الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مضلَ له، ومن يُضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فإنَّ كتبَ شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ((جمعتْ فأوعت: جمعت جميع الفنون النافعة، والعلوم الصحيحة، جمعت علوم الأُصول والفُروع، وعلوم النقل والعقل، وعلوم الأخلاق، والآداب الظاهرة والباطنة، وجمعت بين المقاصد والوسائل، وبين المسائل والدلائل، وبين الأحكام وبيان حِكَمِها وأسرارها، وبين تقرير مذاهب الحق، والرَّد على جميع المُبطلين. وامتازت على جميع الكتُب المُصنَّفة بغزارة علمها، وكثرته وقوته، وجودته وتحقيقه، بحيث يجزم من له اطلاع عليها وعلى غيرها أنه لا يوجد لها نظير يُساويها أو يُقاربها)) (1) ، فهي غزيرة المادة، جزيلة المباحث، سديدة المنهج، سهلة الأسلوب، عذبة الموارد، ناصعة البيان، واضحة التعبير، مشرقة الدلالة، تدرك فوائدها على غير مؤونة، ولا كدِّ ذهن، ولا جهد فكر، من تصفحها وجدها مشبعة الفصول مستوعبة لأطراف الفنون، جامعة لشتيت الفوائد، ومنثور المسائل، قد استوعبت أصول العلوم، وأحاطت بفروعها، واستقصت غرائب مسائلها، وشواذها ونوادرها.
وشيخ الإسلام رحمه الله كان عالم أمته، وإمام عصره وأوحد زمانه، وكان بحر العلم الزاخر، وبدر العلماء الزاهر، وكوكبهم اللامع، ونبراسهم
(1) من مقدمة الشيخ عبد الرحمن السعدي لكتاب ((طريق الوصول إلى العلم المأمول)) .
الساطع، والذي يُرجع إليه في المشكلات، ويُستصبح بضوئه في المعضلات، وتشد إليه الرحال، وتُضرب إليه أكباد الإبل، ويرحل إليه من أطراف البلدان، وإنه رحمه الله لبحر لا يسبر غوره، ولا ينال دركه، منقطع القرين، أعرف الناس بزمانه ورجالاته، وبفرقه ومذاهبه، وكان إذا تكلَّم في فن من الفنون قلت هو أعلم الناس بهذا الفن، وكتبه لا تخلو من علمٍ من العلوم الدينية، بل وأكثر العلوم الدنيوية، وقد طبع أكثرها ولله الحمد في أكثر من مائة مجلد، وفقني الله لقراءة كثير منها وبخاصة مجموع الفتاوى. وقد انتخبت من جملة ما قرأت ما جمعته لك بين يديك وسميته ((المنتخب)) .
والمنتخب والمنتقى والمختار والمستصفى والمستخلص والمجتبى كلها بمعنى واحد، فتقول انتخبته وانتقيته واخترته واصطفيته واستخلصته واجتبيته.
وقد صنف العلماء كتباً كثيرة باسم المنتخب والمنتقى والمختار والمجتبى، ومن ذلك:
1-
((المجتبى من السنن)) للنسائي، وهو ((السنن الصغرى)) .
2-
((المجتبى من المجتنى)) لابن الجوزي.
3-
((المختار في أصول السنة)) لأبي علي الحسن بن البنا الحنبلي.
4-
((المختارة)) للضياء المقدسي.
5-
((المختار من تاريخ ابن الجزري)) للذهبي.
6-
((المنتخب المسند)) لعبد بن حميد.
7-
((المنتخب من زوائد البزار على الكتب الستة ومسند أحمد)) لابن حجر العسقلاني.
8-
((المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور)) لإبراهيم الصريفيني.
9-
((منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال)) لعلاء الدين المتقي الهندي.
10-
((المنتخب من كتاب منهاج المحدثين وسبيل طالبيه المحققين)) لابن حجر العسقلاني.
11-
((المنتقى من منهاج الاعتدال)) للذهبي.
12-
((المنتقى شرح الموطأ)) لأبي الوليد الباجي.
13-
((المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق ومعاليها)) لأبي طاهر السِّلفي.
14-
((المنتقى من مسند المقلين)) لدعلج السجزي.
15-
((المنتقى من السنن المسندة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)) لابن الجارود.
16-
((المنتقى في الأحكام)) لعبد السلام ابن تيمية جد شيخ الإسلام.
وغيرها كثير جداً، وأكثرهم كان يؤلف باسم المنتقى ومن أبرز من برع في الانتخاب والانتقاء شمس الدين الذهبي، فله رحمه الله أكثر من خمس وعشرين كتاباً انتخبها وانتقاها ممن سبقه، عشرون منها بعنوان:((المنتقى)) (1) ، أشهرها ((المنتقى من "منهاج الاعتدال في نقض كلام أهل الرفض والاعتزال" (2)) لابن تيمية، ومن أشهر من قام باختيار وانتخاب مجموعة فوائد ومسائل من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، عالمان جليلان كل واحد منهما كان عالم عصره، الأول: الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب. والثاني: العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي.
(1) راجع كتاب ((الذهبي ومنهجه في كتابه "تاريخ الإسلام")) لبشار عواد معروف، وكتاب ((صفحات في ترجمة الحافظ الذهبي)) لقاسم علي سعد، و ((الحافظ الذهبي مؤرخ الإسلام)) لعبد الستار أبو غدة.
(2)
وهو المطبوع حالياً بعنوان ((منهاج السنة النبوية)) .
عرض مختصر لكتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب والشيخ السعدي، وكتابنا هذا ((المنتخب)) والفرق بينها:
أولاً: كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
قام الشيخ رحمه الله بتلخيص مسائل عدة بلغت خمس وثلاثين ومائة مسألة في مسائل عديدة، في التوحيد بجميع أنواعه، وفي الفقه وأصوله، والتفسير وعلومه، لخصها من غالب كتب شيخ الإسلام (1) ، وقد عُنونت بعنوان ((المسائل التي لخصها الإمام محمد بن عبد الوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية)) ، وقد طبعت ضمن مجموعة مصنفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب قسم ((ملحق المصنفات)) في مائتي صفحة تقريباً، ومن خلال الاطلاع على هذه المسائل لم يظهر لي منهج الشيخ رحمه الله في جمعها، والذي يبدو لي أنه لم تكن له طريقة واحدة أو هدفاً محدداً في التلخيص، إنما هي مسائل عديدة رأى الشيخ أهميتها فحب أن يجمعها في كتاب واحد لينتفع بها الناس، أو ينتفع هو نفسه بها، وكما سبق فقد اشتملت هذه المسائل على كثير من العلوم، وإن كان أبرزها علم التوحيد والعقيدة، وبعض المسائل مما كان مثار جدل في عصر الشيخ، وقد يكون هذا مما دفعه لانتقائها.
ثانياً: كتاب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي:
وعنوانه ((طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد المنوعة والضوابط والأصول)) ؛ ((وهي قواعد وأصول منوَّعة في أصول الدين، وفي أصول الفقه والتفسير والحديث، وفي أصول الأحكام، وفي أصول الأخلاق والمناظرات، والرد على أهل الباطل)) (2) ، وقد بلغت هذه القواعد والأصول أكثر من ثمانمائة، طبعت في ثلاثمائة صفحة تقريباً.
(1) انظر: ((مقدمة المحققين)) لهذه المسائل ضمن مؤلفات الشيخ، ملحق المصنفات (ص 9) .
(2)
من مقدمة المؤلف.
ومنهج الشيخ فيها واضح، فهو قد جمع ما يمكن أن يُعدَّ قاعدة أو ضابطاً أو نحو ذلك، لذا فبعضها لا يتجاوز السطر الواحد بل أقل؛ مثل:
1-
الرجوع عن الدعوى مقبول، والرجوع عن الإقرار غير مقبول.
2-
يلزم الوفاء بالوعد.
3-
الاستدامة أقوى من الابتداء.
وكثير منها أكثر من ذلك، بل قد يصل إلى عدة صفحات مما هو أقرب إلى الفوائد منه إلى الضوابط والقواعد، وإن كانت هذه مصطلحات متقاربة المعنى فكل قاعدة فائدة وكثير من الفوائد قواعد.
ثالثاً: كتاب ((المنتخب من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية)) وهو هذا الكتاب:
وقد انتخبت فيه أكثر من ستين ومائة نخبة؛ من الفوائد والفرائد من أغلب كتب شيخ الإسلام المطبوعة، وأكثرها من ((مجموع الفتاوى)) لا يكاد يوجد منها شيء في الكتابين السابقين إلا اليسير وقد جعلته في خمسة أقسام:
القسم الأول: في التوحيد والعقيدة.
القسم الثاني: في العلم والجهاد والسياسة الشرعية.
القسم الثالث: في الخلاف والإنكار والتحزب المحمود والمذموم، والبدعة والمصالح والمفاسد والإنصاف.
القسم الرابع: مسائل أصولية في الاعتصام بالسنة وترك الابتداع والتقليد والتمذهب وغير ذلك.
القسم الخامس: مسائل متفرقة.
وضابط ما جمعته: [مسائل قد تخفى على طلبة العلم إما علماً أو عملاً، ومسائل مهمة لكل عالم وداعية ومصلح وخاصة في هذا الزمان الذي كثرت فيه الأهواء وتنوعت الفتن، ومسائل متفرقة](1) .
(1) هناك مسائل مهمة في التوحيد والعقيدة، كأقسام التوحيد وإثبات الأسماء والصفات؛ وغيرها كثير جداً لا تجدها في ((المنتخب)) ؛ لأنها من المسائل التي لا تخفى على طالب العلم.
ومن البديهي القول أن هذا الأمر نسبي، فما كان مهماً عند شخص قد لا يكون كذلك عند آخر، لكن حسبي أني اجتهدت في ذلك، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، وإني لمأجور في الحالين إن شاء الله، كما أنه من البديهي القول بأن هناك فوائد جمة في كتب شيخ الإسلام فاتتني وفاتت من سبقني، فهي البحر لا يُسبر غوره، ولا ينال دَرَكُه، وقد كان منهجي في هذا الكتاب كما يلي:
1-
قسمته إلى خمسة أقسام حسبما تقدم ذكره، وتحت كل قسم فصول عنونتها بما يناسب محتواها، وغالباً ما يكون العنوان مُقتبساً من كلام شيخ الإسلام نفسه.
2-
جعلت كلام شيخ الإسلام هو الأصل وكل ما أضفته من تخريج أو تعليق ففي الهامش.
3-
تصرفت في بعض الموضوعات المُطوَّلة بحذف بعض الجمل واضعاً مكانها نقطاً لتدل على موضع الحذف دون أدنى إضافة في الأصل.
4-
أحلت كل نقل إلى موضعه من كتب ابن تيمية مع ذكر الجزء والصفحة.
5-
أحلت الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم.
6-
خرَّجت الأحاديث تخريجاً موجزاً.
أسأل الله عز وجل أن ينتفع بهذا ((المنتخب)) ناخبه وقارئه وأن يكون ضياءً لكل مُصلحٍ يريد الخير لأمته والنفع لنفسه، إنه جواد كريم.
وأخيراً أشكر الأخوة الأفاضل الذين ساعدوني في مقابلة النص، كما أشكر أهل بيتي الذين وفَّروا لي الجو العلمي والوقت الذي أسهم في إخراج هذا الكتاب وغيره من الكتب مقدمين ذلك على متتطلباتهم واحتياجاتهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أبو محمد
علوي بن عبد القادر السقاف
الظهران
* * *