الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الخامس والستون: الروح والنفس والقول بالدهر
مدخل
…
الفصل الخامس والستون الروح والنفس والقول بالدهر
ويحملنا قول بعض الجاهليين بوجود البعث، وبالصدى والهامة، على التحرش بموضوع الروح وماهيتها عند أهل الجاهلية، وعن كيفية تصورهم لها. وقد سأل أهل مكة الرسول عن ماهية الروح، فنزلت الآية:{وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} 1. ويذكر المفسرون أن اليهود حرضوهم على توجيه هذا السؤال إلى الرسول، امتحانًا وإحراجًا له2. وفي سؤالهم له عن الروح معنى اهتمام القوم بالموضوع، ومحاولة إثارة مشكلة للرسول كانت مهمة في أعين الناس يومئذ، مما يدل على أهمية هذه القضية في ذلك العهد. وورد أن يهود يثرب هم الذين سألوه عن أمر الروح ما هي؟ وكيف تعذب الروح التي في الجسد؟ فنزل الوحي عليه بالآية المذكورة3.
و"الروح" في تعريف علماء اللغة ما به حياة الأنفس، والذي يقوم به الجسد وتكون به الحياة. وذهب بعضهم إلى أن الروح والنفس واحد، غير أن
1 الإسراء، الآية 85.
2 القرطبي، الجامع "10/ 325".
3 تفسير الطبري "15/ 104 وما بعدها"، القرطبي، الجامع "10/ 323 وما بعدها" تفسير الطبرسي "15/ 93"، "بيروت 1956"، تفسير ابن كثير "3/ 61"، تفسير البيضاوي "15/ 382"، تفسير أبو السعود "2/ 230"، تفسير السيوطي "4/ 199 وما بعدها"، تفسير الكشاف "2/ 197"، إرشاد الساري "7/ 212".
الروح مذكر والنفس مؤنثة1 وقال بعض آخر الروح هو الذي به الحياة، والنفس هي التي بها العقل، فإذا نام النائم قبضت نفسه، ولم يقبض روحه، ولا يقبض الروح إلا عند الموت. وذكر بعض العلماء: لكل إنسان نفسان: إحداهما نفس التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام، فلا يعقل بها، والأخرى نفس الحياة، وإذا زالت زال معها النفس، والنائم يتنفس. وقد يراد بالنفس الدم، وفي الحديث: ما ليس له نفس سائله، فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه فعبر عن الدم بالنفس السائلة، وكما ورد في قول السموءل:
تَسيلُ عَلى حَدِّ الظُباتِ نُفوسُنا
…
وَلَيسَت عَلى غَيرِ الظُباتِ تَسيلُ
وإنما سمي الدم نفسًا لأن النفس تخرج بخروجه2.
وقد يعبر بها عن الإنسان جميعه، وعن الجسد2. وهناك كلمة أخرى ترد في معنى "الروح"، هي "النسيم". و"النسم" نفس الروح كالنسمة، يقال ما بها نسمة، أي نفس، وما بها ذو نسيم، أي ذو روح. والنسم نفس الريح إذا كان ضعيفًا كالنسيم4. وقد ربطوا بين النسيم الروح، لما كان قد علق في أذهانهم إذ ذاك من أن الروح نوع من أنواع النسيم، وهو النفس الذي يتنفسه الإنسان، ومن أن النفس من النسيم كذلك، وأن بين التنفس والنفس صلة، والتنفس يكون بالنسيم، ولهذا قالوا لمن يموت موتًا طبيعيًّا: "مات حتف أنفه" و"مات حتف فيه" والحتف الموت؛ لأن نفسه يخرج بتنفسه من أنفه أو فيه. ولأنهما نهاية الرمق، ومنهما يكون التنفس5.
ويظهر من دراسة معاني الكلمات المذكورة، أن لفظة "نفس" هي بمعنى الإنسان والجسد في الشعر الجاهلي القديم، أما الروح" فبمعنى النفس،
1 تاج العروس "2/ 147"، "روح".
2 اللسان "6/ 233 وما بعدها"، نفس".
3 اللسان "6/ 234 وما بعدها"، "نفس".
4 تاج العروس "9/ 74 وما بعدها"، "نسم"، اللسان "2/ 462"، تاج العروس "2/ 147".
5 تاج العروس "6/ حتف".
أي التنفس واستنشاق الهواء والريح1. وتقابل لفظة "نفس" لفظة "نيفش" Nephesh في العبرانية، وتطلق على نفس كل كائن حي، من إنسان أو حيوان، وبهذا المعنى وردت في العهد القديم2. وتقابل لفظة Soul في الإنكليزية و Seele في الألمانية. وقد استعملت لفظة psyche اليونانية بمعنى نفس في العهد الجديد3. ومن هذه اللفظة اليونانية أخذ العلماء مصطلحهم Psychology Psychologie أي علم النفس، ثم مصطلحات العلوم الأخرى المتعلقة بموضوع النفس. وهي في الوقت الحاضر علوم عديدة.
أما لفظة "الروح"، فتقابل كلمة "روح" Ruach في العبرانية ولفظة Spirit في الإنكليزية، و Geist في الألمانية، وتكون في مقابل النفس في علم النفس، وتقابل لفظة Pneuma في اليونانية، ومعناها الهواء والريح والنفس.
ونجد بين المعاني التي ذكرها علماء العربية للألفاظ المذكورة، وهي: النفس، والريح، والهواء، والنسيم وبين المعاني الواردة في اللغات الأعجمية عنها شبهًا كبيرًا، يرجع على وجهة نظر الإنسان في تفسير مظاهر الحياة، وشعوره بوجود شيء في نفسه خارج عن حدود المادة، أي عن الجسم أو الجسد، لا يمكن أن يمسكه ولا أن يلمسه، فسماه "نفسًا" تارة وسماه "روحًا" تارة أخرى، وفرق بين الاثنين تارة ثالثة. وقد تصور أن النفس والروح، شيئان لهما علاقة بالحياة. فنسب الحياة إليهما أو إلى أحدهما. ونظرا إلى أنهما غير محسوسين، ولا يمكن الإمساك بهما أو لمسهما، تصورهما الإنسان تصورًا يختلف باختلاف درجة مداركه ومقدار ثقافته ودرجة ما توصل إليه من علم في ذلك الوقت.
وقد تصور اليونان النفس، على أنها هواء ونسيم، وتصوروها على هيئة طائر صغير في شكل الإنسان، أو على شكل طير، أو فراشة4. وهو تصور عرف عند غيرهم أيضًا، بل يكاد يكون الغالب على الناس. ولا زال الناس يصورون الروح على هيئة طائر، يسبح في الفضاء، فإذا مات الإنسان صعدت روحه إلى خالقها، أو إلى السماء فالأرواح طيور تكون في الإنسان، إذا انفصلت عن
1 Shorter Ency، p. 433.
2 التكوين، الإصحاح الأول، الآية 200.
3 إنجيل متى، الإصحاح السادس عشر، الآية 26. Hastings، p. 872
4 H. Schmidt، Philosophisches Worterbuch، s. 518
الجسد مات وأخذت هي تطير مزفرفة في الأعالي. وبهذا الرأي أخذ بعض الجاهليين تفسير النفس. تصوروا "النفس طائرًا ينبسط في الجسم، فإذا مات الإنسان أو قتل لم يزل يطيف به مستوشحًا يصدح على قبره". "وكانوا يزعمون أن هذا الطائر يكون صغيرًا ثم يكبر حتى يكون كضرب من البوم وهو أبدًا مستوحش ويوجد في الديار المعطلة ومصارع القتلى والقبور، وأنها -أي النفس- لم تزل عند ولد الميت ومخلفه لتعلم ما يكون من بعده فتخبره"1 وزعموا أنه إذا قتل قتيل فلم يدرك به الثأر خرج من رأسه طائر كالبومة. وهي الهامة، والذكر الصدى، فيصيح على قبره اسقوني اسقوني، فإن قتل قاتله كف عن صياحه. وكان بعضهم يقول إن عظام الموتى تصير هامة وتطير. وذكر أن الصدى حشو الرأس، ويقال لها الهامة أيضًا، أو الدماغ نفسه2.
وكان من زعم بعض الجاهليين، أن الإنسان إذا مات أو قتل اجتمع دم الدماغ أو أجزاء منه، فانتصب طيرًا هامة، ترجع إلى رأس القبر كل مائة سنة3. ويرجع هذا الرأي إلى عقيدة قديمة تعتبر الدم مقرًّا للنفس، بل تجعل الدم في معنى النفس، والنفس في معنى الدم، وذلك للصلة الوثيقة الكائنة بين الدم والنفس، ولأن الإنسان إذا قتل سال دمه. فتخرج روحه بخروج الدم من الجسم، أي خروج النفس من الدم، بعد أن كانت كامنة فيه. ويمثل هذا الرأي رأي العبرانيين أيضًا في النفس وفي صلتها بالدم، ورأي غيرهم من الشعوب4.
وكان اعتقادهم أن مقر الدم ومركز تجمعه في الدماغ. ومن هنا قيل بنات الهام: مخ الدماغ5، فلا غرابة إذا تصوروا أن الروح تنتصب فيه، فتكون هامة تخرج من الرأس، وتطير. ويكون خروجها من الأنف أو الفم؛ لأن النفس يكون منهما. فتتجمع الأرواح حول القبور، ويكون في وسعها مراقبة أهل الميت وأصدقائه ونقل أخبارهم إليه. ولهذا السبب، تصوروا المقابر مجتمع.
1 بلوغ الأرب "2/ 311".
2 تاج العروس "10/ 207"، "صدى"، "9/ 112"، اللسان "16/ 108".
المعاني الكبير "2/ 951، 1008 وما بعدها".
3 بلوغ الأرب "2/ 199، 311، الروض الأنف "2/ 109".
4 Hastings، p. 101.
5 اللسان "12/ 625"، "هوم".
الأرواح، تطير فيها مرفرفة حول القبور. وإلى هذه العقيدة أشير في شعر أبي دُواد:
سُلِّطَ الموتُ وَالمَنونُ عَلَيهِم
…
فَلَهُم في صَدى المَقابِرِ هامُ
وكذلك في شعر للشاعر لبيد:
وَلَيسَ الناسُ بَعدَكَ في نَقيرٍ
…
وَلا هُم غَيرُ أَصداءٍ وَهامِ1
ولهذا سموا الدماغ "الطائر" لأنهم تصوروه على صورة طير. قال الشاعر:
هم أنشبوا صم القنا في نحورهم وبيضًا تقيض البيض من حيث طائر
عنى بالطائر الدماغ. وعبر عنه للسبب المذكور بـ"الفرخ"2.
وورد أن "الصدى" ما يبقى من الميت في قبره، وهو جثته3، وقيل: حشوة الرأس، أي دماغ الإنسان الهامة والصدى. وكانت العرب تقول إن عظام الموتى تصير هامة فتطير. وقال بعض الأخباريين: إن العرب تسمي ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت إذا بلي، الصدى4.
وقد نهى الإسلام عن الاعتقاد بالصدى والهامة. ورد في الحديث: "لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر"5.
وذكر بعض العلماء أن المراد من "صفر" في الحديث النبوي المذكور دابة يقال إنها أعدى من الجرب عند العرب، فأبطل النبي أنها تعدي. وقال بعض آخر أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخيرهم المحرم إلى صفر في تحريمه وجعل صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الرسول6.
1 اللسان "12/ 624 وما بعدها"، "هوم"، وتاج العروس "9/ 112""هيم"
2 تاج العروس "2/ 272" فرخ"، "3/ 364"، "طير".
3 قال النمر بن ثولب، وهو من المخضرمين:
أعاذل أن يصبح صداي بقفرة
…
بعيدا نآني ناصري وقريبي
البرقوقي "ص75".
4 أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
البرقوقي "ص76".
5 اللسان "12/ 642"، "هوم"، تاج العروس "9/ 112"، "هيم".
6 اللسان "6/ 133"، "4/ 463"، "صفر"، "صادر".
وقد لخص "المسعودي آراء أهل الجاهلية في النفس والروح، فقال: "كانت للعرب مذاهب في الجاهلية في النفوس، وآراء ينازعون في كيفياتها، فمنهم من زعم أن النفس هي الدم لا غير، وأن الروح الهواء الذي في باطن جسم المرء من نفسه، ولذلك سموا المرأة منه نفساء، لما يخرج منها من الدم، ومن أجل ذلك تنازع فقهاء الأمصار فيما له نفس سائلة إذا سقط في الماء: هل ينجسه أم لا؟ قال تأبط شرًّا لخاله الشنفرى الأكبر وقد سألة عن قتيل قتله، كيف كانت قصته؟ فقال: ألجمته عضبًا، فسالت نفسه سكبًا. وقالوا إن الميت لا ينبعث منه الدم، ولا يوجد فيه، بدأ في حال الحياة، وطبيعته طبيعة الحياة والنماء مع الحرارة والرطوبة؛ لأن كل حي فيه حرارة ورطوبة، فإذا مات بقي اليبس والبرد، ونفيت الحرارة"1.
ثم تطرق "المسعودي" إلى رأي من قال إن النفس طائر ينبسط في جسم الإنسان، فإذا مات أو قتل لم يزل مطيفًا به متصورًا إليه في صورة طائر يصرخ على قبره مستوحشًا، يسمونه الهام، والواحدة هامة2.
ونظرًا إلى قلة ما لدينا من موارد عن الروح والنفس وعلاقتهما بالجسد، عند الجاهليين، فإننا لسنا في وضع نستطيع فيه أن نتحدث عن رأي عموم الجاهليين في تركيب الإنسان. هل هو من "جسد" و"روح"، أو "جسد" و"نفس" أي ثنائي التركيب، أو أنه من "جسد" و"روح" و"نفس"، أي ثلاثي التركيب. فقد رأينا أنهم يجعلون الروح والجسد شيئًا واحدًا أحيانًا، ويفرقون بينهما أحيانًا، ويفرقون بينهما أحيانًا أخرى. ولكننا نستطيع أن نقول إن غالبيتهم كانت ترى أن الإنسان من جسد، هو الجسم، أي مادة، ومن شيء لطيف ليس بمادة هو الروح أو النفس، وهما مصدرا القوى المدركة في الإنسان ومصدرا الحياة. وأن بانفصالهما عن الجسد، أو بانفصال الجسد عنهما يقع الموت.
ويظهر من مخاطبات الوثنيين للأصنام، كأنهم كانوا يتصورون أن لها روحًا وأنها تسمع وتجيب. ومن الجائز حلول الروح في الجماد. وقد ورد عن "ابن الكلبي" عن "مالك بن حارثة" أن والد مالك هذا كان يعطيه اللبن، ويكلفه
1 مروج "2/ 132".
2 مروج "2/ 133".