كتاب المعمرين "31".
2 الأصنام "107 وما بعدها""تكملة".
3 المجبر "314، 318".
4 Reste، s. 64.
5 الأصنام "107".
6 المحبر "315".
7 المحبر "312"
8 الأصنام "108" تاج العروس "3/ 216" الاشتقاق "56، 97".
9 اللسان "5/ 384".
الدوار1. وعرف بعض أهل الأخبار الدوار أنه "نسك للجاهلية يدورون فيه لصنم أو غيره"2.
ويظهر من دراسة ما ورد في كتب أهل الأخبار وفي كتب اللغة عن "الدوار" أن الدوار لم يكن صنمًا، وإنما هو طواف حول صنم من الأصنام، أي عبادة من العبادات لا تختص بصنم معين. وقد كان من عادة الجاهليين الطواف حول الأصنام. فظن بعض أهل الأخبار أن الدوار صنم معين، أو أنه صنم ينصب، فيدور الناس حوله.
وأما ذو الرجل، فهو صنم من أصنام أهل الحجاز3. ويظهر أن هذا الصنم، وكذلك الصنم "ذو الكفين"، هما من الأصنام التي تغلبت صفاتها على أسمائها، فنعتت بهذه النعوت، كأن تكون لرجل أحد الصنمين، ولكفى الصنم الآخر ميزة خاصة وعلامة فارقة مثل كسر أو دقة صنعة، جعلت الناس يدعون الصنمين بالنعتين البارزين. ويرى "نولدكة" احتمال كون هذين الصنمين حجرين في الأصل من الأحجار المقدسة Fetish التي كان يعبدها الناس في القديم، ثم تحولت إلى صنمين بعد أن رسمت عليها بعض التصاوير صيرتهما على شكل إنسانين4.
وسمي بالصنم "الشارق" جملة رجال عرفوا بعبد الشارق5. ولكلمة الشارق علاقة بالشروق. وقد ذهب "ولهوزن" إلى أن المراد به الشمس لشروقها6. و"الشريق" اسم صنم أيضًا7. وعندي أن الشارق وشريقًا نعتان للآلهة، وليسا اسمين لصنمين، وأنهما في معنى "شرقن" الواردة في نصوص المسند، وتعني "الشارق" أي اللفظة المذكورة تمامًا. وقد وردت نعتًا في نصوص عربية جنوبية كثيرة، مثل جملة:"عثتر شرقن"، أي "عثتر الشارق". فالشارق إذن نعت من نعوت الآلهة، أو اسم من أسماء الله الحسنى، بالتعبير.
1 الأصنام "21""روزا".
2
تركت الطير عاكفة عليه
…
كما عكف النساء على دوار
شرح ديوان لبيد "ص44"، المعاني الكبير "1/ 105".
3 الأصنام "109".
4 Ency. Religi،I، 663.
5 الأصنام "109"، تاج العروس "6/ 392"، القاموس "3/ 248".
6 Reste، S. 65.
7 اللسان "11/ 46".
الإسلامي، وقد يقابل لفظة "نور" الذي هو نعت من نعوت الله في الإسلام، كما ورد في القرآن الكريم:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} 1.
وأما صدا وصمودا والهبا، فإنها من أصنام قوم عاد على رواية الأخباريين2.
وأما الضمار، فكان صنمًا عبده العباس بن مرداس السلمي3، وبنو سليم4. ولما حضرت مرداس الوفاة، أوصى به إلى ابنه العباس، وطلب منه العناية به؛ لأنه يضر وينفع. فلما ظهر الإسلام، أحرق العباس ضمارًا، وأتى النبي فأسلم5. والعبعب، هو صنم لقضاعة ومن داناهم. وقد يقال بالغين المعجمة، فيخلط بينه وبين الغبغب6. ورأيي أن الكلمتين أصلهما كلمة واحدة، حرفها النساخ فصارت كلمتين.
وأما "عوض" فهو صنم كان من أصنام بكر بن وائل. وقد ذكر مع الصنم سعير في بيت شعر نسب إلى الأعشى، أو إلى رشيد بن رميض العزى7.
وكان "جد "الجد" صنمًا معروفًا عند عدد من الشعوب السامية، وليس من المستبعد أن يكون لاسم القبيلة الإسرائيلية "جد" "جاد" علاقة باسم هذا الصنم8. وقد ورد في النبطية "جدا". وورد في الأسماء العربية "عبد جد".
1 سورة النور، السورة رقم 24، الآية 35.
2 الأصنام "110"، "وصمود كزبور: اسم صنم كان لعاد يعبدونه. قال يزيد بن سعد، وكان آمن بهود عليه السلام:
عصمت عاد رسولهم فأمسوا
…
عطاشا لا تمسهم السماء
لهم صنم يقال له صمود
…
يقابله صداء والهباء
وأن إله هود هو إلهي
…
على الله التوكل والرجاء
وهو مذكور في كتب السير، تاج العروس "2/ 402".
3 الأصنام "110"، "وضمار: صنم عبده العباس بن مرداس ورهطه"، تاج العروس "3/ 353"، "ضمر"، الروض الأنف "2/ 283".
4 البكري "881""ضمار".
5 البلدان "5/ 440"، ابن هشام "832"، "ضماد" الأغاني "13/ 62"، "أخبار العباس بن مرداس".
6 الأصنام "110"، تاج العروس "1/ 363"، اللسان "2/ 64"، "عب".
7 الأصنام "110" "وبه فسر ابن الكلبي قول الأعشى:
حلفت بمائرات حول عوض
…
وأنصاب تركن لدى السعير
قال: "والسعير: اسم صنم كان لعنزة خاصة، كما في الصحا"، قال الصاغاني:"ليس البيت للأعشى، وإنما هو لرشيد بن رميض العنزي"، تاج العروس "5/ 5". اللسان "9/ 56"، Reste، s. 66
Robertson smith، Marr، p. 43، Kinship، p. 261، Noldeke in ZDMG، XXXI، 86، CIS، IV، P. 20، Ency، Religi، I،P. 661.
و"عبد الجد"1.
و"كثرى" من الأصنام المنسوبة إلى طسم وجديس، ظل باقيًا معروفًا إلى أيام الرسول، فكسره نهشل بن عرعرة ولحق بالنبي2. وقد ورد بين أسماء الجاهليين من دُعي بـ"عبد كثرى". ويرى "نولدكه" في عدم ورود أداة التعريف "أل" مع "كثرى" في "عبد كثرى"، دلالة على أن هذا الصنم هو من الأصنام القديمة. ويرى أيضًا أن كلمة "كثرى" هي مجرد لقب من ألقاب "العزى"، نسي فظن أنه اسم صنم مستقل3.
وأما المدان، فصنم يظهر أنه كان من أصنام أهل الحجاز. وقد سمي به جملة رجال عرفوا بـ"عبد المدان"، وكان له بيت4.
وأما "مرحب"، فصنم من أصنام حضرموت، وبه سمي "ذو مرحب" سادن هذا الصنم5. وكانت تلبية من نسك له:"لبيك. لبيك، إننا لديك. لبيك، حببنا إليك"6.
وللأخباريين جملة آراء في معنى ذات الودع، وهي أنثى. وقد ورد اسمها في الشعر، وكانت العرب تقسم بها. قيل إنها وثن بعينه، وقيل هي مكة لأنه كان يعلق الودع في ستورها، وقيل سفينة نوح، كانت العرب تقسم بها، فتقول بذات الودع، قال عدي بن زيد العبادي:
كلا يمينًا بذات الودع لو حدثت
…
فيكم وقابل قبر الماجد الزارا7
1.Ency، Religi، I، p. 662
2 الأصنام "110"، "وكثرى كسكري: صنم كان لجديس وطسم، كسره نهشل بن الربيس بن عرعرة ولحق بالنبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكتب له كتابًا. قال عمرو بن صخرة بن أشنع:
حلفت بكثرى حلفة غير برة
…
لتستلبن أثواب قيس بن عازب
تاج العروس "3/ 513".
3 الاشتقاق "235"، Reste، s. 67. Ency، Religi، I، P. 660.
4 الأصنام "111"، تاج العروس "9/ 342 وما بعدها"، اللسان "17/ 289"، الاشتقاق "2/ 237".
5 الأصنام "111"، تاج العروس "1/ 269"، "رحب"، المحبر "318".
6 المحبر "314".
7 الأصنام "111"، اللسان "10/ 267""ودع" تاج العروس "5/ 535".
وياليل، اسم صنم كذلك، أضيف إليه فقيل "عبد ياليل"، كما قيل "عبد يغوث" و"عبد مناة" و"عبد ود"1.
وأما "ذريح""ذرح" فكان لكندة بالنجير من اليمن ناحية حضرموت، يظهر أنها كانت تحج إليه، وأن له بيتًا يقصد، بدليل ورود تلبية من نسك إليه، وهي:"لبيك اللهم لبيك، لبيك، كلنا كنود، وكلنا لنعمة جحود. فاكفنا كل حية رصود" ويظن "ولهوزن" أنه يمثل الشمس. "وذرح" اسم من الأسماء، ويرد في الأعلام العربية الجنوبية المركبة، مثل "ذرح إيل".
وذهب "نولدكه" إلى أن "ذرح" هو مثل الشارق، و"محرق" صنم يمثل الشمس. والظاهر أن عبادة هذا الصنم لم تكن منتشرة خارج حدود العربية الجنوبية2.
وأما باجر، فإنه من أصنام الأزد ومن داناهم من طيء. وقد سمي به رجال عرفوا بـ"عيد باجر"3.
وحلال، هو صنم فزارة. أما الحمام، فإنه صنم بنو هند من بني عذرة. وكان في المشقر صنم لبني عبد القيس يسمى ذا اللبا، سدنته بنو عمرو4. وكانت تلبية من نسك له:"لبيك اللهم لبيك. لبيك رب فاصرفن عنا مضر. وسلمن لنا هذا السفر. إن عما فيهم لمزدجر. واكفنا اللهم أرباب حجر"5.
وكان المنطبق صنمًا، للسلف وعك والأشعريين، وهو من نحاس، يكلمون من جوفه كلامًا لم يسمع بمثله. فلما كسرت الأصنام، وجدوا فيه سيفًا، فاصطفاه الرسول. وسماه "مخدمًا"6. وذكر "ابن حبيب" أن تلبية من نسك لمنطبق:"لبيك اللهم لبيك، لبيك". ويلاحظ أن الأخباريين ذكروا أن السيف "مخدم""مخذم" كان سيفًا على الصنم مناة أو "الفلس" صنم طيء، كما ذكروا أن السيف "رسوب" كان على الصنم "مناة. أو الفلس كذلك.
وأما الصنم نهيك، فقد كان من الأصنام الموضوعة في مكة. وذكر "الأزرقي أن عمرو بن لحي نصب هذا الصنم عند الصفا، وأنه كان يعرف بـ"مجاود
1 الأصنام "111".
2 Reste، S. 65، Ency. Religi، I، P. 660.
3 Reste، S. 64.
4.
Resdte، S. 65
5 المحبر "314".
6 البلدان "8/ 179""المنطبق" المحبر "318".
الريح" "مجاور الريح"، وأنه نصب الصنم: مطعم الطير عند المروة1، فكان الناس في موسم الحج يحجون إلى الصنمين.
ولعل هذين الصنمين كانا من الأصنام التي خصصت بالسماء، وأن الناس كانوا يضعون الحبوب عندها لتأكلها الطيور. ولذلك قيل لنهيك "مجاود الريح"، ولصنم المروة "مطعم الطير".
وغنم، ذكر أنه كان في جملة الأصنام الموضوعة بمكة. وقد ورد اسم رجال، واسم أسر2.
وفراض، صنم كان بأرض سعد العشيرة3. وقد حطمه رجل منهم اسمه "ذباب"، وهو من "بني أنس الله بن سعد العشيرة". حطمه. ثم وفد إلى النبي فأسلم، وقال شعرًا في ذلك، أشار فيه على هدمه ذلك الصنم4. وكانوا يذبحون له ويلطخونه بالدم5.
أما قزح "قزاح"، فالظاهر أنه صنم، كان الناس يتصورون أنه يبعث الرعد والعواصف. وقد نسي على ما يظن. ولا بد أن يكون لقوس قزح علاقة ما بهذا الصنم القديم. وقد يكون لاسم قزح. وهو من مواضع الحرم بمكة، علاقة باسم هذا الوثن العتيق. وقد تعبد بنو أدوم لصنم اسمه "قزح" Koze مما يدل على أنه هو الصنم العربي الذي نتحدث عنه. والظاهر أنه كان من الأصنام القديمة المعروفة، غير أنه فقد منزلته وقلت أهميته، فلم يكن من الأصنام الكبرى عند ظهور الإسلام6. ويخالف "نولدكه" رأي بعض المستشرقين الذين ذهبوا إلى أن المراد بقزح الشيطان، لا صنم من الأصنام.
و"قيس" اسم صنم قديم. نسيت عبادته، وصار اسم أشخاص. ودليل كونه صنم قديم وروده في الأعلام المركبة، مثل "عبد القيس"، فإن في هذه
1 المحبر "313"، الأزرقي "1/ 73".
2 ابن هشام "145"، "بنو غنم"، المحبر "288".
3 في نهاية الأرب "فراص"، نهاية الأرب "18/ 18".
4
تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى
…
وخلفت فراضا بدار هوان
شددت عليه وشدة فتركته
…
كأن لم يكن والدهر ذو حدثان
نهاية الأرب "18/ 18".
5 نهاية الأرب "18/ 151".
6 Josephus، Antiq، XV، 253.
7 Ency، Religi، I، P. 661.
التسمية دلالة على أن قيسًا اسم إله. ولقيس علاقة بـ"قوس" Quas، وهو إله من آلهة أدوم1.
وقد ورد اسم "قيس""قس" و"قوس" في الكتابات. وهما اسم إله واحد. عثر على معبد له في مدائن صالح2.
وأما "عوف"، فقد استدل من التسمية بـ"عبد عوف" على أنه اسم صنم، غير أننا لا نعرف من أمر عبادته شيئًا، فلعله من الأصنام التي ذهب ذكرها قبل الإسلام بزمن طويل. وقد ذكر أهل الأخبار أنه "صنم"، ولم يذكروا اسم عبدته3.
وذكر "اليعقوبي" أن للأزد صنم، يقال له "رئام"4.
والسعيدة، صنم أنثى وعلامة تأنيثه وجود تاء التأنيث بآخره. وكان لسعد هذيم وسائر قضاعة إلا "بني وبرة"، وعبدته الأزد أيضًا. وكان سدنته "بنو عجلان". وموضعه بأحد5 "وورود أن "السعيدة" بيت كان يحجه ربيعة في الجاهلية"6.
وورد في جملة أسماء أهل الجاهلية اسم "سعد العشيرة". وقد ذهب أهل الأخبار إلى أن "مذحجًا" كان يعرف بذلك الاسم7. و"العشيرة" اسم صنم من الأصنام القديمة، وله علاقة بعبادة الساميين فقد كان الكنعانيون يضعون وثنًا في محلات العبادة يسمونه العشيرة"، كما كانوا يتعبدون له لأنه من آلهتهم القديمة وهو إلهه. أي أنثى عند الكنعانيين. ويظهر أن "العشيرة" من الآلهة السامية القديمة التي كانت تعبد بصورة خاصة عند الساميين الغربيين، كما عبر بلفظة "العشيرة" عن "المذبح""المزبح"8. واسم عبد عشيرة" مرتبط بالطبع باسم هذا الإله.
1 Reste، s. 67.
2 "بت قسو"، "بيت قيسو"،
Reste، 67، Ryckmans 18، Grohmann. S. 85، Jaussen –Sabignae. Mission، I، 501، 520، I 528، I، 169، 200، CIS. II، 209، Doughty، Documents Epigraphiques، 38، CIS، II، 198. J. Euting، Tagebuch، II، 262.
3 تاج العروس "6/ 206"، عوف".
4 اليعقوبي "1/ 225".
5 المحبر "316 وما بعدها".
6 اللسان "3/ 215""صادرة"، تاج العروس "2/ 378"، "سعد".
7 الاشتقاق "2/ 237".
8 Encyclopaedia Biblica، By، Cheyne، Vol، I، 3330.
ومن دلائل عبادة "الأشهل"، ورود الأشهل في الأعلام المركبة، مثل "عبد الأشهل". وقد ذكر "ابن دريد" أن الأشهل صنم1.
وأشار "محمد بن حبيب" إلى صنم قال له: "زائدة"، لم يذكر من كان يتعبد له2.
وذكر علماء اللغة اسم صنم قالوا له: "الضيزن". وقال بعضهم: "والضيزنان صنمان للمنذر الأكبر، كان اتخذهما بباب الحيرة ليسجد لهما من دخل الحيرة امتحانًا للطاعة"3.
وأدخل بعض علماء اللغة "الغري" في عداد الأصنام. فقال: "والغري: صنم كان طلي بدم". وذكر بعض آخر أن الغري: نصب كان يذبح عليه النسك. وذكروا أن الغريين بناءان طويلان، يقال هما قبر مالك وعقيل نديمي جذيمة الأبرش، وسميا الغريين لأن النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه4.
ومن الأصنام صنم اسمه "عير" قيل إنه كان لعبد عمرو المعروف بـ"بكر بن جبلة الكلبي"، كان قومه يعظمونه5. وصنم اسمه "جريش"، إليه نسب: "عبد جريش"6.
وذكر بعض أهل الأخبار أن "كعبًا" و"كعيبًا" المذكورين في قصة "القليس" التي أقامها "أبرهة" بصنعاء، هما صنمان7.
1 الاشتقاق "263"، تاج العروس "7/ 402"، "شهل".
2 الاشتقاق "ص13".
3 اللسان "13/ 254"، "ضزن"، تاج العروس "9/ 264"، "ضزن".
4 اللسان "15/ 122"، "غرا" تاج العروس "10/ 264"، الجوهري، تاج اللغة "2/ 526"،
5 الإصابة "1/ 166".
6 تاج العروس "4/ 288". "جرش".
7 البداية، لابن كثير، "2/ 170 وما بعدها".
الفصل السبعون: أصنام الكتابات
أقصد بـ"أصنام الكتابات" الأصنام التي عرفنا خبرها وأمرها من الكتابات الجاهلية ومن الكتابات الآشورية ومن كتب الكتبة "الكلاسيكيين"، وذلك تمييزًا لها عن الأصنام التي أخذنا علمنا بها من روايات الأخباريين في الغالب.
وقد سبق لنا أن وقفنا على أسماء بعض آلهة الأعراب، وذلك أثناء حديثنا عن الآشوريين والعرب. وقد ذكرت تلك الأسماء في الكتابات الآشورية لمناسبة سقوط أصنامها أسيرة في أيدي الآشوريين. وكان الأعراب الذين حاربوا الآشوريين قد حملوها معهم، إما تبركًا وتيمنًا بها، وتفاؤلًا من وجودها معها بالنصر والغنائم، وإما لأنها كانت معهم في خيمتها المتخذة معبدًا لها فسقطت في أيدي الآشوريين باكتساح الآشوريين لمنازل أولئك الأعراب. فأخذها الآشوريون معهم وحملوها إلى عاصمتهم أسيرة كما يؤسر البشر، وسجنوها عندهم؛ إذلالًا لعبادها وإهانة لهم، وازدراء بشأن تلك الآلهة المغلوبة السيئة الحظ التي لم تتمكن من مساعدة عبادها في القتال والتي لم تتمكن حتى من تخليص نفسها من الأسر، فوقعت هي نفسها أسيرة ذليلة في أيدي عبدة آلهة أخرى، وبقيت في أسرها هذا، حتى وجد الأعراب إلا مناص لهم من استردادها من الآشوريين إلا باسترضائهم وبإعلان خضوعهم لهم. فذهبوا إلى نينوى، وقدموا طاعتهم لملك آشور، وأمر عندئذ بإعادة أصنامهم إليهم، وكتب الآشوريون فوقها كتابة تشير إلى سقوطها في أسرهم، وإلى تغلب آلهة الآشوريين على آلهة الأعراب وتفوق إله آشور على
تلك الأصنام، وبعد أن نقش عليها اسم الملك. ثم أعيدت وهي على هذه الصورة إليهم1.
ومن هذه الأصنام دلبت "دلبات" Dilbat2، و"عتر سماين""عشتر السماء""Atarsamain "A- tar- sa- ma- a- in و"عتر قرمية""عتر قرمي "Atar Kurmiaa"، و"ديه" "دايا" "Dija" = Diya"، و"نوهيا""نخيا""نهيا""نهى" Nuhaia"، و"إبيريلو" "Ebirillu". وهي الأصنام التي كتب عليها أن تسجن فأعيدت إلى أصحابها، ووضعت في أماكنها وسر أتباعها ولا شك بهذه العودة3.
وقد حرفت أسماء هذه الأصنام، حتى صار من الصعب علينا تشخيصها. ولعل اسم الصنم "دلبت" هو تحريف "ذات بعل"، أي الشمس" والشمس إلهة عند العرب، تعبدت لها قبائل عديدة، كما تكلمت عنها في موضع آخر، وقد عرفت به الإلهة عندها. أما "عتر سمين"، فهو "عثتر السماء"، و"عثتر" من الآلهة المعبودة عند العرب، وقد ورد اسمه في نصوص المسند، ويرى بعض الباحثين أنه إلهة، أي أنثى4. ويرمز إلى "الزهرة" في رأي غالب العلماء5. وقد أشير في النصوص القتبانية إلى قبيلة عرفت بـ"عتر سمين"، أي باسم هذا الصنم6، لعلها من عبدته، فنسبوا إليه.
وأما "نوهيا""نخيا""نهى""نهيا"، فهو الإله "نهى". وقد ورد في الكتابات الثمودية، اسم صنم بهذا الاسم7. فلعل له صلة بالصنم المذكور.
1 جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام "2/ 320"، المفصل في تأريخ العرب قبل الإسلام "1/ 591"، "1/ 600"، Pritchard، p. 291.
2 Reallexi، I، s. 125، Winckier، AOF، I، S. 526، Schell، Le Prism D'Assaraddon، 1914، p. 18، British Museum Tablests، K 3087، Smith، History of Sennacherib، 1878، p. 138.
3 Pritchard، P. 291، D.J. Wixman، The Vassal-Treaties of Esarhaddon، p. 4.
4 Schrader، KAT، s. 434.
5 Handbuch، I، S. 228.
6 جواد علي، تأريخ العرب قبل الإسلام "2/ 332".
7 جواد علي، تأريخ العرب قبل الإسلام "5/ 151".
وحدثنا "هيرودوتس" -في أثناء كلامه على حملة "قمبيز" على مصر- عن إلهين من آلهة العرب، هما "باخوس" Bacchus و"أوزانيا""Urania". وذكرت أن العرب تسمي "باغوس""أوراتل" Oratal، وتسمي "أورانيا""أليلات" Alilat1. و"إليلات"، هو الصنم "اللات"، الذي يرمز إلى الشمس، فهو إلهة، أي أنثى. ويقابل "أثينة" Athene التي ظهرت عبادتها متأخرة بعض التأخر بالنسبة على الآلهة الأخرى2. و"اللات" من الأصنام العربية المعروفة التي ذكرت في القرآن، وفي النصوص النبطية والصفوية، كما سأتحدث عن ذلك في المواصع المناسبة. وأما Oratal، فهو تحريف على ما يظهر لاسم صنم من الأصنام العربية، صار من الصعب، إرجاعه إلى صنم من الأصنام التي نعرفها الآن3.
وقد حفظت النصوص الجاهلية أسماء عدد لا بأس به من الأصنام، كان الناس يقضون الليالي سهرًا في عبادتها والتودد إليها؛ لتنفعهم ولتدفع الأذى وكل سوء عنهم، وكانوا يتقربون إليها بالنذور والقرابين. ثم ذهب الناس وذهبت آلهتهم معهم. وبقيت أسماء بعض منها مكتوبة في هذه النصوص، وبفضل هذه الكتابات عرفنا أسماءها، ولولاها لكانت أسماؤها في عداد المنسيات، كأسماء الآلهة التي نسيت لعدم ورود أسمائها في النصوص.
وبين هذه الأسماء أسماء يجب اعتبارها من "الأسماء الحسنى"، أي "أسماء الله الحسنى" في المصطلح الإسلامي لأنها نعوت وصفات للآلهة التصقت بها حتى صارت في منزلة الأسماء العلمية. وهي تفيد المؤرخ كثيرًا؛ إذ إنها تعينه في فهم طبيعة تلك الآلهة، وفي فهم رأي المؤمنين بها، في ذلك الوقت.
وفي طليعة أسماء الآلهة المدونة في نصوص المسند، اسم الإله "ود"، إله معين الكبير، وإله قبائل عربية أخرى، منها "ثمود"، حيث ورد اسمه في كتاباتهم، و"لحيان"، حيث ذكر في كتاباتهم أيضًا. كما كان من الأصنام الكبرى في الحجاز عند ظهور الإسلام. وقد ذكر في القرآن الكريم مع أسماء.
1 جواد علي، تأريخ العرب قبل الإسلام "2/ 343" و Herodotus، I، P. 213.
2 Ency، Religi،، I، p. 661.
3 المصدر نفسه.
أصنام أخرى عبدت في عهد نوح1. وقد ظن بعض المستشرقين أن هذا الصنم لم يكن معبودًا في الجاهلية القريبة من الإسلام وعند ظهور الإسلام، وهو رأي غير صحيح؛ إذ ورد ذكره في شعر للنابغة، وكان له معبد في دومة الجندل، وسدنة وأتباع، ولدينا أسماء جملة رجال جاهليين عرفوا بـ"عبد ود". وقد ذكر أن قريشًا كانت تتعبد لصنم اسمه ود، ويقولون له أد أيضًا2.
ونعت "ود" بالإله "أل هن""الهن" في بعض الكتابات جاء في أحد النصوص "ودم الهن"، أي "ود الإله"، و"كهلن"، أي "الكاهل" بمعنى القدير والمقتدر3. وهما من صفات هذا الإله التي كان يراها المعينيون فيه.
ويرمز "ود" إلى القمر، عند المعينيين، وهو الإله الرئيس عندهم. وقد وردت لفظة "شهرن"، أي "الشهر" بعد كلمة "ود" في بعض الكتابات فورد:"ودم شهرن"، أي "ود الشهر". وتعني لفظة "شهر" القمر في عربية القرآن الكريم4. و"ود" هو الإله "القمر" عند بقية العرب الجنوبيين. ومتى ورد اسمه في نص، قصد به القمر.
وقد نعت "ود" بـ"الأب"، تعبيرًا عن عطفه على المتعبدين له وعن رحمته بهم. فورد في النصوص المعينية:"ودم أبم"، و"أبم ودم" أي "ود أب"، و"أب ود"، فهو بمثابة الأب للإنسان. والأب من كان سببًا في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره. وقد عثر على أخشاب وأحجار حفرت عليها أسماء ود أو جمل "ودم أبم" أو "أبم ودم"، وذلك فوق أبواب المباني؛ لتكون في حمايته ورعايته، وللتبرك باسمه وللتيمن به، كما وجدت كلمة "ود" محفورة على أشياء ذات ثقوب، تعلق على عنق الأطفال لتكون تميمة وتعويذة يتبرك بها5. فعلوا ذلك كما يفعل الناس في الزمن الحاضر في التبرك بأسماء الآلهة والتيمن بها لمنحها الحب والبركة والخيرات.
ويظن أن لفظة "ود" ليست اسم على القمر، بل هي صفة من صفاته، تعبر عن الود والمودة. فهي من الأسماء الحسنى للقمر إذن.
1 سورة، نوح، الآية 23.
2 البلدان "8/ 407"، "ود"
3 Hommel، Grundriss، I، S. 136، Glaser 284، Halevy 237، ChRestom، 91، 97.
4 Galser 324، Handbuch I، s. 37.
5 Halevy 534، 535، 586، 578، 591، 685، Glaser 80، 84.
وقد ورد اسم "ود" في كتابة ثمودية دَوَّنها أحد المؤمنين الفانين في حب "ود"، جاء فيها:"أموت على دين ود"، "بدين ود أمت"، وجاء في كتابة أخرى:"يا إلهي احفظ لي ديني، يا ود أيده"1.
وورد اسم "ود" في النصوص اللحيانية2. فتكون عبادة هذه الإله قد انتشرت في العربية الغربية من أعالي الحجاز إلى العربية الجنوبية وذلك منذ ما قبل الميلاد إلى ظهور الإسلام.
وقد اقترن اسم "ود مع "أل" "إيل" في بعض الكتابات العربية الجنوبية و"إيل" هو الإله السامي القديم. ولعل في "ود أل" "ود إيل" معنى "حب إيل"، فتكون "ود" هنا صفة من صفات الإله. وأما "إيل"، فإنها قد تعني ما تعنيه كلمة "إله" في عربيتنا، وقد تعني إلهًا خاصًّا في الأصل هو إله الساميين المشترك القديم3.
وقد وردت في نص قتباني جملة: "بت ودم" أي "بيت ود"4. ومعناها معبد خصص بعبادة الإله "ود". ولا بد أن تكون هناك جملة معابد خصصت بعبادة هذا الإله.
ويرى بعض المستشرقين استنادًا إلى معنى كلمة "ود" أن هذا الصنم يرمز إلى الود، أي الحب وأنه صنو للإلهين "جيل" Gil و"بحد" Pahad عند الساميين. ويستندون في رأيهم هذا إلى بيت للنابغة هو:
حياك ود فأنا لا يحل له
لهو النساء وأن الدين قد عزما5
1 Herbert Grimme، Die Losung des Sinatinschrirten، Die Altthamudische Schrift، Munster، 1926، S. 40.
2 Handbuch، I، s. 616.
3 Handbuch، I، s. 217، H. Bauer، in ZDMG، Bd، 69، 1915، S. 561.
4 Hommel، Die Sudarabische Alterthumer، S. 2.
5 البلدان "408"، "ود"
قالت أراك أخا رحل وراحلة
…
تغشى متالف لن ينظرنك الهرما
حياك ود فأنا لا يحل لنا
…
لهو النساء وأن الدين قد عزما
مشمرين على خوض مزممة
…
نرجو الإله ونرجو البر والطعما
شعراء النصرانية "ص705".
Reste، S. 17، 31، 42، 53، Ency، Religi، VIII، p 180.
وهناك من يرى وجود صلة بين "ود" و Eros الصنم اليوناني، ويرى أنه صنم يوناني في الأصل استورد من هناك، وعبد عند العرب، وهو رأي يعارضه "نولدكه" لعدم وجود تشابه في الهيئة بين الصنمين1.
ومن آلهة المعينيين الإله: "كهلن"، أي "الكهل" و"الكاهل". وقد ورد اسمه في النصوص التي عثر عليها في الأقسام الشمالية من العربية الغربية كذلك2. وهو يرمز مثل "ود" إلى "القمر".
وعرف "ود" بـ"نحس طب""نحسطب". "ونحس" بمعنى "نحش"، أي الحية، و"طب" بمعنى طيب، فيكون المعنى "الحية الطيبة". والحية رمز لود. فيكون المراد من "نحس طب" الإله ود3.
ومن بين أسماء الآلهة التي ورد اسمها في النصوص المعينية، اسم الإله "نكرح"، ويرى بعض الباحثين أنه إله البغض والحرب. وأن "نكرح" في معنى "كره" في عربيتنا. وأنه "نكرو" أو "مكرو" Makru- Nakru عن البابليين. وهو "العدو" فهو على طرفي نقيض مع الإله "ود"4. ويرون أنه يرمز إلى الشمس، وأنه في منزلة "ذت حمم" "ذات الحميم" عند السبئيين5.
وقد وجد من دراسة الكتابات المعينية أن آلهة المعينيين ترد مرتبة على هذه الصورة في بعض الأحيان: "عثتر" يليه "ود" ثم "نكرح"، وتذكر بعدها جملة "أل ل أت معن"، بمعنى "آلهة معين"6.
وهناك آلهة أخرى وردت أسماؤها في كتابات المعينيين، لا نعرف من أمرها شيئًا يذكر. منها:"بلو" إله البلاء والنوازل والموت، و"حلفن""حلفان"، وهو خاص بالقسم، و"ورفو"، وهو حارس الحدود، و"منضح""منضحت""منفحة"، إله الماء والري والحدود، و"متبقبط" إله الحصاد7. غير أن من الجائز في رأيي ألا تكون هذا الأسماء أسماء آلهة، وإنما.
1 Ency. Religi، I، p. 662.
2 Handbuch، I، s. 215.
3 Grohmann، Gottersymbole، S. 71.
4 Ency، Religi، 10، P. 882، Handbuch، I، S. 20، 40،
5 Ilmukah. S. 55، Glaser 1089، 1660، Halevy 208، N Rhodokanakts.
6 Stud. Lexi، II، S. 26، Glaser 1144، Halevy 353.
7 Arabien، S. 246.
هي مجرد مصطلحات يراد بها أمور أخرى.
وتعبد السبئيون للإله "المقه"، إلههم الكبير. ويعد في منزلة "ود" عند المعينيين، ويرمز إلى "القمر". وهو المقدم عندهم على سائر الآلهة. إليه تقرب "المكربون" والملوك بالأدعية والهدايا، وإليه توسل الشعب في كل ملمة تنزل به وتجد اسمه مدونًا في كثير من النصوص السبئية. بل تعبد له أهل الحبشة كذلك، فنجد له معبدًا عند، نجا" "يها". انتقلت عبادته إليهم من السبئيين الذين كان لهم نفوذ سياسي وثقافي على الساحل الإفريقي المقابل لليمن، ويظهر أثر ذلك في الخط الحبشي حتى اليوم.
وليس للعلماء رأي واضح صحيح في معنى "المقه"، ويرى "إيوالد" Ewald أن الكلمة من أصل "لمق"، وهي بمعنى "لمع"، فيكون للاسم -على ذلك- معنى اللمعان1، ويمكن أن تكون كلمة "المقه" إذن، بمعنى "الثاقب" و"اللامع" وقد كان الجاهليون يقسمون بالنجوم الثاقبة، أي النجوم التي يتوقد ضياؤها ويتوهج ورد في القرآن الكريم:{وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ} وقال المفسرون: "النجم الثاقب، يعني يتوقد ضياؤه ويتوهج". وذكروا أن العرب كانت "تسمي الثريا: النجم. ويقال إن الثاقب: النجم الذي يقال له زحل. والثاقب أيضًا الذي قد ارتفع على النجوم"2. وقد ذهب "هومل" إلى أن "المقه"، إنما تعني "سيده"3. وذهب بعض الباحثين إلى أن اللفظة من "أل""إيل"، اسم الإله "إيل" الشهير، المعروف عند جميع الساميين. ومن "مقهو" بمعنى قوي. فيكون الاسم "إيل قوي"، "أل مقهو"4
وتدل روايات الأخباريين عن "المقه" على عدم وقوفهم على حقيقة هذه التسمية، فقد حاروا فيها. واضطربوا في أمرها، ولم يظهر أحد من بينهم من عرف حقيقتها. فصيرها بعضهم اسمًا من أسماء الملكة "بلقيس" وصيرها بعض آخر مصنعة من مصانع الجن التي بنتها على عهد "سليمان"، وجعلها
1 سورة الطارق، رقم 86.
2 تفسير الطبري "30/ 90 وما بعدها".
3 Handbuch، I، s. 40.
4.
Arabien، s. 244
"الهمداني" الزهرة؛ "لأن اسم الزهرة في لغة حمير: يلمقه والمق" ذكروا أن بناء "يلمقه" ظل قائمًا باقيًا إلى أيام غزو الحبشة لليمن، فهدموه1. وإذا صحت رواية الهدم هذه، فلا يستبعد حينئذ أن يكون ذلك بسبب كونه معبدًا وثنيًّا خصص بعبادة الأوثان، والأحباش نصارى سعوا لطمس الوثنية ونشر النصرانية في البلاد. ولعله أراد به معبد "المقه" بمأرب، فهدمه الحبش للاستفادة من أحجاره لبناء كنيستهم التي بنوها بهذه المدينة. وقد كان ذلك المعبد قد خصص بعبادة "المقه" إله سبأ الكبير، فعرف بـ"المقه"، و"يلمقه" عند سواد الناس.
وقد حفظت لنا نصوص المسند أسماء جملة معابد خصصت بعبادة المقه، وللتمييز بينها ذكرت أسماء المواضع التي شيدت عليها تلك المعابد. ومن أشهرها معبد "المقه" الكبير بمدينة "مأرب"، المعروف بمعبد "المقه بعل أوم""المقه بعل أوام" وهو معبد لا تزال آثاره باقية، زارته ونقبت فيه بعثة "وندل فيلبس" الأمريكية إلى اليمن2. وتعرف بقايا هذا المعبد عند أهل اليمن باسم "حرم بلقيس" و"محرم بلقيس" فأحل الدهر اسم امرأة محل اسم إلة قديم كبير.
ووردت في بعض النصوص هذه الجملة: "المقه ثور بعل
…
"، ومعناها: "المقه ثور رب"3. أي "المقه الثور هو رب....." كما وردت جمل مثل: "المقه ثهون"، بمعنى: "المقه المتكلم". ومثل "المقه ثهون بعل أوم"، أي "المقه المتكلم رب أوم"، "أوام". ويظن أن المراد بذلك الكاهن المتكلم باسم الرب "المقه". فقد كان لبعض المعابد كهنة، يزعمون أن الآلهة تتكلم فيها، ويقومون أنفسهم بدور الوساطة والترجمة. فإذا أراد شخص سؤال إلهه عن مشكلة يريد حلًّا لها، أو عن قضية عويصة، أو عن سرقة وما شاكل ذلك، يذهب إلى المعابد المختصة التي يزعم أن الآلهة تجيب فيها، فيتقدم على الكاهن بنذر وبهدايا مناسبة، ثم يلقي سؤاله، فيظهر عندئذ صوت مسموع، يزعم أنه
1 البكري "1398".
2 D. H. Muller، Burgen، II، S. 972، Nlelsen، Der Sabaische Gott Ilmukah، S. I. Wendall Philips، Qataban and Sheba، 1955.
3 D. Nielsl Die Altarabische Mondreligion، s. 107.
صوت الإله الذي لا يرى، يجيب على السؤال أو على الأسئلة، بما يناسب السؤال، وقد كُفي عن "المقه" بـ"ثور" في بعض الكتابات. ومما يؤيد أن المراد "بثور" هذا الإله، هو صورة رأس الثور في كثير من الكتابات، وهي ترمز إليه، كذلك رمز إليه بنسر وبصور الحيات. وهذه الصور من الرموز الدالة على الإله القمر عند قدماء الساميين1. وقد صور العبرانيون "يهوه" على هيئة عجل2.
ويلاحظ أن أكثر الأوثان والصور "صلمن" التي كان الناس يقدمونها إلى معابد "المقه" وفاء لنذور نذورها لها، اشتملت على صور ثيران، ويلاحظ كذلك أن الثيران، كانت من أكثر الحيوانات التي كان المتعبدون يقدمونها ذبائح لهذا الإله. وقد استنتج "دتلف نلسن" من هاتين الملاحظتين ومن تسمِّي أشخاص وأسر وعشائر وقبائل باسم "ثور"، أن الثور رمز يراد به هذا الإله "المقه"، أي القمر3.
وورد في النصوص السبئية اسم إله هو "هوبس""هبس"، ورد منفردًا، وورد مع الإله "المقه"4. وقد قصد به الإله القمر. ومعنى "هوبس" على رأي "فرسنل" Fresnel اليابس والجاف، وهو وصف للقمر5. ويعلل ذلك بفعل القمر البارز في إحداث الجزر حيث تنسحب المياه من الساحل مسافة إلى البحر. وقد أشار الهمداني إلى أن اسم القمر "هيبس"، والظاهر أن هذه التسمية للقمر ظلت معروفة في اليمن بعد الإسلام6.
ووردت جملة "المقه ذ قِلم" في بعض النصوص ووردت "هوبس"، و"المقه ذ هوبس"7. بمعنى اليابس. وذكر بعض العلماء أن معنى ذلك "المقه" الذي يؤثر في المد والجزر، وذلك لما لاحظه المتعبدون له من وجود أثر له في إحداث المد والجزر.
1 Ilmukah، s. 51.
2 الملوك الأول، الإصحاح الثاني عشر، الآية 28، الخروج، الإصحاح 32، الآية4.
3 Ilmukahi، s. 52.
4 Hommel، Grundriss، I، S. 85. Altertumer، 1899، S. 28.
5 Handbuch، I، S. 40.
6 Burgen dun Schlosser، II، S. 20-22 Hommel، Sudarabische Altertumer، S. 30.
7 Rep. Epigr. 4921، 4963.
8 Arabien، s. 244.
وقد أشير إليه بـ"هلل" بمعنى هلال، وبـ"ربع"، أي الربع الأول من الشهر، وبـ"حول"، بمعنى تمام الشهر، أي القمر كاملًا. ومن صفاته "سمع"، أي سميع1.
و"عم" هو إله شعب قتبان الرئيس. وقد ورد اسمه مقرونًا مع الإله "أنبي" في نصوص قتبانية عديدة. وهو يقابل الإله ود عند المعينيين، والإله "المقه" عند السبئيين، والإله "سن""سين" عند أهل حضرموت. فهو الإله القمر
إذن عند القتبانيين.
وكلمة "عم" من الكلمات السامية القديمة الواسعة الانتشار عند الساميين. وقد ذكرت في نص يقدر أنه كتب حوالي سنة "4500" قبل الميلاد، وهي من كلمات عهد الأمومة، ثم صارت من المصطلحات الدينية مثل "أل""إيل" EL، و"بعل" Baal، و"أدون" Adon، و"ملك" Malke وما شابهها من أسماء الألوهية: كانت نعتًا في الأصل من جملة النعوت التي كان يطلقها الساميون على آلهتهم، ثم جعلت علمًا لإله2.
وترد لفظة "أنبي" في الكتابات القتبانية علمًا على إله ذكر هو القمر. وقد وردت بعد اسمه كلمة "شيمن"، ومعناها "الحامي" والحافظ، فورد "أنبي شيمن"، أي "أنبي المحامي" و"أنبي الحافظ"، والمدافع عن المؤمنين به. فهو إذن في معنى "عم"3. ولا بد أن يكون لهذا النعت صفات بصفات هذا الإله، أي أنه اسم من أسماء الله الحسنى.
ومن آلهة قتبان التي ذكرت مع "عم" الإله "حوكم" و"آثرت" و"نسور" و"أل فخر". ويرى "هومل" أن الإله "آثرت" هو إلهة أنثى. هي في نظره زوج الإله "عم"4. ويظن أن "آثرت" هي الشمس، ويظن أيضًا أن هذه الكلمة قريبة في المعنى من كلمة "عشيرة" "عشيرات" العبرانية، و"عشرتو" الآشوية البابلية، وأنها تعني في القتبانية الشروق أو الشارقة والشرقة الشديدة.
1 REP. EPIGR. 3945، 4067، 4225، 4991، 4992، 4993، CIH 282، ARabie s. 244.
2 Ency. Religi، I، p. 387، Glaser، Mitteilungen، II، S. 21.
3 Glaser 1902، SE 84، Iimukad، S. 56، D. Nielsen. Neue Katabanissche Inschriftten، S. 14.
4 Sudar. S. 22، Glaser 160. "شفتم لعم وآثرت".
من "عثر" بمعنى" شرق وإشراق. أضيف إلى نهاية الكلمة حرف التأنيث؛ لأن الشمس مؤنثة، كما فعل في عثتر إذ عد مؤنثًا عند الساميين الشماليين، فصار "عثترت" "عشترت" "عشتروت" أي أنثى. وكما فعل في "كوكب" و"ملك"، و"ذي الخلصي"، و"ذي الشرى"، حيث أضيفت إليها التاء. فصارت "كوكبت" "كوكبة"، و"ملكت" "ملكة"، و"الخلصت" و"شربت"1.
ويحتمل على رأي "هومل"، أن يكون "حوكم""حوك" إله السماء، ويظهر أنه من الآلهة الخاصة بشعب قتبان2. أما "دتلف نلسن"، فيرى احتمال كون الكلمة من "حكم"3.
وقد عبر عن الإلهة "الشمس" بـ"ذت حمم"، أي "ذات حميم"، "ذات حمم"، "ذات الحميم" أي ذات الحرارة الشديدة والأشعة المتوهجة التي تشبه الحميم من شدة الحر. وهذا المعنى قريب من "أل حمون" El – Hamon و"بعل حمون" Ba'al Hammon في العبرانية، ويراد بها الشمس. و"حمت""حمه" Hamma في العبرانية هي الشمس. وورد في بعض النصوص التدمرية اسم الإله "حمن" Hamman، وورد هذا الاسم في بعض النصوص النبطية التي عثر عليها في حوران. وهذا الإله هو الشمس. وقد كني عنها بالأشعة الحارة المحرقة التي ترسلها خاصة في أيام الصيف4.
وهناك من فسر "ذت حمم" بـ"ذات حمى""ذات الحمى"، والحمى الموضع الذي يحمي، ويخصص بالإله أو المعبد أو الملك أو سيد قبيلة، والمكان الذي يحيط بالمعبد. فيكون حرمًا آمنًا لا يجوز لأحد انتهاك حرمته5. وفي جزيرة العرب جملة مواضع يقال لها "حمى" ذكر أسماءها الأخباريون.
1 Handbuch، I، S. 237، Glaser 1335، 1604، SE 84، Rhodokanakis، Katabanlsche
Inschriftten، II، 8. 121.
2 Hommel، Grundrtss، I، S. 140.
3 D. Nielsen. Neue Katabanische Inschriftten، S. 15.
4 Handbuch، I، 8. 225، Hommel، Aufsatze und Abhandlungen، II، S. 177،
Ilmukah، S. 53، Oslander، In ZDMG.، Bd.، 20، S. 282.
5 Handbuch، I، S. 225، Oslander، in ZDMG.، Bd.، 20، 1866، S. 282، Hommel،
Aufsatze، II، S. 177، Mordtmann، Himjarlsche Inschriftten، S. 27، ZDMG.،
Bd..، 31، S. 88، Saba، Denkmaler، S. 258، Fell، in ZDMG.، Bd.، 54، S. 250.
وعبر عن الشمس بـ"ذت بعدن""ذات بعدان" كذلك، أي ذات البعد. وهي كنية قصد بها الشمس حينما تكون بعيدة عن الأرض أي في أيام الشتاء. وقد استدل على ذلك بجملة وردت في نصوص المسند، هي:"بعلمن بعدن وقرين"، أي "بالعالم البعيد والقريب"، بمعنى في الماضي والحاضر1. وقصد بذلك الشمس في هذا الوقت من السنة حيث تكون أشعتها غير محرقة ولا شديدة مؤذية للناس2. وأنا لا أستبعد أن يكون المراد من ذات البعد، الآلهة التي تشمل برحمتها وبركتها الأبعاد، أي المسافات الواسعة والأماكن البعيدة فضلًا عن القريبة أو الآلهة البعيدة عن الناس التي لا يمكن أن يصل إليها أحد.
وكني عن الشمس في النصوص القتبانية بكنى أخرى، منها:"ذت صنتم"، "ذات صنتم"، "ذات صنت"، و"ذت رحبن"، "ذات رحبان""ذات الرحاب"، و"ذت صهرن""ذات الصهر"3. و"ذت غدرن" أي "ذات الغدر" و"ذات الغدران"، و"ذت برن"، "ذات بران"، "ذات البر"، و"ذت ضهرن"، "ذات ضهران"، و"ذ محرضو ومشرقتن"، أي ذات اللون الذهبي المشرق، و"مشرقتن"، بمعنى الغروب والشروق، و"تدن" "تدان" "تدون"، و"تنف" وذلك في الكتابات السبئية، و"ذت حسولم" "ذات حسول" أي شمس الشتاء، وذلك في النصوص المعينية4.
وقد عرف إله حضرموت الرئيس بـ"سن""سين"، وهو القمر. وهو إله شعب حضرموت الخاص. وقد نعت بنعوت، مثل "ذ علم"، أي "ذو العلم"، بمعنى العالم، وبنعوت أخرى. وورد اسمه في كتابات عثر عليها في "يحا" بالحبشة5.
و"عثر" من الآلهة التي ورد اسمها في نصوص كثيرة من نصوص المسند.
1 Glaser 618، CIS، 541.
2 Handbuch، I، S. 226.
3 W. Fell، SUdarabische Studien، in ZDMG.. Bd.. 54، S. 238، 1900، Neue Katabanische Inschriftten، S. 15.
4 Arablen، S. 245.
5 Rep. Eplgr.، 3616، Grohmann، S. 245.
ورد في نصوص معينية وسبئية وحضرمية وقتبانية. ويقابله Atargatis المدون اسمه في كتب "الكلاسيكيين"، و"عتر" Atar عند السريان، و"عشتر""عشتار". وقد ذكر في نصوص الآشوريين والبابليين والكنعانيين والعبرانيين والحبش وغيرهم، مما يدل على أنه كان من الآلهة التي كانت عبادتها شائعة في منطقة واسعة، وأنه كان من الآلهة الكبرى قبل الميلاد1.
وقد ورد "أم عثتر"، و"أبم عثتر" في بعض النصوص. وقصد بالجملة الأولى:"أم عثتر"، وبالجملة الثانية "أب عثتر""عثتر أب". وقد استنتج "دتلف نلسن" من ذلك أن "عثتر" هنا هو بمثابة الإله الرئيس، فهو أب وأم للآلهة يليه القمر في الترتيب ثم الشمس2. وذهب في بحث آخر له عن ديانة العرب إلى أن المراد بـ "أم عثتر" الشمس، باعتدادها أنثى إلهة أمًّا. أما ولدها فهو "عثتر"3. وليس بمستبعد أن يكون المراد من "أم عثتر" أن "عثتر" بمنزلة الأم للمتعبدين لها، تريد لهم الخير والبركة وتعطف عليهم وتحبهم عطف الأم على ولدها. وأن المراد من "عثتر أبم""عثتر أب"، أن "عثتر" هو بمنزلة الأب للمتعبدين له، يشفق عليهم ويحبهم، ويمنحهم الخير والصحة والبركة. وذهب بعض الباحثين إلى أن المراد من عبارة "أم عثتر"، الإلهة الشمس؛ لأنها أم "عثتر"، وأن المقصود من "أبم عثتر""أب عثتر" لإله القمر، الذي هو زوج الشمس، ومن زواجهما ولد الابن "عثتر".
وقد جاء في نص سبئي وجد في مدينة "صرواح" أن صاحبة النص قدمت إلى الإلهة "أم عثتر""أم عثتر" أربعة تماثيل من ذهب؛ لأنها وهبت لها أربعة أطفال، هم ولد واحد وثلاث بنات، كلهم أحياء يرزقون. ولأنها سرت قلبها بهذه الذرية. وهي لذلك قدمت هذه التماثيل، ولترجو منها أن تستمر في الإنعام عليها، وعلى ابنها وبناتها بالصحة والعافية4. وقد قصد بـ"أم عثتر" هنا
1 Wlnckler، Altorlent. Forschungen، I، S. 528، Hilprecht، Baby.، Exped.، IX، 51، 76. Ency. Religi.، Vol.، II، p. 165.
2 D. Nielsen، Mondreligion. 8. 42.
3 Handbuch، I، S. 228.
4 Handbuch، I، 8. 228، Derenbourg، Etudes Sur L'Epigraphic du Jemen، Paris، 1884، NO: II.
الإلهة الشمس. ويتبين من هذا النص أن السبئيين كانوا ينظرون على "أم عثتر"، نظرة البابليين إلى عشتار على أنها إلهة الخصب1.
وقد عثر في النصوص النبطية، على اسم إلهة هي "ربة العثر""ربت عثر"، أي الشمس2.
وورد اسم "عثتر" في عدد كبير من نصوص المسند على هذا النحو: "عثتر شرقن"، و"عثتر ذ قبضم"، و"عثتر ذ يهرق"، و"عثتر ذ يهر" وهكذا. وتعني جملة "عثتر شرقن"، عثتر الشارق. وقد ذكر أهل الأخبار أن "الشارق" صنم كان في الجاهلية وبه سموا عبد الشارق. مثل "عبد الشارق بن عبد العزى" الجهني شاعر من شعراء الحماسة2. فلفظة "شرقن". إذن، نعت لـ"عثتر"، معناه "الشارق".
ويرى بعض الباحثين أن "عثتر شرقن"، هو الإله الحارس للمعابد والمقابر إليه يُصلى ويُدعى أن تصل الهبات إلى المعابد4. وإليه توسل المتوسلون لحفظ قبورهم من عبث العابثين بها المعيرين لأحجارها الطامعين في كنوزها، ولهذا نعت بـ"عثتر يغل"، أي "عثتر المنتقم"5.
وأما جملة "عثتر ذ قبضم"، فقصد بـ"قبضم" معنى "القابض" أو "الجالس"، أو اسم موضع يقال له "قبض" فيكون المعنى. "عثتر رب موضع قبض"6. وأما "يهرق" و"يهرق" "يهريق" فهو اسم مدينة من مدن معين. كان بها معبد لعبادة "عثتر"7.
وورد أيضًا "عثتر غربن"، أي "عثتر الغارب"، كناية عن غروبه، أو عن طلوعه عند الغروب، فهو إذن نجم الشروق ونجم الغروب، أو النجم الشارق والنجم الغارب. كما ورد "عثتر نورو""عثتر نورن"، أي "عثتر
1 D. Nielslen، AJtarabische Mondreiigion، S. 41.
2 Littmann، NO: 24، LidzbarsUl. Ephem.. Bd.، 3. S. 292. Handbuch، I. S. 227.
3 تاج العروس "6/ 392"، "شرق".
4 Ency. Religi.، 10، p. 883.
5 Arabien، S. 245.
6 Rhodokanakis، Stud. Lexi.، II. S. 27. Ency. ReligL، 10. p. 882، Glaser 1089،1660، Halevy 208.
7 Handbuch، I، S. 228، Hommel، Grundriss، I، S. 85، W. Fell، in ZDMG. Bd.،
54، S. 231-259.
نور" و"عثتر المنير"، تعبيرًا عن لمعانه وعن النور الظاهر عليه، وجاء "عثتر سحرن"، أي "عثتر السحر"، بمعنى عثتر الذي يظهر عند السحر، وعبر عنه بـ"متب نطين"، أي الحامل للرطوبة، تعبيرًا عن الرطوبة التي تكون عند ظهوره، فنسبوها إليه1.
وقد تكرر ذكر اسم "عثتر" في بعض النصوص، على سبيل التوكيد والتشديد في القسم وفي الدعاء، كما نفعل نحن أحيانًا من إعادة اسم الله في الإيمان المغلظة وفي التوسلات عند ساعات المحنة والشدة. ورد:"بعثتر شرقن، وبعثتر ذ قبضن، وود ونكرحم، وبعثتر ذ يهرق، وبكل أل ل أت معن"2. أي: "بعثتر الشارق وبعثتر ذو قبضن وبود، ونكرح، وبعثتر ذو يهرق، وبكل آلهة معين"، أو "وبحق عثتر الشارق، وبحق عثتر القابض أو رب موضع قبض، وبحق ود، ونكرح وعثتر رب يهرق، وبحق كل آلهة معين".
ولدينا جملة أسماء مركبة ورد فيها اسم "عثتر"، مثل "أوس عثتر""أو سعثت" و"هوف عثت""هو فعثت"، و"لحي عثت""لحيعثت" و"عثت" هنا هو اختصار "عثتر"3.
ومن آلهة العرب الجنوبيين الإله "قينن""قينان" وهو إله قبيلة "سخيم". النازلة بـ"شبام"، "شبام سخيم"4.
ومن بين أسماء آلهة العرب الجنوبيين اسم الإله: "أل""إيل" ذكر اسمه مستقلًّا كما ورد مقرونًا باسم الإله "عثتر" كما في الكتابتين الموسومتين بـHalevy 144، وبـ Halevy 150 وقد قدم ذكره فيها على اسم الإله "عثتر"5. وقد ورد بكثرة في الأعلام المركبة.
ومن بين أسماء الآلهة التي ورد اسمها في النصوص العربية الجنوبية، اسم الإله "تلب ريم""تالب ريام" وهو إله خاص بقبيلة "همدان". كما أن "المقه" هو إله "سبأ" و"سين""سن" إله حضرموت، و"عم" إله قتبان.
1 Arabien، S. 245.
2 الفقرة الخامسة من النص: Glaser 1150، Halevy 192.
3 Handbuch، I، s. 228.
4 Arabien، S، 245.
5 Handbuch. I، s. 218، Halevy، in Journal Asiatique، 1872، Tmoe 19، p. 152.
و"ود" إله معين. وقد ظهر بظهور نجم "بني بتع" واشتهر بهم. وكان ظهوره حوالي الميلاد بصورة خاصة. ففي ذلك العهد اشتد أمر أقيال همدان، فاستأثروا بالحكم، ودعوا أنفسهم ملوكًا، ورفعوا إله قبيلتهم فوق الآلهة الأخرى، فنحروا له الذبائح، وقدموا له النذور، وتنافسوا في بناء معبده. ودام عزيزًا مكرمًا ما دام نقوذ ملوك همدان1.
وقد كانت لهذا الإله مثل سائر الآلهة الأخرى جملة معابد، غير أن معبده الأكبر هو المعبد المعروف بمعبد "تلب ريم بعل ترعت" أي:"تألب ريام رب ترعت"2. ويظهر أن كلمة "ترعت" هي اسم موضع، أقيم المعبد عليه. وهو معبد كانت تقدم إليه أقيال "سمعى" وقبائل همدان الأخرى النذور والقرابين والهدايا، وتحبس له الأرضين.
ومن الآلهة التي ورد اسمها في الكتابات العربية الجنوبية، الإله "حول""حويل"، والإله "جلسد""الجلسد". وتدل لفظة "حول" على الحول والقوة. فلعل معنى اسم هذا الإله هو "الحويل"، أي صاحب الحول والقوة. بمعنى القوي. وهو من آلهة حضرموت3.
وورد اسم الإله "حلفن" في جملة أسماء الآلهة المذكورة في الكتابات العربية الجنوبية. وقد ورد في جملة نصوص تتعلق بحبس أموال وبعقد عقود. ويلاحظ أن أصحابها استعانوا بهذا الإله لإنزال النقمة والعذاب وأشد الجزاء بكل من يحاول أن يغير أو يبدل تلك العقود والنصوص، أو يتجرأ فيستولي على الأموال والحبوس المقررة، كما رجوا منه أن يشملهم هم وجماعتهم برحمته وبلطفه وكرمه لإخلاصهم له ولفنائهم في حبه4.
ومن بين الآلهة إله عرف بـ"ذ سموي"، أي "رب السماء"، وهو إله ظهر اسمه قبل الميلاد بقليل5. وقد بقي اسمه متألقًا في سماء اليمن، يقدم إليه الناس النذور والقرابين إلى ما بعد الميلاد. ويرى بعض الباحثين، أن عبادته تدل
1 Ilmukah، S. 68.
2 Hommel، grundriss، I، s. 143.
3 Handbuch، I. S. 188
4 Halevy، 147، 148. Rhodokanais rlddoka S. 22.
5 Handbuch، I، 88.
على ظهور عقيدة التوحيد عند العرب الجنوبيين؛ إذ تدعو إلى عبادة إله واحد، هو "رب السماء"1.
ولدينا كتابة مخرومة أسطرًا، لكنها لا تزال مع ذلك مفهومة، تفيد أن جماعة من الأشرار المارقين تطاولوا على حرم "أوثن ذ سموي" أي "الوثن رب السماء"، فسرقوه، ونهبوا ما كان فيه، واستولوا على ما كان حبس له. ولكن عبدته عادوا، فجمعوا ما سرق، وأصلحوا ما أفسد، وتقربوا إلى الإله "رب السماء" بطلب التوبة والغفران، وختموا نصهم بهذه الجملة:"وذ سموي ليزامتعن شعبهو"، أي "وليمتع رب السماء شعبه"2. ويقصد النص بشعبه أتباع هذا الإله وعبدته.
وإلى هذا الإله، الإله:"ذ سمي""ذ سموي"، إله السماء تعبدت قبيلة "أمر""أمر". ويعد "بعل سمن""بعل سمين""بعل السماوات" إلهًا للبركة والخصب؛ إذ يرسل المطر فينشر الخير للناس3.
ونقرأ في النصوص العربية الجنوبية اسم إله جديد، هو الإله "رحمنن"، أي "الرحمن". وهو إله يرجع بعض المستشرقين أصله إلى دخول اليهودية إلى اليمن وانتشارها هناك. وهذا الإله هو الإله "رحمنه" Rahman-a "رحمنا" في نصوص تدمر4.
وورد في نص: "رحمنن بعل سمين""رحمنن بعل سمن"، أي "الرحمن رب السماء"، أي أنه إله السماء. فصار في منزلة الإله "ذ سموي". ثم لقب بـ"رحمنن بعل سمين وأرضن"، أي "الرحمن رب السماء والأرض" في نصوص أخرى5. فصار إله السماوات والأرضين.
وقد نشر نص بالمسند، وردت فيه جملة:"الرحمن الذي في السماء وإسرائيل رب يهود"6. وهو نص، إن صح نقله عن الأصل بدقة وعناية، وإن صح
1Handbuch، I، 8 104، Rivsta، 1955. Fasc، I، II. p. 109، Le Museon، 1954، Tome،
LXVn، p. 118.
2REP. EPIGR. 850، Rhodokanakls، Stud.، S. 162، Mordtmann، Beitrage، S. 188.
3 REP. EPIGR.، 4142. Aratrien، S. 245.
4 Handbuch، I، S. 104، 248.
5 Le Museon، 1954، Tome، LXVII، p، 103.
6 Margoliouth، Relations، p. 68.
أنه نص صحيح غير مزيف، يشير إلى تأثر صاحبه باليهودية وبعبارة الرحمن. وقد استشهد به من قرأه على تهود صاحبه.
ويرد اسم الإله "بعل سمن""بعل السماء""بعل السماوات" في الكتابات الصفوية، وفي كتابات تدمر، حيث ورد "بعل شمن""بعل شمين"، وفي كتابات بعلبك، وفي كتابات اللحيانيين. وقد ظهرت عبادته قبل الميلاد1. ويظهر لذلك أنه من الآلهة المعروفة عند الساميين وعند العرب الشماليين قبل الميلاد، ومن الجائز أن يكون قد انتقل إلى العرب الجنوبيين من العرب الشماليين.
ووردت في الكتابة الموسومة بـ Se 48 أسماء آلهة هي: "م ح ر ض و""محرضو"، و"م ش ر ق ي ت ن""مشرقيتن" و"نسور" و"أل فخر"2. وقد ذهب "رودو كناكس" إلى أن المراد من محرضو ومشرقيتن الشمس. وذهب آخرون إلى أن المراد بهما القمر والزهرة. وذهب فريق آخر إلى أن المراد بذلك غروب الشمس وشروقها3. أما "نسور"، فاسم إله لعل له صلة بـ"نسر". وقد وردت في نص سبئي هذه الجملة: "بت نسور وبت أل""بيت نسور وبيت أل" ويقصد بـ"بت""بيت" معبد لعبادة هذين الإلهين: "نسور" و"أل" و"أل" هو "إيل""إيلو" إله الساميين القديم4.
وورد في أحد النصوص السبئية هذا التعبير: "أهل نسور" مؤديًا معنى "قوم نسور" و"ملة نسور"، وبراد بهم جماعة هذا الإله التي كانت تتعبد له. وعرف أحد أشهر السنة في النصوص السبئية المتأخرة بـ"ذ نسور"، ولعله أريد بذلك نسبة الشهر المذكور على هذا الإله5.
و"نسور" هو "نسر" على رأي بعض الباحثين. ويرمز إلى القمر"6. وقد حصل المنقبون على أحجار حفرت عليها صورة النسر، فعلوا ذلك على سبيل التيمن والتبرك بهذا الإله.
1 Arabien، S. 86، Ryckmans 20.
2 الجملة الخامسة والسادسة من النص Rhodokanakis، Katabanische، II، S. 28.
3 Katabanische، II. S. 38، Homel. Grundriss، S. 689، 719، Sab. Denkm، S. 80، Sudarabisch، S. 22.
4 Glaser 418، 419.
5 Glase 418، 419، 1549، Katabanische، II، S. 36.
6 D. Nielsen، Neue Katabanische Inschriftten، S. 14.
وورد اسم إله دعي بـ"نسر"، يظن أنه إله "ذ قلع"، "ذو قلاع"، اسم موضع أو قبيلة. ويرى الباحثون أنه الإله "نسور" الذي نتحدث عنه1.
و"نسر" هو اسم صنم من الأصنام التي عرفها أهل الأخبار. فقد زعموا أنه أحد أصنام نوح الخمسة، وأن "عمرو بن لحي" جاء به إلى حمير، فأشاع عبادته بينهم2.
وأما اسم الإله "أل فخر"، فيظهر أنه مؤلف من كلمتين، هما:"أل" اسم الإله "إيل" المعروف عند الساميين، و"فخر"، وهي نعت من نعوت الآلهة. كما في كلمة "أل تعلي" في النصوص القتبانية، وهي بمعنى "الله تعالى" في لهجتنا. و"فخر" العربية، هي مثل "بخرو" في الآشورية، ومنها العلم المركب:"نبخر بلو"3.
وورد اسم الإله: "يعوق" أي الصنم يعوق المعروف، في نص متأخر، يعود عهد إلى ما بعد الميلاد، وورد معه اسم:"رحمنن بعل سمن"، أي "الرحمن رب السماء". وقد أرخ النص بشهر "ذ دون""ذ داون""ذي دوأن" لسنة "574" من التأريخ الحميري. المقابلة لسنة "459" للميلاد4.
وهناك أسماء آلهة لا نعرف من أمرها في الوقت الحاضر شيئًا كثيرًا، من بينها الإله "بلو" وقد عبر عنه بأنه إله البلاء والموت والمنون. وإله يقال له "حلفن""حلفان"، ويقال إنه إله القسم والحلف واليمين، والإله "ورفو"، وهو إله الحدود، أي الإله المختص بالمحافظة على الحدود، و"منضح""منضحت"، وهو إله الماء والري، و"متبقبط"، وهو إله الحصاد عند المعينيين ثم الإله "يهرهم"، وهو إله المطر5.
ولا بد من الإشارة إلى اسم إله ورد في كتابات عثر عليها في "شبام سخيم".
1 راجع النص Rep. Epigr، 4725، Arabien. S. 246.
2 Reste، s. 23. Ryckmans 16. winckler. Arabisch-Semitisch Orientalisch.
3 Katabanische، II، S. 38.
4 Ryckmans، in Le Museon، 1954، Tmoe، LXVII، pp. 100. A. Fakhry، An Archaelohy، Journey To Yemen. III، p. 195، PL: XXLX، XXX.
5 Arabien. S. 246.
وهو الإله "قينن""قينان"، وهو إله "بني سخيم"1.
لقد تجمع لدى علماء العربية الجنوبية من أسماء آلهة العرب الجنوبيين ما ينيف على مائة اسم إله، غير أن أكثر هذه الأسماء ليست في الواقع أعلامًا. وإنما هي صفات ونعوت للآلهة ذكرت بدلًا من ذكر اسم الإله الخاص. أو كناية تشير إلى أسماء المواضع التي كانت فيها معابد تلك الآلهة، فقد كان لبعض المدن معابد خصصت بعبادة إله، ربما كان إله المدينة أوجملة آلهة لها بالطبع صلة بالمدينة وبالشعب الذي تنتمي المدينه إليه. غير أن هذه الآلهة جميعها يمكن رجعها إلى ثلاثة، هي القمر والشمس والزهرة، أي إلى ثالوث يرمز إلى هذه الكواكب الثلاثة2.
وهناك أسماء مثل "يثعم" في السبئية، و"ككون" في المعينية، و"أرن يدع"3. و"سميهت"، و"ذ أينت"، و"نقين" و"نوشو" و"هروم"، يظن أن لها صلة بالآلهة.
وكما حفظت نصوص المسند أسماء بعض آلهة العرب الجنوبيين حفظت النصوص الثمودية واللحيانية والصفوية والنبطية كذلك أسماء بعض آلهة تلك الشعوب. وهي كما يظهر من دراستها وتحليلها خليط من آلهة ترد أسماؤها في روايات الأخباريين، ومن آلهة ترد أسماؤها في النصوص العربية الجنوبية. كما أن بينها أسماء آلهة لم ترد لا في أخبار الأخباريين ولا في نصوص المسند. ولاتصال مواطن هذه الشعوب بمواطن الساميين الغربيين بمواطن الساميين الشرقيين ومتاخمتها لعرب العراق ونجد والقبائل العربية في الحجاز ولصلاتها التأريخية القديمة بالعرب الجنوبيين، كان لدراسة الناحية الدينية عند هذه الأقوام أهمية كبيرة في معرفة التطورات الدينية قبل الإسلام، وهذا الخليط الذي أشرت إليه هو في حد ذاته دراسة قيمة تشير إلى التقاء التيارات الدينية واتصالها بهذه البقاع.
وحفظت النصوص الثمودية أسماء جملة آلهة، تعبدوا لها وتقربوا إليها بالقرابين والنذور. منها الإله:"ود" و"جد هدد" و"شمس" و"عزيز".
1 Arabien، s. 245.
2 Ency Britani، Vol، 19، p. 486.
3 Arabien، s. 246.
و"نعرجد" و"عمى شجا" و"رضو" و"منت" و"كهل" و"نهي" و"إيل""أل" و"لت""اللات" و"عتر سم""عتر سمن" و"صلم" و"منف""مناف".
و"جد" هو إله عرف عند بني إرم وعند العرب الشماليين وفي المقاطعات السورية، وهو إله "السعد" في اليونانية، يسعد الأشخاص والبيوت. وقد سمي به موضع "بعل جد" وموضع "مجدل جد"، وأسماء مواضع أخرى فيها كلمة "جد"1.
وقد وجدت جملة "الإله أزيزوس الفتي الطيب" مدونة على جدران أحد المعابد باللغة اللاتينية، ووجدت جملة أخرى فيها:"الإله الطيب الفتي فوسفورس"2، وفي وصف الإلهين بـ"الفتى" وبـ"الطيب" دلالة على أن المتعبدين لهما كانا يتصوران أنهما كانا فتيين طيبين خيرين يمثلان الطيب والمودة. ونجد في نص تدمري وصفًا للإلهين:"أرصو" و"أزيزو" أي "رصو" و"عزيز"، يشبه الوصف المتقدم؛ إذ ورد:"لأرصو ولأزيزو": الإلهان الخيران المجزيان"، و"أزيزو: الإله الطيب والرحيم". فوصف الإلهان بأنهما خيران، ويجزيان الناس خيرًا. وهي نعوت تمثل وجهة نظر القوم إلى هذين الإلهين.
وقد عثر في "تدمر "على نص ورد فيه: "لأرصو ولأزيزو" الإلهان الخيران المجزيان. قد عمله بعكي "بعلي؟ " بن ير حيبولا أفكل أزيزو الإله الطيب والرحيم. لسلامته ولسلامة إخوته. في شهر أكتوبر من سنة 25. فليذكر الناس يرحى النحاس"3. فنحن أمام إلهين: "أرصو" و"أزيزو"، من آلهة تدمر.
وورد اسم الإله "أزيزوس" والإله "مونيموس" في كتابات عثر عليها في "الرها" وفي حوران وتدمر. وقد ظهر الإلهان في نقش، حفر عليه موكب عربة الشمس. نقش "أزيزوس"، وهو يتقدم العربة، و"مونيموس"، وهو يتبعها4.
1 Hastings، p. 276.
2 رينه ديسو: العرب في سوريا قبل الإسلام "140".
3 رينه ديسو "135 وما بعدها".
4 رينه ديسو "134 وما بعدها".
و"إرصو""أرصو"، هو الإله "رضو" على ما يظن. وأما "أزيزوس""أزيزو"، فهو اسم إله لعله "عزيز"، تحرف فصار على النحو المذكور في الكتابات اللاتينية: والإرمية. وأما مونيموس"، فهو "منعم" وأرى أن عزيزًا ورضيًّا ومنعمًا هي من الأسماء الحسنى، أي نعوت من نعوت الآلهة لا أسماء علم. وذلك على نحو ما نسمي اليوم بـ: "عبد الرضا"، وبـ"عبد العزيز"، وبـ"عبد المنعم".
و"هدد" هو اسم إله تعبدت له شعوب عديدة من شعوب الساميين، منهم بنو إرم والعرب الجنوبيون والشماليون، كما تعبد له الآشوريون. وقد اقترن اسمه عند الآشوريين والبالبيين بـ"رمان"، ودخلت عبادته إليهم من بني إرم الغربيين ويمثل "هدد" مثل "رمان""رمون" Rimmon = Rammon = Ramman إله الهواء والرعد والعواصف، ويظهر أنه من أصل عربي هو "هد". ومن اسم هذا الصنم الاسم "بنهدد""بن هدد""بنحدد" المذكور في التوراة1.
ولا بد أن تكون لهذا الإله صلة بالإله "جد" ومن هذا الاقتران ظهر "جد هدد" في كتابات قوم ثمود.
و"رضو" هو الصنم "رضى" عند الأخباريين، وهو صنم بقي حيًّا تتعبد له القبائل العربية حتى الإسلام، فكسر2. ويرى "دتلف نيلسن"، أنه يمثل الزهرة عند قوم ثمود والصفويين، وأنه في منزلة "عثتر" عند العرب الجنوبيين3. وقد تعبدت له "بنو ربيعة بن كعب"، كما تعبد له أهل تدمر والنبط وأهل الصفاة، وعرف بـ"هـ - رضو""هارضو"، أي بإدخال "هـ""ها" أداة التعريف على الاسم. وقد انتشرت عبادته بين قبائل نجد والحجاز4.
ويرى "رينه ديسو" أن "رضى" إلهة عند الصفويين، وأنها كانت إلهة كذلك عند بقية العرب. أما "أرضو"، فإنه مذكر عند أهل تدمر5.
1 Hastings، p. 323.
2 الأصنام "ص30".
3 Handbuch، I، S. 229.
4 E. Osiander، 499، Reste. S. 58. Ryckmans 18. Jaussen-Savignac، Mission، II، 565، 583، 598، Arabien، S. 84.
5 رينه ديسو "136".
أما "عزيز"، فإنه الإله "عزيزو" Azizo المعروف عند أهل "الرها"، الذي تحدثت عنه. وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنه يمثل كوكب الصباح، أي الزهرة، وقد وصف في كتابة مدونة باليونانية أنه Deus Bonus Puer Phosphorus أي الإله الجميل اللماع ذو الأشعة البراقة التي تشبه في لمعانها لمعان الفوسفور1.
و"كهل" أو "كاهل"، هو "كهلن" المذكور في كتابة معينية. وقد ورد الاسم مقرونًا في نص ثمودي بأداة التعريف "هـ""ها"، أي "هـ ك هـ ل""ها – كهل""هكهل". وتعني لفظة "كهل" المعنى المفهوم منها في عربيتنا، كما تعني "القدير"2.
وتعني كلمة "نهي" في الثمودية ما تعنيه لفظة "حكم" في العربية الجنوبية، أي "حاكم" وحاكم و"حكيم" في بعض الآراء، ولعلها تعني "الناهي" وتكون بذلك صفة للإله. وقد ورد اسم هذا الإله في مواضع عديدة من الكتابات الثمودية3.
وأما "منف"، فإنه الصنم "مناف" المذكور عند أهل الأخبار4. وقد تعبدت له قريش ولحيان، كما تحدثت عنه في موضعه.
وقد ورد اسم "صلم" في عدد من الكتابات الثمودية. ويظهر أن الثموديين كانوا قد أخذوا عبادة هذا الإله من أهل "تيماء". فقد كانت تيماء من أهم الأماكن المتعلقة بعبادة هذا الصنم في حوالي السنة "600" قبل الميلاد". وقد جاءت عبادته إليهم من "بني إرم" ومنهم انتقلت عبادته إلى العرب. وتدل بعض الأسماء المركبة الواردة في الكتابات اللحيانية مثل اسم "صلم يهب" "صلميهب" على أنه كان معبودًا عند اللحيانيين كذلك5. ومن لفظة "صلم" جاءت كلمة "صنم" على رأي بعض المستشرقين.
وقد ورد اسم "عترسم""هـ - عترسم" في عدد من الكتابات الثمودية.
1 Handbuch، I، S. 220.
2 Handbuch، I، S. 215. Glaser 299، Halevy 237، Hommel، Grundriss، s. 163، E. Littmann، Zur Entzifferung der Thamudischen Inschriftten، 1904، S. 75.
3 Handbuch، I، S. 215.
4 أخبار مكة، للأزرقي "1/ 78" Ryckmans 16، Reste، S. 18، Arabien، S. 84.
5 Hubert Grimme، Die Losung des Sinaischriftproblems. Die Altthamudische Schrift، Munster، 1926، S. 23، Arabien، S. 86.
وقد توسل فيها أصحابها منه أن يمن عليهم بالبركة والخير والصحة والسلامة1. وقد جاء اسم هذا الصنم من "عثتر سمن" "عتر سماء"، أي "عثتر السماء".
والإله "ود" هو إله معروف عند الثموديين كما سبق أن ذكرت. وقد تودد إليه عباده والمؤمنون به، فذكروه في كتاباتهم، ورمزوا إليه بصورة حية، كما رمز إليه العرب الجنوبيون بصورة رأس ثور، وقد تعبر صورة الحية عن الروح التي في بدن الإنسان2.
وذهب "دتلف نلسن" إلى أن من بين آلهة ثمود إله اسمه "ملك"، وهو يرى أن الاسم المركب "عبد ملكن"، أي "عبد الملك"، لا تعني كلمة "ملك" الواردة فيه بالمعنى السياسي الذي نفهمه منها، وإنما المراد بها اسم إله. وذهب أيضًا إلى أن لفظة "ملكن" الواردة في النص القتباني الموسوم بـ Glaser 1600 لم يقصد بها ملكًا من ملوك قتبان، بل أريد بها إله اسمه ملكن، أي "الملك". وذكر أيضًا أن اسم "عبد الملك" من الأسماء المعروفة في الجاهلية. ورد في نصوص الثموديين والصفويين3.
وفي الكتابات الثمودية أسماء مركبة مثل "يعذر أل""يعذر إيل"، و"صلم أل""صلم إيل"، و"عزر أل""عزر إيل"، و"سعد أل""سعد إيل"، و"ود أل""ود إيل". اختتمت باسم الإله "أل""إيل" مما يدل على أن "أل" إيل كان من الآلهة التي تعبد لها قوم ثمود.
ومن الأسماء الثمودية المركبة الأخرى "بعثتر" وفيه اسم الإله "عثتر" الذي عرفناها في المسند، و"يثع إمر""يثع أمر" وفيه اسم الإله "يثع" وهو من الأسماء المستعملة بكثرة في العربية الجنوبية. و"صلم دع" و"صلمن دعم"، فـ"صلمن" اسم الإله "صلم" من آلهة قوم ثمود المعروفة. و"تيم يغث""تيم يغوث"، وهو اسم مركب من اسمي إلهين هما:"تيم" و"يغوث"4.
1 Hubert Grimme، S. 43.
2 Arabien، s. 269.
3 Handbuch، I، S. 232، D. Nielsen Studier Over Oldarabiske Indskrifter، Kobenhava. 1906، p. 136. O. Weber Studien zur Sudarabischen Altertumskunde، in MVAG. 1917، S. 26-31.
4 Grimme، s. 33.
ووردت في الكتابات اللحيانية، أسماء جملة آلهة. منها:"ذ غابت""ذو غابة" و"عوض"، و"ود"، و"بعل سمن"، و"سلمان""سلمن"، و"العزي"، و"منف""مناف"، و"جدت"، و"أل""إيل"، و"إله"، و"لت" ألت" و"سمع"، و"نصر"، و"منت"، و"هفلس"، و"عجلبون" "عجلبن"، وأكثر هذه الآلهة كما نرى معروفة، وردت أسماؤها في الكتابات وفي مؤلفات أهل الأخبار.
والإله "ذ غبت""ذو غابة"، هو من أشهر آلهة اللحيانيين. ولعله إلههم الأول والأكبر. ومع ذلك، فإننا لا نعرف عنه شيئًا كثيرًا. وقد كان له معبد في "الديدان"1. وخوطب بكلمة "قدست"، أي القدس أو المقدس في كتابة من كتاباتهم، وقيل إنه في جملة ما قدم إليه من قرابين، قرابين من البشر2.
وليست كلمة "ذ غبت""ذو غابة"، اسم علم للإله. بل هي صفة له، تعني:"صاحب الغابة"، أو "صاحب غابة". وقد وردت لفظة "ذ غبت" في الأعلام المركبة، مثل "عبد ذ غبت""عبد ذو غابة" و"فلح ذ غبت""فالح ذو غابة"، و"خرج ذغبت""خرج ذو غابة". و"مر ذغبت"، أي "مرأ ذو غابة"، و"زيد ذ غبت" أي "زيد ذو غابة". وورد "عرر ذ غبت" أي "عرر ذو غابة" والعرو والعر، الجرب، وهو مرض جلدي معروف. فكأن صاحب الكتابة أراد بها أن الإله "ذو غابة" يرسل هذا المرض إلى مخالفيه ومن يعارض أحكامه أو يعتدي على غيره3.
وأما "عوض"، فقد ورد اسمه في الأعلام المركبة مثل:"عبد عوض"، و"جد عوض"، وقد تعبد له الصفويون كذلك4.
وأما ود، فهو إله عام له شهرة عند العرب، وقد عمت عبادته كل جزيرة.
1 Ryckmans 19، Jausseu-Savignac. Mission. II. 368، 371، 375، W. Caskel، Lihyan، S. 45، Arabien، S. 85.
2 Histoire Generale des Religins Tome IV. P. 312، Preislamiq، p. 19.
3 W. Caskel، Lihyan، S. 44.
4 Hisroire، IV p. 312.Preislamiq، p. 19. Handbuch، I، s. 193.
العرب، والظاهر أنه كان من الآلهة العربية القديمة، وقد بقي معبودًا حتى الإسلام: وهو من الأصنام المذكورة في القرآن1. وقد نعت بـ"أفكل" وورد اسمه في الأعلام اللحيانية المركبة2. وتعبد له تميم، وطيء، والخزرج، وهذيل ولخم، وقريش، وأقيم له صنم في دومة الجندل، صنع على هيئة إنسان. ويرى البعض أنه الإله "أدد" عند ثمود. ويظن أن الصنم "قوس" يرمز إليه، ويرى بعض الباحثين أن "نسرًا" والصنم "ذو غابت" يرمزان إليه كذلك3.
وقد نعت "ود" في بعض النصوص العربية بـ"نحسطب""نحس طب"، ومعناه "الحية الطيب""الحية الطيبة"؛ لأن الحية رمز للإله "ود"4.
ويظن أن اللحيانيين كانوا يتعبدون لهذا الإله منذ كانوا في مواطنهم الأولى، فلما هاجروا إلى "ديدان" لم ينسوه، ولكنهم بقوا يتعبدون له ويتقربون إليه؛ لأنه إله الآباء والأجداد وإله لحيان الأكبر، كما تفعل بقية القبائل في اتخاذ إله الآباء والأجداء الإله الأول للقبيلة، والصنم الأكبر بين الأصنام5.
وأما "بعل سمن" أي "رب السماء"، فقد تحدثت عنه، ووجدنا أنه كان معبودًا عند العرب الجنوبيين، والغالب أنهم أخذوا عبادته من العرب الشماليين. وقد كان له معبد في "ديدان" وقد نعت معبده بـ"أحرم""أحرام" بمعنى "الحرم" أي حرم الإله "بعل سمين""رب السماء"6 وتعبد له "النبط" وكانوا قد أقاموا له مبعدًا في "سيع"، وذلك فيما بين السنة 33/ 32-12/ 12 قبل الميلاد7.
والظاهر أن اللحيانيين قد أخذوا هذا الإله من النبط، وقد تشرف أحدهم بتسمية نفسه بـ"عبد سمن" أي "عبد السماء"8. وقصد بـ"سمن" الإله.
1 سورة نوح، رقم 71، الآية 23.
2 Histoire، IV، p. 312.
3 Arabien. S. 87، Reste، S. 14، Ryckmans، 16، Jaussen-Savignac، Mission، II، p. 395، 581.
4 Grohmann، Gottersymbole، s. 71.
5 Lihyanish، S. 44.
6 Hisroire، IV. P. 312، Preislamiq، p. 20.
7 W. Caskel، Lihyan، S. 45.
8 W. Caskel، Lihyan، S. 124.
"بعل سمن"، أي "رب السماء". وقد اختصر الاسم، فصار "سمن""سمين".
والعزى من الأصنام المعروفة عند أهل الأخبار. وقد بقيت عبادته معروفة إلى الإسلام. وقد أشير إليه في القرآن. وقد ذكر اسمه في كتابات عثر عليها في "العلا"1. وتعبد له النبط كذلك، وصنعت له معبدًا في "بصرى" دعي "بيت إيل"، وعبر عنه بـ"كوكبتا"، أي "الكواكب"، وهو أنثى، أي إلهة2.
وقد ورد اسم "العزى" على هذه الصورة: "هنعزى" في كتابة لحيانية، دوَّنها رجل اسمه "أوس بن حجر"3" ويظن بعض الباحثين، أن العزى تمثل كوكب الصباح. ويظهر أن اللحيانيين قد أخذوا عبادتها من نبط بلاد الشام4. وأنها لم تكن من آلهة اللحيانيين في الأصل، بدليل عدم ورود اسمها كورود "ذو غابة" أو الآلهة اللحيانية الأخرى في النصوص اللحيانية5.
وورد اسم العزى في الأعلام المركبة، مثل:"بل عزيني""بال عزيني" وبـ" إيل عزيني"، أي بـ "العزيني"، وذلك في الكتابات الثمودية. و"تيم العزي" و"عبد العزى" و"أمت العزى"، وفي كتابات أخرى تعود إلى ما بين القرن الخامس قبل الميلاد، والقرن الرابع بعد الميلاد6.
ويظهر من بعض الأعلام اللحيانية المركبة، مثل "أوس يه""أوس يهو"، و"عزريه""عزر يهو"، أن القسم الثاني من الاسم، وهو "يه""يهو"، قريب من "يهوه"، وهو الإله الكبير المعروف عند العبرانيين. فـ"يه""يهو" هو اسم إله من آلهة اللحيانيين.
وأما الإله "جدت"، فالغالب أنه إلهة، أي إلهًا أنثى بدليل وجود تاء التأنيث في آخر الاسم. والأصل هو جدن وهو اسم إله تكلمت عنه7.
1 Histoire. IV، p. 312، Prelslamiq.، p. 20.
2 Doughty، ravels In Arabia Deserta، II، p. 511، 515.
3 W. Caskel، Llhyan.، S. 82.
4 Llhyan.، S. 262.
5 Llhyan.، S. 45.
6 Littmann، Thamud und Safa، S. 29.
7 Ryckmans، Prel^amiques، p. 19، Histoire، IV، p. 312.
وأما "هفلس""ها - فلس"، فإنه "الفلس"، عند أهل الأخبار. وقد ذكروا أنه كان على هيئة حجر أسود تعبدت له "سليم"، أو على صورة إنسان قد من حجر عند طيء1.
و"قيس" و"قيسو" من أسماء الآلهة المذكورة في الكتابات اللحيانية. وقد كان له معبد عرف بـ"بت قس""بيت قيس" في مدائن صالح2.
ويدل وجود اسمه في الأعلام العربية المركبة. مثل "عبد قيس" و"عبد القيس"، أنه كان من الأصنام المعروفة المعبودة عند بقية العرب في مختلف أنحاء جزيرة العرب.
وورد في كتابة لحيانية اسم إله هو: "محر""هـ - محر""همحر" وبعده اسم إله آخر، هو "هنا كتب" ويظهر أنه من الآلهة التي كانت تعبد في العربية الجنوبية وعند المعينيين الشماليين، وتعني لفظة "محر" شريعة، أو قانون أو أمر، أو سُنة. وهو من الآلهة التي اختفى اسمها في الكتابات اللحيانية المتأخرة3.
وأما "هنا كتب""هانئ كاتب""هني""هاني"، و"هنى كتب""هاني كتب" المذكور مع "هـ - محر""همحر""هامحر"، فيرى "كاسكل" W. Caskel أنه الإله "توت" thot4 و"توت" هو إله مصري، ويرمز إليه بصورة قرد. ويمثله الإله "نبو" عند البابليين. ويمثل "توت""هرمس" و"المريخ" Markur فهو الإله الكاتب. ولعل اللحيانيين أخذوا إلههم هذا من المصريين5. ولكننا لا نستطيع أن نجزم أن اللحيانيين قد تصوروا إلههم هذا على صورة "قرد" محاكاة للمصريين لأنهم أخذوه منهم؛ إذ لا دليل لدينا نستدل به على أنهم تصوروا ذلك الإله بصورة قرد6.
1 E. Osiander، 501، Reste، S. 51. Preislamirjues، p. 17 AraWen، 84، Jaussen-
Savlgnac، Mission، II، p. 84.
2 Reste، S. 67. Preislamiques، p. 48، Arabien، 85. Jaussen-Savignac. Mission، II. 501، 520، 528، I، 169، 200. CIS، II. 209، Daughty. Documents EpfgrapWques.p. 38. CIS. II، 19S. J. Euting. Tagebuch.، II، S. 262.
3 Llhyan، S. 45.
4 Preislamiques، p. 20، Arabien، S. 86.
5 Lihyan، S. 45.
6 Lihyan. S. 45.
ووردت في بعض الكتابات اللحيانية أعلام مركبة، جاء فيها اسم هذا الإله، مثل "جرم هنا كتب"، و"زيد هنا كتب". ومعنى "جرم" و"زيد" خادم أو عبد. فيكون الاسم "عبد هنا كتب""عبد هنا كاتب"1.
وما "سلمن""سلمان"، فإنه من الآلهة التي ظهرت عبادتها عند اللحيانيين المتأخرين. ويرى بعض الباحثين أنه والإله "أب ألف""أبو أيلاف" من الآلهة التي كان واجبها حماية القبور. وقد رمز عن "أبي أيلاف" بصورة أسد يوضع عند جانب القبر ليحميه2.
وقد ورد اسم الإله "أبا لف""أبو أيلاف" اسم علم لشخص كان كبيرًا على قومه، وذلك في أيام الملك "عبدان بن هانواس"3.
وورد اسم إله هو "شمس"، وقد عبد عند أهل تدمر أيضًا، كما تعبدت له تميم. ونجد بين أسماء رجال قريش وقبائل أخرى أسماء تدل على تعبد الناس للشمس، ومن هذه الأسماء:"عبد شمس"4.
وأما الإله "عجلبن""عجلبون""عجل بن"، فإنه من الآلهة اللحيانية المتأخرة. ويظهر أن اسمه الأصلي هو "عجل بل""عجل بول""عجلي بل" أي "عجل" و"بول" ونجد اسمه مع "يرحى بول""يرح بل""يرحبل"، و"بل" في الكتابات التدمرية. ويظهر أن تاجرًا جاء به إلى اللحيانيين، وأدخل عبادته عندهم. ويظهر أنه جاء به من العراق5.
ولدينا أسماء ونعوت آلهة تعبد لها اللحيانيون من غير شك، وإن لم نعثر عليها في كتاباتهم، توصلنا إلى معرفتها والوقوف عليها من دراستنا للأسماء اللحيانية المركبة، مثل "كبر أل""كبر إيل"، و"متع أل""متع إيل"، و"ذرح أل""ذرح إيل""ذر حال"، و"عذر أل""عذر إيل"، وأمثال ذلك، فإن اللفظة الثانية وهي "أل""إيل"، هي الإله "إيل".
1Llhyan، 8. 45.
2Uhyan، S. 45.
3Llhyan.، S. 113.
4 PalmjTe، 37، 80، O. Eissfeldt، 95، 101، Arabien، S. 87.
5 Lihyan، S. 45.
"إيلو"، وهو من الآلهة السامية القديمة1.
وبين الأسماء التي وصلت إلينا اسم رجل عرف بـ"عبد قني""عبد قاني"2، مما يدل على أن لفظة "قني"، هي اسم إله أو نعت من نعوت الآلهة.
وورد في الكتابات اللحيانية المتأخرة اسم رجل عرف بـ"عبد غث بن زد له سمم"3، أي "عبد غوث بن زيد لاه بن سمم""سموم"، كما ورد "زد غث"، أي "زيد غوث"4، وذلك يدل على أن لفظة "غوث" اسم إله. وعندي أن "غوثًا" نعت من نعوت الآلهة، أي اسم من أسماء الله الحسنى لا اسم علم لإله خاص.
و"خرج" من الآلهة التي تعبد لها اللحيانيون، بدليل ورود اسمه في أسماء الأعلام المركبة مثل:"زيد خرج" و"عبد خرج"5.
ويعد "رعن" من آلهة اللحيانيين كذلك؛ إذ ورد في الأعلام المركبة، مثل:"رعنا مر"، أي "رعن أمر"، وهو اسم رجل من "ديدان". فـ"رعن" من آلهة الديدانيين أيضًا، ومثل:"رعنا مد""رعن أمد"، ومعنى "أمد" أغضب، و"رعنلثع"، "رعن لثع"، أي "رعن أحاط" و"رعن أدرك". فـ"رعن" إذن اسم إله من آلهة اللحيانيين والديدانيين6.
والإله "يثع" و"يثعن"، من الآلهة التي تعبد لها اللحيانيون، فقد ورد في النص الذي وسمه الباحثون برقم "73" وبـ 73 J S و M 26، اسم امرأة عرفت بـ"أمتيثعن بنت دد"، أي "أمة يثعن بنت داد"، "أمة اليثع بنت داد"، وورد في الكتابات اسم رجل عرف بـ"يثع حيو"7، واسم رجل آخر هو
1 "جرم أل""جرم إيل""عز أل، "عز إيل" "عم أل"، "عم إيل"، "أيس أل" "أيس إيل"، "سعد أل" "سعد إيل"، "يمسك أل" "يمسك إيل"، Lihyan، s 46.
2Lihyan، S. 47، 143، JS 214.
3JS 41، Lihyan. S. 109.
4JS 298. Lihyan، g. 47، 154.
5Lihyan، S. 47.
6hyan، S. 47، JS 108، JS 116، JS 142.
7hyan، S. 100.
"يثعحن"، مما يدل على أن "يثع" كان إلهًا معبودًا ومعروفًا عند بني لحيان". وقد ورد في كتابة من كتابات "ديدان" اسم رجل عرف بـ"يثع أمر" "يثع أمر"، فقد ورد في النص الموسوم بـ"2" من الكتابات القبورية: "كهف: يثعامر"، أي "قبر: يثعامر" "قبر يثع أمر"1. واسم "يثع أمر" هو من الأسماء الشائعة المعروفة عند العرب الجنوبيين، وقد تسمى به ملوك من ملوك "سبأ فالظاهر أنه من الأسماء التي أخذها الديدانيون واللحيانيون عن العرب الجنوبيين، ومن الجاليات العربية الجنوبية التي كانت قد استقرت في أيام عز الحكومات العربية الجنوبية في هذه الأماكن. فـ"يثع" إذن، هو إله من آلهة العرب الجنوبيين في الأصل، انتقلت عبادته منهم إلى أهل ديدان واللحيانيين.
ومن الآلهة التي نجد لها أثرًا في عبادة اللحيانيين من دراستنا لأسمائهم، الإله:"حمد""حميد" فقد ورد في اسم امرأة عرفت بـ"أمتحمد بنت عصم"2. وأرى أن "حمد" أو "حميد ليس اسم إله، أي اسم علم، وإنما هو نعت من نعوت الآلهة، أي اسم من الأسماء الحسنى، التي يسم الإنسان بها آلهته، على سبيل التأدب والاحترام.
ونرى أثر عبادة الإله "مناة عند اللحيانيين من دراستنا للأعلام المركبة أيضًا. مثل: "عبد مناة" "عبد منت"3، و"أسمنت" "أوس منت"، أي "أوس مناة"4، و"عبمنت" اختصار "عبد مناة" و"عبدة مناة"، و"عذ منت"، أي "عوذ مناة"، و"عابذ مناة"، و"هون منت" "هون مناة"، و"نعم منت" "نعمت" أي "نعم مناة"، و"نسمنت" "نسأ مناة"، و"قن منت" "قنمنت"، أي "قين مناة"، و"سنفمنت" "سنف مناة"، و"تهنمنت" "تهنأ مناة"، إلى غير ذلك من أعلام مركبة، ورد فيها اسم ذلك الإله5 الذي هو إلهه، أي أثنى عند العرب. وقد ذكرت.
1.Lihyan s. 78
2 راجع السطر الأول من النص المرقم بـ: 78، المنشور في كتاب: Lihyan s 115.
3 Lihyan s. 103.
4 JS 10، Lihyan، s. 143،
5 Dihyan، s. 46.
في القرآن الكريم. ولا أستبعد أن يكون أنثى عند اللحيانيين أيضًا. ولعل لأصل الكلمة التي أخذ اسم هذه الإلهة منه، وهو "منوتو" Manotu في النبطية، وتعني "منية" في عربيتنا صلة، بجعل الإله إلهة، أي تحويلها إلهة أنثى.
والصنم "اللات" من الأصنام النبطية، المعبودة عند النبط، والمعبودة عند ثمود كذلك، والظاهر أن عبادته انتقلت إلى عرب الحجاز ونجد من العرب الشماليين، الذين تأثروا بعبادة النبط1.
ووردت لفظة "هتهم "في كتابة لحيانية، وردت بمعنى "إلاهتهم" أي تعبيرًا عن إلهة أنثى2. ويظن "كاسكل" أنها تصغير "لات" "لث". و"اللات"، من الآلهة المعروفة المعبودة عند النبط، وكذلك عند العرب الشماليين، وعند عرب الحجاز. وقد ذكرت في القرآن الكريم، وهي إلهة، أي أنثى. وترد اللفظة عندهم في الأعلام المركبة مثل:"تيم اللات""تيم لات"3.
وقد وردت لفظة "هله""هـ - لاه" في كتابة لحيانية، وردت بصيغة التوسل والنداء والخطاب، أي بمعنى:"اللهم" و"يا الله"4. ووردت لفظة "لله"، أي "إلى الإله" أو "لله"، في كتابة أخرى5. وهي لا تعني في كلتا الحالتين إلهًا خاصًّا معينًا، وإنما تؤدي المعنى الذي تؤديه لفظة "إله" و"الإله" في عربيتنا، و God في الإنكليزية، وربما قصد بها إله لحيان الأكبر "ذو غابة"، كما يقصد المسلمون بإطلاقها لفظة "الله"، وذلك للتعبير عن اسم الله بأسلوب مؤدب مهذب6.
ومثل: "هنا له""هنا لاه""هني لاه"، و"نساله""نسألاه""نسي لاه"، و"ودع لاه""ودع له"، و"مرا له""مرأ لاه"، و"تيم له""تيم لاه"، و"وهب له""وهب لاه"، و"زيد له""زيد لاه"، و"جرم له""جرم لاه"، و"سعد له""سعد لاه"7.
1 Lihyan s. 46.
2 Lihyan s.89
3 Lihyan s. 46
4 103 Lihyan s.
5 Lihyan s.104
6 Lihyan s.46
7 Lihyan s. 46
فإن الجزء الأخير من الاسم وهو "له""لاه"، هو "إله". وإله من الألفاظ الدالة على الله، وترد في أكثر اللغات السامية.
ويلاحظ أن أكثر استعمال "أل""إيل" في العبرانية في الشعر وفي أسماء الأعلام المركبة، ولم يستعمل في النثر إلا قليلًا1. أما في اللهجات العربية وفي اللغات السامية الأخرى، فقد استعملت اللفظة في الأعلام المركبة في الغالب، وفي اللغات السامية الأخرى، فقد استعملت اللفظة في الأعلام المركبة في الغالب، وفي معنى "إله" مثل "أل تعلى" أي "الإله تعالى"، وما شاكل ذلك، أي بمعنى اسم من أسماء الله الحسنى وإله.
وعلى الرغم من ورود "أل""إيل" El بصورة يستنبط منها أنها قصدت إلهًا معينًا خاصًّا، أي اسم علم، لا نستطيع أن نقول إن "أل" اسم علم لإله معين مخصوص، مثل الآلهة الأخرى التي ترد أسماؤها في الكتابات، ذلك لأن الذين ذكروا "أل""إيل" في الأعلام المركبة، أو في مواضع أخرى من كتاباتهم لم يقصدوا كما يتبين من الاستعمال إلهًا معينًا اسمه "أل""إيل"، وإنما أرادوا ما نعبر عنه بقولنا "إله" والجمع آلهة. فلفظة "إله" عندنا ليست اسم علم، وإنما تعبر عن اسم الجلالة دون ذكر اسمه. وهي كذلك عندهم وعند بقية الساميين بمعنى "رب"، وإله و"بعل" عند الأقدمين.
ولا يعرف العلماء معنى لفظة "أل""إيل" على وجه علمي دقيق. ولكنهم يفسرونها عادة بمعنى "القدير" و"الحاكم" ومعنى ذلك أن "أل" نعت من نعوت الآلهة، أو اسم من أسماء الله الحسنى بحسب التعبير الإسلامي" ويرى بعض العلماء احتمال عدم وجود صلة له بـ"إلوهيم" Elohim الكلمة العبرانية التي تطلق على الإله2.
وأما آلهة الصفويين، فهي "اللت""لت""هلت"، و"دين""ديان"، و"هله""هـ ل هـ"، و"جد عوذ"، و"بعل سمن"، و"شيع هـ - قوم""شيع القوم"، و"أثع"، و"صالح"، و"ذا الشرا""ذو الشرى"، و "رضا"
"رضى"، و"جد ضيف"، و"رحم""رحيم"3.
1 Hastings، p. 299، Lihyan، s. 46، Le Museon 1954.
Tome ، LXVII، p. 106.
2 Hastings، p. 299.
3 Ryckmans، p. 21.
و"الت"، أي "اللات" إلهة أي أنثى، ويراد بها الشمس، وقد مثلت في بعض النصوص الصفوية بقطعة من الشمس رسمت بصوة بدائية، ورسمت في بعض النصوص السامية الشمالية بشكل امرأة عارية1، رمز إليها بصورة فرس في النصوص العربية الجنوبية، والفرس من الحيوانات المقدسة التي ترمز إلى الشمس عند قدماء الساميين وعند غيرهم من الشعوب، ولذلك كان الناذرون لها يقدمون لها تماثيل مصنوعة على هيئة فرس2.
ولفظة "ديان""ديان"، ليست اسم صنم على ما يظهر، وإنما هي صفة من صفات الآلهة. وهي معروفة في عربيتنا وعند المسلمين، تطلق على الله. وقد استعمل الصفويون "جد عوض" اسمًا لإله، كما استعملوا اسمًا آخر قريبًا منه هو "جد ضيف".
وقد ورد اسم الإله: "جد عوض""هجد عوض" في نص محفوظ في متحف دمشق، وسم بـ Damas 1312 وورد بعده اسم الإلهين:"شع هقوم""شيع هقوم"، و"هلت""اللات"3.
وتقابل لفظة "جد" معنى الحظ في اللغة اليونانية، وقد صار في الأقاليم السورية المتحضرة الإله الحارس للمدينة. و"جد عوذ" هو إله معروف مشهور عند الصفويين، وورد اسمه في كتاباتهم. وقد ذهب "رينه ديسو" إلى أن لفظة "عوذ""عويذ" هي اسم عشيرة أو قبيلة كانت تتعبد للإله "جد"، وكانت سدنته منهم، فنسب إليهم وعرف بـ"جد عوذ""جد عويذ" على طريقة العرب في ذلك العهد من نسبة الأرباب إلى القبائل أو العشائر أو السدنة التي يخدمونها أو على الأشخاص الكبار4.
وقد ورد اسم الإله "جد ضيف""جد ضف" في عدد من الكتابات الصفوية التي عثر عليها في المملكة الأردنية الهاشمية. كما ورد فيها اسم إله آخر هو الإله: "هجد عوذ""ها – جد عوذ"5.
1 ndbuch، I، S. 214.
2 Handbuch، I، 8. 227. Grohmann، Gottersymbole und Symboltiere auf Sud-
arabischen Denkmaler، Wlen، S. 70.
3 Ryckmans، Inscriptions Bafaitlques، Louvain، 1951، p. 87.
4 رينه ديسو "137".
5 Annual of the Department of Antiquities ol Jordan، 1951، Vol.. I، p. 27.
أما الإله "شيع القوم"، فقد ورد اسمه في النصوص النبطية في "بطرا" وفي "تدمر"، وهو إله القوافل في نظر بعض المستشرقين1.
وهو إله يحمي قومه. ولد احتمى به أهل القوافل خاصة من الأعراب، وقطاع الطرق. ولذلك كان النجار وأصحاب القوافل يذكرون اسمه وربما يحملون وثنه معهم لحمايته لهم في أثناء السفر حتى بلوغهم ديارهم سالمين.
وقد نعت في كتابة نبطية دوَّنها أحد نبط "تدمر". بأنه "الذي لا يشرب خمرًا"2 وهذا يعني أن هذا الإله كان يكره الخمور. ويكره شاربيها. ولعل في ذلك فكرة تحريم الخمر عند جماعته. وقد كان في الجاهليين من حرموا الخمر على أنفسهم. كما نعت بـ"الإله الطيب المجازي"3. وهو نَعْت نُعِت به وبمثله آلهة أخرى. وقد ذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود جماعة من النبط ومن غير النبط كانت تحرم شرب الخمر، بدليل ما جاء في النص النبطي من نعته بأنه "الإله الطيب المجازي الذي لا يشرب الخمر"4. و"يثع" هو في جملة الآلهة التي تعبد لها الصفويون، كما تعبد لهم غيرهم أيضًا. وقد قلت سابقًا باحتمال انتقال عبادته إلى هذه الأرضين من العرب الجنوبيين الذين كانوا قد نزحوا إليها واستولوا عليها وذلك قبل الميلاد. وتعني لفظة "يثع" الحامي والناصر والمساعد، وقد حرف في اليونانية إلى "أيثاؤس" و"يشع". وقد ورد "يثع" في نص توسل فيه صاحبه إلى هذا الإله أن يعينه على المكاره، وتوسل آخر إليه أن يثأر ممن يتبعه، وطلب إليه آخر أن يشفيه من المرض5.
و"رحم""رحيم" مثل "رحمن"، أي "الرحمن"، لعلهما اسمان من أسماء الله الحسنى في الأصل، ثم صارا اسمين علمين. وينطبق هذا القول على لفظة "صالح" الواردة في نصوص الصفويين6.
1 Histoire، IV، P. 14.
2 Littmann، Semitic Inscriptions، 1904، p. 70. Montgomery، p. II، Cooke، North Semetic Inscriptions، p. 304.
3 رينه ديسو "145".
4 رينه ديسو "145".
5 رينه ديسو "143 وما بعدها".
6 Preisiamiques،p. 23.
وقد قرأ بعض "الباحثين لفظة "حم": "رحام". أما "نولدكه"، فقد قرأها بتشديد حرف الحاء1. ولعدم وجود علامات لحركات الحروف، يجوز أن تقرأ الكلمة "رحيم"، كما ذكرت آنفًا. وقد ورد اسم هذا الإله في نص تدمري أيضًا؛ لأنه كان معبودًا عندهم أيضًا2.
وقد ذكرت "الشمس" في نص أو نصين أو أكثر من ذلك بقليل من النصوص الصفوية. وعبادة الشمس، هي عبادة قليلة الانتشار بين الأعراب، على عكس الحضر الذين كانوا يتعبدون لها. ولهذا كان أكثر الذين عبدوها من الحضر، أو من الأعراب الذين تطوروا بأن ركنوا إلى حياة الحضر، أو توسطوا بين الحياتين3.
وفي جملة النصوص الصفوية التي ورد فيها اسم "الشمس"، نص سجله رجل اسمه "خالص بن شهم4 بن عمرة بن عم"5. وقد توسل إلى "شمس وجد عوذ واللات" أن تنزل العمى بمن يتطاول على الكتابة فيمحوها ويطمس معالمها6.
و"شمس" من هذه الآلهة التي ذكرت في الأعلام المركبة؛ إذ ورد "عمشمس""عم شمس"7. وهي إلهة معروفة. تعبد لها العرب الجنوبيون وغيرهم من العرب، كما أنها من الآلهة المعبودة عند بقية الساميين. ويرى "كاسكل" أن الشمس كانت تعد إلهًا ذكرًا عند أكثر العرب الشماليين في هذا العهد، أي في القرن الأول قبل الميلاد، والقرن الأول للميلاد8.
ونجد اسم الإله "بعل سمن" في الكتابات الصفوية كذلك9. والصفويون.
1 رينه ديسو "144".
2 رينه ديسو "144".
3 رينه ديسو "144 وما بعدها".
4 "شهم""شهيم" على هذه الصورة: "شوهيم" دونها مترجم: رينه ديسو، أما الأصل الصفوي، فهو "شهم" راجع رينه ديسو "142".
5 في الأصل "عمرت"، "عمرة" في الترجمة "عميرت" رينه ديسو "142". و"عم" في الأصل، في الترجمة "عوم" رينه ديسو "142". ربما "عوام".
6 رينه ديسو "142".
7 Lihyan، s. 47، 144.
8 Lihyan، s. 48.
9 Littmann، Safa، s. 58.
هم كما ذكرت قبائل عديدة طافت في هذه الأرضين التي عثر على الكتابات الصفوية بها، وهم من مواضع متعددة، ولم يكونوا من موطن ثابت، لذلك كانوا يعبدون آلهة مختلفة، آلهة قبائلهم، وآلهة قبائل سبقتهم، وآلهة قبائل اختلطوا بها فأخذوا عنها معبوداتهم، مثل هذا الإله "بعل سمين"، أي بعل السماء، أو رب السماء.
وتعد اللات من أهم الآلهة عن الصفويين، بدليل كثرة ورود اسمها في كتاباتهم. فقد ورد اسمها في أكثر من ستين مرة في الكتابات1.
و"هـ ل هـ"، "هله" هي بمعنى" "اللهم". فلفظة "له" هي بمعنى "إله" و"لاه" وقد ذهب بعض المستشرقين إلى أنها تعني "الله". وإذا صح هذا الرأي، دل على أن لفظة الجلالة "الله" كانت معروفة عند العرب الجاهليين قبل الإسلام بقرون. وقد وردت في عدد من النصوص الصفوية مسبوقة بحرف "الهاء" في الغالب، وهو حرف النداء، كالذي ورد في نص صفوي سجله شخص اسمه "سني بن سني بن محنن"، ذكر فيه أنه عثر على أثر عمه، ثم توسل إلى "له" إذ خاطبه بقوله: "فهله سلم لذ ساد وغيرت"، أي: "فيا الله امنح السلامة لمن سار بمعنى سافر وساعده"2.
و"رضى""رضا" هو من الآلهة التي تعبد لها الصفويين كذلك، وقد تحدثت عنه في مواضع عدة، إذ كان معبودًا عند غيرهم أيضًا. وهو "أرصو""أرضو" في الغالب، الذي يرد في نصوص تدمر. وقد ورد اسم "رضى" في عدد من الكتابات الصفوية، يتوسل فيها أصحابه إليه أن يمنَّ عليهم بالسلامة والنعم، وأن يبعد عنهم شر الأعداء وكيدهم، وأن ينزل النقمة وغضبه على أعدائهم، إلى أمثال ذلك من توسلات وأدعية3.
وورود "عبد حت"، أي "عبد حوت"، في الكتابات المتأخرة4، يدل على أن "حوتًا" من أسماء الآلهة التي تعبد لها اللحيانيون.
1 العرب في سورية قبل الإسلام "111".
2 رينه ديسو "134".
3 رينه ديسو "134".
4 Lihyan، s. 47، 143، Js 89.
و"حمل" اسم إله أيضًا، لورود اسمه في الأعلام المركبة مثل:"عبد حمل"1، وهو من الأسماء التي وردت في الكتابات اللحيانية المتقدمة2.
وكثيًرا ما نجد أناسًا يتوسلون إلى هذه الآلهة بأن تمنحهم السلام والرحمة، وأن تنكل بأعدائهم، بل نجد شواخص القبور، ترجوها أن تصيب بالعمى من يطمس كتابة الشاخص، الذي يحمل اسم صاحب القبر المدفون فيه وأن تنزل به الأمراض والآفات3. ومعنى هذا أن المؤمنين بها كانوا يعتقدون أنها تثيب وتعاقب، تمنح السلام والخير، وتنفع وتضر وتنزل الأذى بمن تريد وتشاء، ولهذا التوسل الناس إليها وخاطبوها، إما لرجاء وإما لإيذاء.
أما آلهة النبط، نبط "بطرا"، فهي:"ذو الشرى" Dushara، و"اللات"، وهو إلهة، "أم الآلهة"4، و"منوتو"، أي "مناة"5، و"قشح"، و"هبلو"، أي "هبل"، و"شيع القوم" حامي القوم، وإله القوافل6.
وأما "ذو شرا" Dausarys = Dousares "دوسرا"، فإنه "ذو الشرى" الذي يرد اسمه عند أهل الأخبار. وهو من آلهة "بطرا"، وقد زعم أنه في منزلة "ديونيسوس" Dionysos. وعرف بـ Deos Arabikos = Dieu Arabiques في بعض الكتابات اليونانية التي عثر عليها في الأردن، والتي يعود عهدها إلى سنة "116-117" أو "126-127" للميلاد، مما يدل على أنه كان من الآلهة المعروفة بين العرب، وأنه إلههم الخاص بهم7.
وذكر أن Dusares هو في منزلة Dionysus، وقد عرف عند اليونان بأنه إله العرب، كما ذكرت. وأنه الإله Pakades عند النبط، وله مبعد في "جرش" Gerash8.
1 Lihyan، s. 47.
2 Lihyan ، s. 143.
3 راجع النصوص في رينه ديسو "ص126" فما بعدها".
4 CIS، II، 85، 98، NSI، 80، Ency. Religl.، 9، p. 112.
5 CIS. II، 97، 98، NSI. 79. Ency. Religl.، 9، p. 22.
6 Ency. Religl.، 9، p. 22.
7 R. De Vaux، Une Nouvelle Inscription au dien Arabikue، ADAJ، I، 1951،
p. 23. Arabien، S. 86.
8 BASOR، NUM: 83، 1941. p. 8.
وورد اسم "دشر""دوشرا" Dushares، في عدد من النصوص الصفوية. ورد في هذه الجملة مثلًا:"فهلت وهدشر ثار لمن حولت"1. أي "فيا اللات ويا ذو الشرى، إثأرا ممن يحول" ويقصد بـ"يحول"، يحول شاهد القبر الذي كتبت عليه هذه الكتابة كما ورد في عدد من الكتابات يرجو فيها أصحابها من هذا الإله أن ينعم عليهم بالسلامة وأن يتقبل منهم أعمالهم.
وقد ورد مع اسم "ذي الشرى" في بعض الكتابات النبطية، اسم الإله "هبل" واسم "مناة". و"هبل" هو صنم قريش الرئيس. وهو إله الكعبة ويرمز إلى القمر. وقد وضع في الكعبة على هيئة إنسان وأمامه حفرة عبر عنها بلفظة "بغبغ"، وكانت يده اليمنى مكسورة، فعوضته قريش بيد من ذهب، والظاهر أن الحية ترمز إليه، أو إلى ود، وأن الحية التي قيل إنها كانت في بئر زمزم، هي رمز هبل2.
وورد اسم "اللات" مدونًا في نصوص نبطية عديدة، فقد عثر بـ"صلخد" على كتابات من سنة "40" قبل الميلاد، وسنة "50" بعد الميلاد، وسنة "95" للميلاد، وعلى نصوص أخرى، وقد ذكر فيها اسم هذه الإلهة، وأشير فيها إلى تشييد معبد خصص بعبادتها، وإلى سدنة كانوا يقومون بخدمتها. ووجدت كتابات في مواضع نبطية أخرى. ورد فيها اسم "اللات" ويدل كل ذلك على أن اللات كانت من المعبودات المقدرة عند نبط هذه الديار3.
أما الكتابات النبطية المدونة في أماكن أخرى من بلاد الشأم وفي أعالي الحجاز، فقد ورد فيها اسم "اللات". ورد فيها على أنه من الآلهة الكبيرة، التي يخدمها سدنة، ولها معابد خصصت بعبادتها فقد جاء في نص مؤرخ بسنة "47" للميلاد أن شخصًا اسمه "ملكو بن قصيو""مالك بن قصي" أو "مليك بن قصي"، كان كاهنًا "للات" في موضع "حبرن""حبران"، وهو من جبل حوران4.
1 Annual of the Department of Antiquities of Jordan Vol، II، P. 28، 1935.
2 الأزرقي، أخبار مكة "1/ 68 وما بعدها".
3 رينة ديسو "ص116 وما بعدها".
4 رينه ديسو "115" Jaussen – Savignac، Mission، II، p. 506.
وأما آهلة "تدمر" فهي "بل"، "أي "بعل" و"عزيزو"، و"أرصو" "أرضو"، و"شيع القوم"، و"شمش" "شمس" و"اللات"، و"إيل"، و"بعل شمين"، و"سعدو" ويلاحظ أن الكتابات التدمرية تستعمل في الغالب الكنايات والنعوت الإلهية بدلًا من أسماء الآلهة، فاستعملت "تبارك اسمه"، و"رب العالم"، و"الله المحسن"، و"رب العالمين"، وأمثال ذلك كناية عن آلهة تدمر. وهي تشير إلى وجود فكرة التوحيد عند التدمريين، وإلى أغرب أهل تدمر عن التصريح بأسماء الآلهة، والاكتفاء بذكر نعوتها وأسمائها الحسنى، على طريقة العبرانيين في تجنب ذكر اسم الإله، والتكنية عنه بنعوته. وقد يكون لآراء الفلاسفة اليونان أثر في معتقدات أهل تدمر في آلهتهم1.
ويرى "ليدزبارسكي" Lidzbarski أن "بل" هو إله تدمر الأكبر. وهو "بعل". ولمركزه الخطير عند أهل تدمر، دعاة اليونان "زيوس" zeus أما "ملك بل"، فإنه الشمس، وأما "عجلى بل"، فهو القمر. ويقدم عادة على "ملك بل" في الكتابات. وتقدم القمر على الشمس عادة قديمة عند أهل تدمر لا بد أن يكون لها سبب بالطبع2.
أما الإله "عزيزو" فهو العزى. ويؤيد ذلك ما ذكره أحد الكتبة اليونان من أنه كان كوكب الصباح عند العرب، وأنه الإله الرءوف الرحيم الذي عبدته العرب قبل الإسلام. ويلاحظ أن هذا النعت وارد في نص تدمري، مما يثبت كون "عزيزو" هو "العزى" الإله الشهير3.
وأما "أرصو""أرضو"، فيظن "ليدزبارسكي" أنه Oratal الذي ذكر المؤرخ "هيرودوتس"، أنه أحد آلهة العرب الكبرى مع الإله "اللات" ويظن أن "أرصو" هو "رضا""رضى" الإله الذي أشار إليه الأخباريون.
وأما اللات، فقليل الورود في النصوص التدمرية مع شيوع الأسماء المركبة
1 Ency، Religi، 9، p. 592.
2 Ency، Religi، 9، p. 593.
3 Ency، Religi، 9، p. 594.
المؤلفة منها ومن كلمات أخرى عندهم1.
وأما "منوتو" فإنه "مناة" المذكور في القرآن2. وكان له معبد في "فديد" بين مكة والمدينة، وقد صنع من حجر، وتعبدت له الأوس والخزرج، وهذيل، وخزاعة. وتعبد له النبط كذلك، وأقاموا له معبدًا أشير إليه في كتابات "مدائن صالح"، كما تعبدت له ثمود ولحيان ونبط تدمر4. وهو أنثى في نظر أهل الأخبار، والظاهر أن بينه وبين المنية صلة، كما بينت ذلك قبلًا.
وقد عبد الإله "بعل شمن""بعل شمين" في تدمر. وقد رأينا أنه عبد عند اللحيانيين والصفويين، وعند غيرهم أيضًا. وقد وجد اسمه في كتابة تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد، تبين منها أنه كان معبودًا في "بعلبك" وهو كما قلت الإله "بعل سمن"4.
وأما "سعدو" فقد رأى بعض المستشرقين أنه الإله "القمر" وأنه الصنم "سعد" وهو من الأصنام التي ذكرها أهل الأخبار. وقد تعبد له بعض كنانة، ويقال هذيل، كما تحدثت عنه5.
وورد في بعض كتابات "حوران" اسم إله دعي بـ"قصي" وإليه تنسب بعض الأعلام المركبة التي ورد فيها اسمه، مثل "عبد قصي" ويظن أنه الإله المسمى بـ"زيوس كاسيوس" Jupiter Casius وبـ Zeus Kasio = Jupiter casiu ، في الكتابات اليونانية6. وفي جملة هذه الأسماء المركبة المعروفة التي وردت إلينا، اسم "وهب لث"، أي "وهب اللات"، وهو اسم ابن الملك "أذينة" من زوجه "زنوبيا"، أي "الزباء"7.
1 Ency. Rellgi.، 9، p. 594.
2 سورة 53، الآية 20.
3 Jaussen-Savignac، Mission، I، p. 169، 192، CIS، II، No: 224، J. Starcky،
Palmyre، 85، Arablen، S. 84.
4 Arablen، S. 86، Ryckmans، JO.
5 O. Elssfeldt، 150، Arabien، S. 85، Handbuch، I، B. 234.
6 Arablen، S. 86.
7 رينه ديسو "122".
وقد ذهب "رينه ديسو"، إلى أن العنصر العربي كان مهمًّا في تدمر، وله أثر في حياة المدينة، وأنه هو الذي أدخل عبادة اللات إلى تدمر، وقد عبر عنها بـ"أثنيا" ولهذا ترجموا اسم ابن الزباء أي "وهب اللات"، بـ"أثينودور" Athenodore1.
وجاء في كتابات نبط "مدائن صالح" اسم إله عرف بـ"شيع هقوم""شع هقم""هشع هقم""شيع هاقوم""شيع القوم"، وهو إله القوافل والمحاربين يدافع عن القوافل وعن رجالها ويصد عنها لصوص الطرق وقطاعها، ولهذا كان يتقرب إليه التجار بالنذور وبالدعوات لينزل بمن يتحرش بتجارتهم العذاب الأليم2. وهو أيضًا من آلهة قوم ثمود والصفويين3، كما تحدثت عن ذلك.
وقد بني للعزى معبد في "بصرى"، عرف بـ"بت أل"، أي "بيت إيل"4.
وأما آلهة "ديدان"، فلا نستطيع التحدث بإفاضة عنها؛ لعدم وصول كتابات ديدانية إلينا، فيها ذكر لتلك الآلهة، وفي الأسماء الديدانية المركبة أسماء آلهة، على رأسها "أل""إيل" الذي ورد في "كبر - أل""كبر إيل"، و"منع أل""متعال""متع إيل"، و"ذرحال""ذرح إيل"، و"وسقال""وسق إيل"، و"أل - بر""إيل - بر" و"العم""إيل - عم" و"شيمال""شيم - إيل"، و"الأب""أل أب"، "إيل أب"، فإن "إيل""أل" في هذه الأسماء هو الإله "إيل"5.
ثم" إله"، و"يثع"، و"خرج"، و"رعن"، و"دد""داد"، و"نعر"، و"قس""قوس""قيس". وبعض هذه الألفاظ نعوت للآلهة، لا أسماء أعلام، وبعضها من أصل عربي جنوبي، مثل "يثع" فإنها نعت من نعوت الآلهة، معناه:"المساعد""الناصر""المؤيد".
1 رينه ديسو "122"
2 Arabien، S. 86.
3 F. V. Wineth، Safaitic Inscriptions from Jordan. University of Toronto Press، 1957، p. 20.
4 Arbien، S. 82.
5 Lihyan، s. 37.
وقد عرف عند السبئيين. وبعض آخر من أصل شمالي مثل "دد""داد"، فإنه من معبودات الكنعانيين والنبط1.
ويرى "كاسكل" أن "خرجا" هو إله، والخرج في العربية أول ما ينشأ من السحاب، وبه سمي "الخرج". وقد ورد في الأعلام المعينية المركبة:"عبد خرج"، و"زيد خرج"2. ويحتمل أن يكون قد جاء إلى الديدانيين من المعينيين الذين كانوا أصحاب ديدان قبل الديدانيين.
ويرد "دد""داود" في الأسماء المركبة كذلك، وكذلك بصيغة التأنيث أي "ددت""دادت"، أي إلهة ويعني "دد" عم2" فقد ورد "حي- دد" "حي داد" وورد "عبد ددت" أي "عبد دادت"، يدل على أن "داد" إله من الآلهة المعبودة. وأن ددت إلهة".
و"قس" أي "قوس" هو أيضًا من أسماء الآلهة، إذ ورد مكونًا لاسم رجل، عرف بـ"جلتقس"، أي "جلت قوس"4. وورد اسم آخر في الأعلام المركبة كذلك، هو "قس" في اسم "عبد قس" ويمكن أن يقرأ "قوسًا" كما يمكن أن يقرأ "قيسًا" أي "عبد قيس"، و"عبد قيس" و"عبد القيس" من الأسماء المعروفة عند العرب. فـ"قوس" و"قيس" من الآلهة المعروفة عند العرب.
و"قوس" هو من آلهة بني أدوم" أي الأدوميين إذ كان يعبد عندهم. وقد ذهب "بروي" Braeu إلى أن الإله "قيس" هو إله واجبه حماية الحدود5.
ووردت لفظة "صلم" في الأعلام المركبة كذلك، مثل "صلمجد" أي "صلم جد" ومثل "صلميحب""صلم يحب"6. ومعنى ذلك أن "صلما" هو اسم إله.
يلاحظ أن بين الآلهة المذكورة أسماء هي في الواقع ليست أسماء. وإنما هي
1 Lihyan، S. 38.
2 Lihyan، S. 38.
3 Lihyan، S. 38. Lihyan، s. 47. 145.
4 Lihyan، s. 47. 146.
5 Lihyan، S. 47. Brau، In WZKM، XXXII، 56.
6 Lihyan. S. 47. 152، JS 314، 382.
الفصل السبعون: أصنام الكتابات
مدخل
…