الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكذب والمعاريض
(الكذب على الشخص حرام كله، سواء كان الرجل مسلماً أو كافراً، براً أو فاجراً؛ لكن الافتراء على المؤمن اشد؛ بل الكذب كله حرام.
ولكن تُباح عند الحاجة الشرعية ((المعاريض)) ، وقد تسمى كذباً؛ لأن الكلام يعني به المتكلم معنى، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن على ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب؛ فهذه المعاريض، وهي كذب باعتبار الأفهام؛ وإن لم تكن كذباً باعتبار الغاية السائغة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:((لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلهن في ذات الله: قوله لسارة: أختي، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا} ، وقوله: {إنِّي سَقيمٌ} )) (1) ، وهذه الثلاثة معاريض.
وبها أحتج العلماء على جواز التعريض للمظلوم، وهو أن يعني بكلامه ما يحتمله اللفظ وإن لم يفهمه المخاطَب، ولهذا قال من قال من العلماء: إن ما رخص فيه رسول صلى الله عليه وسلم إنما هو من هذا، كما في حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:((ليس الكاذب بالذي يصلح بين الناس فيقول خيراً أو ينمي خيراً)) (2)، ولم يرخص فيما يقول الناس أنه كذب؛ إلا في ثلاث: في الإصلاح بين الناس، وفي الحرب، وفي الرجل يحدث أمراته. قال: فهذا كله من المعاريض خاصة.
ولهذا نفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم اسم الكذب باعتبار القصد والغاية، كما ثبت
(1) رواه البخاري في (أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: {وَأتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} ، 3358) ، ومسلم في (الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل، 2371) ؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
رواه البخاري في (الصلح، باب ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس، 2692) ، ومسلم في (البر والصلة، باب تحريم الكذب وبيان المباح منه، 2605) ؛ بلفظ: ((ليس الكذاب
…
)) .
عنه أنه قال: ((الحرب خدعة)) (1) ، وأنه كان إذا أراد غزوة ورَّى بغيرها، ومن هذا الباب قول الصديق في سفر الهجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الرجل يهديني السبيل. وقول النبي صلى الله عليه وسلم للكافر السائل له في غزوة بدر: ((نحن من ماء)) (2)، وقوله للرجل الذي حلف على المسلم الذي أراد الكفار أَسْرَه:((إنه أخي)) وعنى أخوة الدين، وفهموا منه أخوة النسب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:((إن كنت لأبرهم وأصدقهم، المسلم أخو المسلم)) (3)(4) .
* * *
(1) رواه البخاري في (الجهاد والسير، باب الحرب خدعة، 3029) ، ومسلم في (الجهاد والسير، باب الخداع في الحرب، 1740) ؛ من حديث أبي هريرة. ورووه من حديث علي وجابر رضي الله عنهما.
(2)
[إسناده ضعيف] . رواه ابن إسحاق بإسناد منقطع من رواية محمد بن يحيى بن حبان، ومن طريقه الطبري في ((التاريخ)) (2 / 436) .
(3)
[صحيح] . رواه أحمد في ((المسند)) (4 / 79) ، وقريباً منه أبو داود في (الأيمان والنذور، باب المعاريض في اليمين، 3256) ، وابن ماجه في (الكفارات، باب من ورَّى في يمينه، 2119) ؛ من حديث سويد بن حنظلة رضي الله عنه. وانظر: ((صحيح الجامع)) (3758) .
(4)
* ((مجموع الفتاوى)) (28/223 - 224) .