الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التبرك برجال الدين:
ويظهر من أخبار أهل الأخبار، أن رجال الدين من أهل الجاهلية كانوا يباركون أتباعهم ويقدسونهم ويلمسون رءوسهم لمنحهم البركة والشفاء من الأمراض فكان أحدهم يضع يده على رأس مريض، أو يلمس جبهته؛ ليمنحه بركة تشفيه، أو عافية تصيبه، أو تبركًا وتقربًا بذلك إلى الآلهة. وكانوا يتفلون في فم الصبيان؛ لتكون التفلة بركة لهم، وعافية، وشفاء من مرض، أو علمًا يصيب الصبي، حينما يكون رجلًا.
ويظهر من القرآن ومن الحديث النبوي، أن أهل الكتاب من الجاهليين كانوا يبالغون في التقرب من رجال دينهم وفي التبرك بهم، حتى إنهم كانوا يتسابقون في الحصول على قطعة من ملابس أوليائهم ورجال دينهم ورهبانهم ونساكهم للتبرك بها، وفي شعر امرئ القيس، وشعر غيره إشارة إلى هذا التبجيل والتعظيم.
تنفيذ الأحكام:
ولم يكن تنفيذ الأحكام الدينية إلزاميًّا، إنما كان عن طاعة وموافقة. ثم إن العرب لم يكونوا على دين واحد يرجع إلى شرائعه، حتى يلزم المرء بتنفيذ ما جاء في حكمه1. فكان أمر إطاعة أحكام. رجال الدين رهنًا بمكانة رجل الدين وبما له من هيبة ونفوذ بين قومه.
وقد رأينا أن من الناس من كان يثور حتى على آلهته إذا وجد أنها لم تلب طلباته، وأنه كان يتوسل إليها ويلوذ بها لمساعدته عند الشدة، ثم يهددها ويتوعدها.
1 اليعقوبي "1/ 227"، "حكام العرب".
بالابتعاد عنها وبترك زيارتها وبنبذها إن هي صمت آذانها عنه، ولم تجب ما طلبه منها. وقد قصصنا حكاية امرئ القيس مع صنمه، إذ رمى السهام في وجهه وعنفه وشتمه؛ لأن جواب الاستقسام لم يكن على نحو ما كان يريد. ولم يكن ذلك من عمل أهل الجاهلية وحدهم، بل نجد وقوع مثل هذه الحوادث في الإسلام أيضًا.
وقد رأينا أن في الجاهليين -كما في كل قوم- أناس كانوا لا يقيمون وزنًا لحلال أو حرام، فكانوا يستحلون المظالم، ولا يجعلون للحرمات حرمة، ويعتدون في الأشهر الحرم. كانوا إذا حضروا الأسوق، أباحوا لأنفسهم الاعتداء فيها على أموال الناس فسموا:"المحللون". ومنهم قبائل من أسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة بن كنانة، وقوم من بني عامر بن صعصعة1. فهؤلاء لا يعرفون الحلال ولا الحرام، والشهور والأيام عندهم سواء بسواء، يغزون فيها متى شاءوا، حتى في الأشهر الحرم؛ إذ لا حرمة عندهم لشهر.
وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر، فيسمون الذادة المحرمون2. وهم من بني عمرو بن تميم، وبني حنظلة بن زيد مناة، وقوم من هذيل، وقوم من بني شيبان، وقوم من بني كلب بن وبرة، فكانوا يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس. وكان العرب جميعًا بين هؤلاء تضع أسلحتهم في الأشهر الحرم.
ولم تكن للجاهليين أحكام في الحلال والحرام بالنسبة إلى المأكول على ما يظهر، بل كان مرجع الحرمة والإباحة عندهم إلى عرف القبائل. فلما نزل الأمر في الإسلام بتحريم أكل الميتة، أي الحيوان الميت، عجبت قريش من ذلك، واحتجوا قائلين: كيف تعبدون شيئًا لا تأكلون مما قتل، وتأكلون أنتم مما قتلتم؟ وكانوا يقولون ما الذي يموت، وما الذي تذبحون إلا سواء. وذكر "أن ناسًا من المشركين دخلوا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ فقال الله قتلها. قالوا: فتزعم أن ما قتلت أنت
1 اليعقوبي "1/ 240"، "أسواق العرب".
2 اليعقوبي "1/ 240"، "أسواق العرب".
وأصحابك حلال، وما قتله الله حرام! "1. وذكر "أن فارس أوحت إلى أوليائها من مشركي قريش أن خاصموا محمدًا وقولوا له: إن ما ذبحت فهو حلال وما ذبح الله بشمشار من ذهب، فهو حرام. فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء"2. فقد كانت قريش تأكل كل شيء، من ميتة ومختنقة ومن نطيحة وما أكل السبع وما أهل للصنم، فنزل تحريم ذلك في الإسلام.
وذكر أنهم كانوا يقطعون يسيرًا من حلق الشاة ويتركونها حتى تموت، يجعلون عملهم هذا ذكاة لها، وقيل: ذبيحة الشريطة، هي أنهم كانوا يشرطونها من العلة، فإذا ماتت، قالوا: قد ذبحنانها. وذكر أن الشريطة الشاة أثر في حلقها أثر يسير كشرط المحاجم، لا يستقصى في ذبحها، والشريطة أيضًا المشقوقة الأذن من الإبل؛ لأنها شرطت أذانها، وإذا كان التعريف الأول صحيحًا، فإن معنى هذا أنهم كانوا يراعون بعض الأحكام في الذبح، أي أن لهم أحكامًا دينية في كيفية الذبح، وقد نهى الإسلام عن أكل الشريطة3.
واستباح الجاهليون أكل "النطيحة"، وهي المنطوحة التي ماتت من النطح واستباحوا أيضًا أكل الفريسة والأكيلة والرمية4.
وقد كان رجال الدين وسادات القبائل، يحرمون بعض الأشياء على أنفسهم، إذا شعروا بوجود ضرر بها، وبأن في فعلها إلحاق أذى في الإنسان وخدشًا في الاسم. فحرم بعض رجال الجاهلية الخمر على أنفسهم تكرمًا وصيانة لأنفسهم منهم عامر بن الظرب العدواني، وقيس بن عاصم، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معديكرب، وسويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي وغيرهم. لما وجدوا فيها من ضرر على الأبدان، وأثر في العقل. وإضاعة للمال5. وورد في بعض الموارد أن أول من حرم الخمر في الجاهلية "الوليد بن المغيرة"، وقيل: "قيس بن عاصم"، ثم جاء الإسلام بتقريره6.
1 تفسير الطبري "8/ 12 وما بعدها".
2 تفسير الطبري "8/ 13".
3 تاج العروس "5/ 167"، "شرط".
4 تاج العروس "2/ 240"، "نطح".
5 الأمالي، للقالي "1/ 204 وما بعدها".
6 صبح الأعشى "1/ 435".
وذكروا أن أول من حرم القمار في الجاهلية "الأقرع بن حابس" التميمي، ثم جاء الإسلام بتقريره. وأن أول من رجم في الزنا في الجاهلية "ربيعة بن جدان"، ثم جاء الإسلام بتقريره في المحصن. وأول من حكم أن الولد للفراش أكثم بن صيفي، حكيم العرب، ثم جاء الإسلام بتقريره. وأن أول من قطع في السرقة في الجاهلية:"الوليد بن المغيرة"، ثم جاء الإسلام بتقريره. وأن أول من سن الدية مائة من الإبل "عبد المطلب" جد النبي، ثم جاء الإسلام بتقريرها. وأن أول من أوقد النار بالمزدلفة، قصي بن كلاب، وأن أول من أظهر التوحيد بمكة "قس بن ساعدة الإيادي"1.
ولكننا نجدهم يتقيدون بعرفهم وعاداتهم تقيدًا شديدًا، والعرف عندهم هو ما استقر في نفوسهم وثبت في ذهنهم، حتى صار في حكم الدين عندهم، فلا يجوز لأحد الخروج عليه وكسر حكمه. وعرف القبيلة، الذي هو دينها، هو الذي يعين لها الحرام والحلال، والمباح والمحرم. وأحكام رجال القبيلة من رؤساء وسادة وحكام، هي منبع التشريع والإفتاء في أمور الدين والحق في القبيلة. وما يلائم طبيعة القبائل، ويناسب عقليتها وينبع من محيطها. يكون دينًا على القبائل إطاعته؛ لأنه في صالحها جميعًا، ولأن في مخالفته ضررًا بالغًا، فصار من ثم في درجة أحكام الشرع عندها.
ومن قبيل الأعراف التي صارت ملزمة عندهم لكل أحد. وفي حكم الأحكام اللزومية، وجوب احترام العقود والعهود وما اتفق عليه من عهود. مثل مراعاة الأشهر الحرم بالنسبة للمحرمين فلا يجوز لأحد القتال فيها ولا الاعتداء على أحد، ولو كان قاتلًا مطلوبًا بدم. ومثل مراعاة حرمة الأماكن المقدس، كالمسجد الحرام، فلا يجوز لأحد التعرض لحيوان لجأ إليه، أو لإنسان لاذ به، ولو كان قاتلًا. وهذا ما حمل البعض على ملازمة "البيت الحرام" وعدم الخروج منه؛ لأنه غير آمن على نفسه، ولأنه مطلوب بدم.
ومثل ما كان يفعله الناس من التمسك بالعهود والمواثيق والأحلاف. وقد عيب رجلان قتلا رجلين كانا تقلدا لحاء شجر الحرم الذي كان أهل الجاهلية يتقلدونه؛
1 صبح الأعشى "1/ 435 وما بعدها".