المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌التلبية: وذكر "محمد بن حبيب" أن طواف أهل الجاهلية بالبيت أسبوعًا، - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ١١

[جواد علي]

فهرس الكتاب

- ‌المجلد الحادي عشر

- ‌الفصل الحادي والستون: أديان العرب

- ‌الفصل الثاني والستون: التوحيد والشرك

- ‌مدخل

- ‌ظهور الشرك:

- ‌عبادة الكواكب:

- ‌الشفاعة:

- ‌الأصنام:

- ‌عبادة الأصنام:

- ‌الأصنام:

- ‌الوثن:

- ‌الصلم:

- ‌هيأة الأصنام:

- ‌عبادة الأصنام:

- ‌الحلف بالأصنام والطواغيت:

- ‌الفصل الثالث والستون: أنبياء جاهليون

- ‌الفصل الرابع والستون: الله ومصير الإنسان

- ‌مدخل

- ‌الله الخالق:

- ‌الاعتقاد بإله واحد:

- ‌الجبر والاختيار:

- ‌الموت:

- ‌البعث:

- ‌البلية والحشر:

- ‌الفصل الخامس والستون: الروح والنفس والقول بالدهر

- ‌مدخل

- ‌الرجعة:

- ‌الزندقة:

- ‌القضاء والقدر:

- ‌القدرية:

- ‌الحظ:

- ‌الطبع والطبيعة:

- ‌الفصل السادس والستون: الألهة والتقرب إليها

- ‌مدخل

- ‌الآلهة:

- ‌صفات الآلهة:

- ‌الثواب والعقاب:

- ‌التطاول على الأرباب:

- ‌الفصل السابع والستون: التقرب إلى الآلهة

- ‌مدخل

- ‌القرابين:

- ‌الترجيب:

- ‌البحيرة والسائبة والوصيلة والحام:

- ‌حمى الآلهة:

- ‌الفصل الثامن والستون: رجال الدين

- ‌مدخل

- ‌التبرك برجال الدين:

- ‌تنفيذ الأحكام:

- ‌كسور رجال الدين

- ‌الفصل التاسع والستون: الأصنام

- ‌مدخل

- ‌اللات:

- ‌العزى:

- ‌مناة:

- ‌هبل:

- ‌أصنام قوم نوح:

- ‌ود:

- ‌سواع:

- ‌يغوث:

- ‌يعوق:

- ‌نسر:

- ‌عميأنس:

- ‌إساف ونائلة:

- ‌رضى:

- ‌مناف:

- ‌ذو الخلصة:

- ‌سعد:

- ‌ذو الكفين:

- ‌ذو الشرى:

- ‌الأقيصر:

- ‌نهم:

- ‌عائم:

- ‌سعير:

- ‌الفلس:

- ‌أصنام أخرى:

- ‌المحرق:

- ‌الشمس:

- ‌الفصل السبعون: أصنام الكتابات

- ‌مدخل

- ‌الآلهة التي ورد ذكرها في النصوص:

- ‌الفصل الحادي والسبعون: شعائر الدين

- ‌مدخل

- ‌الصوم:

- ‌التحنث:

- ‌الاختتان:

- ‌الحلال والحرام:

- ‌الفصل الثاني والسبعون: الحج والعمرة

- ‌مدخل

- ‌الحمس والطلس والحلة:

- ‌التلبية:

- ‌التجارة في الحج:

- ‌العمرة:

- ‌الأعياد:

- ‌الفصل الثالث والسبعون: بيوت العبادة

- ‌مدخل

- ‌الاستفسار عن المغيبات:

- ‌تكليم الأصنام:

- ‌أشكال المعابد:

- ‌السقاية:

- ‌المذابح:

- ‌المحارق:

- ‌البخور والمباخر:

- ‌سدنة الآلهة:

- ‌فهرس الجزء الحادي عشر:

الفصل: ‌ ‌التلبية: وذكر "محمد بن حبيب" أن طواف أهل الجاهلية بالبيت أسبوعًا،

‌التلبية:

وذكر "محمد بن حبيب" أن طواف أهل الجاهلية بالبيت أسبوعًا، وذكر أنهم كانوا يمسحون الحجر الأسود، ويسعون بين الصفا والمروة. وكانوا يلبون وذكر أن نسك قريش كان لإساف، وأن تلبيتهم" "لبيهم اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"1. وأن تلبية من نسك للعزى:"لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، ما أحبنا إليك". وأن تلبية من نسك للات: "لبيك اللهم لبيك، لبيك كفى ببيتنا بنية، ليس بمهجور ولا بلية، لكنه من تربة زكية أربابه من صالحي البرية". وكانت تلبية من نسك لجهار: "لبيك، اللهم لبيك لبيك، اجعل ذنوبنا جبار، واهدنا لأوضح المنار، ومتعنا وملنا بجهار". وكانت تلبية من نسك لشمس: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، ما نهارنا نجره، إدلاجه وحره وقره، لا نتقي شيئًا ولا نضره، حجًّا لرب مستقيم بره"، وكانت تلبية من نسك لمحرق:"لبيك، اللهم لبيك، لبيك حجًّا حقًّا، تعبدًا ورقًا"، وكانت تلبية من نسك لود:"لبيك اللهم لبيك، لبيك، معذرة اليك". وكانت تلبية من نسك ذا الخلصة: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، بما هو أحب إليك". وكانت تلبية من نسك لمنطبق: "لبيك اللهم لبيك، لبيك". وتلبية عك، أنهم كانوا إذا بلغوا مكة، يبعثون غلامين أسودين أمامهم، يسيران على جمل. مملوكين قد جردا فهما عريانان، فلا يزيدان على أن يقولا:"نحن غرابا عك" وإذا نادى الغلامان بذلك صاح من خلفهما من عك: "عك إليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية، على الشداد الناجية"1.

وكانت تلبية من نسك مناة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، لولا أن بكرًا دونك يبرك الناس ويهجرونك، ما زال حج عثج يأتونك، إنا على عدوائهم من دونك". وتلبية من نسك لسعيدة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لبيك، لم نأتك للمياحة، ولا طلبًا للرقاحة، ولكن جئناك للنصاحة". وكانت تلبية من نسك ليعوق: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، بغض إلينا الشر، وحبب إلينا الخير، ولا تبطرنا فنأشر ولا تفدحنا بعثار". وكانت تلبية من نسك ليغوث:

1 المحبر "313".

ص: 375

"لبيك، اللهم لبيك، لبيك، أحبنا بما لديك، فنحن عبادك، قد صرنا إليك" وكانت تلبية من نسك لنسر: "اللهم لبيك، اللهم لبيك، لبيك، أننا عبيد، وكلنا ميسرة عتيد، وأنت ربنا الحميد، اردد إلينا ملكنا والصيد". وكانت تلبية من نسك ذا اللبا: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، رب فاصرفن عنا مضر، وسلمن لنا هذا السفر، إن عما فيهم لمزدجر واكفنا اللهم أرباب هجر". وكانت تلبية من نسك لمرحب: "لبيك اللهم لبيك، لبيك، إننا لديك لبيك، حببنا إليك". وكانت تلبية من نسك لذريح: "لبيك، اللهم لبيك، لبيك، كلنا كنود، وكلنا لنعمة جحود فاكفنا كل حية رصود". وكانت تلبية من نسك ذا الكفين: "لبيك، اللهم لبيك لبيك، إن جرهمًا عبادك، الناس طرف وهم تلادك، ونحن أولى منهم بولائك"، وتلبية من نسك هبل:"لبيك اللهم لبيك، إننا لقاح حرمتنا على أسنة الرماح، يحسدنا الناس على النجاح"1.

وقد تعرض "اليعقوبي" لموضوع التلبية فقال: "فكانت العرب، إذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها وصلوا عنده، ثم تلبوا حتى يقدموا مكة. فكانت تلبياتهم مختلفة. وكانت تلبية قريش: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، تملكه وما ملك. وكانت تلبية كنانة. لبيك اللهم لبيك، اليوم يوم التعريف، يوم الدعاء والوقوف. وكانت تلبية بني أسد: لبيك اللهم لبيك، يا رب أقبلت بنو أسد، أهل التواني والوفاء والجلد إليك، وكانت تلبية بني تميم: لبيك اللهم لبيك، لبيك عن تميم، قد تراها قد أخلقت أثوابها وأثواب من وراءها، وأخلصت لربها دعاءها. وكانت تلبية قيس عيلان: لبيك الله لبيك، لبيك أنت الرحمن أتتك قيس عيلان، راجلها والركبان. وكانت تلبية ثقيف لبيك اللهم إن ثقيفًا قد أتوك: وأخلفوا المال وقد رجوك. وكانت تلبية هذيل: لبيك عن هذيل قد أدلجوا بليل، في إبل وخيل. وكانت تلبية ربيعة: لبيك ربنا لبيك، لبيك إن قصدنا إليك. وبعضهم يقول: لبيك عن ربيعة، سامعة لربها مطيعة، وكانت حمير وهمدان يقولون: لبيك عن حمير وهمدان والحليفين من حاشد والهان. وكانت تلبية الأزد: لبيك رب الأرباب،

1 المحبر "311-315".

ص: 376

تعلم فصل الخطاب، لملك كل مثاب. وكانت تلبية مذحج: لبيك رب الشعرى، ورب اللات والعزى. وكانت تلبية كندة وحضرموت: لبيك لا شريك لك، تملكه، أو تهلكه، أنت حكيم فاتركه. وكانت تلبية غسان: لبيك رب غسان، راجلها والفرسان. وكانت تلبية بجيلة: لبيك عن بجيلة في بارق ومخيلة، وكانت تلبية قضاعة: لبيك عن قضاعة، لربها دفاعة، سمعًا له وطاعة، وكانت تلبية جذام: لبيك عن جذام، ذوي النهى والأحلام، وكانت تلبية عك والأشعريين.

نحج للرحمن بيتًا عجبا

مستترًا مضببًا محجبا1

و"التلبية" إجابة المنادي، أي إجابة الملبي لربه. وقولهم: لبيك اللهم لبيك، معناه إجابتي لك يا رب، وإخلاصي لك2. وقد كان الجاهليون يلبون لأصنامهم تلبيات مختلفة. وقد ذكر "أبو العلءا المعري" أن تلبيات العرب جاءت على ثلاثة أنواع: مسجوع لا وزن له، ومنهوك، ومشطور. فالمسجوع كقولهم:

لبيك ربنا لبيك

والخير كله بيديك

والمنهوك على نوعين: أحدهما من الرجز، والآخر من المنسرح: فالذي من الرجز كقولهم:

لبيك إن الحمد لك

والملك لا شريك لك

إلا شريك هو لك

تملكه وما ملك

أبو بنات بفدك

وكقولهم:

لبيك يا معطي الأمر

لبيك عن بني النمر

جئناك في العام الزمر

نأمل غيثًا ينهمر

يطرق بالسيل الخمر

1 اليعقوبي "1/ 225 وما بعدها".

2 اللسان "1/ 732"، "لبيب".

ص: 377

والذي من المنسرح جنسان: أحدهما في آخره ساكنان كقولهم:

لبيك رب همدان

من شاحط ومن دان

جئناك نبغي الإحسان

بكل حرف مذعان

نطوي إليك الغيطان

نأمل فضل الغفران

والآخر لا يجتمع فيه ساكنان كقولهم:

لبيك عن نجيله

الفخمة الرجيله

ونعمت القبيله

جاءتك بالوسيله

تؤمل الفضليه

وربما جاءوا على قوافٍ مختلفة، من ذلك تلبية بكر بن وائل:

لبيك حقًّا حقا

تعبدًا ورقا

جئناك للنصاحة

لم نأت للرقاحة

وروي في تلبية "تميم" قولها:

لبيك لولا أن بكرًا دونكا

يشكرك الناس ويكفرونكا

ما زال منا عثج يأتونكا

ورووا أن من تلبيات همدان:

لبيك مع كل قبيل لبيك

همدان أبناء الملوك تدعوك

قد تركوا أصنامهم وانتابوك

فاسمع دعاءً في جميع الأملوك

ومن تلبياتهم قولهم:

لبيك عن سعد وعن بنيها

وعن نساء خلفها تعنيها

سارت إلى الرحمة تجتنيها

وختم "أبو العلاء المعري" رأيه عن التلبية بقوله: "والموزون من التلبية يجب أن يكون كله من الرجز عند العرب، ولم تأت التلبية بالقصيد. ولعلهم قد لبوا به ولم تنقله الرواة"1.

1 رسالة الغفران "ص535-537. "بنت الشاطئ".

ص: 378

والتلبية هي من الشعائر الدينية التي أبقاها الإسلام، غير أنه غير صيغتها القديمة بما يتفق مع عقيدة التوحيد، فصارت على هذا النحو:"لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لله، والملك لا شريك لك"1. كما جعلها جزءًا من حج مكة، بعد أن كانت تتم خارج مكة؛ إذ كانت كل قبيلة تقف عند صنمها، وتصلي عنده ثم تلبي، قبل أن تقدم مكة2. وذلك بالنسبة لمن كان يحج مكة. فأبطل ذلك الإسلام، وألغى ما كان من ذلك من حج أهل الجاهلية. وقد رأينا صيغ التلبيات، وكيف كانت تلبيات القبائل خاصة بها، تلبي كل قبيلة لصنمها، وتوجه نداءها إليه.

وتردد جمل التلبية بصوت مرتفع، ولعل ذلك لاعتقاد الجاهليين أن في رفع الصوت إفهامًا للصنم الذي يطاف له بأن الطائف قد لبى داعيه، وأنه استجاب أمره وحرص على طاعته. وقد أشار بعض الكتاب "الكلاسيكيين" إلى الصخب والضجيج الذي كان يرتفع في مواضع الحج بسبب هذه التلبية.

وهناك مواضع أخرى غير متصلة بالبيت الحرام، كانت مقدسة وداخلة في شعائر الحج، منها عرفة ومنى والمزدلفة والصفا والمروة، ومواضع أخرى كان يقصدها الجاهليون لقدسيتها أو لوجود صنم بها، ثم حرمها الإسلام، فنسيت وأهملت فذهبت معالمها مع ما ذهب من معالم الجاهليين.

وتقف الحمس في حجها على أنصاب الحرم من نمرة على نحو ما ذكرت أما الحلة والطلس، أي غير الحمس من بقية العرب فيقفون على الموقف من عرفة، عشية يوم "عرفة"، فإذا دفع الناس من عرفة وأفاضوا أفاضت الحمس من أنصاب الحرم حتى يلتقوا بمزدلفة جميعًا. وكانوا يدفعون من عرفة إذا طفلت الشمس للغروب وكانت على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم. فيبيتون بمزدلفة حتى إذا كانت في الغلس وقفت الحلة والحمس على "قزح"، فلا يزالون عليه حتى إذا طلعت الشمس وصارت على رءوس الجبال كأنها عمائم الرجال في

1 البخاري، كتاب الحج، الحديث 31 وما بعده، عمدة القاري "9/ 172 وما بعدها"، بلوغ الأرب "2/ 288"، إرشاد الساري "3/ 197"، "باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة".

2 اليعقوبي "1/ 225"، "أديان العرب".

ص: 379

وجوههم دفعوا من مزدلفة، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير1.

ومن مناسك الحج الطواف بالصفا والمروة، وعليها صنمان: إساف ونائلة: وكان الجاهليون يمسحونهما2. وكان طوافهم بهما قدر طوافهم بالبيت، أي سبعة أشواط. تقوم بذلك قريش، أما غيرهم فلا يطوفون بهما، وذلك على أغلب الروايات. ويظهر أن الصفا والمروة من المواضع التي كان لها أثر خطير في عبادة أهل مكة. ففي حج أهل مكة طوافان: طواف بالبيت، وطواف بالصفا والمروة.

وبين الصفا والمروة يكون "السعي" في الإسلام، ولذلك يقال للمسافة بين المكانين "المسعى" وكان إساف بالصفا، وأما نائلة فكان بالمروة3. ولا بد أن يكون لاقتران الاسمين دائمًا سبب، و"المسعى" هو الرابط المقدس بين هذين الموضعين المقدسين عند الجاهليين.

وكان أهل مكة يتبركون بلمس الحجر الأسود، ثم يسعون بين الصفا والمروة ويطوفون بإساف أولًا ويلمسونه، كل شوط من الطواف ثم ينتهون بنائلة ويلبون لهما. وكانت تلبيتهم لهما:"لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك"4. وذكر أن "الأنصار"، لما قدموا مع النبي في الحج، كرهوا الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، وأرادوا تركه في الإسلام. وذكر أن قومًا من المسلمين قالوا: يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية. فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بين الصفا والمروة مسحوا الوثنيين، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين، فأنزل الله:{إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} 5. ويتبين من غربلة الأخبار أن الذين كانوا يطوفون بالصنمين المذكورين ويسعون بينهما. هم من عباد الصنمين وهم قريش

1 الأزرقي "2/ 226"، مسند ابن حنبل "1/ 39، 42، 50، 52"، الأم للشافعي "2/ 180"،

2 البلدان "5/ 365"، "8/ 38"، إرشاد الساري "3/ 187".

3 Rest، s. 77.

4 المحبر "311"، الأزرقي "1/ 112".

5 البقرة، الآية 158، أسباب النزول "30 وما بعدها"، تفسير الطبري "2/ 43"، "طبعة البابي 1954م".

ص: 380

خاصة، وليس كل من كان يحج إلى مكة من الغرب، ولذلك كرهوا الطواف في الإسلام بالصفا والمروة. وقد استبدل الإسلام بالطواف السعي؛ لهدم الصنمين اللذين كان الناس يطوفون حولهما واكتفى بالسعي بين الموضعين.

وذكر بعض العلماء أن العرب عامة كانوا لا يرون الصفا والمروة من الشعائر ولا يطوفون بينهما فأنزل الله: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} 1، أي لا تستحلون ترك ذلك2. وذكر أن الأنصار كانوا يهلون لمناة في الجاهلية، فلما جاء الإسلام قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما، فأنزل الله الآية المذكورة. وكان أهل "تهامة" ممن لا يطوفون أيضًا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام ونزل الأمر بالطواف بالبيت، ولم ينزل بالطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من جناح أن لا نطوف بهما. فنزل الوحي: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ، فصار الطواف بين الصفا والمروة لجميع الحجاج، لا كما كان في عهد الجاهلية. من اقتصاره على قريش وبعض العرب المتأثرين بهم. فكانوا يطوفون بهما ويمسحون بالوثنين إساف ونائلة، فلما جاء الإسلام تحرج بعض الناس وفيهم قوم من قريش من الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، فنزل الأمر به3.

وذكر أهل الأخبار أن السعي بين الصفا والمروة. شعار قديم من عهد هاجر أم إسماعيل. وأما رمل الطواف، فهو الذي أمر به النبي، أصحابه في عمرة القضاء ليُري المشركين قوتهم، حيث قالوا: وهنتهم حمى يثرب4.

1 البقرة، الآية 158.

2 تاج العروس "3/ 304"، "شعر"، روح المعاني "2/ 41"، تفسير القرطبي، الجامع "2/ 114"، الأزرقي "74"، تفسير ابن كثير "1/ 198"، صحيح البخاري "1/ 414"، الموطأ "1/ 373"، إرشاد الساري "3/ 187".

3 تفسير الطبري "2/ 27 وما بعدها"، الطبرسي "2/ 45"، ابن كثير "1/ 181، 200"، البخاري "1/ 414"، "باب 79"، الموطأ، "1/ 653"، "1/ 371"، "باب 40".

4 اللسان "11/ 295 وما بعدها"، "رمل".

ص: 381

وورد في خبر عن "عائشة" أنها قالت: "إن الأنصار كانوا يلهون في الجاهلية لصنمين على شط البحر، يقال لهما: "إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة ثم يحلقون، فلما جاء الإسلام، كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية، فأنزل الله عزل وجل: إن الصفا والمروة من شعائر الله إلى آخرها. قالت فطافوا". وهو خبر يناقض أخبارًا أخرى يتصل سندها بـ"عائشة"، تجمع على أنها قالت: إن الأنصار أو الأنصار وغسان كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وكان ذلك سُنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة1، ولم أجد في خبر آخر شيئًا يفيد أن إسافًا ونائلة كانا على ساحل البحر.

و"السعي" في الإسلام سبعة أشواط، تبدأ بالصفا، وتختتم بالمروة. وعندما يصل الحاج حد "السعي" يسعى ويهرول، فإذا جاز الحد مشى. وكان الجاهليون يبدأون بـ"الصفا" وينتهون بـ"المروة" كذلك2.

ومن مناسك حج أهل الجاهلية الوقوف بـ"عرفة"، ويكون ذلك في التاسع من ذي الحجة ويسمى "يوم عرفة" ومن "عرفة" تكون "الإجازة" للإفاضة إلى "المزدلفة"، ومن "المزدلفة" إلى "منى". وقد كان الجاهليون من غير قريش يفيضون في عرفة عند غروب الشمس، وأما في المزدلفة فعند شروقها. وكان الذي يتولى الإجازة رجلًا من تميم يقال له "صوفة"، ثم انتقلت إلى "صفوان" من تميم كذلك3. ولم يكن "الحمس" يحضرون عرفة، وإنما يقفون بالمزدلفة، وكان سائر الناس يقف بعرفة. ولما رأى أحد الصحابة رسول الله واقفًا بعرفة عجب من شأنه وأنكر منه ما رأى لأنه من الحمس، وما كان يظن أنه يخالف قومه في ذلك، فيساوي نفسه بسائر الناس، فأنزل الله:{ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}

1 صحيح مسلم "4/ 68"، "باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به".

2 راجع باب الحج في كتب الحديث والفقه.

3 ابن هشام "77، 82"، اللسان "7/ 191"، تاج العروس "6/ 193"، الروض الأنف "1/ 86"، الصحاح "3/ 1099"، البلدان "4/ 104".

4 إرشاد الساري "3/ 200"، تفسير الطبرسي "2/ 296"، تفسير ابن كثير "1/ 242 وما بعدها"، أسباب النزول "42".

5 البقرة، الآية 199.

ص: 382

فشمل ذلك الحمس وغيرهم. فأخذوا يقفون كلهم موقف عرفة، ووضع عن قريش ما فعلوه من تمييز أنفسهم عن الناس1.

وورد في روايات أخرى، أن قريشًا وكل حليف لهم وبني أخت لهم، لا يفيضون من عرفات، إنما يفيضون من المغمس، وورد أن قريشًا وكل ابن أخت وحليف لهم، لا يفيضون مع الناس من عرفات، يقفون في الحرم ولا يخرجون منه. يقولون: إنما نحن أهل حرم الله، فلا نخرج من حرمه، وأنهم قالوا "نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة وولاة البيت، وقاطنوا مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا، ولا مثل منزلنا، ولا تعرف له العرب مثل ما نعرف لنا، فلا تعظموا شيئًا من الحل، كما تعظمون الحرم. فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها"2.

وذكر أن قريشًا ومن دان بدينها تفيض من "جمع" من المشعر الحرام3" و"جمع" المزدلفة4.

و"عرفة" أو "عرفات" موضع على مسافة غير بعيدة عن مكة5. لا بد وأن يكون من المواضع التي كان يقدسها أهل الجاهلية، وأن يكون له ارتباط بصنم من الأصنام، وإلا لما صار جزءًا من أجزاء مناسك الحج وشعائره عند الجاهليين. ويقف الحجاج موقف عرفة من الظهر إلى وقت الغروب. وقد يكون لموقف الجاهليين في عرفة وقت الغروب علاقة بعبادة الشمس. فإذا غربت الشمس اتجه الحجاج إلى "المزدلفة".

1 تفسير الطبري "2/ 166 وما بعدها".

2 تفسير الطبري "2/ 170".

3 أسباب النزول "42".

4 قال أبو ذؤيب:

فَباتَ بِجَمعٍ ثُمَّ تَمَّ إِلى مِنىً

فَأَصبَحَ رَأدًا يَبتَغي المَزجَ بِالسحلِ

تاج العروس "5/ 305"، "جمع".

5 "وعرفات، موقف الحاج ذلك اليوم على اثني عشر ميلًا من مكة"، تاج العروس "6/ 193"، تفسير الطبري "4/ 114 وما بعدها"، أخبار مكة "1/ 115 وما بعدها".

ص: 383

الإفاضة:

ومن "عرفة" تكون الإفاضة إلى "المزدلفة". و"المزدلفة"، موضع يكاد يكون على منتصف الطريق بين عرفة و"منى". وفيه يمضي الحجاج ليلتهم، ليلة العاشر من "ذي الحجة". ومنه تكون الإفاضة عند الشروق إلى "منى". وقد نعت بـ"المشعر الحرام" في القرآن الكريم1. ويذكر أهل الأخبار أن "قصي بن كلاب"، كان قد أوقد نارًا على "المزدلفة" حتى يراها من دفع من عرفة، وأن العرب سارت على سنته هذه، وبقيت توقدها حتى في الإسلام2. ولا بد وأن يكون من المواضع الجاهلية المقدسة كذلك، التي كان لها صلة بالأصنام. وقد ذكر علماء اللغة اسم جبل بالمزدلفة دعوه "قزحًا". قالوا إنه "هو القرن الذي يقف عنده الإمام"3، وذكروا أن "قزح" اسم شيطان4. ونحن نعرف اسم صنم يقال له "قزاح"، قد تكون له صلة بهذا الموضع.

ويفيض الحجاج في الجاهلية عند طلوع شمس اليوم العاشر من ذي الحجة من "المزدلفة" إلى "منى"؛ لرمي الجمرات ولنحر الأضحي. و"منى" موضع لا يبعد كثيرًا عن مكة. ولعلماء اللغة آراء في سبب التسمية، من جملتها أنها عرفت بذلك لما يمنى بها من الدماء5. وذكر بعض أهل الأخبار أن "عمرو بن لحي" نصب بمنى سبعة أصنام، نصب على "القرين" القرن الذي بين مسجد منى والجمرة الأولى صنمًا، ونصب على الجمرة الأولى صنمًا، وعلى الجمرة الوسطى صنمًا، وعلى شفير الوادي صنمًا6. ولا بد أن يكون لهذا الموضع صلة بالأصنام، نظرًا لما له من علاقة متينة بمناسك الحج. وقد يكون لرمي الجمرات ولنحر الذبائح صلة بتلك الأصنام.

1 سورة البقرة، الآية 198، تفسير الطبري "2/ 164"، روح المعاني "2/ 74"، تفسير ابن كثير "1/ 242".

2 نهاية الأرب "1/ 109"، "ذكر نيران العرب" صبح الأعشى "1/ 409"، الأزرقي "36، 130، 411، 415"، "وستنفلد" ابن هشام "77"، ابن سعد 1/ 72" "صادر" اللسان "9/ 138"، البلدان "4/ 519"، تاج العروس "6/ 131".

3 تاج العروس "2/ 207"، "قزح".

تاج العروس "2/ 207"، "قزح".

5 تاج العروس "10/ 348"، "منى".

6 الأزرقي "2/ 142".

ص: 384

وقد ذكر العلماء "أن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون: أشرق ثبير"1. وأن النبي خالفهم، فأفاض حين أسفر قبل طلوع الشمس"2. وفي فعل المشركين ذلك، ووقوفهم انتظارًا للإفاضة عند طلوع الشمس، دلالة على عبادة الشمس عندهم، ولهذا غيَّر الرسول هذا الوقت.

و"رمي الجمرات" بمنى من مناسك الحج وشعائره. وهو من شعائر الحج كذلك المعروفة في المحجات الأخرى من جزيرة العرب. كما كان معروفًا عند غير العرب أيضًا. وقد أشير إليه في التوراة3. وهو معروف عند "بني إرم"4. وكلمة "رجم" من الكلمات السامية القديمة. وقد وردت في حديث "عبد الله بن "مغفل": لا ترجموا قبري، أي لا تجعلوا عليه الرجم، وهي الحجارة، على طريقة أهل الجاهلية، ولا تجعلوه مسنمًا مرتفعًا5. وقد فعله أهل الجاهلية على سبيل التقدير والتعظيم. فكان أحدهم إذا مر بقبر، وأراد تقدير صاحبه وتعظيمه وضع رجمة أو رجامًا عليه.

"والجمرات"، أي مواضع "رمي الجمرات" عديدة عند الجاهليين، يطاف حولها، ويحج إليها6 منها مواضع أصنام، وأماكن مقدسة، ومنها قبور أجداد. وقد ورد قسم بها في بيت ينسب إلى شاعر جاهلي7. وتُرمى الجمرات على مكان عرف بـ"جمرة العقبة" وبـ"الجمار" وبـ"موضع الجمار" وهو بـ"منى"، وتتجمع وتتكوم عنده الحصى. وهي جمرات ثلاث: الجمرة

1 إرشاد الساري "3/ 210".

2 المصدر نفسه.

3 التكوين، الإصحاح الحادي والثلاثون، "وقال لابان ليعقوب: هوذا هذه الرجمة، وهو ذا النصب الذي وضعت بيني وبينك" الآية 51.

4 Shorter Ency، p. 464، Reste، s. 112.

5 النهاية "2/ 74" اللسان "15/ 117 وما بعدها" تاج العروس "8/ 304 وما بعدها"، "رجم".

6 المشرق: السنة: السنة التاسعة والثلاثون تموز – أيلول 1941م، "246"، Reste، s. 111.

7

فأقسم بالذي قد كان ربي

وأنصاب لدى الجمرات مغر

ابن هشام "534"، المشرق، الجزء المذكور، قال حذيفة بن أنس الهذلي:

لأدركهم شعث النوامي كأنهم

سواشق حجاج توافي المجمرا

اللسان "5/ 217".

ص: 385

الأولى، والجمرة الوسطى، وجمرة العقبة1.

ويرجع أهل الأخبار مبدأ رمي الجمرات إلى "عمرو بن لحي" يذكرون أنه جاء بسبعة أصنام فنصبها بـ"منى"، عند مواضع الحجرات، وعلى شفير الوادي، ومواضع أخرى، وقسم عليها حصى الجمار، إحدى وعشرين حصاة، يُرمى كل منها بثلاث جمرات، ويقال للوثن حين يُرمى: أنت أكبر من فلان الصنم الذي يُرمى قبله2.

وكان إفاضة الجاهليين على هذا النحو: كان أمر الإفاضة بيد رجل من أسرة تناوبت هذا العمل أبًا عن جد. وقد اشتهر منهم رجل عرف بـ"عميلة بن خالد العدواني"، واشتهر بين الناس بـ"أبي سيارة". كان يجيز الناس من المزدلفة إلى منى أربعين سنة. يركب حمارًا أسود، وينظر إلى أعالي جبل "ثبير"، فإذا شاهد عليها أشعة الشمس الأولى نادى: أشرق ثبير، كيما نغير! ثم يجيز لهم بالإفاضة وفيه يقول الشاعر:

خلوا الطريق عن أبي سيَّاره

وعن مواليه بني فزاره

حتى يجيز سالمًا حماره

مستقبل القبلة يدعو جاره

فقد أجار الله من أجاره3.

وضرب به المثل، فقيل: أصح من عير أبي سيَّارة4.

وذكر "الجاحظ" أن اسم "أبي سيارة""عميلة بن أعزل"، دفع بأهل الموسم أربعين عامًا، ولم يكن عيره عيرًا وإنما كان أتانًا، ولا يعرفون حمارًا وحشيًّا عاش وعَمَّر أطول من عير "أبي سيارة"5.

1 تاج العروس "3/ 107"، "حجر"، "10/ 348"، "منى".

2 الأزرقي، أخبار، "ص402"، لا يبزك".

3 اللسان "7/ 191"، الروض الأنف "1/ 86"، الميداني "1/ 421 وما بعدها"، البلدان "3/ 6"، "ثبير"، "البكري""1/ 335"، "طبعة السقا"، "وأبو سيارة: عميلة بن أعزل"، الحيوان "7/ 215"، "عبد السلام محمد هارون"، إرشاد الساري "3/ 210".

4 تاج العروس "3/ 287"، "سير"، نهاية الأرب "16/ 36 وما بعدها".

5 الحيوان "1/ 139".

ص: 386

وورد أن الذين كان لهم أمر الإجازة بالحجاج، وهي الإفاضة، هم "صوفة". وهم حي من مضر من نسل "الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر"، وقد سموا "صوفة" و"آل صوفة"؛ لأن "الغوث" أبوهم جعلت أمه في رأسه صوفة وجعلته ربيطًا للكعبة يخدمها. وكانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاج، أي يفيضون بهم، فيكونون أول من يدفع. وكان أحدهم يقوم فيقول: أجيزي صوفة، فإذا أجازت، قال: أجيزي خندف، فإذا أجازت أذن للناس كلهم في الإجازة. وكانت الإجازة بالحج إليهم في الجاهلية. وكانت العرب إذا حجت وحضرت عرفة لا تدفع منها حتى تدفع بها صوفة، وكذلك لا ينفرون من "منى" حتى تنفر "صوفة"، فإذا أبطأت بهم، قالوا: أجيزي صوفة. وورد أن "صوفة" قوم من "بني سعد بن زيد مناة" من تميم1.

ويفهم من رواية أن كلمة "صوفة" لم تكن اسم علم، وإنما هي لفظة أطلقت على من كان يتولى البيت أو قام بشيء من خدمته، أو بشيء من أمر المناسك2. فهم من رجال الدين، تخصصوا بالإجازة بالناس في مواسم الحج. ولعلهم كانوا يضعون على رأسهم صوفة على هيئة عمامة أو عصابة، أو عطر؛ لتكون علامة على أنهم من أهل بيت دين وشرف. فعرفوا بـ"صوفة" وبـ"آل صوفة"، وبـ"صوفان". وفي ذلك قال: مرة بن خليف الفهمي"، وهو شاعر جاهلي قديم:

إذا ما أجازت صوفة النقب من منى

ولاح قتار فوقه سفع الدم3

و"يظهر" من الروايات الواردة عن "ثبير" أنه كان من المواضع المقدسة عند الجاهليين، أو أن على قمته صنمًا أو بيتًا كانوا يصعدون إليه لزيارته وللتبرك به4. ومن الشعائر المتعلقة بمنى نحر الذبائح، وهي الأضحية في الإسلام و"العتائر".

1 تاج العروس "6/ 169"، "صوف"، معجم الشعراء "382"، ابن هشام "1/ 77، 82".

2 الروض الأنف "1/ 85".

3 معجم الشعراء "382".

4 المشرق، السنة التاسعة والثلاثون "1941م"، "ص259".

ص: 387

في الجاهلية. ولذلك عرف هذا العيد: عيد الحج بـ"عيد الأضحى". وعرف اليوم الذي تضحى به الأضحية بـ"يوم النحر" وبـ"الأضحى" وبـ"يوم الأضحى". وكانوا ينحرونها على الأنصاب وعلى مقربة من الأصنام، فتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة أو تعطى للأفراد. وقد تترك لكواسر الجو وضواري البر فلا "يصد عنها إنسان ولا سبع"1. وتبلغ ذروة الحج عند تقديم العتائر؛ لأنها أسمى مظاهر العبادة في الأديان القديمة.

وكان الجاهليون يقلدون هديهم بقلادة، أو بنعلين، يعلقان على رقبتي الهدي، أشعارًا للناس بأن الحيوان هو هدي، فلا يجوز الاعتداء عليه، كما كانوا يشعرونه. والإشعار الإعلام. وهو أن يشق جلد البدنة أو يطعن في أسنمها في أحد الجانبين بمبضع أو نحوه، وقيل في سنامها الأيمن حتى يظهر الدم ويعرف أنها هدي والشعيرة البدنة المهداة2.

وكان بعض أهل الجاهلية، يسلخون جلود الهدي؛ ليأخذوها معهم. ويتفق هذا مع لفظة "تشريق" التي تعني تقديم اللحم. ومنه سميت أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها، أي تشرر في الشمس3. وقيل سمي التشريق تشريقًا؛ لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس4. ويظهر أن الجاهليين كانوا ينحرون قبيل شروق الشمس وعند شروقها. بدليل ما ورد في الحديث من النهي عن ذلك. ومن حديث:"من ذبح قبل التشريق فليعد". أي قبل أن يصلي صلاة العيد. وهو من شروق الشمس وإشراقها لأن ذلك من وقتها5.

ولا يحل للحجاج في الجاهلية حلق شعورهم أو تقصيرها طيلة حجهم، وإلا بطل حجهم. ويلاحظ أن غير العرب من الساميين كانوا لا يسمحون بقص الشعر في مثل هذه المناسبات الدينية أيضًا، لما للشعر من أهمية خاصة في الطقوس.

1 ابن هشام "100"، المشرق: السنة السابعة والثلاثون، كانون الثاني - أذار 1939م، "92".

2

نُقَتِّلُهم جِيلًا فجِيلًا نَرَاهُمُ

شَعَائِرَ قُربانٍ بِهِم يُتقَرَّبُ

تاج العروس "3/ 303 وما بعدها"، "شعر".

3 تاج العروس "6/ 393"، "شرق".

4 المصدر نفسه.

5 تاج العروس "6/ 393"، "شرق".

ص: 388

الدينية عندهم، ولا سيما اللحية لما لها من علاقة بالدين. ولهذا نجد رجال الدين والزهاد والأتقياء الورعين يحافظون عليها ويعتبرونها مظهرًا من مظاهر التدين1.

وقد كانت القبائل لا تحلق شعورها في مواسم حجتها إلا عند أصنامها، فكان الأوس إذا حجوا وقفوا مع الناس المواقف كلها ولا يحلقون رءوسهم، فإذا نفروا أتوا صنمهم مناة فحلقوا رءوسهم عنده، وأقاموا لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك2. وكانت قضاعة ولحم وجذام تحج للأقيصر وتحلق عنده3.

وكان من عادة بعض القبائل، مثل بعض قبائل اليمن، إلقاء قرة من دقيق مع الشعر4. وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رءوسهم بمنى وضع كل رجل على رأسه قبضة دقيق، فإذا حلقوا رءوسهم سقط الشعر مع ذلك الدقيق، ويجعلون ذلك الدقيق صدقة، فكان ناس من أسد وقيس يأخذون ذلك الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر وينتفعون بالدقيق. وفي ذلك يقول معاوية بن أبي معاوية الجرمي:

ألم تر جرمًا أنجدت وأبوكم

مع الشعر في قص الملبد شارع

إذا قرة جاءت تقول أصب بها

سوى القمل إني من هوازن ضارع5

وكان من يقصد العزى يذبح عند شجرة هناك ثم يدعون، وكان من يقصد مناة يهدي لها كما كان غيرهم يهدي للكعبة ويطوفون بها ثم ينحرون عندها، وكان عبدة ذي الخلصة في أسفل مكة يذبحون عنده كذلك6. وكذلك كانت بقية القبائل تطوف في أعيادها حول أصنامها، وتهدي إليها، ثم تنحر عندها عند إكمالها هذه الشعائر دلالة على إكمالها شعائر الحج إلى هذه المواضع وانتهائها منها على أحسن وجه.

وتميز الحيوانات التي يهيئها أصحابها أو مشتروها للذبح في الحج بعلامات، بأن توضع عليها قلائد تجعلها معروفة، أو أن يحدث لها جرح ليسيل منه الدم ليكون ذلك علامة أنها هدي، ويقال لذلك إشعار، ومنه إشعار البدن، وهو أن يشق.

1 Smith، p. 323.

2 الأصنام "ص14"، البلدان "8/ 169"، الأزرقي "1/ 73".

3 الأصنام "ص48"، البلدان "1/ 314"، Reste، s. 62.

4 الأصنام "ص48"، البلدان "1/ 314 وما بعدها"، Reste، s. 62. ff.

5 تاج العروس "3/ 486"، "قرر".

6 بلوغ الأرب "1/ 344 وما بعدها".

ص: 389

أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل منه الدم ليكون ذلك علامة الهدي1. وقد كان من أهل مكة من يتخذ من لحاء شجر الحرم قلادة يضعها في عنق البدن؛ لتكون دلالة على أنها هدي، فلا يعترضها أحد.

ويجوز للحجاج مغادرة "منى" في اليوم العاشر من ذي الحجة، أي في اليوم الأول من العيد، ففي هذا اليوم يكمل الحجاج حجهم، ولكن منهم من يمكث في هذا الموضع حتى اليوم الثالث عشر، وذلك ابتهاجًا بأيام العيد، ومشاركة لإخوانه فيه. ويقال لذلك "التشريق". وأيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر3.

وكان أهل الجاهلية إذا قضوا مناسكهم وفرغوا من الحج، وذبحوا نسائكهم يجتمعون فيتفاخرون بمآثر آبائهم، فيقول بعضهم لبعض: كان أبي يطعم الطعام، ويقول بعضهم: كان أبي يضرب بالسيف، ويقول بعضهم: كان أبي جز نواصي بني فلان. يقولون ذلك عند "الجمرة"، أو عند البيت، فيخطب خطيبهم ويحدث محدثهم. أو أنهم كانوا إذا قضوا مناسكهم وأقاموا بمنى قعدوا حلقًا، فذكروا صنيع آبائهم في الجاهلية وفعالهم به، يقوم الرجل، فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة عظيم القبة كثير المال، وما شاكل ذلك، فنزل الوحي:{فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} 4.

وكانوا إذا خرج أحدهم من بيته يريد الحج، تقلد قلادة من لحاء السمر؛ دلالة على ذهابهم إلى الحج، فيأمن حتى يأتي أهله. وذكر أنه كان يقلد نفسه وناقته، فإذا أراد العودة عادوا مقلدين بلحاء السمر. وروي أنهم إذا أرادوا الحج مقبلين إلى مكة يتقلدون من لحاء السمر، وإذا خرجوا منها إلى منازلهم منصرفين منها، تقلدوا قلادة شعر فلا يعرض لهم أحد بسوء. بقي ذلك شأنهم حتى نزل الأمر بمنع دخول المشركين مكة وبوجوب قتلهم حيث وجدوا5.

1 النهاية "2/ 442".

2 اللسان "4/ 369"، "6/ 81 وما بعدها"، الموطأ "1/ 249"، مسند ابن حنبل "1/ 216، 254، 280، 249، 334، 339"، "6/ 35، 82، 87".

3 تاج العروس "6/ 393"، "شرق".

4 البقرة، الآية 200، تفسير الطبري "2/ 172 وما بعدها". تفسير الطبرسي "2/ 296 وما بعدها".

5 تفسير الطبري "6/ 37 وما بعدها"، اللسان "3/ 367""قلد".

ص: 390