الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المضافات إلى الله نوعان: أعيان وصفات
المضافات إلى الله نوعان: أعيان، وصفات:
فالصِّفات إذا أُضيفت إليه؛ كالعلم والقدرة والكلام والحياة والرِّضا والغضب ونحو ذلك دلَّت الإضافة على أنَّها إضافة وصف له قائم به ليست مخلوقة لأنَّ الصِّفة لا تقوم بنفسها؛ فلا بدَّ لها من موصوف تقوم به، فإذا أُضيفت إليه عُلِم أنَّها صفة له، لكن قد يعبَّر باسم الصِّفة عن المفعول بها؛ فيسمَّى المقدور قدرة والمخلوق بالكلمة كلاماً والمعلوم علماً والمرحوم به رحمة؛ كقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الله خلق الرَّحمة يوم خلقها مئة رحمة
…
)) (1)، ويُقال للمطر والسَّحاب: هذه قدرة قادر وهذه قدرة عظيمة، ويُقال في الدُّعاء: غفر الله لك علمه فيك؛ أي: معلومه.
وأما الأعيان إذا أُضيفت إلى الله تعالى؛ فإمَّا أن تُضاف بالجهة العامَّة التي يشترك فيها المخلوق، مثل كونها مخلوقة ومملوكة له ومقدورة ونحو ذلك؛ فهذه إضافة عامَّة مشتركة؛ كقوله:{هذا خَلْقُ اللهِ} (2) ، وقد يضاف لمعنى يختصُّ بها يميَّز به المضاف عن غيره، مثل: بيت الله، وناقة الله، وعبد الله، وروح الله؛ فمن المعلوم اختصاص ناقة صالح بما تميَّزت به عن سائر النياق، وكذلك اختصاص الكعبة، واختصاص العبد الصالح الذي عبد الله وأطاع أمره، وكذلك الرُّوح المقدَّسة التي امتازت بما فارقت به غيرها من الأرواح؛ فإنَّ المخلوقات اشتركت في كونها مخلوقة مملوكة مربوبة لله يجري عليها حكمه وقضاؤه وقدره، وهذه الإضافة لا اختصاص فيها ولا فضيلة للمضاف على غيره، وامتاز بعضها بأنَّ الله يحبُّه ويرضاه ويصطفيه
(1) رواه البخاري في (الرقاق، باب الرجاء مع الخوف، 6469، 7 / 183) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
لقمان: 11.
ويقرِّبه إليه ويأمر به أو يعظِّمه ويحبُّه؛ فهذه الإضافة يختصُّ بها بعض المخلوقات؛ كإضافة البيت والناقة والرُّوح وعباد الله من هذا الباب
…
وهذا الأصل الذي ذكرناه من الفرق فيما يضاف إلى الله بين صفاته وبين مملوكاته أصل عظيم ضلَّ فيه كثير من أهل الأرض من أهل الملل كلِّهم؛ فإنَّ كتب الأنبياء (التَّوراة، والإنجيل، والقرآن، وغيرها) أضافت إلى الله أشياء على هذا الوجه وأشياء على هذا الوجه، فاختلف النَّاس في هذه الإضافة:
فقالت المعطِّلة نفاة الصِّفات من أهل الملل: إنَّ الجميع إضافة ملك، وليس لله حياة قائمة به، ولا علم قائم به، ولا قدرة قائمة به، ولا كلام قائم به، ولا حبٌّ ولا بغض، ولا غضب ولا رضى، بل جميع ذلك مخلوق من مخلوقاته، وهذا أوَّل ما ابتدعته في الإسلام الجهميَّة، وإنَّما ابتدعوه بعد انقراض عصر الصَّحابة وأكابر التَّابعين لهم بإحسان
…
وقالت الحلوليَّة: بل ما يضاف إلى الله قد يكون هو صفة له وإن كان بائناً عنه. بل قالوا: هو قديم أزليٌّ؛ فقالوا: روح الله قديمة أزليَّة صفة لله، حتى قال كثير منهم: إنَّ أرواح بني آدم قديمة أزليَّة وصفة لله، وقالوا: إن ما يسمعه الناس من أصوات القرَّاء ومداد المصاحف قديم أزليٌّ وهو صفة لله. وقال حذَّاق هؤلاء: بل غضبه ورضاه وحبُّه وبغضه وإرادته لما يخلقه قديم أزليٌّ، وهو صفة الله وكلامه الذي سمعه موسى قديم أزليٌّ، وأنَّه لم يزل راضياً محبّاً لمن علم أنَّه يطيعه قبل أن يُخلق، ولم يزل غضباناً ساخطاً على من علم أنَّه يكفر قبل أن يُخلق، ولم يزل ولا يزال قائلاً: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم؛ قبل أن يوجَدوا وبعد موتهم، ولم يزل ولا يزال يقول: يا معشر الجنِّ والإنس قبل أن يُخلقوا وبعد ما يدخلون الجنَّة والنَّار.
وأمَّا سلف المسلمين من الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسان، وأئمَّة
المسلمين المشهورون بالإمامة فيهم كالأربعة وغيرهم، وأهل العلم بالكتاب والسُّنَّة؛ فيفرِّقون بين مملوكاته وبين صفاته؛ فيعلمون أنَّ العباد مخلوقون، وصفات العباد مخلوقة، وأجسادهم، وأرواحهم، وكلامهم، وأصواتهم بالكتب الإلهية وغيرها، ومدادهم، وأوراقهم، والملائكة، والأنبياء وغيرها، ويعلمون أنَّ صفات الله القائمة به ليست مخلوقة؛ كعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحياته، وسمعه، وبصره، ورضاه، وغضبه، وحبِّه، وبغضه، بل هو موصوف بما وصف به نفسه وبما وصفته به رسله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ووصفه به رسله، ولا يحرفون الكَلِم عن مواضعه، ولا يتأوَّلون كلام الله بغير ما أراده، ولا يمثِّلون صفات الخالق بصفات المخلوق؛ بل يعلمون أنَّ الله سبحانه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله؛ بل هو موصوف بصفات الكمال، منزَّه عن النَّقائص، وليس له مِثْل في شيء من صفاته، ويقولون: إنَّه لم يزل ولا يزال موصوفاً بصفات الكمال، لم يزل متكلِّماً إذا شاء بمشيئته وقدرته، ولم يزل عالماً، ولم يزل قادراً، ولم يزل حيّاً سمعياً بصيراً، ولم يزل مريداً؛ فكلُّ كمال لا نقص فيه يمكن اتِّصافه به فهو موصوف به، لم يزل ولا يزال متَّصفاً بصفات الكمال منعوتاً بنعوت الجلال والإكرام سبحانه وتعالى (1) .
* * *
(1) * ((الجواب الصحيح)) (2 / 158 - 164) .
الصِّفات لها ثلات اعتبارات
مطلقة أو مضافة للعبد أو مضافة للرب
(الصِّفات لها ثلاث اعتبارات: تارة تعتبر مضافة إلى الربِّ، وتارة تعتبر مضافة إلى العبد، وتارة تعتبر مطلقة لا تختصُّ بالربِّ ولا بالعبد، فإذا قال العبد: حياة الله وعلم الله وقدرة الله وكلام الله ونحو ذلك؛ فهذا كلُّه غير مخلوق ولا يماثل صفات المخلوقين، وإذا قال: علم العبد وقدرة العبد وكلام العبد؛ فهذا كلُّه مخلوق ولا يماثل صفات الربِّ، وإذا قال: العلم والقدرة والكلام؛ فهذا مجمل مطلق لا يقال عليه كلُّه أنَّه مخلوق ولا أنَّه غير مخلوق؛ بل ما اتَّصف به الربُّ من ذلك فهو غير مخلوق، وما اتَّصف به العبد من ذلك فهو مخلوق؛ فالصِّفة تتبع الموصوف، فإن كان الموصوف هو الخالق؛ فصفاته غير مخلوقة، وإن كان الموصوف هو العبد المخلوق؛ فصفاته مخلوقة)(1) .
* * *
(1) * ((مجموع الفتاوى)) (12 / 66) .